فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الروض المربعالبهوتي

(ولمن في أعلى الماء المباح) كماء مطر (السقي وحبس الماء إلى أن يصل إلى كعبه ثم يرسله إلى من يليه) فيفعل كذلك وهلم جرا،

١٬٦٤٠

فإن لم يفضل عن الأول أو من بعده شيء فلا شيء للآخر؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر» متفق عليه، وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: نظرنا إلى قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر» فكان ذلك إلى الكعبين،

١٬٦٤١

فإن كان الماء مملوكا قسم بين الملاك بقدر النفقة والعمل، وتصرف كل واحد في حصته بما شاء.

حاشية الروض المربعابن قاسم، حاشية على الروض المربع

احبس الماء حتى يصل إلى الجدر» متفق عليه وكان الزبير رضي الله عنه تخاصم مع رجل من الأنصار في شراج الحرة التي يسقون بها النخل إذا سالت من ماء المطر، وكان يمر بأرض الزبير، فيحبسه لإكمال سقي أرضه، وطلب الأنصاري تعجيل إرساله، فقال «اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك» فغضب الأنصاري فقال «اسق يا زبير، ثم احبس الماء» أي على أرضك «حتى يصل» أي الماء «إلى الجدر» أي جدران الشربات التي في أصول النخل، والمعنى حتى يبلغ تمام الشرب.

حتى يصل إلى الجدر» فكان ذلك إلى الكعبين وذلك لما علم السلف أن الجدر يختلف بالطول والقصر، قاسوا ما وقعت فيه القصة، فوجدوه يبلغ الكعبين، فجعلوا ذلك معيارًا لاستحقاق الأول فالأول. ولأبي داود وغيره من حديث عمرو بن شعيب أنه صلى الله عليه وسلم «قضى في سيل مهزور» واد بالمدينة مشهور «أن يمسك الأعلى حتى يبلغ السيل الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل» وغيره مما يدل على أن الأعلى تستحق أرضه الشرب، ويمسك إلى الكعبين، ثم يرسله إلى من يليه،

٥٬٤٣٢

وقال الموفق وغيره: لا نعلم فيه خلافًا.

والعمل وتصرف كل واحد في حصته بما شاء لانفراده بملكه، فله أن يسقي به ما شاء من الأرض، سواء كان لها رسم شرب من هذا الماء أو لا، وله أن يعطيه من يسقي به، وله عمل رحى عليه ونحوه.

الشرح الممتع على زاد المستقنعابن عثيمين

«ولمن في أعلى الماء المباح السقي وحبس الماء إلى أن يصل إلى كعبه»«لمن» خبر مقدم، و «السقي» مبتدأ مؤخر، و «الماء المباح» يراد به ما ليس بمملوك؛ لأن الماء نوعان: نوع مملوك، ونوع مباح. فالأنهار التي يجريها الله عز وجل مباحة، والأودية التي يأتي بها المطر مباحة، والبئر التي حفرها قوم واشتركوا فيها هذه مملوكة.

والماء المملوك يكون توزيعه على حسب الملك؛ لأنهم مشتركون، ولا مزية لواحد على الآخر، فمثلاً إذا كان لأحدهما النصف والثاني النصف، وزع الماء بينهما نصفين،

١٥٬٠٥٢

وإذا كان لأحدهما الربع والثاني ثلاثة أرباع، فيوزع ربعاً وثلاثة أرباع على حسب الحال.

وكيفية التوزيع ـ أيضاً ـ تختلف،

١٥٬٠٥٣

إما أن يكون الساقي واحداً ثم يوضع خروق موزِّعة، فمثلاً إذا كانوا نصفاً ونصفاً فإننا نحتاج إلى اثنين،

١٥٬٠٥٤

وإذا كان ثلاثة أرباع وربعاً فإننا نحتاج إلى أربعة، فتوزع بحسب الحال.

١٥٬٠٥٥

أما إذا كان مباحاً فيقول المؤلف:«ولمن في أعلى الماء المباح السقي وحبس الماء إلى أن يصل إلى كعبه»«السقي» يعني أن يسقي زرعه، أو نخله، إلى أن يصل إلى الكعب، ومعلوم أن الأرض ليست متساوية من كل وجه، ربما يصل إلى الكعب في جانب ويصل إلى نصف الساق في جانب آخر، فالعبرة بالمتوسط، وإلا فمن المعلوم أنه لو كانت بعض الأرض نازلة متراً أو أكثر لاستوعبت ماءً كثيراً قبل أن يصل إلى الكعب في العالي، لكن العبرة بالمتوسط. «ثم يرسله إلى من يليه» يعني بعد ما يسقي حتى يصل إلى الكعب يرسله إلى من يليه، إلا إذا كان الأعلى أتى أخيراً فإنه يقدم الأسفل.

مثال ذلك: هذا الوادي زرع فيه إنسان، وصار يسقي زرعه منه، ثم جاء إنسان وتقدم إلى أعلى الوادي، فلا نعطي المتقدم؛ لأن الأول أحق لسبقه، لكن إذا قدرنا أنهم أحيوا جميعاً، أو أننا لا نعلم مَنْ المتقدم فإنه يقدم الأعلى، ودليل ذلك ما جاء في الحديث الصحيح من تشاجر الأنصاري والزبير بن العوام رضي الله عنهما في شِراج الحرة، حيث ينزل هذا الشراج إلى الحائطين جميعاً، فكان الزبير رضي الله عنه يسقي ثم يرسل إلى جاره من غير تقدير، فقال الجار: لا، لا بد أن يكون السقي بالسوية، بمعنى أنك إذا سقيت زرعك وكان الماء لا يكفي إلا زرعك فلا بد أن تجعل لي نصيباً منه، فتخاصما إلى النبي ﷺ فقضى للزبير؛

لأنه أحق، وقال له: اسق ثم أرسل إلى جارك، وأطلق، وهذا يحصل بأقل ما يسمى سقياً، ولكن الأنصاري أخذته الحمية وقال: أن كان ابن عمتك يا رسول الله؟! ـ عفا الله عنه ـ يعني كأنه ظن أن الرسول ﷺ راعى القرابة، وصلة القرابة واجبة فأراد عليه الصلاة والسلام أن يقدم قرابته؛ لأن صلة القرابة واجبة، فظن رضي الله عنه وعفا عنه ـ أن الرسول ﷺ راعى هذا وحكم للزبير، ويبعد جداً أن يكون الأنصاري أشار إلى حيف الرسول ﷺ لكن لفظه يحتمله ولا شك، ولكن علينا أن نحسن الظن به،

١٥٬٠٥٦

وأن نقول: إنه ظن أن الرسول ﷺ أمر الزبير أن يسقي؛ لأنه كان من قرابته وكان هذا من صلة الرحم، فاحتفظ النبي ﷺ للزبير بحقه فقال: «اسق حتى يصل إلى الجَدْر، ثم أرسله إلى جارك» والجدر هي التي نسميها نحن الغلالي، أو الغلة، وهي التي تفصل بين الحياض، فقيس هذا الجدر، فوصل إلى الكعب، فاعتبر العلماء رحمهم الله ذلك بالكعب؛ لأن الجدر ـ أيضاً ـ يختلف، فقد يكون بعض الناس يكبِّر الجدر، وبعضهم يصغِّره فكان الكعب هو الميزان، فيحبس إلى أن يصل إلى الكعب ثم يرسله إلى جاره، ومعلوم أن وصول الماء إلى الكعب أكثر من أن يكون مجرد سقي؛

لأن مجرد السقي قد يكون بنصف هذه المسافة، وهذا هو الذي أمر به الرسول ﷺ أولاً، لكن الأنصاري رضي الله عنه لما قال هذا احتفظ النبي ﷺ للزبير رضي الله عنه بحقه وقال:«اسق حتى يصل إلى الجدر».

١٥٬٠٥٧

وإذا أرسله إلى من يليه وكانوا ثلاثة أو أربعة، فالثاني يسقي إلى الكعب،

١٥٬٠٥٨

والثالث إلى الكعب، والرابع إلى الكعب،

١٥٬٠٥٩

وإن لم يبق له شيء بأن كان الماء قليلاً فليس له شيء.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.