ولا يستوفى في النفس إلا بضرب العنق بسيف ولو كان الجاني قتله بغيره.
الشروح عليها
(ولا يستوفى) القصاص (في النفس إلا بضرب العنق بسيف ولو كان الجاني قتله بغيره) لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا قود إلا بالسيف» رواه ابن ماجه، ولا يستوفى من طرف إلا بسكين ونحوها لئلا يحيف.
[
لا زيادة له على هذه المسألة.
والسلام «لا قود إلا بالسيف» رواه ابن ماجه والدارقطني، والبيهقي، وكان المعهود في القتل ضرب العنق، يقول أحدهم: دعني أضرب عنقه، وعن أحمد أنه قال: إن الأصل أن يفعل به كما فعل، يعني أن للمستوفي، أن يقطع أطرافه ثم يقتله،
وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة واختاره الشيخ وغيره لقوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ}
والنبي صلى الله عليه وسلم أمر برض رأس يهودي، لرضه رأس جارية من الأنصار، قال الترمذي، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، من جواز القود بمثل ما قتل به، وهو مذهب الجمهور، إذا كان مما يجوز فعله، لا بنحو إيجاره الخمر، واللواط، ولأن القصاص موضوع على المماثلة، ولفظه مشعر به، فيجب أن يستوفى منه مثل ما فعل.
ونحوها لئلا يحيف . باب العفو عن القصاص العفو: المحو والتجاوز والإسقاط، وكان القصاص حتما على اليهود، ومحرم عليهم العفو والدية، وكانت الدية حتما على النصارى، وحرام عليهم القصاص، فخيرت هذه الأمة تخفيفا ورحمة، والأصل في العفو، الكتاب والسنة والإجماع.
«ولا يستوفى في النفس إلاّ بضرب العنق» دون غيره،
فلو ضربه من وسطه فإنه لا يمكّن من ذلك،
وكذلك لو ضربه على هامته فلا يمكّن، بل لا بد من ضرب العنق؛ لأنه مجمع العروق، وأريح للمقتول. «بسيف» أي: لا بغيره، فلا بد من السيف؛ لأنه أمضى ما يكون من الآلات التي يقتل بها. «ولو كان الجاني قتله بغيره» أي: بغير السيف، يعني لو أن الجاني قتله بالرصاص فلا نقتل الجاني بالرصاص، بل نقتله بالسيف،
ولو قتله بحجر فلا نقتله بحجر، بل نقتله بالسيف،
ولو قتله بصعق كهربائي فلا نقتله بذلك، بل نقتله بالسيف،
ولو قتله بالعين أو بالسحر، فلا نقتله بذلك، بل بالسيف،
ولو قتله بالسم، فلا نقتله بذلك، بل نقتله بالسيف.
وقوله:«ولو» إشارة خلاف، والخلاف في هذه المسألة أنه يقتل الجاني بمثل ما قتل به؛ لعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ، وتمام القصاص أن يفعل بالجاني كما فعل؛ لأنه من القص وهو تتبع الأثر،
ولقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ، ولقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ، ولقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ، وما أشبه ذلك من الآيات، ولأن النبي ﷺ رضَّ رأس الرجل اليهودي بين حجرين؛ لأنه قتل الجارية الأنصارية برض رأسها بين حجرين ، وهذا دليل خاص، والآيات التي سقناها أدلة عامة، فهذه أدلة من الكتاب والسنة،
ومن النظر أيضاً نقول: كيف يمثل هذا الجاني بالمقتول، ويقتله بأبشع قتلة ويمزقه تمزيقاً، ثم نقول له: سنضربك بالسيف؟! فهذا ليس بعدل، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ ، إلاّ إذا قتله بوسيلة محرّمة فإننا لا نقتله بها، مثل أن يقتله باللواط والعياذ بالله، أو بالسحر، أو أن يقتله بإسقاء الخمر حتى يموت فإنه لا يفعل به كذلك.
وقال بعضهم: بل يفعل به ولو كان محرماً، لكننا لا نفعل المحرَّم، فمثلاً لو قتله باللواط وما أشبه ذلك فإننا ندخل في دبره خشبة حتى يموت، وعلى كل حال هذه الصور النادرة يمكن أن تستثنى،
أما إذا رض رأسه بين حجرين، أو ذبحه بسكين كالَّة، أو بالصعق الكهربائي، أو أحرقه بالنار،
فإن الصواب ـ ولا شك ـ أن يفعل به كما فعل.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.