وتكون في الصبح من طوال المفصل ق وفي المغرب من قصاره وفي الباقي من أوساطه
الشروح عليها
(تكون) السورة (في) صلاة (الصبح من طوال المفصل) بكسر الطاء وأوله (ق) ولا يكره لعذر كمرض وسفر بقصاره،
ولا يكره بطواله (و) تكون (في) صلاة (المغرب من قصاره) ،
ولا يكره بطواله (و) تكون السورة (في الباقي) من الصلوات كالظهرين والعشاء (من أوساطه) ،
ويحرم تنكيس الكلمات وتبطل به،
ويكره تنكيس السور والآيات، ولا تكره ملازمة سورة مع اعتقاد جواز غيرها.
(في) صلاة (الصبح من طوال المفصل) بكسر الطاء لا غير ويقال: طياله جمع طويل وطويلة،
وأما بضمها فالرجل الطويل وبفتحها المدة، والمفصل اسم مفعول من: فصلت الشيء جعلته فصولا متمايزة ومنه سمي حزب المفصل، لفصل بعضه عن بعض، أو لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة، أو لإحكامه، وقلة المنسوخ فيه، وهو الحزب السابع من القرآن.
صلاة (المغرب من قصاره) . ولا يكره بطواله أي طوال المفصل إن لم يكن عذرًا يقتضي التخفيف، بل يسن، لأنه ثبت أنه عليه الصلاة والسلام قرأ في المغرب بالأعراف، وقرأ بالطور، وقرأ بالمرسلات فهديه أن لا يقتصر على قصاره، والمداومة عليه خلاف السنة، وهو فعل مروان، وأنكره عليه زيد بن ثابت،
ولو كانت المواظبة على القراءة بقصار المفصل في المغرب محض السنة لما حسن من هذه الصحابي الجليل إنكارها،
ولو كان الأمر كذلك، لما سكت مروان في مقام الإنكار عليه، والحق أن القراءة في المغرب بطوال المفصل، وقصاره، وسائر السور سنة، قال ابن عبد البر: روي أنه قال فيها بـ (المص) وبالصافات، والدخان، وسبح، والتين، وبالمرسلات، وكان يقرأ فيها بقصار المفصل، قال: وكلها آثار صحاح ومشهورة.
(في الباقي) من الصلوات كالظهرين والعشاء (من أوساطه) جمع وسط بتحريك السين، بين القصار والطوال، والوسط اسم لما بين طرفي الشيء، وتقدم أنه من (عم) إلى (الضحى) وفي صحيح مسلم من حديث جابر: كان يقرأ في الظهر بـ (والليل إذا يغشى) وفي العصر نحو ذلك،
وفي الصبح أطول من ذلك، وقصة معاذ في العشاء «يكفيك أن تقرأ بـ {الشمس وضحاها} و (الضحى) (والليل إذا يغشى) و (سبح اسم ربك الأعلى) »
كالظهرين والعشاء (من أوساطه) . ويحرم تنكيس الكلمات إجماعا للإخلال بنظمه.
(من أوساطه) . ويحرم تنكيس الكلمات وتبطل به وفاقًا، لأنه يصير بإخلال نظمه كلاما أجنبيًّا يبطل الصلاة عمده وسهوه.
ولا تكره ملازمة سورة، مع اعتقاد جواز غيرها ومع اعتقاد صحة الصلاة بغيرها، يعني بعد الفاتحة في الأوليين، لما في الصحيح أن رجلا من الأنصار كان يؤمهم فكان يقرأ قبل كل سورة {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} ثم يقرأ سورة أخرى معها،
وفي لفظ يختم بها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما يحملك على لزوم هذه السورة، فقال: إني أحبها، فقال: «حبك إياها أدخلك الجنة» ،
فإن لم يعتقد جواز غيرها، أو صحة الصلاة بغيرها حرم اعتقاده لفساده.
«تكون في الصبح من طِوال المفصل» أي: تكون السُّورة في صلاة الصُّبح من طِوال المُفصَّلِ بكسر الطاء، ولا يقال: طُوال؛ لأن طُوال صفة للرَّجُل الطويل،
وأما طِوال بالكسر فهي جمع طويلة، أي: سُورة من السُّور الطِوال مِن المفصل.
والمُفصَّل ثلاثة أقسام، كما يدلُّ عليه كلام المؤلِّف: منه طِوال، ومنه قِصار، ومنه وسط.
فمِن ﴿ق﴾ إلى ﴿عَمَّ﴾ هذا هو الطِوال.
ومِن ﴿عَمَّ﴾ إلى ﴿الضُّحَى﴾ أوساط.
ومُن ﴿الضُّحَى﴾ إلى آخره قِصار.
وسُمِّيَ مُفصَّلاً لكثرة فواصله؛ لأن سُورَهُ قصيرةٌ.
فمن ﴿ق﴾ إلى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ *﴾ أربعة أجزاء وشيء، يساوي البقرة وآل عمران، ورُبعاً مِن النساء، ويزيد شيئاً قليلاً، وإنما شُرع أن تكون في الصُّبح مِن طِوال المُفصَّل؛ لأن الله عز وجل نصَّ على القرآن في صلاة الفجر فقال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا *﴾ [الإسراء] فَعبَّرَ عن الصَّلاةِ بالقرآن إشارةً إلى أنَّه ينبغي أن يكون القرآن مستوعِباً لأكثرها، وهو كذلك ، ولهذا بقيت صلاةُ الصُّبح على ركعتين لم تُزَدْ، بينما الظُّهر والعصر والعشاء زِيدت.
وَفِي المَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ، وَفِي الْبَاقِي مِنْ أَوْسَاطِهِ، ........ «وفي المغرب من قصاره»، أي: من قِصار المفصَّل، يعني: من الضُّحى إلى آخره . «وفي الباقي من أوساطه» أي: من ﴿عَمَّ﴾ إلى ﴿الضحى﴾ ودليل ذلك السُّنَّة الواردة عن النبيِّ ﷺ؛
فإن الغالب مِن فِعْلِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام هو هذا .
لكنه أحياناً يقرأ في الفجر مِن القِصَار،
وفي المغرب من الطِوال، فمرَّة صَلَّى الفجرَ بـ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ قرأها في الرَّكعتين ، ومرَّة قرأ في المغرب بسُورة ﴿الأَعْرَافِ﴾ ، وقرأ بسورة ﴿الْطُّورَ﴾ ، وقرأ ﴿بالمرسلات﴾ ، وكلُّ هذا من أطول ما يكون من السُّور، فدلَّ ذلك على أنه ينبغي للإِمام أن يكون غالباً على ما ذَكَرَ المؤلِّفُ، ولكن لا بأس أن يطيل في بعض الأحيان في المغرب، ويُقَصِّرَ في الفجر.
وقوله:«وفي الباقي من أوساطه» الدليل على ذلك: أن النَّبيَّ ﷺ أرشد معاذَ بنَ جَبَلٍ أن يقرأ في صلاة العشاء بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى *﴾، و ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا *﴾ ونحوها فدلَّ هذا على أن هذا هو الأفضل.
وهنا سؤال: هل يجوز أن يقرأَ الإِنسانُ بالسُّورةِ في الرَّكعتينِ بمعنى أنْ يكرِّرها مرَّتين؟
الجواب: نعم، ولا بأس بذلك، والدَّليلُ فِعْلُ النبيِّ عليه الصلاة والسلام أنه قرأ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ في الرَّكعتين جميعاً كرَّرها .
لكن؛ قد يقول قائل: لعلَّ النبيَّ ﷺ نَسِيَ؛ لأنَّ مِن عادته أنه لا يُكرِّر السُّورة.
والجواب عن هذا: أن يُقال: احتمالُ النسيانِ وارد، ولكن احتمال التشريع ـ أي: أن النبيَّ ﷺ كرَّرها تشريعاً للأمة ليبيِّن أن ذلك جائز ـ يُرجَّح على احتمالِ النسيان؛ لأنَّ الأصلَ في فِعْلِ الرسول عليه الصلاة والسلام التشريعُ، وأنه لو كان ناسياً لَنُبِّهَ عليه، وهذا الأخيرُ ـ أي: أنَّ ذلك مِن باب التشريع ـ أحوطُ وأقربُ إلى الصَّوابِ.
تتمة: في تنكيس السُّور، والآيات، والكلمات، والحروف.
أما تنكيس الحروف؛ بمعنى: أن تكون الكلمة مشتملة على ثلاثة أحرف؛ فيبدؤها الإِنسان مِن آخرها مثلاً، فهذا لا شكَّ في تحريمه،
وأنَّ الصَّلاةَ تبطلُ به؛ لأنه أخرج القرآنَ عن الوجه الذي تكلَّم الله به، كما أن الغالب أنَّ المعنى يختلفُ اختلافاً كبيراً.
وأما تنكيس الكلمات؛ أي: يبدأ بكلمة قبل الأُخرى، مثل: أن يقول: الحمد لربِّ العالمين، الله الرحمن الرحيم. فهذا أيضاً محرَّم بلا شكٍّ؛ لأنه إخراجٌ لكلامِ الله عن الوجه الذي تكلَّم اللَّهُ به. وتبطلُ به الصَّلاةُ.
وأما تنكيس الآيات أيضاً؛ فمحرَّم على القول الرَّاجح؛ لأن ترتيب الآيات توقيفي، ومعنى توقيفي: أنه يُتوقَّفُ فيه على ما وَرَدَ به الشَّرعُ. ولهذا تَجِدُ أحياناً بعضَ الآيات بين آيات لا يَظهرُ لك تَعَلُّقُها بها، أو مقدَّماً على ما سَبَقَه في النُّزول مما يدلُّ على أن الأمر توقيفي مثل: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَِزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ الآية .
الأولى: سابقة بالقراءة.
والثانية: أسبق نزولاً،
ولو كان التَّرتيبُ غيرَ توقيفي؛ لكان على حسب النُّزولِ.
ومثال الأول: قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ *فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ *﴾ [البقرة] الآية فإنَّ هاتين الآيتين كانتا بين آيات المعتدات، وهذا دليلٌ على أنَّ ترتيب الآيات توقيفي.
وأما تنكيس السُّور؛ فيُكره، وقيل: يجوز.
أما الذين قالوا بالجواز فاستدلُّوا: بحديث حذيفة بن اليمان الذي في «صحيح مسلم» أن النبيَّ ﷺ قامَ مِن اللَّيلِ فقرأَ بسورةِ البقرةِ، ثم بالنِّساءِ، ثم آل عمران ، وهذا على غير التَّرتيبِ المعروف، قالوا: وفِعْلُ النبيِّ ﷺ دليلٌ على الجواز.
وأما الذين قالوا بالكراهة، فقالوا: إنَّ الصَّحابةَ رضي الله عنهم وَضَعُوا المُصحفَ الإِمام ـ الذي يكادون يجمعون عليه ـ في عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وَضَعوه على هذا التَّرتيب ، فلا ينبغي الخروجُ عن إجماعهم، أو عمَّا يكون كالإِجماع منهم؛ لأنَّهم سلفُنا وقدوتُنا، وهو من سُنَّة الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد أُمِرْنَا باتِّباعِه. ولأنه قد يكون فيه تشويشٌ على العامة، وتَنَقُّصٌ لكلام الله عز وجل إذا رأوا أنَّ النَّاسَ يقدِّمون، ويؤخِّرون فيه.
ولكن؛ القول بالكراهة قولٌ وسطٌ، فيقال: إنَّ الصحابةَ لم يجمعوا على هذا الترتيب،
فإن في مصاحف بعضِهم ما يخالف هذا التَّرتيب كمصحف ابن مسعود رضي الله عنه،
وأما قراءة النبيِّ عليه الصلاة والسلام في حديث حذيفة «النساء» قبل «آل عمران» فهذا ـ لعلَّه ـ قبل العرضة الأخيرة؛ لأنَّ جبريلَ كان يُعارِضُ النَّبيَّ ﷺ القرآن في كُلِّ رمضان ، فيكون ما اتَّفق عليه الصحابةُ أو ما كادوا يتَّفقون عليه هو الذي استقرَّ عليه الأمر، ولا سيما وأنَّ رسولَ الله ﷺ كان يقرُنُ بين البقرة وآل عمران ، مما يدلُّ على أنهما قرينتان، فيكون تقديمه للنساء في حديث حذيفة قبل الترتيب الأخير.
والحق: أن الترتيب بين السُّور منه توقيفي، ومنه اجتهادي، فما وَرَدَتْ به السُّنَّةُ كالترتيب بين «الجُمعة» و «المنافقين»، وبين «سَبِّحِ» و «الغاشية» فهو على سبيل التوقيف؛ فالنبيُّ عليه الصلاة والسلام قرأَ «الجمعة» قبل «المنافقين».
وقرأ «سَبِّح» قبل «الغاشية» فهذا على سبيل الترتيب التوقيفي، وما لم تَرِدْ به السُّنَّةُ فهو اجتهادٌ من الصَّحابةِ، والغالب أنَّ الاجتهادَ، إذا كان معه الأكثر أقربُ للصَّوابِ.
وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِقِرَاءَةٍ خَارِجَةٍ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ ..........
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.