وإن تغير طعمه أو لونه أو ريحه بطبخ أو ساقط فيه أو رفع بقليله حدث أو غمس فيه يد قائم من نوم ليل "ناقض لوضوء" أو كان آخر غسلة زالت النجاسة بها فطاهر.
الشروح عليها
وقد أشار إليه بقوله: (وإن تغير لونه أو طعمه أو ريحه) أو كثير من صفة من تلك الصفات لا يسير منها (بطبخ) طاهر فيه (أو) بطاهر من غير جنس الماء لا يشق صونه عنه (ساقط فيه) كزعفران لا تراب ولو قصدا ولا ما لا يمازجه مما تقدم فطاهر؛ لأنه ليس بماء مطلق (أو رفع بقليله حدث) مكلف أو صغير فطاهر لحديث أبي هريرة «لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جنب» رواه مسلم.
وعلم منه أن المستعمل في الوضوء والغسل المستحبين طهور كما تقدم،
وأن المستعمل في رفع الحدث إذا كان كثيرا طهور لكن يكره الغسل في الماء الراكد، ولا يضر اغتراف المتوضئ لمشقة تكرره،
بخلاف من عليه حدث أكبر،
فإن نوى وانغمس هو أو بعضه في قليل لم يرتفع حدثه وصار الماء مستعملا، ويصير الماء مستعملا في الطهارتين بانفصاله لا قبله ما دام مترددا على الأعضاء (أو غمس فيه) أي في الماء القليل كل (يد) مسلم مكلف (قائم من نوم ليل ناقض لوضوء) قبل غسلها ثلاثا فطاهر نوى الغسل بذلك الغمس أو لا،
وكذا إذا حصل الماء في كلها ولو باتت مكتوفة أو في جراب ونحوه، لحديث:«إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» رواه مسلم ولا أثر لغمس يد كافر وصغير ومجنون، وقائم من نوم نهار أو ليل إذا كان نومه يسيرا لا ينقض الوضوء. والمراد باليد هنا إلى الكوع. ويستعمل هذا الماء إن لم يوجد غيره ثم يتيمم
وكذا ما غسل به الذكر والأنثيان لخروج مذي دونه؛ لأنه في معناه،
وأما ما غسل به المذي فعلى ما يأتي (أو كان آخر غسلة زالت النجاسة بها) وانفصل غير متغير (فطاهر) لأن المنفصل بعض المتصل والمتصل طاهر. النوع الثالث - النجس،
من صفة من تلك الصفات لا يسير منها أي لا يسير صفة من صفاته: وهي اللون والطعم والريح،
ولو كان الكثير في غير الرائحة قال الشارح: ولم يفرق الأصحاب بينها، واشترط الخرقي الكثرة في الرائحة لسرعة سرايتها، وكونها تحصل عن مجاورة أو مخالطة، فاعتبرت الكثرة، ليعلم أنها عن مخالطة اهـ، وعلم من ذلك أنه إن كان التغير اليسير من صفات الثلاث: أثر،
وكذا الكثير من صفة، وإن كان اليسير من صفتين أو ثلاث لا يعدل الكثير من صفة: اغتفر فإن زال تغيره عادت طهوريته،
فإن تغير بعضه فما لم يتغير طهور.
الصفات لا يسير منها . (بطبخ) طاهر فيه أي في الماء كالباقلا والحمص فغير أحد الأوصاف الثلاثة.
الماء لا يشق صونه عنه (ساقط فيه) كزعفران ولبن وعسل ونحوها من الطاهرات والزعفران نبات له أصل كالبصل وزهره أحمر والزعفران الشعري خيوط نبات، يلتف بعضها على بعض كالشعر.
أحدكم في الماء الدائم وهو جنب) رواه مسلم اختلف في تعليله فقيل لأنه أزال به مانعا من الصلاة، أشبه الماء المزال به النجاسة،
وقيل لكونه استعمل في عبادة على وجه الإتلاف، وتقدم قول الشيخ أنه لما يفضي إلى إفساده، أو إلى الوسواس،
وقال النووي: إذا كان النهي راجعا إلى النفس المنهي عنه ضر،
وإذا كان لأمر خارج لم يقتض الفساد على الصحيح المختار لأهل الأصول انتهى، وبدن الجنب طاهر بالإجماع، والماء الطاهر إذا لاقى محلا طاهرا لم ينجس بالإجماع، وقوله: الدائم أي الراكد، ومسلم هو ابن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري الحافظ، صاحب الصحيح وغيره، المتوفى سنة مائتين وإحدى وستين.
المستعمل في الوضوء والغسل المستحبين طهور كما تقدم أي في قوله (وإن استعمل في طهارة مستحبة إلخ وقوله (منه) أي من قول الماتن: حدث.
الراكد . ولا يضر اغتراف المتوضئ لمشقة تكرره إذا لم ينو غسلها،
وأما إذا نوى ذلك بعد وجهه لا قبله اعتبارا بالترتيب فيضر،
وقال الشارح وغيره، «من توضأ من ماء يسير يغترف منه بيده عند غسل يديه لم يؤثر ذلك» ،
وفي الصحيحين (ثم أدخل يده في الإناء فغسل يديه إلى المرفقين) .
المتوضئ لمشقة تكرره بخلاف من عليه حدث أكبر سواء كان جنابة أو حيضا أو نفاسا أو غيرها، فإنه إذا غمس بعض عضو ولو يده بعد نية ضر. للحديث لا نهار واليد أصلها يدي، ولم تبن مع كونها على حرفين لكون الثالث يعود إليها في التثنية والجمع، والنوم قيل إنه غشية ثقيلة، تقع على القلب فتبطل عمل الحواس، وهو رحمة من الله على عبده ليستريح البدن عند تعبه وتنعكس الحرارة إلى الباطن، فينهضم الطعام.
ليل (١) ناقض لوضوء) قبل غسلها ثلاثا فطاهر
وعنه طهور وفاقا، واختاره الخرقي والموفق والشارح والشيخ، وجزم به في الوجيز وذكر في الشرح أنه الصحيح لأنه ماء لاقى أعضاء طاهرة فكان على أصله، ونهيه عليه الصلاة والسلام عن غمس اليد إن كان لوهم النجاسة فهو لا يزيل الطهورية، كما لا يزيل الطاهرية،
وإن كان تعبديا اقتصر على مورد النص، وهو مشروعية الغسل. أي ثلاث مرار، والإناء أخرج البرك والحياض التي لا تفسد بغمس اليد فيها،
وقال الشيخ الإناء الذي للماء المعتاد لإدخال اليد، وهو الصغير.
أحدكم لا يدري أين باتت يده) رواه مسلم وفي لفظ لهما «فلا يغمس يده في الإناء» الحديث لكنه لا يقتضي سلبه الطهورية كما تقدم،
وفي هذا الحديث دليل على استحباب الاحتياط للعبادات وغيرها، بحيث لا ينتهي إلى الوسوسة،
وقال النووي وغيره، النهي عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها مجمع عليه،
فلو خالف وغمس لم يفسد الماء، ولم يأثم الغامس، والأصل في الماء واليد الطهارة، فلا ينجس بالشك، وقواعد الشرع متظاهرة على هذا وليس مخصوصا بالقيام من نوم الليل فقط، بل المعتبر الشك في نجاسة اليد، فمتى شك في نجاستها كره له غمسها في الإناء قبل غسلها.
هذا الماء إن لم يجد غيره ثم يتيمم أي يستعمل الماء الذي غمس فيه كل يد المكلف القائم من نوم الليل الناقض للوضوء في وضوء وغسل، وإزالة نجاسة بدن، أو ثوب، أو بقعة، أو غسل يديه من نوم ليل، ولا يرتفع به الحدث، ولا ما في معناه، ولا يزول به الخبث، فمتى وجد طهورا استعمله، وتلزمه الإعادة، لا فيما إذا كان المتنجس ثوبه وصلى فيه لعدم غيره، ويغسل به الميت مع التيمم كالحي، وتقدم أنه طهور،
وقال ابن عبد البر: من أدخل يده في الإناء قبل غسلها لم يضر ذلك وضوءه، وكان الصحابة يدخلون أيديهم في الماء وهم جنب، والنساء حيض فلا يفسد ذلك بعضهم على بعض، وقرب لإبراهيم النخعي وضوءه فأدخل يده قبل أن يغسلها، فقيل له: أمثلك يفعل؟ فقال: أرأيت المهراس الذي كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضئون فيه كيف كانوا يصنعون به؟ وكان الرجال والنساء يتوضئون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، ويشرعون فيه جميعا صححه البخاري وغيره.
الذكر والأنثيان لخروج مذي، دونه لأنه في معناه أي في معنى ما غمس فيه يد القائم من نوم الليل،
ولو لم يغسل إلا البعض منهما، لأن الحكم إذا علق بالمظنة لم تعتبر حقيقة الحكم، كالعدة لاستبراء الرحم من الصغيرة والآيسة،
قال الخلوتي: ولو توضأ واغتسل مع ترك غسلهما عمدا فصلاته صحيحة.
(فطاهر) . لأن المنفصل بعض المتصل والمتصل طاهر وتقدم ووصل الشيء بغيره فاتصل به ضد فصله نحاه أو قطعه فانفصل.
بعض المتصل والمتصل طاهر . النوع الثالث النجس بتثليث الجيم وتسكينها المستقذر وضد الطاهر،
ويحرم استعماله مطلقا في العبادات وغيرها،
ولو لم يوجد غيره إلا لضرورة كدفع لقمة غص بها ولا طاهر عنده، أو عطش معصوم، أو طفي حريق ونحوها، قياسا على الطعام النجس، وصوبه المرداوي وغيره،
وقال الشيخ: نجاسة الماء ليست عينية لأنه يطهر غيره، فنفسه أولى، وأنه كالثوب النجس، ولهذا يجوز بيعه.
«وإِن تغيَّر لونه، أو طعمه، أو ريحُه»، هذا هو القسم الثاني من أقسام المياه على المذهب، وهو الطَّاهر، أي: تغيّر تغيراً كاملاً بحيث لا يُذاقُ معه طعمُ الماء، أو تغيَّر أكثر أوصافه؛ وهي هذه الثَّلاثة: الطعم، والرِّيح، واللون.
بطَبْخٍ، أو سَاقِطٍ فِيه، ......... «بطبخ»، أي: طُبخ فيه شيء طاهر كاللحم فتغيّر طعمه، أو لونه، أو ريحه تغيُّراً كثيراً بيِّناً، فإِنَّه يكون طاهراً غير مطهِّر. «أو ساقط فيه»، أي: سقط فيه شيء طاهر فغيَّر أوصافه أو أكثرها فإِنه يكون طاهراً غير مطهِّر.
ويُستثنى من هذه المسألة ما يَشُقُّ صَوْنُ الماء عنه، وما لا يمازجه، كما لو وضعنا قطع كافور فيه وتغيَّر فإِنه طَهُور،
وكذا لو كان حول الماء أشجارٌ، فتساقطت أوراقها فيه فتغيَّر فطهور.
والتَّعليل لكون هذا طاهراً غير مطهِّر: أنَّه ليس بماء مطلق، وإِنما يُقال ماءُ كذا فيُضاف، كما يُقال: ماءُ ورد.
ولكن يُقال: إِن هذا لا يكفي في نقله من الطَّهورية إلى الطَّهارة، إِلا إِذا انتقل اسمه انتقالاً كاملاً، فيُقال مثلاً: هذا مَرَقٌ، وهذه قهوة. فحينئذٍ لا يُسمَّى ماءً، وإِنَّما يُسمَّى شراباً؛ يُضاف إِلى ما تغيَّر به، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
ومما يدلُّ على ضعف ما قاله المؤلِّف: أنهم يقولون: إِن ورق الشجر إذا كان يشقُّ صونُ الماء عنه؛ فوقع فيه وتغيَّر به الماء فهو طَهُور،
ولو وضعه إِنسان قصداً فإِنه يصير طاهراً غير مطهِّر.
ومعلوم أن ما انتقل حكمه بتغيُّره فإِنه لا فرق بين ما يشُقُّ صون الماء عنه وما لا يشقُّ، ولا بين ما وُضِعَ قصداً أو بغير قصد، كما نقول فيما إِذا تغيَّر الماءُ بنجاسة، فإِنه لا فرق بين ما يشقُّ صون الماء عنه من تلك النجاسة وبين ما لا يشقُّ، ولا بين ما وُضِعَ قصداً وما لم يوضع قصداً؛ ما دامت العِلَّة هي تغيُّر الماء.
أوْ رُفِعَ بقليله حَدَثٌ، ............. «أو رُفِع بقليله حدثٌ»، أي: بقليل الماء ـ وهو ما دون القُلَّتين ـ حَدَثٌ، سواء كان الحَدَث لكلِّ الأعضاء أو بعضها، مثال ذلك: رجل عنده قِدْرٌ فيه ماء دون القُلَّتين، فأراد أن يتوضَّأ فغسل كَفَّيه بعد أن غرف منه، ثم غرف أُخرى فغسل وجهه، فإِلى الآن لم يصرِ الماء طاهراً غير مطهِّر، ثم غمس ذراعه فيه، ونوى بذلك الغمس رفع الحَدَث فنزع يده، فالآن ارتفع الحدث عن اليد، فصدق أنه رُفِعَ بقليله حَدَثٌ فصار طاهراً غير مطِّهر.
وليس لهذا دليل، ولكن تعليل؛ وهو أنَّ هذا الماء استُعمل في طهارة فلا يُستعمل فيها مرَّة أخرى، كالعبد إِذا أُعتق فلا يُعتق مرَّة أخرى.
وهذا التَّعليل عليل من وجهين:
الأول: وجود الفرق بين الأصل والفرع؛ لأن الأصل المقيس عليه وهو الرَّقيق المحرَّر لمَّا حرَّرناه لم يبقَ رقيقاً، وهذا الماء لمّا رُفِع بقليله حدثٌ بقي ماء فلا يصحّ القياس.
الثاني: أن الرَّقيق يمكن أن يعود إِلى رِقِّهِ، فيما لو هرب إِلى الكُفَّار ثم استولينا عليه فيما بعد؛
فإن لنا أن نسترقَّه، وحينئذٍ يعود إليه وصف الرِقِّ، ثم يصحُّ أن يحرَّر مرَّة ثانية في كفَّارة واجبة.
فالصَّواب أن ما رُفع بقليله حدثٌ طَهورٌ؛ لأن الأصل بقاء الطَّهورية، ولا يمكن العُدُول عن هذا الأصل إلا بدليل شرعي يكون وجيهاً.
أو غُمِسَ فِيه يَدُ قَائمٍ مِنْ نَوْمِ ليلٍ نَاقضٍ لوضُوءٍ، ........... «أو غُمِسَ فيه يَدُ قائمٍ مِنْ نَوْمِ ليلٍ ناقضٍ لوضُوءٍ»، الضَّمير في قوله:«فيه» يعود إلى الماء القليل. واليد إِذا أُطلقت فالمراد بها إلى الرُّسغ مفصِل الكفِّ من الذِّراع، فلا يدخل فيها الذِّراع.
مثاله: رجل قام من النَّوم في الليل، وعنده قِدْرٌ فيه ماء قليل، فغمس يده إِلى حَدِّ الذِّراع فيكون طاهراً غير مطهِّر بدليل قوله ﷺ :«إذا استيقظ أحدُكم من نومه؛ فلا يَغمِسْ يدَهُ في الإِناء حتى يغسلها ثلاثاً؛ فإِنه لا يدري أين باتت يدُه».
ففيه النهي عن غمس اليد في الإِناء،
والتَّعليل: فإِن أحدكم … إِلخ،
فلو غُمِسَت اليدُ في ماء كثير فإِنَّه يكون طَهُوراً،
وإِذا غَمَسَ رَجُلٌ رِجْلَهُ فإِنه طَهُورٌ؛ لأنه قال:«يدٌ»،
وكذلك لو غَمَسَ ذَراعه فإِنَّهُ طَهُور،
ولو غمس كافرٌ يده فإِنه طَهُور،
وكذا المجنون أو الصَّغير؛ لأنه غير مكلَّف،
ولو غمس رجل يده بعد أن نام طويلاً في النَّهار فإِنَّه طَهور،
وكذا إن نام يسيراً في اللَّيل، هذا تقرير كلامهم رحمهم الله.
ولو غمس المكلَّف يده بالشروط التي ذكر المؤلِّفُ كان طاهراً غير مطهِّر.
ولكن إِذا تأمَّلتَ المسألةَ وجدتها ضعيفة جداً؛ لأنَّ الحديث لا يدلُّ عليه، بل فيه النهي عن غمس اليد، ولم يتعرَّض النبيُّ ﷺ للماء.
وفي قوله:«فإن أحدكم لا يدري أين باتت يدُه»، دليل على أنَّ الماء لا يتغيَّر الحكم فيه؛ لأن هذا التَّعليلَ يدلُّ على أن المسألةَ من باب الاحتياط، وليست من باب اليقين الذي يُرفَعُ به اليقينُ.
وعندنا الآن يقينٌ؛ وهو أن هذا الماء طَهُورٌ، وهذا اليقينُ لا يمكنُ رفعُه إلا بيقين، فلا يُرفَعُ بالشَّكِّ.
وإذا كان النبيُّ ﷺ نهى المسلمَ أن يغمس يده قبل غسلها ثلاثاً فالكافر من باب أَوْلَى، لأن العِلَّة في المسلم النائم هي العِلَّة في الكافر النَّائم، وكونه لم يوجه الخطاب إِلى الكافرين جوابه: أنَّ الصَّحيح أن الكُفَّار مخاطبون بفروع الشَّريعة، وليس هذا حكماً تكليفيّاً، بل وضعيٌّ.
ثم يُقال عن اشتراط التَّكليف: إِن المميِّز يُخاطَبُ بمثل هذا وإِن كان لا يُعاقَبُ، فقد تكون يده ملوَّثة بالنَّجاسة، وقد لا يستنجي ويمسّ فرجه وهو نائم، فكيف يضرُّ غَمْسُ يد المكلَّف الحافظ نفسه، ولا يضرُّ غمس يد المميِّز؟!.
فهذا القول ضعيف أثراً ونظراً،
أما أثراً فلأن الحديث لا يدلُّ عليه بوجه من الوجوه،
وأما نظراً فلأن الشُّروط التي ذكروها وهي الإِسلام، والتكليف،
وأن يكون من نوم ليل لا يتعيَّن أخذُها من الحديث.
أوجه استدلالهم لهذه الشروط من الحديث:
أنَّ قوله:«أحدكم» المخاطبون مسلمون، فهذا شرط الإسلام، وقوله:«أحدكم» لا يخاطب إِلا المكلَّف.
وقوله:«باتت» البيتوتة لا تكون إِلا بالليل.
وأيضاً يُشترط أن يكون ناقضاً للوضوء، وأخذ من قوله:«فإن أحدكم لا يدري»، فالنُّوم اليسير يدري الإِنسان عن نفسه فلا يضرُّ.
فيقال: يد الكافر ويد الصَّغير الذي لم يميِّز أولى بالتَّأثير.
وخلاصة كلامهم: أنه إِذا تمت الشُّروط التي ذكروها وغمس يده في الماء قبل غسلها ثلاثاً فإِنه يكون طاهراً لا طَهُوراً.
والصَّواب أنه طَهُور؛ لكن يأثم من أجل مخالفته النهي؛ حيث غمسها قبل غسلها ثلاثاً.
ومن أجل ضعف هذا القول قالوا رحمهم الله : إِذا لم يجد الإنسان غيره استعمله ثم تيمَّم من باب الاحتياط فأوجبوا عليه طهارتين، ولكن أين هذا الإيجاب في كتاب الله، أو سُنَّة رسوله ﷺ!؟ فالواجب استعمال الماء أو التُّراب، لكن لشعورهم رحمهم الله بضعف هذا القول بأن الماء ينتقل من الطَّهورية إلى الطَّهارة قالوا: يستعمله ويتيمَّم.
فإن قيل: ما الحكمة في النَّهي عن غمس اليد قبل غسلها ثلاثاً لمن قام من النَّوم؟
أُجيب: أنَّ الحكمة بيَّنها النبيُّ ﷺ بقوله: «فإِنَّ أحدكم لا يدري أين باتت يدهُ».
فإن قال قائل: وضعت يدي في جِراب، فأعرفُ أنها لم تمسَّ شيئاً نجساً من بدني، ثم إِنني نمت على استنجاء شرعي،
ولو فُرض أنَّها مسَّت الذَّكر أو الدُّبر فإِنَّها لا تنجُس؟
فالجواب: أن الفقهاء رحمهم الله قالوا: إِن العلَّة غير معلومة فالعمل بذلك من باب التَّعبُّد المحض .
لكن ظاهر الحديث أن المسألة معلَّلةٌ بقوله:«فإِن أحدكم لا يدري أين باتت يدهُ».
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن هذا التَّعليل كتعليله ﷺ بقوله:«إذا استيقظ أحدكم من منامه؛ فليستنثر ثلاث مرَّات؛ فإِن الشيطان يبيت على خياشيمه». فيمكن أن تكون هذه اليد عبث بها الشيطان، وحمل إليها أشياء مضرَّة للإنسان، أو مفسدة للماء فنهى النبيُّ ﷺ أن يغمس يده حتى يغسلها ثلاثاً .
وما ذكره الشيخ رحمه الله وَجيهٌ، وإِلا
فلو رجعنا إلى الأمر الحسِّي لكان الإِنسان يعلم أين باتت يده، لكن السُّنَّة يفسِّر بعضُها بعضاً.
أوْ كان آخرَ غَسْلَةٍ زالت بها النجاسة فَطَاهرٌ. ........... «أوْ كان آخر غَسْلةٍ زالت بها النجاسة فَطَاهرٌ»، الضَّمير يعود إِلى الماء القليل، والمعروف عند الفُقهاء أنه لا بُدَّ لطهارة المحلِّ المُتَنَجِّس أن يُغسل سبعَ مرات ، فالغسلة الأولى إلى السادسة كلُّ المنفصل من هذه الغسلات نجس؛ لأنه انفصل عن محلٍّ نجس.
مثاله: رجل يغسل ثوبه من نجاسة فالذي ينفصل من الماء من الغسلة الأولى إِلى السَّادسة نجس؛ لأنه انفصل عن محَلٍّ نجس وهو يسير، فيكون قد لاقى النَّجاسة وهو يسير، وما لاقى النَّجاسة وهو يسير فإِنه ينجس بمجرَّد الملاقاة.
أما المنفصل في الغسلة السَّابعة فيكون طاهراً غير مطهِّر؛ لأنَّه آخر غسلة زالت بها النَّجاسة، فهو طاهر؛ لأنه أثَّر شيئاً وهو التطهير، فلما طَهُرَ به المحلُّ صار كالمستعمل في رفع حَدَث، ولم يكن نجساً لأنَّه انفصل عن محلٍ طاهر،
وأما المنفصل عن الثَّامنة فطَهُورٌ؛ لأنَّه لم يؤثِّر شيئاً ولم يُلاقِ نجاسة. وهذا إِذا كانت عين النَّجاسة قد زالت،
وإِذا فُرِضَ أن النَّجاسة لم تزل بسبع غسلات،
فإِن ما انفصل قبل زوال عين النَّجاسة نجسٌ لأنه لاقى النَّجاسة وهو يسير.
وقوله:«فطاهر»، هذا جواب قوله:«وإِن تغيَّر طعمه … »، إلخ. وهذا هو الطَّاهر على قول من يقول: إن المياه تنقسم إِلى ثلاثة أقسام: طَهُور، وطاهر، ونجس.
والصَّحيح أن الماء قسمان فقط: طَهُور ونجس. فما تغيَّر بنجاسة فهو نجس، وما لم يتغيَّر بنجاسة فهو طَهُور،
وأن الطَّاهر قسم لا وجود له في الشَّريعة، وهذا اختيار شيخ الإِسلام . والدَّليل على هذا عدم الدَّليل؛ إذ لو كان قسم الطَّاهر موجوداً في الشَّرع لكان أمراً معلوماً مفهوماً تأتي به الأحاديث بيِّنةً واضحةً؛ لأنه ليس بالأمر الهيِّن إذ يترتَّب عليه
إِمَّا أن يتطهَّر بماء، أو يتيمَّم. فالنَّاس يحتاجون إِليه كحاجتهم إلى العِلْم بنواقض الوُضُوء وما أشبه ذلك من الأمور التي تتوافر الدَّواعي على نقلها لو كانت ثابتة.
والنَّجسُ ما تغيَّرَ بنجاسةٍ، أوْ لَاقَاهَا، وهو يسيرٌ، .............
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.