وللحامل وضعه
الشروح عليها
(قَوْلُهُ وَلِلْحَامِلِ وَضْعُهُ) أَيْ: وَعِدَّةُ الْحَامِلِ وَضْعُ الْحَمْلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} أَطْلَقَهَا فَشَمِلَ الْحُرَّةَ وَالْأَمَةَ الْمُسْلِمَةَ وَالْكِتَابِيَّةَ مُطَلَّقَةً أَوْ مُتَارَكَةً فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ أَوْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ أَنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ الْقُصْرَى نَزَلَتْ بَعْدَ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ يُرِيدُ بِالْقُصْرَى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} وَبِالطُّولَى {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} الْآيَةَ وَالْمُبَاهَلَةُ الْمُلَاعَنَةُ،
وَفِي رِوَايَةِ مَنْ شَاءَ لَاعَنَتْهُ،
وَفِي رِوَايَةٍ حَالَفَتْهُ وَكَانُوا إذَا اخْتَلَفُوا فِي أَمْرٍ يَقُولُونَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِ مِنَّا قَالُوا وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ فِي زَمَانِنَا كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ.
وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوْ وَضَعَتْ وَزَوْجُهَا عَلَى سَرِيرِهِ لَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَيَحِلُّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ وَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - تَعْتَدُّ الْحَامِلُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِأَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ يَعْنِي لَا بُدَّ مِنْ وَضْعِ الْحَمْلِ وَمُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ هَذَا مَعْنَى أَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ وَفِي التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ لِلْإِمَامِ الرَّازِيّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَقُلْ إنَّ آيَةَ الْقُصْرَى مُخَصِّصَةٌ لِآيَةِ الطُّولَى لِوَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ أَعَمُّ مِنْ الْأُخْرَى مِنْ وَجْهٍ وَأَخَصُّ مِنْهَا مِنْ وَجْهٍ فَإِنَّ الْحَامِلَ قَدْ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَقَدْ لَا يُتَوَفَّى وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا قَدْ تَكُونُ حَامِلًا وَقَدْ لَا تَكُونُ فَامْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ إحْدَاهُمَا مُخَصِّصَةً لِلْأُخْرَى الثَّانِي أَنَّ قَوْله تَعَالَى {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ} إنَّمَا وَرَدَ بَعْدَ ذِكْرِ الْمُطَلَّقَاتِ فَرُبَّمَا كَانَتْ فِي الْمُطَلَّقَةِ فَلِهَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ لَمْ يُعَوِّلْ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى الْقُرْآنِ وَإِنَّمَا عَوَّلَ عَلَى السُّنَّةِ وَهُوَ حَدِيثُ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ اهـ.
وَحَاصِلُ مَا فِي التَّلْوِيحِ أَنَّهُمَا مُتَعَارِضَانِ فِي حَقِّ الْحَامِلِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فَعَلَى رَأْيِ عَلِيٍّ مِنْ عَدَمِ مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ يَثْبُتُ حُكْمُ التَّعَارُضِ بِقَدْرِ مَا تَعَارَضَا فِيهِ فَرَجَعْنَا إلَى السُّنَّةِ وَعَلَى رَأْيِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْقَائِلِ بِتَأَخُّرِ الْقُصْرَى كَانَتْ الْقُصْرَى نَاسِخَةً لِلطُّولَى فِيمَا تَعَارَضَا فِيهِ وَهِيَ الْحَامِلُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فَقَطْ اهـ.
مَا فِي التَّلْوِيحِ هُنَا وَلَيْسَ مَعْنَاهُ كَمَا قُلْنَاهُ فِي زَوْجَةِ الْفَارِّ وَقَدْ سَهَا صَاحِبُ الْمِعْرَاجِ فَفَسَّرَ أَبْعَدَ الْأَجَلَيْنِ الْمَرْوِيَّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ فِيهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ وَنَقَلَهُ عَنْ فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَإِنَّمَا هَذَا فِي عِدَّةِ امْرَأَةِ الْفَارِّ وَإِنَّهُ لَا دَخْلَ لِلْحَيْضِ فِي عِدَّةِ الْحَامِلِ أَصْلًا وَلِهَذَا
قَالَ فِي الْمُحِيطِ عَنْ عَلِيٍّ تَعْتَدُّ بِأَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ وَهُمَا الْأَشْهُرُ وَوَضْعُ الْحَمْلِ وَهَكَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَإِنَّمَا قَالَا بِذَلِكَ لِعَدَمِ عِلْمِهِمَا بِالتَّارِيخِ فَكَانَ ذَلِكَ أَحْوَطَ وَعَامَّةُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَمَّا عَلِمُوا التَّارِيخَ قَالُوا بِوَضْعِ الْحَمْلِ لِتَأَخُّرِ آيَتِهِ قَالَ الْقَاضِي فِي تَفْسِيرِهِ وَهُوَ حُكْمٌ يَعُمُّ الْمُطَلَّقَاتِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى عُمُومِهِ أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى عُمُومِ قَوْله تَعَالَى {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} ؛ لِأَنَّ عُمُومَ {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ} بِالذَّاتِ وَعُمُومَ أَزْوَاجًا بِالْعَرَضِ وَالْحُكْمُ يَتَعَلَّلُ هَاهُنَا بِخِلَافِهِ ثَمَّ وَلِأَنَّهُ صَحَّ أَنَّ «سُبَيْعَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ قَدْ حَلَلْتِ فَتَزَوَّجِي» وَلِأَنَّهُ مُتَأَخِّرُ النُّزُولِ فَتَقْدِيمُهُ تَخْصِيصٌ وَتَقْدِيمُ الْآخَرِ بِنَاءُ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِلْوِفَاقِ عَلَيْهِ اهـ.
وَفِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَرْفُوعًا «نَسَخَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى كُلَّ عِدَّةٍ {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ} [الطلاق: ٤] أَجَلُ كُلِّ حَامِلٍ مُطَلَّقَةٍ أَوْ مُتَوَفًّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا» وَأُخْرِجَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ وَنُقِلَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعُمَرَ وَابْنِهِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمَعْنَى قَوْلِ الْقَاضِي إنَّ عُمُومَ أُولَاتُ بِالذَّاتِ أَنَّ الْمَوْصُولَ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ إنَّ عُمُومَ أَزْوَاجًا بِالْعَرَضِ أَنَّ عُمُومَهُ بَدَلِيٌّ لَا يَصْلُحُ لِتَنَاوُلِ جَمِيعِ الْأَزْوَاجِ فِي حَالٍ وَاحِدٍ وَمَعْنَى قَوْلِهِ إنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّلُ هُنَا أَنَّ الْحُكْمَ هُنَا مُعَلَّلٌ بِوَصْفِ الْحَمْلِيَّةِ
بِخِلَافِ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ أَيْ التَّخْصِيصُ أَوْلَى مِنْ النَّسْخِ؛ لِأَنَّا إذَا أَخَّرْنَا آيَةَ الْحَمْلِ عَنْ آيَةِ الْوَفَاةِ كَانَتْ مُخَصِّصَةً لِآيَةِ الْوَفَاةِ وَإِذَا قَدَّمْنَا آيَةَ الْحَمْلِ عَلَى آيَةِ الْوَفَاةِ كَانَتْ رَافِعَةً لِمَا فِي الْخَاصِّ مِنْ الْحُكْمِ وَهُوَ نَسْخٌ،
وَفِي الْمِعْرَاجِ حَمَلَ أَهْلُ الْعِلْمِ آيَةَ الْبَقَرَةِ عَلَى الْحَوَامِلِ تَخْصِيصًا بِآيَةِ الْقُصْرَى وَالتَّخْصِيصُ أَوْلَى مِنْ دَعْوَى النَّسْخِ اهـ.
وَفِي الْبَدَائِعِ إنْ كَانَ بَيْنَ نُزُولِ الْآيَتَيْنِ زَمَانٌ يَصْلُحُ لِلنَّسْخِ فَيُنْسَخُ الْخَاصُّ الْمُتَقَدِّمُ بِالْعَامِّ الْمُتَأَخِّرِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَشَايِخِنَا بِالْعِرَاقِ وَلَا يُبْنَى الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ أَوْ يُعْمَلُ بِالنَّصِّ الْعَامِّ عَلَى عُمُومِهِ وَيُتَوَقَّفُ فِي حَقِّ الِاعْتِقَادِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَشَايِخِ سَمَرْقَنْدَ وَلَا يُبْنَى الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ اهـ.
وَذَكَرَ الْبِقَاعِيُّ فِي الْمُنَاسَبَاتِ لَمَّا كَانَ تَوْحِيدُ الْحَمْلِ لَا يَنْشَأُ عَنْهُ لَبْسٌ وَكَانَ الْجَمْعُ رُبَّمَا أَوْهَمَ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا حَتَّى تَضَعَ جَمْعًا قَالَ {حَمْلَهُنَّ} اهـ.
وَذَكَرَ الْفَخْرُ الرَّازِيّ أَنَّهُ قُرِئَ أَحْمَالَهُنَّ ثُمَّ قَالَ: إنَّمَا قَالَ {أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وَلَمْ يَقُلْ أَنْ يَلِدْنَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَهُ لَانْقَضَتْ بِوِلَادَةِ أَحَدِ الْوَلَدَيْنِ اهـ.
يَعْنِي وَهُوَ بَعْضُ الْحَمْلِ فَلَا تَنْقَضِي حَتَّى تَضَعَ جَمِيعَ مَا فِي الْبَطْنِ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ اسْمٌ لِجَمِيعِ مَا فِي الْبَطْنِ وَلِهَذَا قَالَ الْأُصُولِيُّونَ لَوْ قَالَ إنْ كَانَ حَمْلُكِ ذَكَرًا فَأَنْت حُرَّةٌ فَوَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى لَا تَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِجَمِيعِ مَا فِي الْبَطْنِ كَقَوْلِهِ إنْ كَانَ مَا فِي بَطْنِك ذَكَرًا،
وَفِي الْبَدَائِعِ وَشَرْطُ وُجُوبِهَا أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحًا كَانَ أَوْ فَاسِدًا وَلَا تَجِبُ عَلَى الْحَامِلِ مِنْ الزِّنَا؛ لِأَنَّ الزِّنَا لَا يُوجِبُ الْعِدَّةَ إلَّا أَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ الزِّنَا جَازَ النِّكَاحُ،
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَوْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ الْأَشْهُرِ ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ الْمُدَّةِ ظَهَرَ فَسَادُ النِّكَاحِ وَأُلْحِقَ بِالْمَيِّتِ اهـ.
فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا مَا لَمْ تَضَعْ كَيْ لَا يَكُونَ سَاقِيًا مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ فَظَهَرَ أَنَّ الْحَامِلَ مِنْ الزِّنَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا أَصْلًا،
وَأَمَّا الْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ فَعِدَّتُهَا بِالْأَقْرَاءِ كَمَا سَيَأْتِي إلَّا إذَا كَانَتْ حَامِلًا فَعِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ كَمَا فِي تَزَوُّجِ الْحَامِلِ الَّتِي مِنْ الزِّنَا ثُمَّ طَلَّقَهَا فَوَلَدَتْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا عِنْدَهُمَا بِالْوَضْعِ،
وَفِي الْبَدَائِعِ وَقَدْ تَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِوَضْعِ الْحَمْلِ مِنْ الزِّنَا بِأَنْ تَزَوَّجَتْ الْحَامِلُ مِنْ الزِّنَا ثُمَّ طَلَّقَهَا فَوَلَدَتْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا عِنْدَهُمَا بِالْوَضْعِ، وَلَدَتْ،
وَفِي بَطْنِهَا آخَرُ تَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِوَضْعِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ اسْمٌ لِجَمِيعِ مَا فِي الْبَطْنِ وَإِذَا أَسْقَطَتْ سِقْطًا اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ انْقَضَتْ بِهِ الْعِدَّةُ؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ وَإِنْ لَمْ يَسْتَبِنْ بَعْضُ خَلْقِهِ لَمْ تَنْقَضِ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ اسْمٌ لِنُطْفَةٍ مُتَغَيِّرَةٍ بِدَلِيلِ أَنَّ السَّاقِطَ إذَا كَانَ عَلَقَةً أَوْ مُضْغَةً لَمْ تَنْقَضِ بِهِ الْعِدَّةُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ فَلَا يُعْرَفُ كَوْنُهَا مُتَغَيِّرَةً بِيَقِينٍ إلَّا بِاسْتِبَانَةِ بَعْضِ الْخَلْقِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة قَالَ: إذَا وَلَدْتِ وَلَدًا فَأَنْت طَالِقٌ فَوَلَدَتْ وَلَدًا ثُمَّ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ ثَبَتَ نَسَبُ الثَّانِي أَيْضًا وَانْقَضَتْ بِهِ الْعِدَّةُ وَلَا يَجِبُ بِهِ الْعُقْرُ،
وَفِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ قَالَ لَهَا: كُلَّمَا وَلَدْت وَلَدًا فَأَنْت طَالِقٌ فَوَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ طَلُقَتْ بِالْأَوَّلِ وَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِالْآخَرِ وَلَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ وَلَوْ وَلَدَتْ ثَلَاثَةً فِي بَطْنٍ وَقَعَتْ طَلْقَتَانِ وَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِالثَّالِثِ،
وَلَوْ كَانَ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَلَمْ تُقِرَّبَا بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ طَلُقَتْ ثَلَاثًا وَتَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ بَعْدَ الثَّالِثِ اهـ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ طَلَّقَهَا رَجْعِيًّا فَتَزَوَّجَتْ فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ طَلَّقَهَا الثَّانِي فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ طَلَاقِ الْأَوَّلِ وَلِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ طَلَاقِ الثَّانِي فَإِنَّ الْوَلَدَ لِلثَّانِي،
وَلَوْ تَزَوَّجَتْ الْمَنْعِيُّ إلَيْهَا زَوْجُهَا ثُمَّ وَلَدَتْ أَوْلَادًا ثُمَّ جَاءَ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ حَيًّا كَانَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ الْأَوْلَادُ لِلْأَوَّلِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَقَالَ لِلثَّانِي وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى اهـ.
مُنْتَقَى قَالَ مُحَمَّدٌ فِي نَوَادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ لَوْ خَرَجَ مِنْ قِبَلِ الرَّأْسِ نِصْفُ الْبَدَنِ غَيْرَ الرَّأْسِ أَوْ خَرَجَ مِنْ قِبَلِ الرِّجْلَيْنِ نِصْفُ الْبَدَنِ غَيْرَ الرِّجْلَيْنِ انْقَضَتْ بِهِ الْعِدَّةُ وَفَسَّرَ فَقَالَ: النِّصْفُ مِنْ الْبَدَنِ هُوَ مِنْ أَلْيَتَيْهِ إلَى مَنْكِبَيْهِ وَلَا يُعْتَدُّ بِالرَّأْسِ وَلَا بِالرِّجْلَيْنِ
وَقَالَ فِي الْهَارُونِيَّاتِ لَوْ خَرَجَ أَكْثَرُ الْوَلَدِ لَمْ تَصِحَّ الرَّجْعَةُ وَحَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ وَقَالَ مَشَايِخُنَا لَا تَحِلُّ لِلْأَزْوَاجِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَ الْكُلِّ فِي حَقِّ انْقِطَاعِ الرَّجْعَةِ احْتِيَاطًا وَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي حَقِّ حِلِّهَا لِلْأَزْوَاجِ احْتِيَاطًا،
وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ لَوْ جَاءَتْ الْمُبَانَةُ الْمَدْخُولَةُ بِوَلَدٍ فَخَرَجَ رَأْسُهُ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ وَخَرَجَ الْبَاقِي لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ لَمْ يَلْزَمْهُ حَتَّى يَخْرُجَ الرَّأْسُ وَنِصْفُ الْبَدَنِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ وَيَخْرُجَ الْبَاقِي لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ أَوْ يَخْرُجَ مِنْ قِبَلِ الرِّجْلَيْنِ الْأَكْثَرُ مِنْ الْبَدَنِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ وَيَخْرُجَ مَا بَقِيَ لِأَكْثَرِهِ،
وَلَوْ خَرَجَ الرَّأْسُ فَقَتَلَهُ إنْسَانٌ وَجَبَتْ الدِّيَةُ وَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ
وَكَذَلِكَ فِي أُذُنَيْهِ، وَلَوْ قَطَعَ الرِّجْلَيْنِ قَبْلَ الرَّأْسِ وَجَبَتْ الدِّيَةُ،
وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ هِشَامٍ قَالَ لِجَارِيَتِهِ أَنْت حُرَّةٌ وَقَدْ خَرَجَ رَأْسُ الْوَلَدِ مَعَ نِصْفِ الْبَدَنِ لَا تَعْتِقُ حَتَّى يَخْرُجَ النِّصْفُ سِوَى الرَّأْسِ اهـ. مَا فِي الْمُحِيطِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ خُرُوجَ الْأَكْثَرِ كَالْكُلِّ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ إلَّا فِي حِلِّهَا لِلْأَزْوَاجِ عَلَى قَوْلِ الْمَشَايِخِ وَخُرُوجُ الرَّأْسِ فَقَطْ أَوْ مَعَ الْأَقَلِّ لَا اعْتِبَارَ بِهِ فَلَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ وَلَا يَثْبُتُ نَسَبٌ مِنْ الْمُبَانَةِ إذَا كَانَ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ وَالْبَاقِي لِلْأَكْثَرِ وَلَا قِصَاصَ بِقَطْعِهِمَا وَدَلِيلُ مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ فِي الْمُحِيطِ مُحَرَّفَةٌ مِنْ الْكَاتِبِ وَحَاصِلُهَا أَنَّ الْحَمْلَ يَتْبَعُ الْأُمَّ فِي الْعِتْقِ فَإِذَا أُعْتِقَتْ بَعْدَ خُرُوجِ بَعْضِهِ فَإِنْ خَرَجَ الْأَكْثَرُ أَوْ النِّصْفُ لَا يَتْبَعُهَا وَإِنْ خَرَجَ الْأَقَلُّ يَتْبَعُهَا،
وَفِي الْمُحِيطِ أَيْضًا تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ فَجَاءَ بِسِقْطٍ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إلَّا يَوْمًا لَمْ يَجُزْ النِّكَاحُ إنْ كَانَ قَدْ اسْتَبَانَ خَلْقُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَبِينُ خَلْقُهُ إلَّا فِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً وَأَرْبَعِينَ عَلَقَةً وَأَرْبَعِينَ مُضْغَةً ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ وَإِنْ سَقَطَ لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ تَامَّةٍ فَهُوَ مِنْ الزَّوْجِ وَالْعَمَلُ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَإِنْ تَزَوَّجَهَا فِي عَشَرٍ مِنْ الشَّهْرِ فَخَمْسَةُ أَشْهُرٍ بِالْأَهِلَّةِ وَعِشْرِينَ يَوْمًا مِنْ السَّادِسِ فِي لُزُومِ الْوَلَدِ اهـ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إذَا وَلَدَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ يُحْكَمُ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا قَبْلَ الْوِلَادَةِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَزِيَادَةٍ فَتُجْعَلُ كَأَنَّهَا تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَحَبِلَتْ مِنْ الثَّانِي اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ السِّقْطَ الَّذِي اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ يُعْتَبَرُ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَتَامَّ الْخَلْقِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ كَذَا فِي الْمُجْتَبَى،
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة الْمُعْتَدَّةُ عَنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ إذَا حَبِلَتْ فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ وَضَعَتْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا،
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ لَوْ قَالَتْ الْمُعْتَدَّةُ: وَلَدْتُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا بِلَا بَيِّنَةٍ فَإِنْ طَلَبَ يَمِينَهَا بِاَللَّهِ لَقَدْ أَسْقَطْتُ سِقْطًا مُسْتَبِينَ الْخَلْقِ حَلَفَتْ اتِّفَاقًا اهـ.
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلِلْحَامِلِ وَضْعُهُ) قَالَ فِي النَّهْرِ
فَرْعٌ لَوْ مَاتَ الْحَمْلُ فِي بَطْنِهَا وَمَكَثَ مُدَّةً بِمَاذَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا لَمْ أَرَ الْمَسْأَلَةَ وَيَنْبَغِي أَنْ تَبْقَى مُعْتَدَّةً إلَى أَنْ يَنْزِلَ أَوْ تَبْلُغَ مُدَّةَ الْإِيَاسِ اهـ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ قَوْلُهُ أَوْ تَبْلُغَ مُدَّةَ الْإِيَاسِ فِيهِ أَنَّهُ مُنَافٍ لِلْآيَةِ فَتَأَمَّلْ اهـ.
وَفِي حَاشِيَةِ الرَّمْلِيِّ نَقْلًا عَنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ لَا تَنْقَضِي مَعَ وُجُودِهِ لِعُمُومِ الْآيَةِ قَالَ وَلَا مُبَالَاةَ بِتَضَرُّرِهَا بِذَلِكَ كَمَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ لِلرَّمْلِيِّ،
وَفِي حَاشِيَةِ الْمَنْهَجِ لِابْنِ قَاسِمٍ قَالَ شَيْخُنَا الطَّبَلَاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَفْتَى جَمَاعَةُ عَصْرِنَا بِتَوَقُّفِ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا عَلَى خُرُوجِهِ وَاَلَّذِي أَقُولُهُ عَدَمُ التَّوَقُّفِ إذَا أُيِسَ مِنْ خُرُوجِهِ لِتَضَرُّرِهَا بِمَنْعِهَا مِنْ التَّزَوُّجِ اهـ.
وَلَا شَيْءَ مِنْ قَوَاعِدِ مَذْهَبِنَا يَدْفَعُ مَا قَالُوهُ فَاعْلَمْ ذَلِكَ اهـ. مُلَخَّصًا.
(قَوْلُهُ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ كَمَا قُلْنَاهُ إلَخْ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ سَابِقًا هَذَا مَعْنَى أَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ
(قَوْلُهُ وَإِنَّمَا قَالَا بِذَلِكَ) أَيْ: عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ كَمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْهُمَا.
(قَوْلُهُ فَتَقْدِيمُهُ فِي الْعَمَلِ تَخْصِيصٌ) أَيْ: تَقْدِيمُ قَوْلِهِ {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ} عَلَى قَوْله تَعَالَى {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} وَتَرْجِيحُ الْعَمَلِ بِهِ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى عُمُومِهِ، وَتَرْكُ الْعَمَلِ بِهَذِهِ فِي حَقِّ مَا تَنَاوَلَاهُ يَكُونُ بِنَاءً لِلْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ،
وَلَوْ قَدَّمْنَا هَذِهِ الْآيَةَ فِي الْعَمَلِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى عُمُومِهَا فَهُوَ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ الْآيَةِ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ خَاصَّةٌ مِنْ وَجْهٍ كَمَا أَنَّ تِلْكَ خَاصَّةٌ مِنْ آخَرَ فَالْعَمَلُ بِهَذِهِ الْمُتَأَخِّرَةِ فِي مِقْدَارِ مَا تَنَاوَلَاهُ أَعْنِي الْحَامِلَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا يَكُونُ تَخْصِيصًا لَهَا بِمَا وَرَاءَ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَالْخَاصُّ الْمُتَأَخِّرُ يُخَصِّصُ الْعَامَّ الْمُتَقَدِّمَ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْمُصَنِّفِ فِي جَوَازِ تَرَاخِي الْمُخَصِّصِ وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ يَكُونُ نَسْخًا لَا تَخْصِيصًا وَلَا مِنْ حَمْلِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ الْغَيْرِ الْمُتَّصِلِ وَتَفْصِيلُ الْمَسْأَلَةِ فِي مُفَصِّلَاتِ الْأُصُولِ فَقَوْلُهُ لِلْوِفَاقِ عَلَيْهِ فِيهِ نَظَرٌ يَنْدَفِعُ بِالتَّأَمُّلِ فِيهِ؛
لِأَنَّ مُرَادَهُ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْعَمَلِ بِالْمُتَأَخِّرِ سَوَاءٌ قُلْنَا هُوَ مُخَصِّصٌ أَوْ نَاسِخٌ وَلَا حَاجَةَ إلَى التَّجَوُّزِ فِي التَّخْصِيصِ كَمَا قِيلَ، وَيُؤَيِّدُهُ كَمَا فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ مَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ لِعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ} إلَخْ نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الْأُخْرَى أَفَنَكْتُبُهَا أَوْ نَدَعُهَا قَالَ يَا ابْنَ أَخِي لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ عَنْ مَكَانِهِ وَفِيهِ تَسْلِيمُ عُثْمَانَ لِلنَّسْخِ، وَتَقَدُّمِ النَّاسِخِ عَلَى الْمَنْسُوخِ فِي تَرْتِيبِ الْآيِ مِنْ النَّوَادِرِ فَتَدَبَّرْ.
وَقَوْلُهُ بِنَاءُ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ يَعْنِي لَوْ قُدِّمَتْ هَذِهِ بِأَنْ عُمِلَ بِهَا كَانَ فِيهَا تَخْصِيصٌ لِقَوْلِهِ {أَزْوَاجًا} فِي تِلْكَ بِغَيْرِ الْحَامِلَاتِ وَتَقْدِيمُ تِلْكَ فِي الْعَمَلِ بِهَا يَلْزَمُهُ بِنَاءُ الْعَامِّ وَهُوَ قَوْلُهُ {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ} الشَّامِلُ لِلْمُطَلَّقَاتِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا عَلَى الْخَاصِّ وَهُوَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا وَالْمُرَادُ بِالْبِنَاءِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ هُنَا أَنْ يُرَادَ بِالْعَامِّ الْخَاصُّ مِنْ غَيْرِ مُخَصِّصٍ لَهُ إذْ الْمُتَقَدِّمُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُخَصِّصًا لِلْمُتَأَخِّرِ وَالْبِنَاءُ بِهَذَا الْمَعْنَى لَمْ نَرَهُ لِغَيْرِهِ فَهُوَ يَحْتَاجُ لِلتَّحْرِيرِ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْخَفَاجِيِّ عَلَى الْبَيْضَاوِيِّ.
(قَوْلُهُ وَمَعْنَى قَوْلِ الْقَاضِي إلَخْ)
قَالَ فِي النَّهْرِ قَالَ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ وَكَانَ عُمُومُ الْأَوَّلِ ذَاتِيًّا؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ الْمُعَرَّفَ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ وَالثَّانِي عَرَضًا لِكَوْنِهِ وَاقِعًا فِي حَيِّزِ صِلَةِ الْعَامِّ وَإِلَّا فَالْجَمْعُ الْمُنْكَرُ لَا عُمُومَ لَهُ فِي الْمُخْتَارِ وَأَقُولُ: صَدَّرَ الْقَاضِي بِأَنَّ الْمُبْتَدَأَ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ وَأَزْوَاجُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ، وَلَا خَفَاءَ أَنَّ الْجَمْعَ الْمُعَرَّفَ بِالْإِضَافَةِ عَامٌّ إلَّا أَنْ يُدَّعَى أَنَّ عُمُومَهُ عَرَضِيٌّ أَيْضًا بِالْإِضَافَةِ لَكِنْ بَقِيَ أَنْ يُقَالَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ ذَوَاتٌ وَدَعْوَى أَنَّ الْعُمُومَ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ مَمْنُوعَةٌ بَلْ مِنْ إضَافَةِ أُولَاتِ إلَيْهِ وَعَلَيْهِ فَيَسْتَوِي مَعَ آيَةِ الْوَفَاةِ بِالتَّقْدِيرِ الْمُتَقَدِّمِ.
وَهَذَا الْإِشْكَالُ لَمْ أَرَ مَنْ عَرَجَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوِيٌّ يَحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ وَالْحَقُّ أَنَّ مَشْيَ كَلَامِ الْقَاضِي هُنَا عَنْ أَنَّ الَّذِينَ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ
إمَّا يَتَرَبَّصْنَ أَوْ مَحْذُوفٌ أَيْ: فِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ حُكْمُ الَّذِينَ فَتَدَبَّرْهُ وَالْحُكْمُ مُعَلَّلٌ بِكَوْنِ الْمُعْتَدَّةِ ذَاتَ حَمْلٍ فَبَرَاءَةُ الرَّحِمِ مِنْ حَقِّ الْغَيْرِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُبِيحًا لِلتَّزَوُّجِ بِآخَرَ وَيُتَعَقَّلُ ذَلِكَ
بِخِلَافِ الْآيَةِ الْأُخْرَى حَيْثُ لَا يُعْقَلُ تَأْثِيرُ كَوْنِ الْمَرْأَةِ مُتَوَفًّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي تَرَبُّصِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَإِنَّمَا هُوَ تَعَبُّدِيٌّ وَلِلْمُعَلَّلِ قُوَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ لَكِنْ قَدَّمْنَا عَلَى الْقَاضِي مَا يُفِيدُ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى أَيْضًا إلَّا أَنْ يُدَّعَى أَنَّهُ حِكْمَةٌ لَا عِلَّةٌ،
وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَمَا فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ مَعْنَى كَوْنِ عُمُومِ أُولَاتِ بِالذَّوَاتِ وَأَزْوَاجِ بِالْعَرَضِ؛ لِأَنَّ الْمَوْصُولَ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ وَعُمُومُ أَزْوَاجًا بَدَلِيٌّ سَهْوٌ لِمَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ أُولَاتَ لَيْسَ مَوْصُولًا بَلْ اسْمُ جَمْعٍ مُلْحَقٌ بِجَمْعِ الْمُؤَنَّثِ السَّالِمِ
(قَوْلُهُ: وَفِي الْمِعْرَاجِ حَمَلَ أَهْلُ الْعِلْمِ آيَةَ الْبَقَرَةِ عَلَى الْحَوَامِلِ) كَذَا فِي النُّسَخِ الْحَوَامِلُ بِالْمِيمِ وَالصَّوَابُ الْحَوَائِلُ بِالْهَمْزِ كَمَا هُوَ عِبَارَةُ الْمِعْرَاجِ وَنَصُّهَا حَمَلَ أَهْلُ الْعِلْمِ آيَةَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ عَلَى الْحَوَائِلِ وَآيَةَ النِّسَاءِ الْقُصْرَى عَلَى الْحَوَامِلِ وَالتَّخْصِيصُ أَوْلَى مِنْ دَعْوَى النَّسْخِ
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وَلِلْحَامِلِ وَضْعُهُ) أَيْ عِدَّةُ الْحَامِلِ وَضْعُ الْحَمْلِ سَوَاءٌ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْعِدَّةُ عَنْ طَلَاقٍ أَوْ وَفَاةٍ أَوْ غَيْرِهِ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -،
وَقَالَ عَلِيٌّ عِدَّتُهَا أَبْعَدُ الْأَجَلَيْنِ لِأَنَّ النُّصُوصَ مُتَعَارِضَةٌ فَبَعْضُهَا يُوجِبُ تَرَبُّصَ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ، وَبَعْضُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَبَعْضُهَا وَضْعَ الْحَمْلِ فَقُلْنَا بِوُجُوبِ الْأَبْعَدِ احْتِيَاطًا قُلْنَا آيَةُ الْحَمْلِ مُتَأَخِّرَةٌ فَيَكُونُ غَيْرُهَا مَنْسُوخًا بِهَا أَوْ مَخْصُوصًا،
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ مَنْ شَاءَ بَاهَلْته أَنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ الْقُصْرَى نَزَلَتْ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَعَشْرٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ،
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أُنْزِلَتْ سُورَةُ الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى، وَعَنْ «أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: ٤] لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، وَلِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فَقَالَ هِيَ لِلْمُطَلَّقَةِ، وَلِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَعَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ «أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ فَقَالَتْ لَهُ وَهِيَ حَامِلٌ طَيِّبْ نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً ثُمَّ خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ فَرَجَعَ، وَقَدْ وَضَعَتْ فَقَالَ مَا لَهَا خَدَعَتْنِي خَدَعَهَا اللَّهُ ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ سَبَقَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ اُخْطُبْهَا إلَى نَفْسِهَا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ،
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ عَنْ «سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَفْتَاهَا بِأَنْ قَدْ حَلَّتْ حِينَ وَضَعَتْ وَأَمَرَهَا بِالتَّزَوُّجِ إنْ بَدَا لَهَا، وَكَانَ قَدْ مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا»،
وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَوْ وَضَعَتْ وَزَوْجُهَا عَلَى سَرِيرِهِ لَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَحَلَّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ،
وَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ نِفَاسِهَا لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَكُنْ تَحْتَ زَوْجٍ، وَلَا مُعْتَدَّةً، وَلَا حُبْلَى بِثَابِتِ النَّسَبِ أَوْ غَيْرِهِ فَقَدْ خَلَتْ عَنْ الْمَوَانِعِ الشَّرْعِيَّةِ فَتَحِلُّ ضَرُورَةً، وَلَكِنْ لَا يَطَؤُهَا حَتَّى تَطْهُرَ، وَحُرْمَةُ الْوَطْءِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ كَالْحَائِضِ وَالصَّائِمَةِ، وَاَلَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا بَائِنًا.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً) وَالْمُتَارَكَةُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَالْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ إذَا كَانَتْ حَامِلًا كَذَلِكَ. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ مَنْسُوخًا بِهَا أَوْ مَخْصُوصًا) إنَّمَا تَرَدَّدَ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُنْفَصِلًا يَكُونُ نَسْخًا وَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا يَكُونُ تَخْصِيصًا اهـ مِنْ خَطِّ الشَّارِحِ
(قَوْلُهُ بَاهَلَتْهُ) الْمُبَاهَلَةُ الْمُلَاعَنَةُ. اهـ.
(قَوْلُهُ الْقُصْرَى) أَيْ سُورَةُ الطَّلَاقِ. اهـ.
(قَوْلُهُ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ) أَيْ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَعَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ) قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ قَالَا «هَاجَرَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فَجَاءَ أَخَوَاهَا عُمَارَةُ، وَفُلَانٌ ابْنَا عُقْبَةَ يَطْلُبَانِهَا فَأَبَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَرُدَّهَا إلَيْهِمَا، وَكَانَتْ قَبْلَ أَنْ تُهَاجِرَ بِلَا زَوْجٍ فَلَمَّا قَدِمَتْ الْمَدِينَةَ تَزَوَّجَهَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ بَعْدَ قَتْلِ زَيْدٍ فَوَلَدَتْ لَهُ زَيْنَبَ ثُمَّ فَارَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَوَلَدَتْ لَهُ إبْرَاهِيمَ وَحُمَيْدًا ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا فَتَزَوَّجَهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَمَكَثَتْ عِنْدَهُ شَهْرًا، وَمَاتَتْ» رَوَى عَنْهَا وَلَدَاهَا حُمَيْدٍ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَإِبْرَاهِيمُ، وَحَدِيثُهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَالسُّنَنِ الثَّلَاثَةِ اهـ الْإِصَابَةُ لِابْنِ حَجَرٍ
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.