يبرّ بالهبة بلا قبولٍ
الشروح عليها
(يَبَرُّ بِالْهِبَةِ بِلَا قَبُولٍ بِخِلَافِ الْبَيْعِ) فَإِذَا حَلَفَ لَيَهَبَنَّ فُلَانًا فَوَهَبَ لَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ فَإِنَّهُ يَبَرُّ،
وَلَوْ حَلَفَ لَيَبِيعَنِّ كَذَا فَبَاعَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ الْمُشْتَرِي لَا يَبَرُّ،
وَكَذَا فِي طَرَفِ النَّفْيِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْهِبَةَ عَقْدُ تَبَرُّعٍ فَيَتِمُّ بِالْمُتَبَرِّعِ، وَلِهَذَا يُقَالُ وَهَبْت وَلَمْ يَقْبَلْ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ إظْهَارُ السَّمَاحَةِ، وَذَلِكَ يَتِمُّ بِهِ،
وَأَمَّا الْبَيْعُ فَمُعَاوَضَةٌ فَاقْتَضَى الْفِعْلَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ. وَالْأَصْلُ أَنَّ اسْمَ عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالصَّرْفِ وَالسَّلَمِ وَالنِّكَاحِ وَالرَّهْنِ وَالْخُلْعِ بِإِزَاءِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ مَعًا،
وَفِي عُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ بِإِزَاءِ الْإِيجَابِ فَقَطْ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْعَطِيَّةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْعُمْرَى وَالْإِقْرَارِ وَالْهَدِيَّةِ،
وَقَالَ زُفَرُ هِيَ كَالْبَيْعِ، وَفِي الْبَيْعِ، وَمَا مَعَهُ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ لِلْمَجْمُوعِ فَلِذَا، وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ بِعْتُك أَمْسِ هَذَا الثَّوْبَ فَلَمْ تَقْبَلْ فَقَالَ بَلْ قَبِلْت أَوْ آجَرْتُك هَذِهِ الدَّارَ فَلَمْ تَقْبَلْ فَقَالَ بَلْ قَبِلْت الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي وَالْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِالْبَيْعِ تَضَمَّنَ إقْرَارَهُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَقَوْلُهُ فَلَمْ يَقْبَلْ رُجُوعٌ عَنْهُ،
وَكَذَا عَلَى عَدَمِ الْحِنْثِ إذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ فَأَوْجَبَ فَقَطْ، وَعَلَى الْحِنْثِ لَوْ حَلَفَ لَيَبِيعَنَّ الْيَوْمَ فَأَوْجَبَ فِيهِ فَقَطْ وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ لَوْ كَانَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْقَرْضُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ قَبُولَ الْمُسْتَقْرِضِ لَا بُدَّ مِنْهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ فِي حُكْمِ الْمُعَاوَضَةِ
فَلَوْ قَالَ أَقْرَضَنِي فُلَانٌ أَلْفًا فَلَمْ أَقْبَلَ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: وَنُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
وَالْإِبْرَاءُ يُشْبِهُ الْبَيْعَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُفِيدُ الْمِلْكَ بِاللَّفْظِ دُونَ قَبْضٍ وَالْهِبَةَ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ بِلَا عِوَضٍ، وَلِهَذَا ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ أَنَّ فِي الْقَرْضِ وَالْإِبْرَاءِ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا،
وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ فِيهِمَا كَالْهِبَةِ، وَقِيلَ الْأَشْبَهُ أَنْ يَلْحَقَ الْإِبْرَاءُ بِالْهِبَةِ لِعَدَمِ الْعِوَضِ وَالْقَرْضِ بِالْبَيْعِ، وَلَا يُعْلَمُ خِلَافٌ أَنَّ الِاسْتِقْرَاضَ كَالْهِبَةِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ،
وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ الْمَلَكِ، وَهَاهُنَا دَقِيقَةٌ، وَهِيَ أَنَّ حَضْرَةَ الْمَوْهُوبِ لَهُ شَرْطٌ فِي الْحِنْثِ حَتَّى لَوْ وَهَبَ الْحَالِفُ مِنْهُ، وَهُوَ غَائِبٌ لَا يَحْنَثُ اتِّفَاقًا. اهـ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى مَا فِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ قَالَ إنْ وَهَبَ لِي فُلَانٌ هَذَا الْعَبْدَ فَهُوَ حُرٌّ فَقَالَ فُلَانٌ وَهَبْته لَك فَقَالَ الْحَالِفُ قَبِلْت، وَقَبَضْته قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ هِبَةٌ قَبْلَ الْقَبُولِ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(يبر بالهبة) من عقود التبرعات والصدقة والعارية والعطية والوصية والعمري والتخلي والهبة،
وفي الإقراض والإبراء روايتان، والإبراء يشبه البيع من حيث أنه يفيد الملك باللفظ دون القبض، والهبة من حيث أنه تمليك بلا عوض، والأشبه أنه يلحق بالهبة والقرض بالبيع (بلا قبول) عندنا خلافا لزفر، والخلاف مقيد بما إذا حضر الموهوب له حتى لو وهب الحالف منه وهو غائب لم يحنث اتفاقا قاله ابن ملك
(يَبَرُّ بِالْهِبَةِ بِلَا قَبُولٍ بِخِلَافِ الْبَيْعِ) أَيْ لَوْ حَلَفَ أَنْ يَهَبَ عَبْدَهُ مَثَلًا يَبَرُّ بِقَوْلِهِ لِرَجُلٍ وَهَبْتُهُ لَك وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ الْمَوْهُوبُ لَهُ
بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَنْ يَبِيعَ فَبَاعَ وَلَمْ يَقْبَلْ الْمُشْتَرِي لَا يُعْتَدُّ بِهِ وَلَا يَبَرُّ فِي يَمِينِهِ لِأَنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكٌ بِلَا عِوَضٍ فَيَتِمُّ بِالْوَاهِبِ وَالْقَبُولُ شَرْطُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ وَهُوَ الْمِلْكُ وَشَرْطُ الْحِنْثِ الْهِبَةُ لَا حُكْمُهَا وَلِهَذَا يُقَالُ وَهَبَ وَلَمْ يَقْبَلْ وَلِأَنَّ غَرَضَهُ حَمْلُ نَفْسِهِ عَلَى إظْهَارِ السَّمَاحَةِ وَالْجُودِ وَهِيَ تَمْلِيكٌ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ وَكُلُّ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِنَفْسِ الْهِبَةِ
بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَلَا يَتِمُّ إلَّا بِهِمَا وَقَالَ زُفَرُ لَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يَقْبَلْ
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ مَا لَمْ يَقْبَلْ وَتُقْبَضْ لِأَنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكٌ وَالتَّمْلِيكُ لَا يَتِمُّ بِلَا تَمَلُّكٍ وَهُوَ الْقَبُولُ وَلِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ وَكَمَالُهَا بِالْقَبُولِ أَوْ بِالْقَبُولِ وَالْقَبْضِ وَجَوَابُهُ مَا قُلْنَا وَاخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ بِهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَثْبُتُ قَبْلَ الْقَبُولِ إلَّا أَنَّهُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ دَفْعًا لِضَرَرِ الْمِنَّةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَثْبُتُ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَمَا أَمْكَنَهُ دَفْعُهُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ بِأَنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ عَبْدًا ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ لِأَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ كَمَا مَلَكَهُ وَلِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ حَتَّى يَدْخُلَ فِي مِلْكِهِ وَنَظِيرُ الْهِبَةِ الصَّدَقَةُ وَالْعَارِيَّةُ وَالْوَصِيَّةُ وَالْإِقْرَارُ وَفِي الْقَرْضِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَنَظِيرُ الْبَيْعِ الْإِجَارَةُ وَالصَّرْفُ وَالسَّلَمُ وَالرَّهْنُ وَالنِّكَاحُ وَالْخُلْعُ وَيَحْنَثُ بِالْفَاسِدِ مِنْ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.