وإسلامه أن يتبرّأ عن الأديان سوى الإسلام أو عمّا انتقل إليه
الشروح عليها
(قَوْلُهُ وَإِسْلَامُهُ أَنْ يَتَبَرَّأَ عَنْ الْأَدْيَانِ كُلِّهَا أَوْ عَمَّا انْتَقَلَ إلَيْهِ) أَيْ إسْلَامُ الْمُرْتَدِّ بِذَلِكَ وَمُرَادُهُ أَنْ يَتَبَرَّأَ عَنْ الْأَدْيَانِ كُلِّهَا سِوَى دِينِ الْإِسْلَامِ وَتَرْكُهُ لِظُهُورِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّهَادَتَيْنِ وَصَرَّحَ فِي الْعِنَايَةِ بِأَنَّ التَّبَرُّؤَ بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ سَأَلَ أَبُو يُوسُفَ كَيْفَ يُسْلِمُ فَقَالَ أَنْ يَقُولَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِرُّ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَتَبَرَّأُ مِنْ الَّذِي انْتَحَلَهُ وَقَالَ لَمْ أَدْخُلْ فِي هَذَا الدِّينِ قَطُّ وَأَنَا بَرِيءٌ مِنْهُ وَقَوْلُهُ قَطُّ يُرِيدُ مِنْهُ مَعْنَى أَبَدًا لِأَنَّ قَطُّ ظَرْفٌ لِمَا مَضَى لَا لِمَا يُسْتَقْبَلُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْإِقْرَارُ بِالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ مُسْتَحَبٌّ وَقَوْلُهُ عَمَّا انْتَحَلَهُ أَيْ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَأَفَادَ بِاشْتِرَاطِ التَّبَرِّي أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْعَادَةِ لَمْ يَنْفَعْهُ مَا لَمْ يَرْجِعْ عَمَّا قَالَ إذْ لَا يَرْتَفِعُ بِهِمَا كُفْرُهُ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَجَامِعِ الْفُصُولَيْنِ.
وَقَيَّدَ بِإِسْلَامِ الْمُرْتَدِّ لِأَنَّ فِي إسْلَامِ غَيْرِهِ مِنْ الْكُفَّارِ تَفْصِيلًا فَإِنْ كَانَ الْكَافِرُ جَاحِدًا لِلْبَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ أَوْ مُقِرًّا بِالْبَارِي مُشْرِكًا غَيْرَهُ مَعَهُ كَالثَّنَوِيَّةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُسْلِمًا بِإِحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ
وَكَذَا إذَا قَالَ أَنَا عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ أَوْ عَلَى الْحَنِيفِيَّةِ وَإِنْ كَانَ مُوَحِّدًا جَاحِدًا لِلرِّسَالَةِ فَلَا يَصِيرُ مُسْلِمًا بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ حَتَّى يَقُولَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَفِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ قَالَ مَجُوسِيٌّ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا
وَلَوْ قَالَ أَسْلَمْت فَهُوَ إسْلَامٌ وَفِي الرَّوْضَةِ لَوْ قَالَ الْكَافِرُ آمَنْت بِمَا آمَنَ بِهِ الرُّسُلُ صَارَ مُسْلِمًا وَفِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ إذَا قَالَ الْكَافِرُ اللَّهُ وَاحِدٌ يَصِيرُ مُسْلِمًا
وَلَوْ قَالَ لِمُسْلِمٍ دِينُك حَقٌّ لَا يَصِيرُ مُسْلِمًا
وَقِيلَ يَصِيرُ مُسْلِمًا إلَّا إذَا قَالَ حَقٌّ وَلَكِنْ لَا أُؤْمِنُ بِهِ
وَلَوْ قَالَ بَرِئْت مِنْ الْيَهُودِيَّةِ وَلَمْ يَقُلْ دَخَلْت فِي دِينِ الْإِسْلَامِ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا وَفِي التَّجْرِيدِ لَوْ قَالَ الْيَهُودِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَتَبَرَّأَ مِنْ النَّصْرَانِيَّةِ فَلَيْسَ بِإِسْلَامٍ
وَلَوْ قَالَ مَعَ ذَلِكَ وَدَخَلْت فِي دِينِ الْإِسْلَامِ أَوْ دِينِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مُسْلِمًا الْكُلُّ مِنْ الْخُلَاصَةِ وَفِي الْمُحِيطِ مَنْ يُقِرُّ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَكِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ رَسُولٌ إلَى الْعَرَبِ لَا إلَى بَنِي إسْرَائِيلَ كَمَا فِي بِلَادِ الْعِرَاقِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا بِإِقْرَارِهِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى يَتَبَرَّأَ مِنْ دِينِهِ ذَلِكَ أَوْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ دَخَلَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ اهـ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَكُونُ بِالْفِعْلِ أَيْضًا كَالصَّلَاةِ بِجَمَاعَةٍ أَوْ الْإِقْرَارِ بِهَا أَوْ الْأَذَانِ فِي بَعْضِ الْمَسَاجِدِ أَوْ الْحَجِّ وَشُهُودِ الْمَنَاسِكِ لَا الصَّلَاةِ وَحْدَهُ وَمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّ فِي إسْلَامِ غَيْرِهِ مِنْ الْكُفَّارِ تَفْصِيلًا) قَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَقْسَامَ الْكُفَّارِ وَمَا يَصِيرُ بِهِ الْكَافِرُ مُسْلِمًا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْجِهَادِ
(قَوْلُهُ كَالثَّنَوِيَّةِ) هُمْ الْمَجُوسُ الْقَائِلُونَ بِإِلَهَيْنِ النُّورِ الْمُسَمَّى بزدان وَشَأْنُهُ خَلْقُ الْخَيْرِ وَالظُّلْمَةِ الْمُسَمَّاةِ هُرْمُزَ وَشَأْنُهَا خَلْقُ الشَّرِّ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَعَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ فِي عِبَارَةِ الْمُؤَلِّفِ قَلْبًا فَإِنَّ الْمَجُوسِيَّ جَاحِدٌ لِلْبَارِي تَعَالَى
بِخِلَافِ الْوَثَنِيِّ فَإِنَّ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ هُمْ الْمُشْرِكُونَ.
[قَتْلُ الْمُرْتَدّ قَبْلَ عَرْضِ الْإِسْلَامِ]
(وإسلامه أن يتبرأ عن الأديان) كلها بإن يقول: تبت ورجعت إلى دين الإسلام وأنا بريء من كل دين (غير) دين (الإسلام) كذا في (المنية) لكن هذا بعد أن يأتي بالشهادتين كما في (الإيضاح) .
وفي (الكافي) (و) لو تبرأ (عما انتقل إليه) كفى لحصول المقصود كذا في (الدراية) والظاهر أن التبرؤ مع الإتيان بالشهادتين مغن عم قوله تبت ورجعت فليس جزءا من مفهومه كما يوهمه ما في (المنية) وما في (الكافي) معناه الكفاية عن قوله: أنا بريء من كل دين غير دين الإسلام،
ولو أتى بالشهادتين على وجه العادة لم ينفعه ما لم يرجع عما قال إذ لا يرتفع بها كفره كذا في (البزازية) فيد بإسلام المرتد لأن في غيره تفصيلا.
قال في (البدائع) : الكفار أصناف أربعة: صنف ينكرون الصانع وهم الدهرية، وصنف ينكرون الوحدانية وهو الثنوية والمجوس، وصنف يقرون بها لكن ينكرون بعثة الرسل وهو قوم من الفلاسفة، وصنف يقرون بالكل في الجملة غير أنهم ينكرون وكره قتله قبله ولم يضمن قاتله ولا تقتل المرتدة بل تحبس حتى تسلم.
عموم رسالته - صلى الله عليه وسلم - إلى كافة وهو اليهود والنصارى، فالصنفان الأولان يكتفي منهم بقول لا إله إلا الله،
والثالث لا بد أن يقول محمد رسول الله، والرابع لا بد مع الإقرار بالرسالة من التبرؤ من دينه زاد في (الخانية) مع زيادة قوله: ودخلت في دين الإسلام.
وعلله في (الذخيرة) بأنه قد يتبرأ من اليهودية ويدخل في النصرانية فجاز أن يكون تبرؤه لذلك وليس المراد من قول (البدائع) وهم اليهود والنصارى كل النصارى بل طائقة منهم في العراق يقال لهم العيسوية صرح بذلك في (المحيط) (والخانية) وعلى هذا فينبغي أن يستفسر الآتي بالشهادتين منهم إن جهل حال.
قال قارئ (الهداية) : والذي أفتي به أن الذمي إذا تلفظ بالشهادتين يحكم بإسلامه وإن لم يتبرأ من دينه الذي كان عليه وإذا رجع عما كان عليه يقتل إلا أن يعود إلى الإسلام لأن التلفظ بهما صار علامة على الإسلام، واعلم أن الإسلام كما يكون بالقول يكون بالفعل أيضا كما إذا صلى مكتوبة وأتمها مقتديا أو أذن في الوقت أو سجد للتلاوة أو أدى زكاة السائمة لا بغير ذلك وقد جمعت ذلك:
وكافر في الوقت صلى باقتدا .... متمما صلاته لا مفسدا أو أذن معلنا أيضا أو زكى .... سوائما كأن سجد تزكى ومن رام إشباع الكلام في ذلك فعليه بكتابنا المرسوم (بدرر المسائل باختصار أنفع الوسائل) ،
(وَإِسْلَامُهُ أَنْ يَتَبَرَّأَ عَنْ الْأَدْيَانِ سِوَى الْإِسْلَامِ أَوْ عَمَّا انْتَقَلَ إلَيْهِ) أَيْ كَيْفِيَّةُ تَوْبَتِهِ أَنْ يَتَبَرَّأُ عَنْ الْأَدْيَانِ كُلِّهَا سِوَى دِينِ الْإِسْلَامِ وَلَوْ تَبَرَّأَ عَمَّا انْتَقَلَ إلَيْهِ صَحَّ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَالْأَوْلَى هُوَ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا دِينَ لَهُ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَإِسْلَامُهُ أَنْ يَتَبَرَّأَ عَنْ الْأَدْيَانِ إلَخْ) وَلَكِنْ بَعْدَ إتْيَانِهِ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ ذَكَرَهُ فِي الْإِيضَاحِ وَفِي الْمُنْيَةِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ تُبْت وَرَجَعْت إلَى دِينِ الْإِسْلَامِ وَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ دِينٍ سِوَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَالْإِقْرَارُ بِالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ مُسْتَحَبٌّ. اهـ. دِرَايَةٌ
قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ إسْلَامُ النَّصْرَانِيِّ أَنْ يَقُولَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَيَتَبَرَّأَ مِنْ النَّصْرَانِيَّةِ، وَالْيَهُودِيُّ كَذَلِكَ يَتَبَرَّأُ مِنْ الْيَهُودِيَّةِ
وَكَذَا فِي كُلِّ مِلَّةٍ وَأَمَّا بِمُجَرَّدِ الشَّهَادَتَيْنِ فَلَا يَكُونُ مُسْلِمًا لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِذَلِكَ غَيْرَ أَنَّهُمْ يَدَّعُونَ خُصُوصَ الرِّسَالَةِ إلَى الْعَرَبِ فَيُصَدِّقُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَا يَتِمُّ الْإِسْلَامُ إلَّا بِهِ هَذَا فِيمَنْ بَيْنَ أَظْهُرِنَا مِنْهُمْ
وَأَمَّا مَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَوْ حَمَلَ عَلَيْهِ مُسْلِمٌ فَقَالَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَهُوَ مُسْلِمٌ أَوْ قَالَ دَخَلْت فِي دِينِ الْإِسْلَامِ أَوْ دِينِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ دَلِيلُ إسْلَامِهِ فَكَيْفَ إذَا أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ضِيقًا. اهـ. فَتْحٌ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.