فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

البحر الرائقابن نجيم

(قَوْلُهُ: وَالشَّرْطُ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي) أَيْ الشَّرْطُ فِي اعْتِبَارِهَا عِلْمُهُ أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي أَيْ التَّمْيِيزُ، فَالنِّيَّةُ هِيَ الْإِرَادَةُ لِلْفِعْلِ وَشَرْطُهَا التَّعْيِينُ لِلْفَرَائِضِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُرَادُهُمْ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ اشْتِرَاطُ التَّعْيِينِ لِلْفَرَائِضِ لَكَانَ تَكْرَارًا إذْ قَالُوا بَعْدَهُ وَلِلْفَرْضِ شَرْطُ تَعْيِينِهِ وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ الْمَلَكِ الْمُرَادُ أَنَّ مَنْ قَصَدَ صَلَاةً فَعَلِمَ أَنَّهَا ظُهْرٌ أَوْ عَصْرٌ أَوْ نَفْلٌ أَوْ قَضَاءٌ يَكُونُ ذَلِكَ نِيَّةً لَهُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ أُخْرَى لِلتَّعْيِينِ إذَا أَوْصَلَهَا بالتحريمية.

اهـ.

وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ لَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ وَالْحَقُّ أَنَّهُمْ إنَّمَا ذَكَرُوا الْعِلْمَ بِالْقَلْبِ لِإِفَادَةِ أَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا هِيَ عَمَلُ الْقَلْبِ وَأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ بِاللِّسَانِ لَا أَنَّهُ شَرْطٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ النِّيَّةِ وَاشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ،

٢٬٧٧٥

وَأَمَّا قَوْلُ الشَّارِحِ وَأَدْنَاهُ أَنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ لَوْ سُئِلَ عَنْهَا أَمْكَنَهُ أَنْ يُجِيبَ مِنْ غَيْرِ فِكْرٍ وَعَزَاهُ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي إلَى الْأَجْنَاسِ فَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَالْخَانِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ وَإِلَّا فَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا تَجُوزُ بِنِيَّةٍ مُتَقَدِّمَةٍ عَلَى الشُّرُوعِ بِشَرْطِهِ الْمُتَقَدِّمِ سَوَاءٌ كَانَ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى الْجَوَابِ مِنْ غَيْرِ تَفَكُّرٍ أَوْ لَا وَلِهَذَا

٢٬٧٧٦

قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ وَلَوْ نَوَى قَبْلَ الشُّرُوعِ فَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَوْ نَوَى عِنْدَ الْوُضُوءِ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ أَوْ الْعَصْرَ مَعَ الْإِمَامِ وَلَمْ يَشْتَغِلْ بَعْدَ النِّيَّةِ بِمَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا انْتَهَى إلَى مَكَانِ الصَّلَاةِ لَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ جَازَتْ صَلَاتُهُ بِتِلْكَ النِّيَّةِ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَفِي الْبَدَائِعِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فَمَنْ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ يُرِيدُ الْفَرْضَ فِي الْجَمَاعَةِ فَلَمَّا انْتَهَى إلَى الْإِمَامِ كَبَّرَ وَلَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ، قَالَ الْكَرْخِيُّ: وَلَا أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ عُلَمَائِنَا خَالَفَ أَبَا يُوسُفَ فِي ذَلِكَ.

اهـ.

وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّهُ يَكْفِي تَقَدُّمُ أَصْلِ النِّيَّةِ وَنِيَّةِ التَّعْيِينِ لِلْفَرَائِضِ وَلَا يُشْتَرَطُ الْمُقَارَنَةُ وَلَا الِاسْتِحْضَارُ لِمَا نَوَاهُ فِي أَثْنَائِهَا، بَلْ كَلَامُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَكْفِي مُقَارَنَةُ النِّيَّةِ لِلتَّكْبِيرِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِحْضَارِ لَهَا إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ قَالَ لَوْ احْتَاجَ إلَى تَفَكُّرٍ بَعْدَ السُّؤَالِ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَوَى بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَمَا حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ فَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا بُدَّ مِنْ الذِّكْرِ بِاللِّسَانِ مَرْدُودٌ، وَقَدْ اخْتَلَفَ كَلَامُ الْمَشَايِخِ فِي التَّلَفُّظِ بِاللِّسَانِ فَذَكَرَهُ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُجْتَبَى وَفِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَالتَّبْيِينِ أَنَّهُ يَحْسُنُ لِاجْتِمَاعِ عَزِيمَتِهِ وَفِي الِاخْتِيَارِ مَعْزِيًّا إلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ سُنَّةٌ وَهَكَذَا فِي الْمُحِيطِ وَالْبَدَائِعِ وَفِي الْقُنْيَةِ أَنَّهُ بِدْعَةٌ إلَّا أَنْ لَا يُمْكِنَهُ إقَامَتُهَا فِي الْقَلْبِ إلَّا بِإِجْرَائِهَا عَلَى اللِّسَانِ فَحِينَئِذٍ يُبَاحُ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ السُّنَّةَ الِاقْتِصَارُ عَلَى نِيَّةِ الْقَلْبِ،

٢٬٧٧٧

فَإِنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِلِسَانِهِ جَازَ وَنُقِلَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ عَنْ بَعْضِهِمْ الْكَرَاهَةُ وَظَاهِرُ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ اخْتِيَارُ أَنَّهُ بِدْعَةٌ فَإِنَّهُ قَالَ: قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: لَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ أُصَلِّي كَذَا وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بَلْ الْمَنْقُولُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ كَبَّرَ» وَهَذِهِ بِدْعَةٌ.

اهـ.

وَقَدْ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِاجْتِمَاعِ عَزِيمَتِهِ أَنَّهُ لَا يَحْسُنُ لِغَيْرِ هَذَا الْقَصْدِ وَهَذَا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ تَفَرُّقُ خَاطِرِهِ فَإِذَا ذَكَرَ بِلِسَانِهِ كَانَ عَوْنًا عَلَى جَمْعِهِ، ثُمَّ رَأَيْته فِي التَّجْنِيسِ قَالَ وَالنِّيَّةُ بِالْقَلْبِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلُهُ وَالتَّكَلُّمُ لَا مُعْتَبَرَ بِهِ وَمَنْ اخْتَارَهُ اخْتَارَهُ لِتَجْتَمِعَ عَزِيمَتُهُ. اهـ.

وَزَادَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَيْضًا فَتَحَرَّرَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ عِنْدَ قَصْدِ جَمْعِ الْعَزِيمَةِ، وَقَدْ اسْتَفَاضَ ظُهُورُ الْعَمَلِ بِذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ فِي عَامَّةِ الْأَمْصَارِ فَلَعَلَّ الْقَائِلَ بِالسُّنِّيَّةِ أَرَادَ بِهَا الطَّرِيقَةَ الْحَسَنَةَ لَا طَرِيقَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَقِيَ الْكَلَامُ فِي كَيْفِيَّةِ التَّلَفُّظِ بِهَا فَفِي الْمُحِيطِ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ صَلَاةَ كَذَا فَيَسِّرْهَا لِي وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي وَهَكَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَالْحَاوِي وَفِي الْقُنْيَةِ إذَا أَرَادَ النَّفَلَ أَوْ السُّنَّةَ يَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الصَّلَاةَ فَيَسِّرْهَا لِي وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي وَفِي الْفَرْضِ اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ فَرْضَ الْوَقْتِ أَوْ فَرْضَ كَذَا فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي وَفِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ لَك وَأَدْعُوَ لِهَذَا الْمَيِّتِ فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي وَالْمُقْتَدِي يَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ فَرْضَ الْوَقْتِ مُتَابِعًا لِهَذَا الْإِمَامِ فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي.

اهـ.

وَهَذَا كُلُّهُ يُفِيدُ أَنَّ التَّلَفُّظَ بِهَا يَكُونُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ لَا بِنَحْوِ نَوَيْت أَوْ أَنْوِي كَمَا عَلَيْهِ عَامَّةُ الْمُتَلَفِّظِينَ بِالنِّيَّةِ مِنْ عَامِّيٍّ وَغَيْرِهِ لَا يَخْفَى أَنَّ سُؤَالَ التَّوْفِيقِ وَالْقَبُولِ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ التَّلَفُّظِ بِهَا، عَلَى أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ مَشَايِخِنَا فِي وَجْهِ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْحَجِّ أَنَّ الْحَجَّ لَمَّا كَانَ مِمَّا يَمْتَدُّ وَيَقَعُ فِيهِ الْعَوَارِضُ وَالْمَوَانِعُ وَهُوَ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ تَحْصُلُ بِأَفْعَالٍ شَاقَّةٍ اُسْتُحِبَّ طَلَبُ التَّيْسِيرِ وَالتَّسْهِيلِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يُشْرَعْ مِثْلُ هَذَا الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ؛

لِأَنَّ أَدَاءَهَا فِي وَقْتٍ يَسِيرٍ. اهـ.

وَهُوَ صَرِيحٌ فِي نَفْيِ قِيَاسِ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَجِّ وَفِي الْمُجْتَبَى مَنْ عَجَزَ عَنْ إحْضَارِ الْقَلْبِ فِي النِّيَّةِ يَكْفِيهِ اللِّسَانُ. اهـ.

٢٬٧٧٨

وَظَاهِرُهُ أَنَّ فِعْلَ اللِّسَانِ يَكُونُ بَدَلًا عَنْ فِعْلِ الْقَلْبِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ نَصْبَ الْإِبْدَالِ بِالرَّأْيِ لَا يَجُوزُ وَفِي الْغُنْيَةِ عَزَمَ عَلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ وَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ نَوَيْت صَلَاةَ الْعَصْرِ يُجْزِئُهُ.

منحة الخالقابن عابدين، حاشية على البحر الرائق

(قَوْلُهُ: وَالْحَقُّ أَنَّهُمْ إنَّمَا ذَكَرُوا الْعِلْمَ إلَخْ) أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ قَوْلَهُمْ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي ظَاهِرٌ فِيمَا قَالَهُ فِي الْفَتْحِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ إفَادَةُ أَنَّهَا مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ لَقَالُوا وَالشَّرْطُ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أَيَّ شَيْءٍ يَفْعَلُ أَيْ لِيُمَيِّزَ الْعِبَادَةَ عَنْ الْعَادَةِ وَحِينَئِذٍ يُفِيدُ مَا قَالَ

١٬٠١٩

بِخِلَافِ مَا مَرَّ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ يُشْتَرَطُ تَمْيِيزُ كُلِّ صَلَاةٍ شَرَعَ فِيهَا عَنْ غَيْرِهَا وَذَلِكَ شَرْطٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ النِّيَّةِ لِأَنَّ النِّيَّةَ كَمَا مَرَّ هِيَ الْإِرَادَةُ أَيْ الْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ الْقَاطِعَةُ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ فِي اللُّغَةِ الْعَزْمُ وَالْعَزْمُ هُوَ الْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ الْقَاطِعَةُ وَالْإِرَادَةُ صِفَةٌ تُوجِبُ تَخْصِيصَ الْمَفْعُولِ بِوَقْتٍ وَحَالٍ دُونَ غَيْرِهِمَا فَالنِّيَّةُ هِيَ أَنْ يَجْزِمَ بِتَخْصِيصِ الصَّلَاةِ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا وَالشَّرْطُ فِيهَا أَنْ يُمَيِّزَهَا عَنْ غَيْرِهَا لَكِنْ لَوْ كَانَتْ نَفْلًا يُشْتَرَطُ تَمْيِيزُهَا عَنْ فِعْلِ الْعَادَةِ وَلَوْ كَانَتْ فَرْضًا يُشْتَرَطُ أَيْضًا تَمْيِيزُهَا عَمَّا يُشَارِكُهَا فِي أَخَصِّ أَوْصَافِهَا فَاشْتِرَاطُ التَّمْيِيزِ هُنَا مُجْمَلٌ بَيْنَ فِيمَا بَعْدُ بِقَوْلِهِ وَيَكْفِيهِ مُطْلَقُ النِّيَّةِ إلَخْ فَالتَّكْرَارُ مُنْتَفٍ وَلَوْ سَلَّمَ يُرَدُّ عَلَى مَا ادَّعَى أَنَّهُ الْحَقُّ أَيْضًا فَتَأَمَّلْ مُنْصِفًا، ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ أَجَابَ بِحَاصِلِ مَا أَجَبْت بِهِ حَيْثُ قَالَ اشْتِرَاطُ التَّعْيِينِ هُنَا مُجْمَلٌ وَفِيمَا يَأْتِي مُفَصَّلٌ وَذِكْرُ الْمُفَصَّلِ بَعْدَ الْمُجْمَلِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى.

اهـ.

فَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَى الشَّارِحِ بِأَنَّ قَوْلَهُ لَا أَنَّهُ شَرْطٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ النِّيَّةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْعِلْمَ هُوَ النِّيَّةُ وَهُوَ بَاطِلٌ كَمَا لَا يَخْفَى. اهـ.

وَسَبَقَهُ إلَى هَذَا الِاعْتِرَاضِ فِي الشرنبلالية عَلَى الدُّرَرِ ثُمَّ قَالَ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَ الْهِدَايَةِ وَالشَّرْطُ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِلْإِرَادَةِ لِيَلْزَمَ مَا قِيلَ بَلْ هُوَ شَرْطٌ لِتَحَقُّقِ تِلْكَ الْإِرَادَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الشَّرْطَ غَيْرُ الْمَشْرُوطِ فَلَا يَتَأَتَّى نِسْبَةُ مَا ذُكِرَ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ الظَّاهِرِ وَكَلَامُهَا ظَاهِرٌ. اهـ.

وَهُوَ جَانِحٌ إلَى فَتْحِ الْقَدِيرِ.

(قَوْلُهُ: وَأَمَّا قَوْلُ الشَّارِحِ وَأَدْنَاهُ أَنْ يَعْلَمَ إلَخْ) أَقُولُ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَ الشَّارِحِ بِذَلِكَ بَيَانُ الْمُرَادِ مِنْ الْعِلْمِ الْمَشْرُوطِ فِي النِّيَّةِ الْحَاصِلِ عِنْدَهَا، يَعْنِي أَنَّ الْعِلْمَ الْمَشْرُوطَ أَدْنَاهُ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ الْجَوَابُ فَوْرَ السُّؤَالِ وَإِلَّا لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ الْعِلْمُ إذْ لَوْ احْتَاجَ إلَى تَأَمُّلٍ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِقَلْبِهِ أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي اسْتِمْرَارَ هَذِهِ الْحَالَةِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ وَلَيْتَ شِعْرِي مِنْ أَيْنَ يُفْهَمُ ذَلِكَ وَلِلَّهِ تَعَالَى دَرُّ الْحَصْكَفِيِّ حَيْثُ قَالَ وَهُوَ أَيْ عَمَلُ الْقَلْبِ أَنْ يَعْلَمَ عِنْدَ الْإِرَادَةِ بَدَاهَةً بِلَا تَأَمُّلٍ أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي حَيْثُ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ عِنْدَ الْإِرَادَةِ دَفْعًا لِمَا تَوَهَّمَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ.

(قَوْلُهُ: وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا بُدَّ مِنْ الذِّكْرِ بِاللِّسَانِ) فَإِنَّهُ لَيْسَ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ بَلْ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ سُنَّةٌ وَسَيَأْتِي عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ سَبَقَ عَنْ الْعُيُونِ وَصَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ بِالْإِجْمَاعِ فَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَالنِّهَايَةِ وَمَجْمُوعِ الْمَسَائِلِ وَالْمِفْتَاحِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنَّهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا بُدَّ مِنْهُ فِيهَا غَيْرُ صَحِيحٍ. اهـ.

(قَوْلُهُ: وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ نَصْبَ الْإِبْدَالِ بِالرَّأْيِ لَا يَجُوزُ) أَخَذَهُ مِنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ وَعِبَارَتُهُ وَالْعَبْدُ الضَّعِيفُ لَهُ فِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ إقَامَةَ فِعْلِ اللِّسَانِ فِي هَذَا مَقَامَ عَمَلِ الْقَلْبِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ بَدَلًا مِنْهُ لَا يَكُونُ لِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ الْإِبْدَالَ لَا تُنْصِبُ بِالرَّأْيِ، وَقَدْ يَسْقُطُ الشَّرْطُ عِنْدَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَا إلَى بَدَلٍ، وَقَدْ يَسْقُطُ إلَى بَدَلٍ، وَقَدْ يَسْقُطُ الْمَشْرُوطُ بِوَاسِطَةِ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى شَرْطِهِ فَإِثْبَاتُ أَحَدِ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ دُونَ الْبَاقِي يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ وَأَيْنَ الدَّلِيلُ هُنَا عَلَى إقَامَةِ فِعْلِ اللِّسَانِ مُقَامَ فِعْلِ الْقَلْبِ فِي خُصُوصِ هَذَا الْأَمْرِ مِنْ الشَّارِعِ فَلْيُتَأَمَّلْ. اهـ.

النهر الفائقعمر ابن نجيم

(والشرط) فيها (أن يعلم) أي: علمه (بقلبه أي صلاة يصلي) فرضا هي أو غيره نبه بذلك على أن المعتبر فيها عمل القلب اللازم للإرادة وهو أن يعلم عندها بداهة أي صلاة يصلي فسقط ما قيل: الأصح أن العلم ليس نية حتى لو علم أي صلاة يصلي لا يكفيه خلافا لابن سلمة ألا ترى أن من علم الكفر لا يكفر إذ أن الذكر المراد باللسان لا عبرة به إنما الاعتبار لعقد القلب إلا إذا عجز عن إحضاره لتوالي هموم إصابته فيكفيه اللسان كما في المجتبى وما في الفتح: أراد أن الشرط في ويكفيه مطلق النية للنفل والسنة والتراويح ...

اعتبارها علمه أي صلاة هي أي: التمييز فحاصل كلامه النية الإرادة للفعل وشرطها التعيين في الفرائض لا يلائم كلام المصنف للزوم التكرار في قوله بعد وللفرض شرط تعيينه ثم لا يخفى أن هذا شرط لصحة النية سواء قدمت أو أخرت قال الشارح: فأدناه أن يصير لو سئل عنها أمكنه أن يجيب من غير فكر وخرجه في البحر على قول ابن سلمة

٧٥١

والمذهب جواز تقديمها سواء قدر بعد على الجواب أم لا لكن في البزازية قيل: قول ابن سلمة هو الأصح واختلف كلامهم في التلفظ فرجح في منية المصلي تبعا للمجتبى وغيره استحبابه وجعله في اختياره تبعا للبدائع والمحيط سنة كذا عن محمد وفي الشرح والكافي أنه أحسن وفي القنية أنه بدعة إلا أن لا يمكنه إقامتها بالقلب وفي الفتح عن بعض الحفاظ لم يثبت عنه عليه الصلاة والسلام من طريق صحيح ولا ضعيف أنه كان يقول عند الافتتاح أصلي كذا ولا عن أحد من الصحابة والتابعين زاد الحلبي ولا عن الأئمة الأربعة بل المنقول أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا قام إلى الصلاة كبر وهذه بدعة انتهى أي: حسنة لمن تجتمع عزيمته وجعلها بعضهم سيئة فجزم بالكراهية كما في شرح المنية وكيفيتها أن يقول: اللهم إني أريد صلاة كذا فيسرها لي وتقبلها مني كذا في المحيط وغيره نفلا كانت أو سنة ولو صلاة جنازة كذا في القنية لكن ذكر غير واحد أن هذا خاص بالحج لامتداده وكثرة مشاقه

٧٥٢

بخلاف الصلاة لأن أداءها في زمن يسير.

تبيين الحقائقالزيلعي

(وَالشَّرْطُ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي) وَأَدْنَاهُ أَنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ لَوْ سُئِلَ عَنْهَا أَمْكَنَهُ أَنْ يُجِيبَ مِنْ غَيْرِ فِكْرَةٍ،

٦٧٢

وَأَمَّا التَّلَفُّظُ بِهَا فَلَيْسَ بِشَرْطٍ وَلَكِنْ يَحْسُنُ لِاجْتِمَاعِ عَزِيمَتِهِ.

قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

حاشية الشلبيالشلبي، حاشية على تبيين الحقائق

(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَالشَّرْطُ أَنْ يَعْلَمَ) أَيْ شَرْطُ صِحَّةِ نِيَّتِهِ أَنْ يَكُونَ مَنْوِيُّهُ مَعْلُومًا عِنْدَهُ

٥١٦

لَا أَنْ يَكُونَ مَذْكُورًا بِلِسَانِهِ فَانْدَفَعَ بِهَذَا الِاعْتِرَاضِ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي تَفْسِيرَ النِّيَّةِ بِالْعِلْمِ. اهـ. يَحْيَى

(قَوْلُهُ: فَلَيْسَ بِشَرْطٍ) أَيْ لِصِحَّةِ الشُّرُوعِ. اهـ. .

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.