وللفرض شرط تعيينه كالعصر مثلًا
الشروح عليها
(قَوْلُهُ: وَلِلْفَرْضِ شَرْطُ تَعْيِينِهِ كَالْعَصْرِ مَثَلًا) لِاخْتِلَافِ الْفُرُوضِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا قَرَنَ بِالْيَوْمِ كَعَصْرِ الْيَوْمِ سَوَاءٌ خَرَجَ الْوَقْتُ أَوْ لَا لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ قَضَاءٌ بِنِيَّةِ الْأَدَاءِ وَهُوَ جَائِزٌ عَلَى الصَّحِيحِ يَدُلُّ عَلَى هَذَا مَسْأَلَةُ الْأَسِيرِ إذَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ فَتَحَرَّى شَهْرًا وَصَامَ فَوَقَعَ صَوْمُهُ بَعْدَ رَمَضَانَ وَهَذَا قَضَاءٌ بِنِيَّةِ الْأَدَاءِ، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَشَمِلَ مَا إذَا قَرَنَ بِالْوَقْتِ كَعَصْرِ الْوَقْتِ أَوْ فَرَضَ الْوَقْتَ وَقَيَّدَهُمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِعَدَمِ خُرُوجِ الْوَقْتِ،
فَإِنْ خَرَجَ وَنَسِيَهُ لَا يُجْزِئُهُ فِي الصَّحِيحِ وَجَعَلَ هَذَا الْقَيْدَ الشَّارِحُ قَيْدًا فِي فَرْضِ الْوَقْتِ فَقَطْ مُعَلِّلًا بِأَنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ غَيْرُ الظُّهْرِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ نِيَّةُ عَصْرِ الْوَقْتِ صَحِيحَةً وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَيَكُونُ الْوَقْتُ كَالْيَوْمِ كَمَا لَا يَخْفَى وَيُسْتَثْنَى مِنْ فَرْضِ الْوَقْتِ الْجُمُعَةُ فَإِنَّهَا بَدَلُ فَرْضِ الْوَقْتِ لَا نَفْسِهِ فَلَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ بِنِيَّةِ فَرْضِ الْوَقْتِ إلَّا أَنْ يَكُونَ اعْتِقَادُهُ أَنَّهَا فَرْضُ الْوَقْتِ، وَشَمِلَ مَا إذَا نَوَى الْعَصْرَ بِلَا قَيْدٍ وَفِيهِ خِلَافٌ فَفِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ نَوَى الظُّهْرَ لَا يَجُوزُ؛
لِأَنَّ هَذَا الْوَقْتَ كَمَا يَقْبَلُ ظُهْرَ هَذَا الْيَوْمِ يَقْبَلُ ظُهْرًا آخَرُ
وَقِيلَ يَجُوزُ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ مُتَعَيِّنٌ لَهُ هَذَا إذَا كَانَ مُؤَدِّيًا،
فَإِنْ كَانَ قَاضِيًا، فَإِنْ صَلَّى بَعْدِ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ فَنَوَى الظُّهْرَ لَا يَجُوزُ أَيْضًا وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ يَنْوِي صَلَاةً عَلَيْهِ،
فَإِنْ كَانَتْ وَقْتِيَّةً فَهِيَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ قَضَاءً فَهِيَ عَلَيْهِ أَيْضًا. اهـ.
وَهَكَذَا صَحَّحَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَعْزِيًّا إلَى فَتَاوَى الْعَتَّابِيِّ لَكِنْ جَزَمَ فِي الْخُلَاصَةِ بِعَدَمِ الْجَوَازِ وَصَحَّحَهُ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ فِي شَرْحِ الْمُغْنِي فَاخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ كَمَا تَرَى وَيَنْبَغِي فِي مَسْأَلَةِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ صَلَاةٌ غَيْرَهَا وَإِلَّا فَلَا تَعْيِينَ وَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ نَوَى شَيْئَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ
فَلَوْ نَوَى فَائِتَةً وَوَقْتِيَّةً كَمَا إذَا فَاتَتْهُ الظُّهْرُ فَنَوَى فِي وَقْتِ الْعَصْرِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَلَوْ نَوَى مَكْتُوبَتَيْنِ فَهِيَ الَّتِي دَخَلَ وَقْتُهَا وَعَلَّلَ لَهُ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّ الْوَقْتِيَّةَ وَاجِبَةٌ لِلْحَالِ وَغَيْرُهَا لَا. اهـ. وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَاحِبِ تَرْتِيبٍ وَإِلَّا فَالْفَائِتَةُ أَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي الْمُنْيَةِ أَيْضًا لَوْ نَوَى فَائِتَةً وَوَقْتِيَّةً فَهِيَ لِلْفَائِتَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي آخِرِ وَقْتِ الْوَقْتِيَّةِ.
اهـ.
وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأَوَّلِ وَأَفَادَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ مَكْتُوبَتَيْنِ فَائِتَتَيْنِ فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لَكِنْ فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ يَكُونُ لِلْأُولَى مِنْهُمَا وَأَقَرَّهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَعَلَّلَ لَهُ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّ الثَّانِيَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا بَعْدَ قَضَاءِ الْأُولَى وَهُوَ إنَّمَا يُتِمُّ فِيمَا إذَا كَانَ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا وَاجِبًا وَلَوْ نَوَى الْفَرْضَ وَالتَّطَوُّعَ جَازَ عَنْ الْفَرْضِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَقْوَى مِنْ النَّفْلِ فَلَا يُعَارِضُهُ فَتَلْغُو نِيَّةُ النَّفْلِ وَتَبْقَى نِيَّةُ الْفَرْضِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ أَصْلًا لِتَعَارُضِ الْوَصْفَيْنِ وَلَوْ نَوَى الظُّهْرَ وَالْجُمُعَةَ جَمِيعًا بَعْضُهُمْ جَوَّزُوا ذَلِكَ وَرَجَّحُوا نِيَّةَ الْجُمُعَةِ بِحُكْمِ الِاقْتِدَاءِ وَلَوْ نَوَى مَكْتُوبَةً وَصَلَاةَ جِنَازَةٍ فَهِيَ عَنْ الْمَكْتُوبَةِ وَلَوْ نَوَى نَافِلَةً وَصَلَاةَ جِنَازَةٍ فَهِيَ نَافِلَةٌ، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَأَطْلَقَ نِيَّةَ التَّعْيِينِ فَشَمِلَ الْفَوَائِتَ أَيْضًا فَلِذَا
قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ كَانَتْ الْفَوَائِتُ كَثِيرَةً فَاشْتَغَلَ بِالْقَضَاءِ يَحْتَاجُ إلَى تَعْيِينِ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ وَيَنْوِي أَيْضًا ظُهْرَ يَوْمِ كَذَا،
فَإِنْ أَرَادَ تَسْهِيلَ الْأَمْرِ يَنْوِي أَوَّلَ ظُهْرٍ عَلَيْهِ أَوْ آخِرَ ظُهْرٍ عَلَيْهِ فَرْقٌ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَفِي الصَّوْمِ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ يَوْمَيْنِ فَقَضَى يَوْمًا وَلَمْ يُعَيِّنْ جَازَ؛ لِأَنَّ فِي الصَّوْمِ السَّبَبَ وَاحِدٌ وَهُوَ الشَّهْرُ فَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ إكْمَالَ الْعَدَدِ،
أَمَّا فِي الصَّلَاةِ فَالسَّبَبُ مُخْتَلِفٌ وَهُوَ الْوَقْتُ وَبِاخْتِلَافِ السَّبَبِ يَخْتَلِفُ الْوَاجِبُ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ يَوْمَيْنِ مِنْ رَمَضَانَيْنِ يَحْتَاجُ إلَى التَّعْيِينِ. اهـ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ لِلْفَرَائِضِ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي رَجُلٍ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ مِنْ يَوْمٍ وَاشْتَبَهَتْ أَنَّهَا أَيَّةُ صَلَاةٍ فَإِنَّهُ يُصَلِّي صَلَاةَ كُلِّ الْيَوْمِ حَتَّى يَخْرُجَ عَمَّا عَلَيْهِ وَيَتَفَرَّعَ أَيْضًا مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ رَجُلٌ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ الصَّلَاةَ الْخَمْسَ فَرْضٌ عَلَى الْعِبَادِ إلَّا أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا فِي مَوَاقِيتِهَا لَا يَجُوزُ وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْفَرْضَ
وَكَذَا إذَا عَلِمَ أَنَّ مِنْهَا فَرِيضَةً وَمِنْهَا سُنَّةً لَكِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْفَرِيضَةَ مِنْ السُّنَّةِ،
فَإِنْ نَوَى الْفَرِيضَةَ فِي الْكُلِّ جَازَ وَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ بَعْضَهَا فَرِيضَةٌ وَبَعْضَهَا سُنَّةٌ فَصَلَّى مَعَ الْإِمَامِ وَنَوَى صَلَاةَ الْإِمَامِ جَازَتْ،
فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ الْفَرَائِضَ مِنْ السُّنَنِ لَكِنْ لَا يَعْلَمُ مَا فِي الصَّلَاةِ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ جَازَتْ صَلَاتُهُ أَيْضًا،
فَإِنْ أَمَّ هَذَا الرَّجُلُ غَيْرَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ الْفَرَائِضَ مِنْ النَّوَافِلِ فَصَلَّى وَنَوَى الْفَرْضَ فِي الْكُلِّ جَازَتْ صَلَاتُهُ،
أَمَّا صَلَاةُ الْقَوْمِ فَكُلُّ صَلَاةٍ لَيْسَتْ لَهَا سُنَّةٌ قَبْلَهَا كَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ يَجُوزُ أَيْضًا وَكُلُّ صَلَاةٍ قَبْلَهَا سُنَّةٌ مِثْلُهَا كَصَلَاةِ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ لَا تَجُوزُ صَلَاةُ الْقَوْمِ. اهـ.
وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِالْفَرْضِ الْفَرْضَ الْعَمَلِيَّ فَيَشْمَلُ الْوَاجِبَ فَيَدْخُلُ فِيهِ قَضَاءُ مَا شَرَعَ فِيهِ مِنْ النَّفْلِ، ثُمَّ أَفْسَدَهُ وَالنَّذْرُ وَالْوِتْرُ وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ لِإِسْقَاطِ الْوَاجِبِ عَنْهُ وَقَالُوا: إنَّهُ لَا يَنْوِي فِيهِ أَنَّهُ وَاجِبٌ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ وَفِي الْقُنْيَةِ مِنْ سُجُودِ التِّلَاوَةِ لَا تَجِبُ نِيَّةُ التَّعْيِينِ فِي السَّجَدَاتِ. اهـ.
وَأَمَّا نِيَّةُ التَّعْيِينِ لِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ لِدَفْعِ الْمُزَاحِمِ مِنْ سَجْدَةِ الشُّكْرِ وَالسَّهْوِ وَأَرَادَ بِاشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ وُجُودَهُ عِنْدَ الشُّرُوعِ فَقَطْ حَتَّى لَوْ نَوَى فَرْضًا وَشَرَعَ فِيهِ، ثُمَّ نَسِيَ فَظَنَّهُ تَطَوُّعًا فَأَتَمَّهُ عَلَى أَنَّهُ تَطَوُّعٌ فَهُوَ فَرْضٌ مُسْقِطٌ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ الْمُعْتَبَرَةَ إنَّمَا يُشْتَرَطُ قِرَانُهَا بِالْجُزْءِ الْأَوَّلِ
وَمِثْلُهُ إذَا شَرَعَ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ فَأَتَمَّهَا عَلَى ظَنِّ الْمَكْتُوبَةِ فَهِيَ تَطَوُّعٌ
بِخِلَافِ مَا لَوْ كَبَّرَ حِينَ شَكَّ يَنْوِي التَّطَوُّعَ فِي الْأَوَّلِ أَوْ الْمَكْتُوبَةَ فِي الثَّانِي حَيْثُ يَصِيرُ خَارِجًا إلَى مَا نَوَى ثَانِيًا لِقِرَانِ النِّيَّةِ بِالتَّكْبِيرِ وَسَيَأْتِي فِي الْمُفْسِدَاتِ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا ذَكَرَهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَطْعِ النِّيَّةِ لِصِحَّةِ الْمَنْوِيِّ
فَلَوْ رَدَّدَ لَا يَصِحُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَقَيَّدَ بِنِيَّةِ التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ؛ لِأَنَّ قَصْدَ التَّعْيِينِ مُغْنٍ عَنْهُ وَلَوْ نَوَى الظُّهْرَ ثَلَاثًا وَالْفَجْرَ أَرْبَعًا جَازَ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِاللِّسَانِ أَنَّهُ لَوْ نَوَى الظُّهْرَ وَتَلَفَّظَ بِالْعَصْرِ فَإِنَّهُ يَكُونُ شَارِعًا فِي الظُّهْرِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ.
(قَوْلُهُ: وَجَعَلَ هَذَا الْقَيْدَ الشَّارِحُ إلَخْ)
قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا وَهْمٌ فَإِنَّ لَفْظَ الشَّارِحِ وَيَكْفِيهِ أَنْ يَنْوِيَ ظُهْرَ الْوَقْتِ مَثَلًا أَوْ فَرْضَ الْوَقْتِ وَالْوَقْتُ بَاقٍ لِوُجُودِ التَّعْيِينِ
فَلَوْ كَانَ الْوَقْتُ قَدْ خَرَجَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ غَيْرُ الظُّهْرِ. اهـ.
أَيْ وَكَذَلِكَ ظُهْرُ الْوَقْتِ فَقَدْ جَعَلَهُ قَيْدًا فِيهِمَا كَمَا تَرَى وَالْفَرْقُ بَيْنَ ظُهْرِ الْوَقْتِ وَظُهْرِ الْيَوْمِ غَنِيٌّ عَنْ الْبَيَانِ. اهـ. كَلَامُ النَّهْرِ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَمَنْ تَأَمَّلَ وَجَدَ الْحَقَّ مَعَ صَاحِبِ الْبَحْرِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَفِي وَقْتِ الْعَصْرِ صَلَاةٌ تُسَمَّى فَرْضُ الْوَقْتِ فَلَا تَصِحُّ بِنِيَّةِ فَرْضِ الْوَقْتِ لِلِاشْتِبَاهِ وَلَيْسَ فِيهِ صَلَاةٌ تُسَمَّى ظُهْرَ الْوَقْتِ فَلَا يَشْتَبِهُ الْحَالُ فَيَجِبُ أَنْ يَصِحَّ وَعِبَارَةُ الزَّيْلَعِيِّ قَابِلَةٌ لِمَا فَهِمَهُ فِي الْبَحْرِ بَلْ قَرِيبَةٌ لِمَنْ أَمْعَنَ النَّظَرَ. اهـ.
لَكِنْ اعْتَرَضَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ صَاحِبُ الْبَحْرِ قَبْلَ رُؤْيَتِهِ كَلَامَ النَّهْرِ بِأَنَّ ظَاهِرَ الْعِبَارَةِ أَنَّ الْقَيْدَ لَهُمَا كَمَا فَعَلَهُ فِي الْفَتْحِ،
وَأَمَّا أَخْذُهُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ التَّبْيِينِ فِي التَّعْلِيلِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَ التَّبْيِينِ بَعْدَهُ وَلَوْ نَوَى ظُهْرَ يَوْمِهِ يَجُوزُ مُطْلَقًا يُعْطِي خِلَافَهُ. اهـ.
ثُمَّ نَقَلَ عَنْ النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا نَحْوَ عِبَارَةِ الزَّيْلَعِيِّ ثُمَّ قَالَ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ لَا تَخْلُو عَنْ إشَارَةٍ إلَى أَنَّ ظُهْرَ الْوَقْتِ كَفَرْضِ الْوَقْتِ لَا كَظُهْرِ يَوْمِهِ طِبَاقُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ وَأَفْهَمَهُ التَّبْيِينُ قَالَ: ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ مَلَكٍ وَهُوَ أَقْدَمُ مِنْ صَاحِبِ الْفَتْحِ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ وَفِي الْمُحِيطِ الْأَوْلَى فِي نِيَّةِ الْفَرْضِ مَثَلًا أَنْ يَقُولَ نَوَيْت ظُهْرَ الْيَوْمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ ظُهْرَ الْوَقْتِ أَوْ فَرْضَهُ فَكَانَ الْوَقْتُ خَارِجًا وَهُوَ لَا يَعْلَمُهُ لَا يُجْزِئُهُ،
أَمَّا لَوْ قَالَ ظُهْرَ الْيَوْمِ فَيُجْزِئُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْوَقْتُ خَارِجًا أَوْ بَاقِيًا. اهـ.
لَكِنْ فِي عُمْدَةِ الْمُفْتِي وَلَوْ شَكَّ فِي خُرُوجِ الْوَقْتِ فَنَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ظُهْرًا، وَقَدْ يَكُونُ عَصْرًا وَلَوْ نَوَى ظُهْرَ الْوَقْتِ أَوْ عَصْرَهُ يَجُوزُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ بِنِيَّةِ الْأَدَاءِ وَالْأَدَاءُ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ يَجُوزُ عَلَى الْمُخْتَارِ ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ. اهـ.
لَكِنَّ هَذَا يَرِدُ عَلَى حَصْرِ التَّبْيِينِ الْمُخَلِّصَ عَنْ الشَّكِّ فِي ظُهْرِ الْيَوْمِ إنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى مَا سَلَكَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ مِنْ قَطْعِ ظُهْرِ الْوَقْتِ عَنْ التَّعْلِيلِ لَكِنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ بَيْنَ صُورَةِ الشَّكِّ وَبَيْنَ صُورَةِ مَسْأَلَتِنَا فَرْقًا مِنْ حَيْثُ وُجُودُ الشَّكِّ فِيهَا الْغَيْرِ الْمُمَحَّضِ النِّيَّةَ
بِخِلَافِ صُورَتَيْ النِّسْيَانِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ فَتَحَصَّلَ لَنَا أَنَّ نِيَّةَ ظُهْرِ الْوَقْتِ وَفَرْضَ الْوَقْتِ لَا تُجْزِيَانِ فِي صُورَةِ عَدَمِ الْعِلْمِ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ كَمَا فِي شَرْحِ ابْنِ مَالِكٍ وَالْفَتْحِ وَأَفْهَمَهَا عِبَارَاتُ الْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْفَتْحِ النِّسْيَانَ مَكَانَ عَدَمِ الْعِلْمِ وَتُجْزِئُ الْأُولَى فِي صُورَةِ الشَّكِّ فِي خُرُوجِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ،
وَأَمَّا ظُهْرُ الْيَوْمِ فَيُجْزِئُ فِي صُورَةِ عَدَمِ الْعِلْمِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ أَيْضًا وَفِي صُورَةِ الشَّكِّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْعَتَّابِيُّ وَالتَّبْيِينُ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْمُغَايَرَةِ بَيْنَ صُورَتَيْ الشَّكِّ وَعَدَمِ الْعِلْمِ قَوْلُ خِزَانَةِ الْفَتَاوَى وَفِي الْعَتَّابِيِّ يَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ ظُهْرَ يَوْمِهِ
وَكَذَا كُلُّ وَقْتٍ شَكَّ فِي خُرُوجِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْوَقْتِيَّةَ هَلْ تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ الْمُخْتَارِ أَنَّهُ يَجُوزُ إذَا كَانَ فِي قَلْبِهِ فَرْضُ الْوَقْتِ وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَنَوَى ظُهْرَ الْيَوْمِ جَازَ. اهـ. إذْ لَوْلَا الْمُغَايَرَةُ لَكَانَ تَكْرَارًا وَقَوْلُ الْمُجْتَبَى وَلَوْ نَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ بَعْدَمَا خَرَجَ لَا يَجُوزُ وَإِنْ شَكَّ فِي خُرُوجِهِ فَنَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ جَازَ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ الْقَضَاءِ بِنِيَّةِ الْأَدَاءِ. اهـ. ثُمَّ وَجَدْت صَاحِبَ النَّهْرِ قَالَ إلَخْ.
اهـ. كَلَامُ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
أَقُولُ: وَذُكِرَ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة كُلُّ وَقْتٍ شَكَّ فِي خُرُوجِهِ فَنَوَى ظُهْرَ الْوَقْتِ مَثَلًا فَإِذَا هُوَ قَدْ خَرَجَ الْمُخْتَارُ الْجَوَازُ. اهـ.
وَكَذَا فِي مَتْنِ الْمُنْيَةِ عَنْ الْمُحِيطِ وَالتَّصْرِيحِ بِأَنَّهُ الْمُخْتَارُ لَكِنْ بِزِيَادَةِ الْبِنَاءِ الْمَارِّ عَنْ عُمْدَةَ الْمُفْتِي وَكَانَ الْحَلَبِيُّ لَمْ يَرَ الْفَرْقَ بَيْنَ الشَّكِّ وَعَدَمَ الْعِلْمِ فَاعْتَرَضَ الْمُنْيَةُ بِمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْخُلَاصَةِ ثُمَّ قَالَ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا اخْتَارَهُ فِي الْمُحِيطِ غَيْرُ الْمُخْتَارِ. اهـ.
وَأَغْرَبَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ حَيْثُ حَكَمَ بِأَنَّ مَا فِي الْمُنْيَةِ غَلَطٌ لَا يُسَاعِدُهُ الْوَجْهُ وَلَا الْمَسْطُورُ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ كَمَا نَقَلَهُ الْحَمَوِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ عَنْهُ لِمَا عَلِمْت مِنْ نَقْلِهِ الْفَرْعَ الْمَذْكُورَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَعُمْدَةِ الْمُفْتِي وَالْمُحِيطِ فَإِنَّ صَاحِبَ الْمُنْيَةِ ثِقَةٌ لَا يَعْزُو بِغَيْرِ تَثَبُّتٍ وَوُجُودُهُ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ يُنَافِي ذَلِكَ وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَاصِلَ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ دَفَعَ الْإِيرَادَ عَلَى حَصْرِ الزَّيْلَعِيِّ وَدَفَعَ الْمُنَافَاةَ بَيْنَ كَلَامِهِ لَوْ حُمِلَ عَلَى مَا قَرَّرَهُ فِي النَّهْرِ وَكَلَامِ الْعُمْدَةِ وَفِي كُلٍّ نَظَرٌ،
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْبَحْرِ لَا يَكُونُ فِي كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نِيَّةَ ظُهْرِ الْوَقْتِ كَنِيَّةِ ظُهْرِ الْيَوْمِ بَلْ تَخْصِيصُ الْمُخَلِّصِ بِالثَّانِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ لَيْسَ كَذَلِكَ فَالْإِيرَادُ بَاقٍ وَلِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّغَايُرِ بَيْنَ الشَّكِّ وَعَدَمِ الْعِلْمِ لَا يُجْدِي فِي دَفْعِ الْمُنَافَاةِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُمَا قَوْلَانِ مُتَقَابِلَانِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ شَارِحِي الْمُنْيَةِ وَقَوْلُ الزَّيْلَعِيِّ آخِرًا وَلَوْ نَوَى ظُهْرَ يَوْمِهِ يَجُوزُ مُطْلَقًا وَهُوَ مُخَلِّصٌ لِمَنْ يَشُكُّ فِي خُرُوجِ الْوَقْتِ.
اهـ.
مَعَ أَنَّ صَدْرَ كَلَامِهِ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرَ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّكِّ وَلَا يَظْهَرُ دَفْعُ الْمُنَافَاةِ بَيْنَ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ وَالْفَتْحِ وَمَنْ وَافَقَهُمَا وَبَيْنَ كَلَامِ الْعُمْدَةِ وَالْأَشْبَاهِ وَالْمُنْيَةِ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْفَرْقِ بَلْ هُوَ يُؤَكِّدُ الْمُنَافَاةَ وَيُحْكَمُ بِأَنَّهُمَا قَوْلَانِ مُتَبَايِنَانِ كَمَا قُلْنَا، وَبَيَانُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَنَوَى ظُهْرَ الْوَقْتِ فَاَلَّذِي فِي ظَنِّهِ أَنَّ الْوَقْتَ بَاقٍ فَيَكُونُ مُرَادُهُ بِالْوَقْتِ وَقْتَ الظُّهْرِ وَمَعَ هَذَا لَا تَجُوزُ نِيَّتُهُ فَإِذَا كَانَ شَاكًّا فِي خُرُوجِهِ يَكُونُ أَوْلَى فِي عَدَمِ الْجَوَازِ فَالْقَوْلُ بِالْجَوَازِ فِي هَذَا يُنَافِي الْقَوْلَ بِعَدَمِهِ فِي الْأَوَّلِ فَأَيْنَ التَّوْفِيقُ وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ عِبَارَةِ الْخِزَانَةِ وَالْمُجْتَبَى لَا يَدُلُّ عَلَى دَفْعِ الْمُنَافَاةِ وَإِنْ دَلَّ عَلَى أَصْلِ التَّغَايُرِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى التَّغَايُرِ بَيْنَهُمَا مِمَّا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛
لِأَنَّهُ لَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ وَعِبَارَةُ الْخِزَانَةِ لَيْسَتْ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّ حَاصِلَهَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي نِيَّةِ ظُهْرِ الْوَقْتِ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْ الشَّكِّ وَعَدَمِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي عِبَارَةِ الْمُجْتَبَى التَّعَرُّضُ لِعَدَمِ الْعِلْمِ فَثَبَتَ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ وَأَنَّ الْمُخْتَارَ خِلَافُ مَا فِي الْمُنْيَةِ وَالْعُمْدَةِ كَمَا قَالَهُ الْحَلَبِيُّ ثُمَّ التَّحْقِيقُ أَنَّ تَعْلِيلَ الزَّيْلَعِيِّ يَصْلُحُ لِكُلٍّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَذَلِكَ أَنَّ أَلْ فِي الْوَقْتِ كَمَا قَالَ الْحَلَبِيُّ لِلْعَهْدِ لَا لِلْجِنْسِ فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَنَوَى ظُهْرَ الْوَقْتِ لَا يَجُوزُ؛
لِأَنَّهُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ لَا يَتَعَيَّنُ الظُّهْرُ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ فَرْضُ الْوَقْتِ الْحَاضِرِ الْمَعْهُودِ بَلْ فَرْضُ الْوَقْتِ غَيْرُهُ فَقَوْلُ الزَّيْلَعِيِّ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا فَرَضَ الْوَقْتَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَيْ حَالَةِ خُرُوجِ الْوَقْتِ غَيْرِ الظُّهْرِ عِلَّةٌ لِعَدَمِ جَوَازِ نِيَّةِ ظُهْرِ الْوَقْتِ وَفَرْضِ الْوَقْتِ بِلَا تَقْدِيرٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى مَا قَالَهُ فِي النَّهْرِ، وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ أَيْضًا دَفْعُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ: وَهَكَذَا صَحَّحَهُ إلَخْ) رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ بِهِ
وَقِيلَ يَجُوزُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَكَذَا اسْتَظْهَرَهُ فِي الْعِنَايَةِ ثُمَّ قَالَ وَأَقُولُ: الشَّرْطُ الْمُتَقَدِّمُ وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي يَحْسِمُ مَادَّةَ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ وَغَيْرِهَا فَإِنَّ الْعُمْدَةَ عَلَيْهِ لِحُصُولِ التَّمْيِيزِ بِهِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ. اهـ.
قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهُ لَوْ نَوَى الظُّهْرَ وَتَلَفَّظَ بِالْعَصْرِ يَكُونُ شَارِعًا فِي الْعَصْرِ.
(قَوْلُهُ: وَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ نَوَى شَيْئَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَخْ) أَقُولُ: ذَكَرَ الْخَلَّاطِيُّ فِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لِلْإِمَامِ مُحَمَّدٍ مَا يُخَالِفُ بَعْضَ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا فَلْنَذْكُرْ حَاصِلَ مَا ذَكَرَهُ فِي التَّلْخِيصِ مُوَضِّحًا مِنْ شَرْحِهِ لِلْفَارِسِيِّ اعْلَمْ أَنَّ نِيَّةَ الْفَرْضَيْنِ مَعًا إنْ كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ كَانَتْ لَغْوًا عِنْدَ هُمَا وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ وَصُورَتُهُ مَا لَوْ كَبَّرَ يَنْوِي ظُهْرًا أَوْ عَصْرًا عَلَيْهِ مِنْ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ عَالِمًا بِأَوَّلِهِمَا أَوْ لَا فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلتَّنَافِي بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ طَرَأَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ رَفَعَهُ وَأَبْطَلَهُ أَصْلًا حَتَّى لَوْ شَرَعَ فِي الظُّهْرِ ثُمَّ كَبَّرَ يَنْوِي عَصْرًا عَلَيْهِ بَطَلَتْ الظُّهْرُ وَصَحَّحَ شُرُوعَهُ فِي الْعَصْرِ لِامْتِنَاعِ كَوْنِهَا ظُهْرًا أَوْ عَصْرًا فَإِذَا كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا قُوَّةُ رَفْعِ الْأُخْرَى بَعْدَ ثُبُوتِهَا يَكُونُ لَهَا قُوَّةُ دَفْعِهَا عَنْ الْمَحَلِّ قَبْلَ اسْتِقْرَارِهَا بِالْأَوْلَى؛
لِأَنَّ الدَّفْعَ أَسْهَلُ مِنْ الرَّفْعِ وَهَذَا عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ
وَكَذَا عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ عِنْدَهُ
إمَّا بِالْحَاجَةِ إلَى التَّعْيِينِ وَإِمَّا بِالْقُوَّةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدْ اسْتَوَيَا فِي الْأَمْرَيْنِ ثُمَّ إطْلَاقُ الْفَرْضَيْنِ يَتَنَاوَلُ مَا وَجَبَ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى كَالْمَكْتُوبَةِ أَوْ بِإِيجَابِ الْعَبْدِ كَالْمَنْذُورِ أَدَاءً أَوْ قَضَاءً وَمَا أُلْحِقَ بِهِ كَفَاسِدِ النَّفْلِ سَوَاءٌ كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَالظُّهْرَيْنِ وَالْجِنَازَتَيْنِ وَالْمَنْذُورَتَيْنِ أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ كَالظُّهْرِ مَعَ الْعَصْرِ أَوْ مَعَ النَّذْرِ أَوْ مَعَ الْجِنَازَةِ
وَقِيلَ: إنَّ نَاوِيَ الْفَرْضَيْنِ فِي الصَّلَاةِ مُتَنَفِّلٌ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَإِنْ كَانَتْ نِيَّةُ الْفَرْضَيْنِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ كَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْكَفَّارَةِ كَانَتْ مُعْتَبَرَةً وَيَكُونُ مُتَنَفِّلًا إلَّا إذَا كَانَ الْفَرْضَانِ كَفَّارَتَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَيَكُونُ مُفْتَرِضًا فَإِذَا نَوَى بِكُلِّ الْمَالِ الْمَدْفُوعِ لِلْفَقِيرِ زَكَاةً وَكَفَّارَةً ظِهَارًا وَنَوَى الصَّوْمَ عَنْ قَضَاءٍ وَكَفَّارَةٍ أَوْ لَبَّى مَنْ كَانَ حَجَّ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ يَنْوِي حَجَّتَيْنِ مَنْذُورَتَيْنِ صَارَ شَارِعًا فِي نَفْلٍ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَيْنِ هُنَا تَدَافَعَا وَصْفًا وَهُوَ جِهَةُ الصَّدَقَةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ لَا أَصْلًا لِعَدَمِ التَّنَافِي بَيْنَهُمَا بِدَلِيلِ بُطْلَانِ الطَّارِئِ دُونَ الْقَائِمِ فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ التَّدَافُعُ مِنْ حَيْثُ الْأَصْلُ بَقِيَ أَصْلُ النِّيَّةِ وَذَلِكَ يَكْفِي لِلنَّفْلِ
بِخِلَافِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ التَّدَافُعُ فِيهَا مِنْ حَيْثُ الْأَصْلُ عِنْدَ الْمُقَارَنَةِ فَبَطَلَا جَمِيعًا،
وَأَمَّا فِي كَفَّارَتَيْنِ مِنْ جِنْسَيْنِ بِأَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً عَنْ ظِهَارَيْنِ مِنْ امْرَأَتَيْنِ أَوْ عَنْ إفْطَارَيْنِ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ رَمَضَانَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ الْجِهَتَانِ لَا أَصْلًا وَلَا وَصْفًا فَلَا يَلْغُو الْعِتْقُ كَمَا لَغَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَقَعُ نَفْلًا كَمَا فِي الصَّوْمِ وَأَخَوَاتِهِ بَلْ يَقَعُ فَرْضًا عَنْ أَحَدِهِمَا اسْتِحْسَانًا لِإِلْغَاءِ التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُفِيدُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ وَإِذَا لَغَا يَبْقَى نِيَّةُ أَصْلِ التَّكْفِيرِ فَيَكْفِي عَنْ أَحَدِهِمَا كَمَا لَوْ أَطْلَقَ وَإِذَا نَوَى فَرْضًا وَنَفْلًا فَهُوَ مُفْتَرِضٌ كَمَا إذَا نَوَى الظُّهْرَ وَالتَّطَوُّعَ بِتَحْرِيمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ الصَّوْمَ عَنْ الْقَضَاءِ وَالتَّطَوُّعِ أَوْ أَهَلَّ مِنْ حَجٍّ لِلْإِسْلَامِ يَنْوِي حَجَّةَ نَذْرٍ وَتَطَوُّعٍ فَإِنَّهُ يَصِيرُ شَارِعًا فِي الْفَرْضِ وَتَبْطُلُ نِيَّةُ التَّطَوُّعِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ تَرْجِيحًا لِلْفَرْضِ بِقُوَّتِهِ أَوْ حَاجَتِهِ إلَى التَّعْيِينِ فَيَلْغُو مَا لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّعْيِينِ وَيُعْتَبَرُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ كَمَا إذَا بَاعَ سِوَارًا وَعَبْدًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَنَقَدَ مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِ السِّوَارِ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى حِصَّةِ السِّوَارِ لِئَلَّا يَفْسُدَ الْبَيْعُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنْ كَانَتْ نِيَّةُ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ فِي الصَّلَاةِ تَلْغُو فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا سَوَاءٌ كَانَ ظُهْرًا أَوْ نَفْلًا أَوْ ظُهْرًا أَوْ صَلَاةَ جِنَازَةٍ وَإِنْ كَانَتْ فِي الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ بِأَنْ نَوَى حَجَّةً مَنْذُورَةً وَحَجَّةً تَطَوُّعًا يَكُونُ مُتَنَفِّلًا
بِخِلَافِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَالتَّطَوُّعِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ شَارِعًا فِي الْفَرْضِ بِالِاتِّفَاقِ،
أَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَلِأَنَّ الْفَرْضَ أَقْوَى
وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَلِأَنَّهُ لَمَّا لَغَتْ نِيُّهُ الْجِهَتَيْنِ بَقِيَ أَصْلُ النِّيَّةِ وَذَلِكَ يَكْفِي لِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ هَذَا خُلَاصَةُ مَا فِي شَرْحِ تَلْخِيصِ الْجَامِعِ لِلْفَارِسِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَوْ نَوَى صَلَاتَيْنِ مَكْتُوبَتَيْنِ لَا تَصِحُّ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا وَلَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ أَصْلًا سَوَاءٌ كَانَتَا فَائِتَتَيْنِ أَوْ فَائِتَةً وَوَقْتِيَّةً وَسَوَاءٌ كَانَ صَاحِبَ تَرْتِيبٍ أَوْ لَا وَسَوَاءٌ ضَاقَ وَقْتُ الْوَقْتِيَّةِ أَوْ لَا وَلَعَلَّهُ فِي الْأَخِيرَيْنِ اعْتَبَرَ بَعْضُهُمْ تَرْجِيحَ الْقُوَّةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَتَأَمَّلْ أَوْ هُمَا رِوَايَتَانِ كَمَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ يُفِيدُ إلَخْ) هَذِهِ الْإِفَادَةُ إنَّمَا تَتِمُّ لَوْ حُمِلَ كَلَامُ الْمُنْيَةِ عَلَى مَا يَشْمَلُ الْوَقْتِيَّةَ مَعَ الْفَائِتَةِ أَوْ مَعَ الَّتِي لَمْ يَدْخُلُ وَقْتُهَا،
أَمَّا لَوْ حُمِلَ عَلَى الثَّانِي فَقَطْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لَا يَتِمُّ مَا ذَكَرَهُ وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْحَمْلُ أَنَّهُ فِي الْمُنْيَةِ ذَكَرَ حُكْمَ الْوَقْتِيَّةِ مَعَ الْفَائِتَةِ فِيمَا يُعِيدُهُ مُغَايِرًا لِذَلِكَ فَيَلْزَمُ الْمُنَافَاةُ فَتَعَيَّنَ مَا قَالَهُ الْحَلَبِيُّ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأَوَّلِ) أَيْ لِقَوْلِهِ وَلَوْ نَوَى مَكْتُوبَتَيْنِ إلَخْ لَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا الْوَقْتِيَّةُ مَعَ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا فَلَا مُخَالَفَةَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْمُخَالَفَةَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا قَدَّمَهُ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ
فَلَوْ نَوَى فَائِتَةً وَوَقْتِيَّةً إلَخْ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ إنَّمَا يَتِمُّ فِيمَا إذَا كَانَ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا وَاجِبًا) الْعِبَارَةُ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُنْيَةِ وَقَالَ بَعْدَهَا بَقِيَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا وَاجِبًا وَيُمْكِنُ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ أَنَّهَا لِلْأُولَى؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَهَا أَوْلَى. اهـ.
وَجَزَمَ بِهِ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُنْيَةِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ فِي الصَّوْمِ السَّبَبَ وَاحِدٌ وَهُوَ الشَّهْرُ) أَقُولُ: يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا قَالُوا مِنْ أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ سَبَبٌ لِصَوْمِهِ خِلَافًا لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَلِذَا وَجَبَ لِكُلِّ يَوْمٍ نِيَّةٌ ثُمَّ رَأَيْت الْمُحَقِّقَ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ وَقَالَ فَصَارَ الْيَوْمَانِ كَالظُّهْرَيْنِ ثُمَّ قَالَ لَكِنَّا سَنُبَيِّنُ مَا يَرْفَعُ هَذَا الْإِشْكَالَ.
(قَوْلُهُ: حَتَّى لَوْ كَانَا مِنْ رَمَضَانَيْنِ يَحْتَاجُ إلَى التَّعْيِينِ) سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الصَّوْمِ أَنَّهُ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ
وَالصَّحِيحُ الْإِجْزَاءُ وَفِي الْفَتْحِ هُنَاكَ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْإِمْدَادِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَمَّ هَذَا الرَّجُلُ غَيْرَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ) الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ فَإِنَّ أَمَّ غَيْرَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ إلَخْ وَيُسْقِطَ (هَذَا الرَّجُلُ) .
(قَوْلُهُ: كَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِيهِ أَنَّ الْعَصْرَ وَالْعِشَاءَ قَبْلَهُمَا سُنَّةٌ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُؤَكَّدَةٍ فَمَتَى نَوَى الْفَرْضَ فِيهَا صَارَتْ فَرْضًا وَكَانَ مَا بَعْدَهَا نَفْلًا فَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِينَ بِهِ فِيهَا وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ كَصَلَاةٍ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا مِثْلَهَا فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَمَا يَظْهَرُ لَك بِالتَّأَمُّلِ.
(قَوْلُهُ: وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِالْفَرْضِ الْفَرْضَ الْعَمَلِيَّ إلَخْ)
قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْعَمَلِيَّ مَا يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ وَلَا شَكَّ فِي عَدَمِ صِدْقِهِ عَلَى الْعِيدَيْنِ وَمَا أَفْسَدَهُ مِنْ النَّفْلِ وَالتِّلَاوَةِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ أَرَادَ بِهِ اللَّازِمَ.
(قَوْلُهُ: وَقَالُوا: إنَّهُ لَا يَنْوِي إلَخْ) أَيْ لَا يَلْزَمُهُ تَعْيِينُ الْوُجُوبِ
لَا أَنَّ الْمُرَادَ مَنْعُهُ مِنْ أَنْ يَنْوِيَ وُجُوبَهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ حَنَفِيًّا يَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَهُ لِيُطَابِقَ اعْتِقَادَهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ لَا تَضُرُّهُ تِلْكَ النِّيَّةُ، كَذَا ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ فِي بَابِ الْوِتْرِ.
(قَوْلُهُ: وُجُودُهُ عِنْدَ الشُّرُوعِ فَقَطْ) أَيْ لِاسْتِمْرَارِهِ لَكِنْ فِي تَقْيِيدِهِ بِوَقْتِ الشُّرُوعِ نَظَرٌ بَلْ الشَّرْطُ التَّعْيِينُ عِنْدَ النِّيَّةِ كَمَا فِي النَّهْرِ سَوَاءٌ كَانَتْ عِنْدَ الشُّرُوعِ أَوْ قَبْلَهُ عَلَى مَا مَرَّ
(قَوْلُهُ: فَلَوْ رَدَّدَ لَا يُصْبِحُ) أَقُولُ: هَذَا لَا يُنَافِي مَا مَرَّ أَنَّهُ لَوْ نَوَى الْفَرْضَ وَالتَّطَوُّعَ جَازَ عَنْ الْفَرْضِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ لِعَدَمِ التَّرَدُّدِ ثَمَّةَ؛ لِأَنَّهُ جَازِمٌ بِالصَّلَاتَيْنِ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَقَالَ هَذَا أَيْ الْخِلَافُ لَا يَقْتَضِي عَدَمَ اشْتِرَاطِ قَطْعِ النِّيَّةِ لِصِحَّةِ الْمَنْوِيِّ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ لِقَطْعِهَا عَلَى الصَّلَاتَيْنِ جَمِيعًا. اهـ.
وَنُقِلَ فِي النَّهْرِ عِبَارَةُ الْفَتْحِ بِدُونِ التَّعْلِيلِ وَأَسْقَطَ لَفْظَةَ " لَا " فَأَوْرَثَتْ خَلَلًا فَتَنَبَّهْ.
(للفرض) ولو قضاء قال في البحر: أراد به العملي ليدخل صلاة العيدين وركعتي الطواف وما أفسده من النفل وسجود التلاوة والوتر والمنذور والجنازة وأقول: فيه نظر لما مر من أن العملي هو ما يفوت الجواز بفوته ولا شك في عدم صدقه على العيدين وما أفسده من النفل والتلاوة فالأولى أن يقال: أراد به اللازم وفي منية المفتي متنفل اقتدى بمفترض ثم أفسده ناويا نفلا آخر قيل هو قضاء.
وقيل: نفل (شرط تعيينه) عند (النية) وما في البحر من أنه عند الشروع ففيه ما لا يخفى وإنما شرط التعيين لتزاحم الفرائض والوقت صالح للكل وفي التلاوة للتزاحم مع السهو والشكر نعم لو تكرر سجود التلاوة لا يجب عليه التعيين في السجدات كما في القنية وفيما مر للتزاحم مع النفل ولم أر في كلامهم نية التعيين في السهو والشكر وينبغي وجوبه في السهر لا في الشكر (كالعصر) إذا عين العصر (مثلا) دون قرانه باليوم أو الوقت وهذا هو الأصح ومنعه بعضهم لاحتمال عصر آخر عليه وبه جزم في الخلاصة ورجحه الهندي في شرح المغني وفي الظهيرية بعد نقل القولين وأن الجواز أصح قال: هذا إذا كان مؤديا فإن كان قاضيا وهو لا يعلم بخروج الوقت لا يجوز أيضا وهو ظاهر في أنه يجوز على الأرجح
أما إذا قرن عصر يومه باليوم فيجوز وإن خرج الوقت لأن غايته أن قضاء بنية الأداء والمراد يوم العصر وينبغي تقييده بما إذا لم يكن عليه فوائت فإن كان لزمه التعيين
وكذا إذا قرن بالوقت كفرض الوقت لكن بشرط بقائه
فلو خرج ونسيه لم يجز في الأصح
قال في البحر: وجعل الشارح هذا التقييد قيدا في فرض الوقت معللا بأن فرض الوقت في هذه الحالة غير الظهر فيتقضي أن نية عصر الوقت صحيحة وإن خرج الوقت ويكون الوقت كاليوم وأقول: هذا وهم فإن لفظ الشارح: ويكفيه أن ينوي ظهر الوقت مثلا أو فرض الوقت والوقت باق لوجود التعيين ولو كان الوقت قد خرج وهو لا يعلم به لا يجوز لأن فرض الوقت في هذه الحالة غير الظهر أي:
وكذلك ظهر الوقت والمقتدي ينوي المتابعة أيضا ...
فقد جعله قيدا فيهما كما ترى والفرق بين ظهر الوقت وظهر اليوم غني عن البيان ثم لا يخفى أن الجمعة غير صحيحة بفرض الوقت إلا أن يعتقد ذلك وعلم مما ذكرنا أن من فاته الظهر فنوى الظهر والعصر في وقت العصر لا يصير شارعا في واحد منهما وفي المنتقى إن كان في الوقت سعة كان شارعا في الظهر وفي الخلاصة لو نوى فائتين كانت للأولى منهما وعلله في المحيط بأن جواز الفائتة يتوقف على قضاء الأولى وهو ظاهر في اشتراط كونه صاحب ترتيب ولو جمع بين فرض ونفل كان شارعا في الفرض عند الثاني وأبطلها محمد
قال في الفتح: وهذا يقتضي اشتراط قطع النية بصحة المنوي بأدنى تأمل ولو نوى الظهر والجمعة فهي للجمعة عند بعضهم ومما يتفرع على نية التعيين ما لو صلى غير عالم بأن الله تعالى فرض خمسا على عباده كان عليه قضاءها فإن علم إلا أنه لم يميز بين الفرائض وغيرها ونوى الفرض في الكل جاز
وكذا لو أم غيره في صلاة لا سنة قبلها لا في صلاة قبلها سنة والله الموفق.
(وَلِلْفَرْضِ شَرْطُ تَعْيِينِهِ كَالْعَصْرِ مَثَلًا) ؛ لِأَنَّ الْفُرُوضَ مُتَزَاحِمَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ مَا يُرِيدُ أَدَاءَهُ حَتَّى تَبْرَأَ ذِمَّتُهُ؛ وَلِأَنَّ فَرْضًا مِنْ الْفُرُوضِ لَا يَتَأَدَّى بِنِيَّةِ فَرْضٍ آخَرَ فَوَجَبَ التَّعْيِينُ وَيَكْفِيهِ أَنْ يَنْوِيَ ظُهْرَ الْوَقْتِ مَثَلًا أَوْ فَرْضَ الْوَقْتِ وَالْوَقْتُ بَاقٍ لِوُجُودِ التَّعْيِينِ وَلَوْ كَانَ الْوَقْتُ قَدْ خَرَجَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ غَيْرُ الظُّهْرِ وَلَوْ نَوَى ظُهْرَ يَوْمِهِ يَجُوزُ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَ الْوَقْتُ قَدْ خَرَجَ؛
لِأَنَّهُ قَدْ نَوَى مَا عَلَيْهِ وَهُوَ مَخْلَصٌ لِمَنْ يَشُكُّ فِي خُرُوجِ الْوَقْتِ وَالْخَطَأُ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ لَا يَضُرُّهُ حَتَّى لَوْ نَوَى الْفَجْرَ أَرْبَعًا وَالظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا جَازَ وَتَلْغُو نِيَّةُ التَّعْيِينِ وَلَوْ نَوَى الظُّهْرَ مُطْلَقًا وَلَمْ يَنْوِ ظُهْرَ الْوَقْتِ وَلَا ظُهْرَ الْيَوْمِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ ظُهْرٌ آخَرُ فَلَا يَقَعُ بِهِ التَّمْيِيزُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ؛ لِأَنَّهُ الْمَشْرُوعُ فِي الْوَقْتِ وَالْقَضَاءُ عَارِضٌ فَكَانَ الْمَشْرُوعُ فِيهِ أَوْلَى وَتَعْيِينُ قَضَاءِ مَا شَرَعَ فِيهِ مِنْ النَّفْلِ، ثُمَّ أَفْسَدَهُ وَالنَّذْرُ وَالْوِتْرُ وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ وَفِي الْغَايَةِ أَنَّهُ لَا يَنْوِي فِيهِ أَنَّهُ وَاجِبٌ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ غَيْرُ الظُّهْرِ) أَيْ وَهُوَ الْعَصْرُ
(قَوْلُهُ: يَجُوزُ مُطْلَقًا) أَيْ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ اهـ قَوْلُهُ: وَتَلْغُو نِيَّةُ التَّعْيِينِ) فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى التَّغْيِيرُ
(قَوْلُهُ: وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ) وَفِي فَتَاوَى الْعَتَّابِيِّ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُجْزِيهِ اهـ فَتْحٌ
(قَوْلُهُ: وَتَعْيِينُ قَضَاءِ مَا شَرَعَ فِيهِ) أَيْ وَشَرْطُ تَعْيِينٍ وَفِي نُسْخَةٍ وَيُعَيِّنُ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.