ولا تصحّ بما زاد على الثّلث
الشروح عليها
(وَلَا تَصِحُّ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ) فَهَذِهِ الْعِبَارَةُ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ الْهِدَايَةِ حَيْثُ قَالَ وَلَا تَجُوزُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الصِّحَّةِ عَدَمُ الْجَوَازِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ عَدَمُ الصِّحَّةِ، وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ عَدَمُ النَّفَاذِ حَتَّى لَا يَنْفُذَ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِجَازَةِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ يَعْنِي لَا يَجُوزُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ حَتَّى لَا يَجُوزَ فِي حَقِّ الْفَاضِلِ عَلَى الثُّلُثِ بَلْ فِي حَقِّ الثُّلُثِ فَقَطْ لَا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ أَصْلًا فَإِنْ
قُلْتُ: كَيْفَ جَازَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي بَعْضِ مَدْلُولَاتِهِ دُونَ بَعْضٍ، وَبِأَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَ ذَلِكَ
قُلْتُ: يَجْعَلُهُ فِي حُكْمِ وَصَايَا مُتَعَدِّدَةٍ بِأَنْ يَجْعَلَ قَوْلَهُ أَوْصَيْت لِفُلَانٍ بِثُلُثَيْ مَالِي فِي قُوَّةِ قَوْلِهِ أَوْصَيْت لَهُ بِثُلُثِهِ دُونَ الزَّائِدِ وَالْوَصِيَّةُ تَارَةً تَكُونُ مُنَجَّزَةً.
وَتَارَةً مُعَلَّقَةً بِشَرْطٍ فَيَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ بِأَنَّ تَعَلُّقَ الْوَصِيَّةِ بِالشَّرْطِ جَائِزٌ،
وَفِي نَوَادِرِ بِشْرٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْإِمْلَاءِ إذَا أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِرَجُلٍ عَلَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فَهَذَا جَائِزٌ إنْ قَبِلَ ذَلِكَ الْمُوصَى لَهُ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا
قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ يُنْفَقُ عَلَى فُلَانٍ كَذَا، وَالْمُوصَى لَهُ غَائِبٌ أَوْ مَاتَ الْمُوصِي، وَهُوَ غَائِبٌ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ رَدِّ الْوَصِيَّةِ وَلَا شَيْءَ لَهُ،
وَكَذَلِكَ إنْ قَدِمَ فَلَمْ يَقْبَلْ،
وَإِنْ قَدِمَ، وَقَبِلَ فَلَهُ مَا مَضَى قَالَ أَبُو يُوسُفَ رَجُلٌ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ،
وَقَالَ إنْ أَبَى فَهُوَ لِفُلَانٍ فَمَاتَ الْمُوصَى لَهُ الْأَوَّلُ أَوْ لَمْ يَأْبَ فَالثُّلُثُ لِلْأَوَّلِ،
وَلَوْ أَبَى كَانَ لِلْآخَرِ، وَلَوْ قَالَ ثُلُثِي وَصِيَّةٌ لِفُلَانٍ فَإِنْ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ فَلِفُلَانٍ فَهُوَ مِثْلُ الْأَوَّلِ،
وَلَوْ قَالَ ثُلُثِي وَصِيَّةٌ لِفُلَانٍ إنْ شَاءَ،
وَإِنْ أَبَى فَهُوَ لِفُلَانٍ فَمَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ فَالثُّلُثُ مَرْدُودٌ عَلَى الْوَرَثَةِ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَجُلٌ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِوَصِيَّةٍ،
وَقَالَ إنْ لَمْ يَقْبَلْ فُلَانٌ مَا أَوْصَيْتُ لَهُ بِهِ أَوْ قَالَ إنْ رَدَّ فُلَانٌ مَا أَوْصَيْتُ بِهِ فَهُوَ لِفُلَانٍ فَإِذَا الْمُوصَى لَهُ الْأَوَّلُ حَيًّا أَوْ كَانَ حَيًّا فَمَاتَ قَبْلَ الْمُوصِي، وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْوَصِيَّةِ قَالَ هِيَ لِلثَّانِي كُلُّهَا قَالَ إنْ أَسْلَمَتْ جَارِيَتِي هَذِهِ فَأَعْتِقُوهَا فَبَاعُوهَا قَبْلَ أَنْ تُسْلِمَ ثُمَّ أَسْلَمَتْ بَعْدَ مُضِيِّ الْبَيْعِ صَحَّ وَلَا تُرَدُّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا قَالَ أَوْصَيْتُ أَنْ يَخْدُمَ عَبْدِي فُلَانًا سَنَةً ثُمَّ هُوَ لِفُلَانٍ فَقَالَ فُلَانٌ لَا أَقْبَلُ الْوَصِيَّةَ قَالَ يَخْدُمُ الْوَرَثَةَ سَنَةً ثُمَّ الْمُوصَى لَهُ وَلَا تَبْطُلُ وَصِيَّتُهُ لِلثَّانِي بِإِبَاءِ الْأَوَّلِ الْخِدْمَةَ قَالَ أَعْطُوهُ فُلَانًا بَعْدَ السَّنَةِ فَإِنْ مَاتَ فُلَانٌ خَدَمَ تَمَامَ السَّنَةِ لِلْوَرَثَةِ ثُمَّ يُدْفَعُ إلَى الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ تَمَامِ السَّنَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هَذِهِ وَصِيَّةٌ فِيهَا يَمِينٌ، وَلَيْسَتْ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى كَهَذِهِ إبْرَاهِيمُ بْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ أَرْضِي الَّتِي فِي مَوْضِعِ كَذَا، وَغُلَامِي فُلَانٌ لِأُمِّ وَلَدِهِ فَيَصِيرُ مِيرَاثًا مِنْهَا ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَوْصَى أَنْ يُنْفَقَ عَلَى أُمِّ وَلَدِهِ مَا قَامَتْ عَلَى وَلَدِهَا،
وَقَالَ إنْ تَزَوَّجَتْ فَلَا شَيْءَ لَهَا فَتَزَوَّجَتْ، وَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا فَرَجَعَتْ إلَى وَلَدِهَا لَمْ يُرَدَّ عَلَيْهَا مَا كَانَ أَوْصَى بِهِ لَهَا، وَقَدْ بَطَلَ،
وَكَذَلِكَ إنْ خَرَجَتْ مِنْ بِلَادِهَا إلَى بِلَادٍ أُخْرَى،
وَلَوْ خَرَجَتْ مِنْ دَارِهَا أَوْ جَاءَ مِنْهَا شَيْءٌ يُعْرَفُ أَنَّهَا قَدْ تَرَكَتْهُمْ، وَلَمْ تَقُمْ عَلَيْهِمْ فَلَا هَذِهِ الدَّارُ لَك عَلَى أَنْ تَحُجَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ قَالَ هَذِهِ الدَّابَّةُ لَك عَلَى أَنْ تَغْزُوَا عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هِيَ لَهُ، وَلَهُ أَنْ يَصْنَعَ بِهَا مَا شَاءَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَجُلٌ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَهُ مَعْنَاهُ شَرَطَ الْمُوصِي عَلَى الْمُوصَى لَهُ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَ الْمُوصِي فَهَذَا عَلَى وُجُوهٍ إنْ كَانَ الدَّيْنُ مَجْهُولًا أَوْ كَانَ مَعْلُومًا إلَّا أَنَّ الثُّلُثَ مَجْهُولٌ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ،
وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مَعْلُومًا، وَالثُّلُثُ مَعْلُومًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الثُّلُثِ ذَهَبٌ وَلَا فِضَّةٌ فَهُوَ جَائِزٌ،
وَيَجِبُ لَهُ الثُّلُثُ بِالدَّيْنِ إذَا قَبِلَ كَمَا يَجِبُ فِي الْبَيْعِ،
وَإِنْ كَانَ فِي الثُّلُثِ دَرَاهِمُ إنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ فَإِنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ مِنْ قَبِيلِ أَنَّ هَذَا بَيْعُ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ، وَفَضْلُ عُرُوضٍ سِوَى ذَلِكَ،
وَإِنْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ الَّتِي فِي الثُّلُثِ أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ جَازَ فَإِنْ قَبَضَ الثُّلُثَ سَاعَةَ يَمُوتُ أَوْ قَبَضَ الدَّرَاهِمَ الَّتِي فِي الثُّلُثِ سَاعَةَ يَمُوتُ، وَقَضَى الدَّيْنَ سَاعَتَهُ انْتَقَصَ ذَلِكَ فِي الدَّرَاهِمِ مَا يَخُصُّهُ.
وَجَازَ فِي الْعُرُوضِ أَوْصَى بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يَقْضِيَ عَنْهُ فُلَانًا خَمْسَمِائَةٍ لَا يَجُوزُ،
وَلَوْ قَالَ عَلَى أَنْ يَقْضِيَ عَنْهُ فُلَانًا مِنْهَا خَمْسَمِائَةٍ جَازَ الْعَلَاءُ فِي نَوَادِرِ هِشَامٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا قَالَ إذَا مِتّ، وَهَذَانِ الْعَبْدَانِ فِي مِلْكِي فَهُمَا وَصِيَّةٌ لِفُلَانٍ فَمَاتَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي،
وَالثَّانِي فِي مِلْكِهِ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ،
وَلَوْ قَالَ إنْ مِتّ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ حَيَّانِ فَهَذَا الْعَبْدُ وَصِيَّةٌ لَهُمَا فَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي فَإِنَّ الثَّانِي مِنْهُمَا يُعْطَى نِصْفَ الْعَبْدِ قَالَ وَإِذَا أَوْصَى رَجُلٌ لِأَمَتِهِ أَنْ تُعْتَقَ عَلَى أَنْ تَتَزَوَّجَ ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي فَقَالَتْ الْأَمَةُ لَا أَتَزَوَّجُ فَإِنَّهَا تَعْتِقُ،
وَيَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ بِأَنَّ الْمُوصِي مَتَى عَلَّقَ عِتْقَ مَمْلُوكِهِ بِشَيْءٍ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ وَجْهَيْنِ أَنْ يُعَلِّقَهُ عَلَى فِعْلٍ غَيْرِ مُؤَقَّتٍ بِأَنْ قَالَ هِيَ حُرَّةٌ إنْ ثَبَتَتْ عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ مَوْتِي أَوْ أَوْصَى أَنْ يَعْتِقُوهَا بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ أَوْ قَالَ هِيَ حُرَّةٌ بَعْدَ مَوْتِي إنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ أَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ عَلَى فِعْلٍ مُؤَقَّتٍ بِأَنْ قَالَ إنْ مَكَثَتْ مَعَ وَلَدِي شَهْرًا فَهِيَ حُرَّةٌ أَوْ قَالَ أَعْتِقُوهُ إنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ شَهْرًا فَإِنْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِالثَّبَاتِ عَلَى فِعْلٍ غَيْرِ مُؤَقَّتٍ حَالَ حَيَاتِهِ بِأَنْ قَالَ لِمَمْلُوكِهِ حَالَ حَيَاتِهِ إنْ ثَبَتَ مَعَ وَلَدِي أَوْ فِي هَذِهِ الدَّارِ شَهْرًا فَأَنْت حُرَّةٌ فَثَبَتَتْ سَاعَةً عَتَقَتْ،
وَكَذَا إذَا عَلَّقَ عِتْقَهُ بِالثَّبَاتِ عَلَى فِعْلٍ غَيْرِ مُؤَقَّتٍ بِأَنْ أَوْصَى بِأَنْ يُعْتِقُوهَا عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ أَوْ قَالَ إنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ إذَا قَالَتْ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى لَا أَتَزَوَّجُ فَإِنَّهَا تُعْتَقُ إذَا كَانَتْ تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ هَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إذَا لَمْ تَتَزَوَّجْ يَوْمًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ لَهَا صَحِيحَةٌ فَإِنْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ صَحَّ نِكَاحُهَا وَلَا يَبْطُلُ عِتْقُهَا، وَوَصِيَّتُهَا وَلَا يَلْزَمُهَا السِّعَايَةُ فِي شَيْءٍ لِلْوَرَثَةِ، وَهَذَا قَوْلُ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ قَالَ أَوْصَى لِأُمِّ وَلَدِهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ تَتَزَوَّجَ أَوْ قَالَ إنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ إنْ قَالَتْ لَا أَتَزَوَّجُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي فَإِنَّهُ يُعْطِي لَهَا وَصِيَّتَهَا فَإِنْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَسْتَرِدُّ الْأَلْفَ مِنْهَا،
وَلَوْ قَالَ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ شَهْرًا فَهُوَ عَلَى مَا قَالَ لَا تَسْتَحِقُّ وَصِيَّتَهَا مَا لَمْ تَتْرُكْ التَّزَوُّجَ شَهْرًا،
وَإِذَا تَزَوَّجَتْ قَبْلَ مُضِيِّ الشَّهْرِ تَبْطُلُ وَصِيَّتُهَا أَوْصَى لَهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ تَثْبُتَ مَعَ وَلَدِهَا فَمَكَثَتْ مَعَ وَلَدِهَا سَاعَةً اسْتَحَقَّتْ الْوَصِيَّةِ قَالَ وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِخَادِمِهِ عَلَى أَنْ يُقِيمَ مَعَ ابْنَتِهِ، وَمَعَ ابْنِهِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَا ثُمَّ هِيَ حُرَّةٌ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ
فَإِمَّا كَانَا كَبِيرَيْنِ أَوْ كَانَا صَغِيرَيْنِ فَإِنْ كَانَا كَبِيرَيْنِ فَإِنَّهَا تَخْدُمُ الِابْنَةَ حَتَّى تَتَزَوَّجَ، وَتَخْدُمُ الِابْنَ حَتَّى يَتَأَهَّلَ أَوْ يَجِدَ مَا يَشْتَرِي بِهِ خَادِمًا يَخْدُمُهُ فَيَسْتَغْنِي عَنْ خِدْمَتِهَا،
وَإِنْ كَانَا صَغِيرَيْنِ تَخْدُمُهُمَا حَتَّى يَبْلُغَا،
وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ مَاتَا جَمِيعًا قَبْلَ أَنْ يَسْتَغْنِيَا فَإِنَّ الْجَارِيَةَ لَا تَعْتِقُ، وَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ قَالَ إذَا أَوْصَى لَهَا بِالْعِتْقِ عَلَى أَنْ تَتَزَوَّجَ فُلَانًا بِعَيْنِهِ فَقَالَتْ أَفْعَلُ تَعْتِقُ مِنْ ثُلُثِهِ، وَبَعْدَ هَذَا إذَا أَبَتْ أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا مِنْ فُلَانٍ، وَفُلَانٌ أَجْنَبِيٌّ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا قَالَ وَلَوْ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدٍ لَهُ عَلَى أَنْ لَا يُفَارِقَ وَارِثَهُ أَبَدًا، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِهِ وَبَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ وَبِيعَ فِي الدَّيْنِ.
وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُؤَلِّفُ لِبَيَانِ مَا يَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ بِطَرِيقِ التَّبَعِ وَمَا لَا يَدْخُلُ قَالَ مُحَمَّدٌ الْوَلَدُ وَالْكَسْبُ إذَا وُلِدَا قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي فَإِنَّهُمَا لَا يَدْخُلَانِ تَحْتَ الْوَصِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَا يَخْرُجَانِ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ لَا يَخْرُجَانِ
فَأَمَّا إذَا حَدَثَ الْوَلَدُ، وَالْكَسْبُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي إنْ حَدَثَا يَوْمَ الْقِسْمَةِ وَالتَّسْلِيمِ لَا يَدْخُلَانِ تَحْتَ الْوَصِيَّةِ وَلَا يُسَلَّمَانِ لِلْمُوصَى لَهُ بِحُكْمِ الْوَصِيَّةِ حَتَّى لَا يُعْتَبَرَ فِيهَا الثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ
فَأَمَّا إذَا حَدَثَ الْوَلَدُ، وَالْكَسْبُ قَبْلَ قَبُولِ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَالتَّسْلِيمِ هَلْ يَصِيرُ مُوصًى بِهِ حَتَّى يُعْتَبَرَ خُرُوجُهُ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ لَا يُجْعَلُ مُوصًى بِهِ حَتَّى لَا يَكُونَ لِلْمُوصَى لَهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الثُّلُثِ لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ نَصًّا، وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ الْمُتَأَخِّرُونَ ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُوصًى بِهِ حَتَّى لَا يُعْتَبَرَ خُرُوجُهُ مِنْ الثُّلُثِ، وَكَانَ لِلْمُوصَى لَهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ كَمَا لَوْ حَدَثَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَالتَّسْلِيمِ، وَمَشَايِخُنَا قَالُوا بِأَنَّهُ يَصِيرُ مُوصًى بِهِ حَتَّى لَا يُعْتَبَرَ خُرُوجُهُ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا لَوْ وُجِدَ قَبْلَ الْقَبُولِ،
وَفِي نَوَادِرِ إبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِحَائِطٍ فَهُوَ بِأَرْضِهِ كُلُّهُ وَصِيَّةٌ،
وَلَوْ أَوْصَى بِنَخْلَةٍ فَهُوَ عَلَى النَّخْلَةِ دُونَ الْأَرْضِ قَالَ إنَّمَا تُسَمَّى نَخْلَةً، وَهِيَ مَقْطُوعَةٌ، وَهَذَا فِي عُرْفِهِمْ،
وَفِي عُرْفِنَا تُسَمَّى نَخْلَةً، وَهِيَ قَائِمَةٌ أَيْضًا فَعَلَيْهِ تَدْخُلُ أَرْضُهَا،
وَفِي نَوَادِرِ الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِنَخْلٍ كَثِيرٍ أَوْ نَخْلَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ وَهَبَ أَوْ تَصَدَّقَ أَوْ بَاعَ فَلَهُ مَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ،
وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِكَرْمٍ أَوْ بُسْتَانٍ أَوْ جُمَّةٍ فَلَهُ ذَلِكَ بِأَصْلِهِ وَلَا يُشْبِهُهُ هَذِهِ النَّخْلَةُ، وَذَكَرَ الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا أَوْصَى بِنَخْلَةٍ لِإِنْسَانٍ، وَلِآخَرَ بِثَمَرِهَا فَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ، وَالنَّخْلُ لِلْمُوصَى لَهُ بِالنَّخْلِ بِأَصْلِهِ وَأَرْضِهِ،
وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا أَوْصَى بِزِقِّ زَيْتٍ فَهُوَ عَلَى الزِّقِّ دُونَ الزَّيْتِ،
وَلَوْ قَالَ بِزِقِّ الزَّيْتِ فَهُوَ عَلَى الزِّقِّ وَحْدَهُ،
وَلَوْ بِسَفِينَةِ الطَّعَامِ فَهُوَ عَلَى السَّفِينَةِ.
وَكَذَلِكَ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ فِي رِوَايَةِ الْمَاءِ، وَقَوْصَرَّةُ التَّمْرِ،
وَلَوْ أَوْصَى لِأَحَدٍ بِمِيزَانٍ فَهُوَ عَلَى الْعَمُودِ وَالْكِفَّتَيْنِ وَالْخُيُوطِ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ السِّنْجَاتُ وَالْغِلَافُ، وَهَذَا إذَا كَانَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ،
وَأَمَّا إذَا كَانَ بِعَيْنِهِ دَخَلَ فِيهِ،
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِالْمِيزَانِ فَلَهُ الْكِفَّتَانِ، وَالْعَمُودُ وَلَا يَكُونُ لَهُ السِّنْجَاتُ،
وَأَمَّا الْقَبَّانُ فَهُوَ لَهُ بِرُمَّانَتِهِ وَكِفَّتِهِ، وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ فِي كِتَابِ الِاخْتِلَافِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِسَيْفٍ فَلَهُ النَّصْلُ دُونَ الْجَفْنِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ،
وَعَنْهُ أَنَّ لَهُ السَّيْفَ مَعَ جَفْنِهِ، وَرِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَةِ الْأَصْلِ،
وَلَوْ أَوْصَى بِمُصْحَفٍ وَلَهُ غِلَافٌ فَلَهُ الْمُصْحَفُ دُونَ الْغِلَافِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ،
وَفِي الْبَقَّالِيِّ لَهُ بِقُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ فَهُوَ لَهُ بالآله
فَلَوْ أَوْصَى بِخَمْلَةٍ فَلَهُ الْكِسْوَةُ دُونَ الْعِيدَانِ، وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِسَرْجٍ فَكُلُّ شَيْءٍ عَلِقَ بِهِ وَحَرَزَ فِيهِ فَهُوَ لَهُ وَلَا يَكُونُ لَهُ غَيْرُهُ، وَذَكَرَ الْحَسَنُ فِي كِتَابِ الِاخْتِلَافِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْوَصِيَّةِ بِالسَّرْجِ أَنَّ لَهُ الدَّوْفَتَيْنِ وَالرِّكَابَيْنِ وَالْمَرَّةُ لَا يَكُونُ لِلْيَدِ وَالرِّفَادَةِ والصِّنْقَةِ، وَذَكَرَ إبْرَاهِيمُ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي رَجُلٍ مَاتَ فَأَعْتَقَ عَبْدَهُ قَالَ لَهُ كِسْوَتُهُ وَمِنْطَقَتُهُ،
وَإِنْ قَالَ مَتَاعُهُ يَدْخُلُ فِيهِ سَيْفُهُ وَمِنْطَقَتُهُ قَالَ مُحَمَّدٌ هِيَ وَصِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ لِغُلَامِهِ،
وَفِي نَوَادِرِ بِشْرٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهِ وَلَمْ يَقُلْ مِنْ غَنَمِي هَذِهِ فَأَعْطَى الْوَرَثَةُ الْمُوصَى لَهُ شَاةً قَدْ وَلَدَتْ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي قَالَ لَا يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا،
وَلَوْ قَالَ أَوْصَيْتُ لِفُلَانٍ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِي هَذِهِ فَأَعْطَوْهُ شَاةً قَدْ وَلَدَتْ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَلَدًا قَالَ يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا،
وَلَوْ اسْتَهْلَكَ الْوَارِثُ الْوَلَدَ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَ الشَّاةَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ،
وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لَهُ بِنَخْلَةٍ بِأَصْلِهَا، وَلَمْ يَقُلْ مِنْ نَخْلِي هَذَا فَهِيَ مِثْلُ الشَّاةِ الَّتِي أَوْصَى بِهَا، وَيُعْطُونَهُ أَيَّ نَخْلَةٍ شَاءُوا دُونَ ثَمَرَتِهَا الَّتِي أَثْمَرَتْهَا فِي حَيَاةِ الْمُوصِي أَوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ،
وَإِنْ كَانُوا اسْتَهْلَكُوا ذَلِكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ، وَمِمَّا يَتَّصِلُ بِهَذَا الْفَصْلِ مَا إذَا أَوْصَى أَنْ تَعْتِقَ جَارِيَتُهُ هَذِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَمَاتَ فَقَبْلَ أَنْ تَعْتِقَ وَلَدَتْ وَلَدًا فَهِيَ مَعَ وَلَدِهَا يَخْرُجَانِ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَتْ الْجَارِيَةُ، وَلَمْ يَعْتِقْ الْوَلَدُ،
وَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِأَنْ تُكَاتَبَ هَذِهِ الْجَارِيَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ أَوْصَى أَنْ تُبَاع هِيَ مِنْ نَفْسِهَا أَوْ تَعْتِقَ عَلَى مَالٍ فَوَلَدَتْ وَلَدًا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي لَا تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ فِي الْوَلَدِ،
وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يُتَصَدَّقَ بِجَارِيَتِهِ هَذِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ أَوْ عَلَى فُلَانٍ أَوْ تُوهَبَ مِنْ فُلَانٍ فَوَلَدَتْ وَلَدًا بَعْدَ مَوْتِهِ فَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ فِي الْوَلَدِ كَمَا تَنْفُذُ فِي الْجَارِيَةِ،
وَلَوْ أَوْصَى بِأَنْ تُبَاع جَارِيَتُهُ هَذِهِ مِنْ فُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَوَلَدَتْ وَلَدًا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي بِيعَتْ هِيَ وَلَا يُبَاعُ وَلَدُهَا،
وَلَوْ أَوْصَى بِأَنْ تُبَاع جَارِيَتُهُ هَذِهِ، وَيُتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ أَوْ عَلَى فُلَانٍ فَوَلَدَتْ الْجَارِيَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَدًا فَإِنَّهُ تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ فِي الْوَلَدِ،
وَلَوْ أَوْصَى بِأَنْ تُبَاعَ جَارِيَتُهُ هَذِهِ مِنْ فُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَجَاءَ عَبْدٌ وَقَتَلَهَا فَدَفَعَ بِهَا أَوْ قَطَعَ يَدَهَا فَدَفَعَ بِيَدِهَا أَوْ وَطِئَهَا وَطْئًا بِشُبْهَةٍ حَتَّى غَرِمَ الْعُقْرَ فَإِنَّهُ لَا يُبَاعُ الْعَبْدُ الْمَدْفُوعُ وَلَا الْأَرْشُ وَلَا الْعُقْرُ فَبَعْدَ ذَلِكَ يُنْظَرُ إنْ كَانَتْ قَدْ قُتِلَتْ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ لِفِقْدَانِ مَحِلِّهَا،
وَإِنْ كَانَتْ قَدْ قُطِعَتْ يَدُهَا بِيعَتْ مِنْ الْمُوصَى لَهُ بِنِصْفِ الثَّمَنِ إنْ شَاءَ،
وَلَوْ وُطِئَتْ، وَهِيَ ثَيِّبٌ لَمْ يُنْقِصْهَا الْوَطْءُ لَا يُحَطُّ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ،
وَكَذَلِكَ إذَا تَلِفَتْ عَيْنُهَا أَوْ يَدُهَا بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ بِيعَتْ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ الْمُشْتَرَى إلَّا إذَا صَارَتْ إلَيْهِ أَصْلًا فَصَارَ لَهُ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ،
وَلَوْ أَوْصَى بِأَنْ تُبَاعَ جَارِيَتُهُ هَذِهِ مِنْ فُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَيُتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا عَلَى الْمَسَاكِينٍ فَأَبَى فُلَانٌ الْبَيْعَ بَطَلَتْ الْوَصِيَّتَانِ جَمِيعًا،
وَكَذَلِكَ لَوْ قُتِلَتْ الْجَارِيَةُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَغَرِمَ الْقَاتِلُ قِيمَتَهَا بَطَلَتْ الْوَصِيَّتَانِ،
وَكَذَلِكَ إذَا أَوْصَى أَنْ تُكَاتَبَ جَارِيَتُهُ، وَيُتَصَدَّقَ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ أَوْ تُبَاعُ مِنْ نَفْسِهَا، وَيُتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا عَلَى الْمَسَاكِينٍ فَوَلَدَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَدًا بِيعَتْ هِيَ وَحْدَهَا، وَلَمْ يُبَعْ مَعَهَا وَلَدُهَا.
وَأَمَّا بَيَانُ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَكُونُ وَصِيَّةً، وَاَلَّتِي لَا تَكُونُ وَصِيَّةً رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ فِي نَوَادِرِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا قَالَ الرَّجُلُ اشْهَدُوا أَنِّي أَوْصَيْت لِفُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَوْصَيْت أَنَّ لِفُلَانٍ فِي مَالِي أَلْفَ دِرْهَمٍ فَالْأَلْفُ الْأُولَى وَصِيَّةٌ، وَالْأُخْرَى إقْرَارٌ، وَالْفَرْقُ أَنَّ أَوْصَيْت لَمَّا دَخَلَتْ عَلَى أَنَّ الْمَصْدَرِيَّةَ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى ذَكَرْتُ، وَلِهَذَا كَانَ إقْرَارًا
بِخِلَافِ الْأُولَى فَإِنَّهَا عَلَى بَابِهَا.
وَفِي الْأَصْلِ إذَا قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ سُدُسُ دَارِي لِفُلَانٍ وَإِنِّي أُجِيزُ ذَلِكَ يَكُونُ وَصِيَّةً،
وَلَوْ قَالَ سُدُسٌ فِي دَارِي لِفُلَانٍ وَإِنِّي أُجِيزُ ذَلِكَ يَكُونُ وَصِيَّةً،
وَلَوْ قَالَ لِفُلَانٍ سُدُسٌ فِي دَارِي فَإِنَّهُ يَكُونُ إقْرَارًا، وَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِفُلَانٍ دِرْهَمٌ مِنْ مَالِي يَكُونُ وَصِيَّةً اسْتِحْسَانًا،
وَإِنْ كَانَ فِي ذِكْرِ وَصِيَّتِهِ إذَا
قَالَ فِي مَالِي كَانَ إقْرَارًا،
وَإِذَا قَالَ عَبْدِي هَذَا لِفُلَانٍ، وَدَارِي هَذِهِ لِفُلَانٍ، وَلَمْ يَقُلْ وَصِيَّةٌ وَلَا كَانَ فِي ذِكْرِ وَصِيَّةٍ وَلَا بَعْدَ مَوْتِي كَانَتْ هِبَةً قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا،
وَإِنْ قَبَضَهَا فِي حَالِ حَيَاتِهِ صَحَّ،
وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى مَاتَ فَهُوَ بَاطِلٌ،
وَإِنْ ذَكَرَهَا فِي خِلَالِ الْوَصِيَّةِ ذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ أَحْمَدُ الطَّوَاوِيسِيُّ فِي شَرْحِ وَصَايَا الْأَصْلِ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ هَذَا وَصِيَّةً،
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَكُونُ وَصِيَّةً،
وَإِذَا قَالَ أَوْصَيْتُ أَنْ يُوهَبَ لِفُلَانٍ سُدُسُ دَارِي بَعْدَ مَوْتِي كَانَ ذَلِكَ وَصِيَّةً عَمَلًا بِقَوْلِهِ بَعْدَ مَوْتِي فَالْهِبَةُ بَعْدَ الْمَوْتِ هِيَ الْوَصِيَّةُ فَتَصِحُّ مَعَ الشُّيُوعِ وَلَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي،
وَلَوْ قَالَ ثُلُثَيْ مَالِي لِفُلَانٍ أَوْ قَالَ سُدُسُ مَالِي لِفُلَانٍ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ فَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ هَذَا بَاطِلًا،
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَكُونُ وَصِيَّةً جَائِزَةً، وَتَأْوِيلُهُ إذَا قَالَ ذَلِكَ فِي خِلَالِ الْوَصَايَا يَكُونُ وَصِيَّةً ظَاهِرَةً فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ ثُلُثُ مَالِي وَصِيَّةٌ لِفُلَانٍ،
وَلَوْ قَالَ هَكَذَا فَإِنَّهُ جَائِزٌ،
وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ بَعْدَ مَوْتِي لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ بَعْدَ مَوْتِي فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَى الْوَصِيَّةِ
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ فِي صِحَّتِهِ ثُلُثُ مَالِي لِفُلَانٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْوَصِيَّةِ وَلَا ذَكَرَهَا فِي خِلَالِ الْوَصَايَا وَلَا إضَافَةً إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَا يُجْعَلُ وَصِيَّةً بَلْ يُجْعَلُ هِبَةً حَتَّى لَوْ ذَكَرَهَا فِي خِلَالِ الْوَصَايَا أَوْ إضَافَةً إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَالِ الصِّحَّةِ يَكُونُ وَصِيَّةً.
وَالْحَاصِلُ لَا فَرْقَ بَيْنَ حَالَةِ الصِّحَّةِ وَحَالَةِ الْمَرَضِ، وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رَجُلٍ
قَالَ فِي مَرَضِهِ أَوْ فِي صِحَّتِهِ إنْ حَدَثَ لِي حَادِثٌ فَلِفُلَانٍ كَذَا هَذَا وَصِيَّةٌ،
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ ثُلُثِي فَهَذَا وَصِيَّةٌ،
وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا الْمَوْتَ،
وَلَوْ قَالَ لِفُلَانٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ ثُلُثِ مَالِي أَوْ قَالَ مِنْ نِصْفِ مَالِي أَوْ قَالَ مِنْ رُبُعِ مَالِي فَهُوَ بَاطِلٌ،
وَفِي الْخَانِيَّةِ قَالَ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَ ذِكْرِ الْوَصِيَّةِ،
وَفِي فَتَاوَى اللَّيْثِ مَرِيضٌ قَالَ أَخْرِجُوا أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي أَوْ قَالَ أَخْرِجُوا أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا ثُمَّ مَاتَ فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ فِي ذِكْرِ الْوَصِيَّةِ جَازَ،
وَفِي الْخَانِيَّةِ، وَيُصْرَفُ إلَى الْفُقَرَاءِ رَجُلٌ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَلَا تُوصِي فَقَالَ قَدْ أَوْصَيْت بِثُلُثِ مَالِي، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ يُدْفَعُ كُلُّ السُّدُسِ لِلْفُقَرَاءِ،
وَفِي الْخَانِيَّةِ مَرِيضٌ قَالُوا لَهُ لِمَ لَا تُوصِي فَقَالَ قَدْ أَوْصَيْت بِأَنْ يُخْرَجَ مِنْ ثُلُثِ مَالِي أَلْفَانِ فَيُتَصَدَّقُ بِأَلْفٍ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ فَإِذَا ثُلُثُ مَالِهِ أَلْفَانِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ يُتَصَدَّقُ بِالْأَلْفِ،
وَلَوْ قَالَ الْمَرِيضُ أَوْصَيْت أَنْ يُخْرَجَ ثُلُثُ مَالِي، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ قَالَ يُتَصَدَّقُ بِجَمِيعِ الثُّلُثِ عَلَى الْفُقَرَاءِ،
وَفِي الْمُنْتَقَى إذَا قَالَ إنْ مِتّ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَأَمَتِي هَذِهِ حُرَّةٌ وَمَا كَانَ فِي يَدِهَا فَهُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ قَالَ أَرَى ذَلِكَ جَائِزًا عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ وَمَا كَانَ فِي يَدِهَا يَوْمَ مَاتَ، وَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي يَدِهَا يَوْمَ مَاتَ،
وَلَوْ قَالَ إنْ مِتّ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَغِلْمَانِي أَحْرَارٌ، وَيُعْطَى فُلَانٌ مِنْ مَالِي كَذَا
وَكَذَا، وَيَحُجُّ عَنِّي ثُمَّ بَرِئَ مِنْ مَرَضِهِ ثُمَّ مَرِضَ ثَانِيًا،
وَقَالَ لِلشُّهُودِ الَّذِينَ أَشْهَدَهُمْ عَلَى الْوَصِيَّةِ الْأُولَى أَوْ لِغَيْرِهِمْ اشْهَدُوا أَنِّي عَلَى الْوَصِيَّةِ الْأُولَى.
قَالَ مُحَمَّدٌ أَمَّا فِي الْقِيَاسِ هَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ قَدْ بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ الْأُولَى حِينَ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ لَكِنَّا نَسْتَحْسِنُ فَنُجِيزُ ذَلِكَ مِنْهُ، وَيَتَحَاصُّونَ فِي الثُّلُثِ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ، وَالِاسْتِحْسَانُ إذَا قَالَ أَوْصَيْت لِعَبْدِ ابْنِهِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَلِلْمَسَاكِينِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَالَ إنْ مِتّ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَغِلْمَانِي أَحْرَارٌ ثُمَّ بَرِئَ ثُمَّ مَرِضَ ثَانِيًا
وَلَوْ قَالَ إنْ لَمْ أَبْرَأْ مِنْ مَرَضِي، وَزَادَ فِي فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ أَوْ قَالَ بِالْفَارِسِيَّةِ الدَّيْنُ الدَّيْنُ يَتَمَارَى مِنْ أبدا يَا رين يَتَمَارَى ممن مَرَّ فَحِينَئِذٍ إذَا بَرِئَ تَبْطُلُ وَصِيَّتُهُ،
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَمَجْمُوعِ النَّوَازِلِ رَجُلٌ قَالَ لِآخَرَ فِي وَصِيَّتِهِ بِالْفَارِسِيَّةِ يَتَمَارَى دارد فِي ربدان مرابصين مِنْ فَقَدْ جَعَلَهُ وَصِيًّا فِي تَرِكَتِهِ،
وَكَذَا لَوْ قَالَ معدهم وممر يَأْمُرهُمْ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ،
وَلَوْ قَالَ الْمَرِيضُ عمر كَانَ مِنْ وَرِيدٍ مِنْ تَحَوُّلٍ بَعْدَ أَنْ مَاتَ أَوْ قَالَ مُرُورُ بدان مِنْ أَصَابِعَ فَمَاتَ قَالَ يَصِيرُ وَصِيَّةً، امْرَأَةٌ أَوْصَتْ بِأَشْيَاءَ،
وَقَالَ فِي ذَلِكَ حُرّ لسان مِنْ
أَمَّا وَكَانَ بِهَا هندان قَالَ مِنْ هَلْ تَصِحُّ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ وَمَاذَا يُعْطِي قَالَ هَذِهِ وَصِيَّةٌ لِمَنْ لَيْسَ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ أَرْبَابِهَا، وَالتَّقْدِيرُ فِي هَذَا ذَلِكَ لِمَا يُخَاطِبُهُ بِذَلِكَ يُعْطِي مَالَهَا أَقْرِبَاؤُهَا، وَقَدْ يَبْطُلُ اسْمُ التَّذْكِرَةِ الْخَانِيَّةِ مَرِيضٌ أَوْصَى بِوَصَايَا ثُمَّ بَرِئَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ، وَعَاشَ سِنِينَ ثُمَّ مَرِضَ فَوَصَايَاهُ ثَابِتَةٌ إنْ لَمْ يَقُلْ إنْ مِتّ مِنْ مَرَضِي هَذَا أَوْ قَالَ إنْ لَمْ أَبْرَأْ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَقَدْ أَوْصَيْت بِكَذَا أَوْ قَالَ بِالْفَارِسِيَّةِ الدمن أرين سماري غَيْر مِنْ فَحِينَئِذٍ إذَا بَرِئَ بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ،
وَلَوْ قَالَ أَبْرَأْت غُرَمَائِي، وَلَمْ يُسَمِّهِمْ، وَلَمْ يَنْوِ أَحَدًا مِنْهُمْ بِقَلْبِهِ.
قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ رَوَى ابْنُ مُقَاتِلٍ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُمْ لَا يُبْرِئُونَ رَجُلًا لَهُ دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ فَقَالَ الْمَدْيُونُ إذَا مِتّ فَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ يَجُوزُ، وَيَكُونُ وَصِيَّةً مِنْ الطَّالِبِ لِلْمَطْلُوبِ،
وَفِي النَّوَازِلِ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فَقَالَ لَهُ الطَّالِبُ إذَا مِتّ فَأَنْت بَرِيءٌ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ قَالَ يَجُوزُ، وَتَكُونُ وَصِيَّةً مِنْ الطَّالِبِ لِلْمَطْلُوبِ إذَا مَاتَ،
وَإِذَا قَالَ إنْ مِتّ فَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ قَالَ لَا يَبْرَأُ، وَهُوَ مُخَاطَرَةٌ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ بَرِيءُ مِمَّا عَلَيْك،
وَفِي الْمُنْتَقَى إذَا قَالَ الرَّجُلُ ضَعُوا ثُلُثِي حَيْثُ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى يُرَدُّ إلَى الْوَرَثَةِ،
وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَلَوْ قَالَ ثُلُثُ مَالِي حَيْثُمَا يَرَى النَّاسُ أَوْ حَيْثُمَا يَرَى الْمُسْلِمُونَ قِيلَ فِي عُرْفِنَا لَيْسَتْ بِوَصِيَّةٍ،
وَفِي الْعُيُونِ إذَا قَالَ اُنْظُرُوا إلَى كُلِّ مَا يَجُوزُ لِي أَنْ يُوصَى بِهِ فَأَعْطُوهُ فَهَذَا عَلَى الثُّلُثِ،
وَلَوْ قَالَ اُنْظُرُوا مَا يَجُوزُ لِي أَنْ أُوصِيَ بِهِ فَأَعْطُوهُ فَالْأَمْرُ إلَى الْوَرَثَةِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ بِدِرْهَمٍ وَبِأَكْثَرَ، وَقَوْلُهُ مَا يَجُوزُ لِي كَذَا ذَكَرَهُمَا هَاهُنَا، وَمُرَادُهُ إذَا كَانَتْ الْوَرَثَةُ كِبَارًا كُلُّهُمْ
أَمَّا إذَا كَانَ فِيهِمْ صَغِيرٌ أَوْ مَنْ فِي مَعْنَاهُ يُجْعَلُ فِي حَقِّهِ كَانَ الْمُوصِي أَوْصَى بِدِرْهَمٍ لَا غَيْرُ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَيَقَّنُ، وَسُئِلَ أَبُو نَصْرٍ عَمَّنْ قَالَ ادْفَعُوا هَذِهِ الدَّرَاهِمَ أَوْ هَذِهِ الثِّيَابَ إلَى فُلَانٍ، وَلَمْ يَقُلْ هِيَ لَهُ قَالَ إنَّ هَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِوَصِيَّةٍ، وَسُئِلَ أَبُو نَصْرٍ الدَّبُوسِيُّ عَمَّنْ
قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ ثُلُثُ مَالِي وَقْفٌ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا.
قَالَ إنْ كَانَ مَالُهُ نَقْدًا يَعْنِي دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ بَاطِلٌ، وَصَارَ كَقَوْلِهِ هَذِهِ الدَّرَاهِمُ وَقْفٌ،
وَإِنْ كَانَ مَالُهُ ضِيَاعًا أَوْ نَحْوَهُ صَارَ وَقْفًا عَلَى الْفُقَرَاءِ،
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَقَدْ قِيلَ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَا لَمْ يُبَيِّنْ جِهَةَ الْوَقْفِ،
وَلَوْ أَوْصَى رَجُلٌ أَنَّ مَا وُجِدَ مَكْتُوبًا مِنْ وَصِيَّةِ وَالِدِيَّ، وَلَمْ أَكُنْ نَفَّذْتهَا تَنْفُذُ أَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ إقْرَارًا فِي مَرَضِهِ قَالُوا هَذِهِ وَصِيَّةٌ إنْ صَدَّقَتْهُ الْوَرَثَةُ بِتَصْدِيقِهِمْ،
وَإِنْ كَذَّبُوهُ كَانَ مِنْ الثُّلُثِ
بِخِلَافِ الدَّيْنِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ بِخِلَافِ الدَّيْنِ الَّذِي لَا طَالِبَ لَهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ، وَسُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ عَمَّنْ أَوْصَى أَنْ يُعْطَى لِلنَّاسِ أَلْفَ دِرْهَمٍ قَالَ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ،
وَلَوْ قَالَ تَصَدَّقُوا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَهُوَ جَائِزٌ، وَيُعْطَى لِلْفُقَرَاءِ،
وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْت لِلَّهِ لَا يُعْتَقُ،
وَقَالَ مُحَمَّدٌ الْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ، وَتُصْرَفُ إلَى وُجُوهِ الْبِرِّ،
وَفِي الْخَانِيَّةِ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ إنْ أَرَادَ بِهِ الْعِتْقَ عَتَقَ،
وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ لِلَّهِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
وَالْوَصِيَّةُ تَارَةً تَكُونُ بِالْأَلْفَاظِ، وَتَارَةً تَكُونُ بِالْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ
قَالَ فِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ مَرِيضٌ أَوْصَى، وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَلَامِ لِضَعْفِهِ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يَعْتَمِدُ قَالَ ابْنُ مُقَاتِلٍ تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ عِنْدِي وَلَا تَجُوزُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَكَانَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ يَقُولُ إذَا فُهِمَ مِنْهُ الْإِشَارَةُ يَجُوزُ.
وَفِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ إذَا كَتَبَ وَصِيَّتَهُ ثُمَّ قَالَ أَنْفِذُوا مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ هَكَذَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ هُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّ هَذَا يَكُونُ لِلْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ جَمِيعًا،
وَلَوْ قَالَ سِتّ ورمر إنْ مرر وَإِنْ كَسَدَ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ جَائِزَةً لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُرَادُ بِهِ الْقُرْبَةُ،
وَقَالَ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ السُّغْدِيَّ قَوْلُهُ وَإِنْ كَسَدَ لَيْسَ مِنْ لِسَانِنَا فَلَا أَعْرِفُ هَذَا،
وَإِذَا قُرِئَ صَكُّ الْوَصِيَّةِ عَلَى رَجُلٍ فَقِيلَ لَهُ أَهُوَ كَذَا فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ نَعَمْ يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وَلَا تَصِحُّ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَلَا لِقَاتِلِهِ وَوَارِثِهِ إنْ لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ)
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِمَا بَيَّنَّا وَأَمَّا الثَّانِي فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا وَصِيَّةَ لِقَاتِلٍ» وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يَتَنَاوَلُ الْقَاتِلَ مُبَاشَرَةً عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً
بِخِلَافِ التَّسْبِيبِ؛ لِأَنَّ التَّسْبِيبَ لَيْسَ بِقَتْلٍ حَقِيقَةً فَلَا يَتَنَاوَلُهُ، وَلِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ مَا أَخَّرَهُ اللَّهُ فَيُحْرَمُ الْوَصِيَّةَ كَالْمِيرَاثِ سَوَاءٌ أَوْصَى لَهُ قَبْلَ الْقَتْلِ ثُمَّ قَتَلَهُ أَوْ أَوْصَى لَهُ بَعْدَ الْجُرْحِ لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَاهُ
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»، وَلِأَنَّ الْبَعْضَ يَتَأَذَّى بِإِيثَارِ الْبَعْضِ فَفِي تَجْوِيزِهِ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ.
وَلِأَنَّهُ حَيْفٌ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ وَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُ وَارِثًا أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ وَقْتَ الْمَوْتِ لَا وَقْتَ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَيُعْتَبَرُ وَقْتَ التَّمْلِيكِ حَتَّى لَوْ أَوْصَى لِأَخِيهِ وَهُوَ وَارِثٌ ثُمَّ وُلِدَ لَهُ ابْنٌ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ لِلْأَخِ وَعَكْسُهُ لَوْ أَوْصَى لِأَخِيهِ وَلَهُ ابْنٌ ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْأَخِ لِمَا ذَكَرْنَا وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ مِنْ الْمَرِيضِ لِوَارِثِهِ فِي هَذَا نَظِيرُ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ حُكْمًا حَتَّى يُعْتَبَرَ مِنْ الثُّلُثِ وَإِقْرَارُ الْمَرِيضِ لِلْوَارِثِ عَلَى عَكْسِهِ فَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُ وَارِثًا أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ عِنْدَ الْإِقْرَارِ؛
لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْحَالِ فَيُعْتَبَرُ حَالُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ حَتَّى لَوْ أَقَرَّ لِشَخْصٍ وَهُوَ لَيْسَ بِوَارِثٍ لَهُ جَازَ الْإِقْرَارُ لَهُ.
وَإِنْ صَارَ وَارِثًا لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ شَرْطَهُ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا بِسَبَبٍ حَادِثٍ بَعْدَ الْإِقْرَارِ حَتَّى لَوْ أَقَرَّ لِابْنِهِ وَهُوَ عَبْدٌ ثُمَّ أُعْتِقَ قَبْلَ مَوْتِ الْأَبِ جَازَ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّ إرْثَهُ بِسَبَبٍ حَادِثٍ بَعْدَ الْإِقْرَارِ وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ، وَلِأَنَّ إقْرَارَهُ لِمَوْلَاهُ وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُ،
وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ لِأَجْنَبِيَّةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَا يَبْطُلُ إقْرَارُهُ لَهَا
وَأَمَّا إذَا وَرِثَ بِسَبَبٍ قَائِمٍ عِنْدَ الْإِقْرَارِ لَا يَصِحُّ كَمَا لَوْ أَقَرَّ لِأَخِيهِ الْمَحْجُوبِ بِابْنِهِ ثُمَّ مَاتَ ابْنُهُ وَقَوْلُهُ إنْ لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ رَاجِعٌ إلَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ الْوَصِيَّةُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَلِلْقَاتِلِ وَلِلْوَارِثِ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ فِي الْكُلِّ لِحَقِّهِمْ فَتَجُوزُ بِإِجَازَتِهِمْ.
أَلَا تَرَى إلَى مَا يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ «لَا تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ إلَّا أَنْ تَشَاءَ الْوَرَثَةُ» وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ إلَّا أَنْ تُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ»
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُجِيزُ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ بِأَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا وَإِنْ أَجَازَ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ تَجُوزُ عَلَى الْمُجِيزِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ دُونَ غَيْرِهِ لِوِلَايَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ لَا عَلَى غَيْرِهِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِإِجَازَتِهِمْ فِي حَالِ حَيَاتِهِ؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ ثُبُوتِ الْحَقِّ إذْ الْحَقُّ يَثْبُتُ لَهُمْ فَكَانَ لَهُمْ بِالْمَوْتِ فَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا عَنْ الْإِجَازَةِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَيَرُدُّوا تِلْكَ الْإِجَازَةِ؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ سَاقِطَةً لِعَدَمِ مُصَادِفَتِهَا الْمَحَلَّ وَكُلُّ سَاقِطٍ فِي نَفْسِهِ مُضْمَحِلٌّ مُتَلَاشٍ فَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ.
وَلَا يُقَالُ كَيْفَ تَكُونُ تِلْكَ الْإِجَازَةُ سَاقِطَةً مَعَ ثُبُوتِ حَقِّ الْوَرَثَةِ فِي مَالِهِ مِنْ أَوَّلِ مَا مَرَضَ بِدَلِيلِ مَنْعِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ لِحَقِّهِمْ لَكِنْ ذَلِكَ الثُّبُوتَ عَلَى سَبِيلِ التَّوَقُّفِ فَإِذَا مَاتَ ظَهَرَ أَنَّ حَقَّهُمْ كَانَ ثَابِتًا مِنْ أَوَّلِ الْمَرَضِ وَأَنَّ الْإِجَازَةَ صَادَفَتْ مَحَلَّهَا لِاسْتِنَادِ حَقِّهِمْ إلَى أَوَّلِ الْمَرَضِ فَصَارَ كَإِجَازَتِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الِاسْتِنَادُ إنَّمَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْقَائِمِ فَإِجَازَتُهُمْ حِينَ وَقَعَتْ فِي حَيَاتِهِ وَقَعَتْ بَاطِلَةً وَمَا وَقَعَ بَاطِلًا لَا يَكُونُ قَائِمًا بِنَفْسِهِ فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّهِ الِاسْتِنَادِ، وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمِلْكِ لِلْوَرَثَةِ تَثْبُتُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَهُ يَثْبُتُ لَهُمْ مُجَرَّدُ الْحَقِّ
فَلَوْ اسْتَنَدَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَانْقَلَبَ الْحَقُّ حَقِيقَةً قَبْلَ مَوْتِهِ، وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ لِوُجُودِ الْمَانِعِ وَهُوَ مِلْكُ الْمُوَرِّثِ حَقِيقَةً فَإِذَا لَمْ يُتَصَوَّرْ بَقِيَ حَقًّا عَلَى حَالِهِ لَا حَقِيقَةً وَالرِّضَا بِبُطْلَانِ ذَلِكَ الْحَقِّ لَا يَكُونُ رِضًا بِبُطْلَانِ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ الَّذِي يَحْدُثُ لَهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ
بِخِلَافِ مَا إذَا أَجَازُوهَا بَعْدَ مَوْتِهِ حَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا عَنْهَا.
لِأَنَّهَا وَقَعَتْ بَعْدَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ حَقِيقَةً فَتَلْزَمُ ثُمَّ إذَا صَحَّتْ الْإِجَازَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ يَتَمَلَّكُهُ الْمَجَازُ مِنْ قِبَلِ الْمُوصِي عِنْدَنَا حَتَّى يُجْبَرَ الْوَارِثُ عَلَى التَّسْلِيمِ،
وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا فِي مَرَضِهِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ وَأَجَازَتْ الْوَرَثَةُ الْعِتْقَ كَانَ الْوَلَاءُ كُلُّهُ لِلْمَيِّتِ،
وَلَوْ كَانَ الْوَارِثُ مُتَزَوِّجًا بِجَارِيَةِ الْمُورِثِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهَا فَأَوْصَى بِهَا لِغَيْرِهِ فَأَجَازَ الْوَارِثُ وَهُوَ الزَّوْجُ الْوَصِيَّةَ لَا يَبْطُلُ نِكَاحُهُ،
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَمْلِكُ الْمُوصَى لَهُ مِنْ جِهَةِ الْمُجِيزِ حَتَّى لَا يُجْبَرَ عَلَى التَّسْلِيمِ عِنْدَهُ وَيَكُونُ لَهُ ثُلُثَا الْوَلَاءِ فِي مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ وَيَفْسُدُ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا حَقَّ لَهُ إلَّا فِي الثُّلُثِ وَلِهَذَا لَا تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَيُبْطِلُهَا الْوَارِثُ فَيَكُونُ الزَّائِدُ عَلَى الثُّلُثِ مِلْكًا لِلْوَارِثِ حَقِيقَةً.
فَإِذَا أَجَازَ صَارَ مُمَلِّكًا لَهُ مِنْ جِهَتِهِ ضَرُورَةً وَلَنَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ صَدَرَتْ مِنْ الْمُوصِي وَصَادَفَتْ مِلْكَهُ حَالًا وَمَآلًا؛ لِأَنَّ جَمِيعَ مَالِهِ مَمْلُوكٌ لَهُ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ وَبَعْدَ الْمَوْتِ هُوَ بَاقٍ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ وَلِهَذَا يَبْدَأُ بِحَوَائِجِهِ وَلَا يَمْلِكُ الْوَارِثُ إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ كَتَجْهِيزِهِ وَقَضَاءِ دُيُونِهِ وَلَا يَمْلِكُ مَا كَانَ مَشْغُولًا بِحَاجَتِهِ مِنْ مَالٍ فَإِذَا أَوْصَى صَارَ مَشْغُولًا بِهَا لَكِنَّ لِلْوَرَثَةِ نَقْضَهَا فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّهِمْ فَإِذَا أَجَازُوا الْوَصِيَّةَ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُنْتَقِلًا إلَى مِلْكِهِمْ وَسَقَطَ حَقُّهُمْ وَنَفَذَ الْعَقْدُ السَّابِقُ كَالْمُرْتَهِنِ إذَا أَجَازَ بَيْعَ الرَّاهِنِ وَلَا يُقَالُ لَوْ كَانَ الْوَارِثُ مَرِيضًا فَأَجَازَ يُعْتَبَرُ مِنْ ثُلُثِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ تَمْلِيكٌ مِنْهُ؛
لِأَنَّا نَقُولُ إسْقَاطُ الْحَقِّ يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ كَإِجَازَتِهِ الْعِتْقَ وَالْبَيْعَ الَّذِي فِيهِ مُحَابَاةٌ وَلَيْسَ بِتَمْلِيكٍ مِنْ جِهَتِهِ فَكَذَا هَذَا وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا ذَكَرْنَا وَفِي تَمَلُّكِ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَعِنْدَهُ لَا يَتَمَلَّكُ وَفِي مُشَاعٍ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ حَيْثُ تَجُوزُ الْإِجَازَةُ فِيهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ لَا تَجُوزُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْوَصِيَّةُ لِلْقَاتِلِ لَا تَجُوزُ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَهَا لِلْجِنَايَةِ وَهِيَ بَاقِيَةٌ وَلَهُمَا أَنَّ امْتِنَاعَهَا لِحَقِّ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ نَفْعَ بُطْلَانِهَا يَعُودُ إلَيْهِمْ كَنَفْعِ بُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَرَثَةِ، وَلِأَنَّهُمْ لَا يَرْضَوْنَهَا لِلْقَاتِلِ كَمَا لَا يَرْضَوْنَهَا لِأَحَدِهِمْ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ التَّسْبِيبِ) أَيْ كَمَا فِي حَافِرِ الْبِئْرِ وَوَاضِعِ الْحَجَرِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) مُقْتَضَى الْحَدِيثِ وَعِبَارَتُهُ فِي الْمَتْنِ وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ الْعِلَّةِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَصِحُّ لِلْوَارِثِ بِالثُّلُثِ وَلَا بِغَيْرِهِ وَقَوْلُ الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي آخِرِ الْمَقَالَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْوَرَثَةِ تَعَلَّقَ بِمَالِهِ إلَخْ صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَاهُ مِنْ عَدَمِ الصِّحَّةِ بِالثُّلُثِ وَبِغَيْرِهِ وَقَدْ قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي فَتَاوَاهُ مَا نَصُّهُ لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا أَنْ تُجِيزَ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ
أَمَّا عَدَمُ الْجَوَازِ عِنْدَ عَدَمِ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ فَلِمَا رُوِيَ عَنْ «سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ قَالَ لَا قَالَ بِنِصْفِهِ قَالَ لَا قَالَ بِثُلُثِهِ قَالَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ»
أَمَّا الْجَوَازُ عِنْدَ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلِأَنَّ الْمَنْعَ كَائِنٌ لِحَقِّهِمْ وَقَدْ أَسْقَطُوا حَقَّهُمْ فَيَزُولُ الْمَنْعُ،
وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لِوَارِثِهِ وَإِنْ قَلَّ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يُجِيزَ أَصْحَابُهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي
أَمَّا عَدَمُ الْجَوَازِ عِنْدَ عَدَمِ الْإِجَازَةِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»
وَأَمَّا الْجَوَازُ عِنْدَ الْإِجَازَةِ لِمَا قُلْنَا اهـ. قَوْلُهُ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ إلَخْ)
قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَإِنْ أَجَازَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ وَلَمْ يُجِزْ الْبَعْضُ فَفِي حَقِّ الَّذِي أَجَازَ كَأَنَّ كُلَّهُمْ أَجَازُوا وَفِي حَقِّ الَّذِي لَمْ يُجِزْ كَأَنَّ كُلَّهُمْ لَمْ يُجِيزُوا وَبَيَانُ ذَلِكَ إذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ وَأَوْصَى الرَّجُلُ بِنِصْفِ مَالِهِ فَإِنْ أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ فَالْمَالُ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا لِلْمُوصَى لَهُ رُبُعَانِ وَهُوَ النِّصْفُ وَرُبُعَانِ لِلِابْنَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رُبُعُ الْمَالِ وَلَوْ لَمْ يُجِيزُوا فَلِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثُ الْمَالِ وَالثُّلُثَانِ لِلِابْنَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثُ الْمَالِ وَلَوْ أَجَازَ وَاحِدٌ وَلَمْ يُجِزْ الْآخَرُ جَازَ فِي حَقِّ الَّذِي أَجَازَ كَأَنَّهُمَا أَجَازَا وَيُعْطَى لَهُ رُبُعُ الْمَالِ وَفِي حَقِّ الَّذِي لَمْ يُجِزْ كَأَنَّهُمَا لَمْ يُجِيزَا يُعْطَى لَهُ ثُلُثُ الْمَالِ وَالْبَاقِي يَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ فَيَجْعَلُ الْمَالَ عَلَى اثْنَيْ عَشْرَ لِحَاجَتِنَا إلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، فَالرُّبُعُ لِلَّذِي أَجَازَ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَالثُّلُثُ لِلَّذِي لَمْ يُجِزْ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَبَقِيَ خَمْسَةٌ فَهِيَ لِلْمُوصَى لَهُ اهـ غَايَةٌ
(قَوْلُهُ لَا يَكُونُ رِضًا بِبُطْلَانِ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ إلَخْ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْكِتَابِ بَلَغَنَا ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ يَعْنِي أَنَّ إجَازَةَ الْوَرَثَةِ لِلْوَصِيَّةِ قَبْلَ الْمَوْتِ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ حَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُمْ إلَخْ) قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا فِي الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّ حَقَّهُمْ ثَبَتَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فَإِذَا مَاتَ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ أَسْقَطُوا حَقَّهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ فَصَحَّ اهـ أَتْقَانِيٌّ.
[وَصِيَّة الْمُسْلِم لِلذِّمِّيِّ والذمي لِلْمُسْلِمِ] .
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.