ولا يقرأ المؤتمّ بل يسمع وينصت
الشروح عليها
(قَوْلُهُ وَلَا يَقْرَأُ الْمُؤْتَمُّ بَلْ يَسْتَمِعُ وَيُنْصِتُ، وَإِنْ قَرَأَ آيَةَ التَّرْغِيبِ أَوْ التَّرْهِيبِ أَوْ خَطَبَ أَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّائِي كَالْقَرِيبِ) لِلْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ مِنْ طُرُقٍ عَدِيدَةٍ «مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» فَكَانَ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ} بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ خُصَّ مِنْهُ الْمُدْرِكُ فِي الرُّكُوعِ إجْمَاعًا فَجَازَ تَخْصِيصُهُ بَعْدَهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَلِعُمُومِ الْحَدِيثِ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ» فَإِنْ
قُلْت: حَيْثُ جَازَ تَخْصِيصُهُ بَعْدَهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَيَنْبَغِي تَخْصِيصُ عُمُومِهَا بِالْفَاتِحَةِ عَمَلًا بِخَبَرِ الْفَاتِحَةِ
قُلْت: التَّخْصِيصُ الْأَوَّلُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَأْمُورِينَ وَلَمْ يَقَعْ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ الْمَقْرُوءِ فَلَمْ يَجُزْ تَخْصِيصُهُ بِالظَّنِّيِّ، أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الصَّلَاةَ الْجَهْرِيَّةَ وَالسِّرِّيَّةَ،
وَفِي الْهِدَايَةِ وَيُسْتَحْسَنُ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ فِيمَا يُرْوَى عَنْ مُحَمَّدٍ
وَيُكْرَهُ عِنْدَهُمَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْوَعِيدِ وَتَعَقَّبَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ مُحَمَّدًا صَرَّحَ فِي كُتُبِهِ بِعَدَمِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ وَفِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ قَالَ وَبِهِ نَأْخُذُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ لَمْ يَجْزِمْ بِأَنَّهُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ بَلْ ظَاهِرُهُ أَنَّهَا رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ،
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْحَقُّ أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ كَقَوْلِهِمَا، وَالْمُرَادُ مِنْ الْكَرَاهَةِ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ،
وَفِي بَعْضِ الْعِبَارَاتِ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ خَلْفَهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يُطْلِقُوا اسْمَ الْحُرْمَةِ عَلَيْهَا لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ أَصْلَهُمْ أَنَّهُمْ لَا يُطْلِقُونَهَا إلَّا إذَا كَانَ الدَّلِيلُ قَطْعِيًّا وَدَعْوَى الِاحْتِيَاطِ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَهُ مَمْنُوعَةٌ بَلْ الِاحْتِيَاطُ تَرْكُهَا؛ لِأَنَّهُ الْعَمَلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَسَادُ الصَّلَاةِ بِالْقِرَاءَةِ خَلْفَهُ، فَأَقْوَاهُمَا الْمَنْعُ،
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ بَلْ يَسْتَمِعُ وَيُنْصِتُ إلَى آخِرِهِ إلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الصَّلَاةِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ نَزَلَتْ فِي الْخُطْبَةِ
قَالَ فِي الْكَافِي وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّمَا أُمِرُوا بِهِمَا فِيهَا لِمَا فِيهَا مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَحَاصِلُ الْآيَةِ: أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِهَا أَمْرَانِ: الِاسْتِمَاعُ وَالسُّكُوتُ فَيُعْمَلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَالْأَوَّلُ يَخُصُّ الْجَهْرِيَّةَ وَالثَّانِي لَا فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ فَيَجِبُ السُّكُوتُ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ مُطْلَقًا،
وَلَمَّا كَانَ الْعِبْرَةُ إنَّمَا هُوَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ وَجَبَ الِاسْتِمَاعُ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ خَارِجَ الصَّلَاةِ أَيْضًا، وَلِهَذَا
قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ يَكْتُبُ الْفِقْهَ وَبِجَنْبِهِ رَجُلٌ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلَا يُمْكِنُهُ اسْتِمَاعُ الْقُرْآنِ فَالْإِثْمُ عَلَى الْقَارِئِ وَعَلَى هَذَا لَوْ قَرَأَ عَلَى السَّطْحِ فِي اللَّيْلِ جَهْرًا وَالنَّاسُ نِيَامٌ يَأْثَمُ،
وَفِي الْقُنْيَةِ وَغَيْرِهَا: الصَّبِيُّ إذَا كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَأَهْلُهُ يَشْتَغِلُونَ بِالْأَعْمَالِ وَلَا يَسْتَمِعُونَ إنْ كَانَ شَرَعُوا فِي الْعَمَلِ قَبْلَ قِرَاءَتِهِ لَا يَأْثَمُونَ وَإِلَّا أَثِمُوا وَقَوْلُهُ " وَإِنْ " لِلْوَصْلِ، وَآيَةُ التَّرْغِيبِ هِيَ مَا كَانَ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ أَوْ الرَّحْمَةِ، وَآيَةُ التَّرْهِيبِ مَا كَانَ فِيهَا ذِكْرُ النَّارِ، وَالتَّرْهِيبُ التَّخْوِيفُ،
وَفِي عِبَارَتِهِ رِعَايَةُ الْأَدَبِ حَيْثُ قَالَ يَسْتَمِعُ وَيُنْصِتُ وَلَمْ يَقُلْ لَا يَسْأَلُ الْجَنَّةَ وَلَا يَتَعَوَّذُ النَّارَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَسْأَلْ وَيَتَعَوَّذْ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِخْلَالِ بِفَرْضِ الِاسْتِمَاعِ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَهُ بِالرَّحْمَةِ إذَا اسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ وَوَعْدُهُ حَتْمٌ وَإِجَابَةُ الدُّعَاءِ غَيْرُ مَجْزُومٍ بِهِ خُصُوصًا الْمُتَشَاغِلُ عَنْ سَمَاعِ الْقُرْآنِ بِالدُّعَاءِ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ قَرَأَ رَاجِعٌ إلَى الْإِمَامِ،
وَكَذَا فِي خَطَبَ وَصَلَّى وَحِينَئِذٍ فَلَفْظُ الْمُؤْتَمِّ حَقِيقَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى قَوْلِهِ وَإِنْ قَرَأَ آيَةَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، مَجَازٌ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ
وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ الْخَلَلِ فِي عِبَارَةِ الْمُخْتَصَرِ وَاسْتَثْنَى الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى مَا إذَا ذَكَرَ الْخَطِيبُ آيَةَ {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ} فَإِنَّ السَّامِعَ يُصَلِّي فِي نَفْسِهِ سِرًّا ائْتِمَارًا لِلْأَمْرِ وَجَعْلُ الْبَعِيدِ كَالْقَرِيبِ لِلْخَطِيبِ فِي أَنَّهُ يَسْكُتُ هُوَ الِاحْتِيَاطُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ، وَإِنْ قَرَأَ آيَةَ التَّرْغِيبِ أَوْ التَّرْهِيبِ) أَيْ يَسْتَمِعُ الْمُؤْتَمُّ،
وَإِنْ قَرَأَ الْإِمَامُ مَا ذُكِرَ
قَالَ فِي النَّهْرِ، وَكَذَا الْإِمَامُ لَا يَشْتَغِلُ بِغَيْرِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ سَوَاءٌ أَمَّ فِي الْفَرْضِ أَوْ النَّفْلِ
أَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَفِي الْفَرْضِ كَذَلِكَ،
وَفِي النَّفْلِ يَسْأَلُ الْجَنَّةَ وَيَتَعَوَّذُ مِنْ النَّارِ عِنْدَ ذِكْرِهِمَا وَيَتَفَكَّرُ فِي آيَةِ الْمَثَلِ، وَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ حَدِيثَ «حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَإِنَّهُ صَلَّى مَعَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَمَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ إلَّا سَأَلَ فِيهَا وَمَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ النَّارِ إلَّا تَعَوَّذَ فِيهَا» وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْإِمَامَ يَفْعَلُ فِي النَّافِلَةِ، وَهُمْ صَرَّحُوا بِالْمَنْعِ إلَّا أَنَّهُمْ عَلَّلُوا بِالتَّطْوِيلِ عَلَى الْمُقْتَدِي وَعَلَى هَذَا لَوْ أَمَّ مَنْ يُطْلَبُ مِنْهُ ذَلِكَ فَعَلَهُ يَعْنِي فِي التَّرَاوِيحِ وَالْكُسُوفِ وَإِلَّا فَالتَّجَمُّعُ فِي النَّافِلَةِ مَكْرُوهٌ وَفِي غَيْرِهِمَا
(قَوْلُهُ وَلَمْ يَقَعْ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ الْمَقْرُوءِ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ فِي الْآيَةِ صِيغَتَيْ عُمُومٍ عَلَامَةُ الْجَمْعِ وَمَا، وَالتَّخْصِيصُ حَصَلَ لِلْأُولَى فَيَلْحَقُهَا التَّخْصِيصُ ثَانِيًا بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ
(قَوْلُهُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ) أَيْ فَيَكُونُ مَبْنِيًّا عَلَى مَا قَالُوهُ،
وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِمَذْهَبِهِ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الْجَمْعِ رِعَايَةً لِلِاخْتِصَارِ وَالْأَصْوَبُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ جَارٍ عَلَى مَذْهَبِنَا أَيْضًا بِنَاءً عَلَى مَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرُهُ مِنْ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي سِيَاقِ النَّفْي وَمَا هُنَا كَذَلِكَ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُرَادَ صَاحِبِ الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ إلَخْ)
وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ وَقَوْلُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ أَوْ خَطَبَ إلَخْ ظَاهِرُهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَرَأَ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِنْ قَرَأَ آيَةَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ فَلَا يَسْتَقِيمُ فِي الْمَعْنَى لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْإِنْصَاتُ وَاجِبًا قَبْلَ الْخُطْبَةِ فَيَصِيرُ مَعْنَى الْكَلَامِ: يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِنْصَاتُ فِيهَا،
وَإِنْ قَرَأَ آيَةَ التَّرْغِيبِ أَوْ التَّرْهِيبِ أَوْ خَطَبَ وَأَيْضًا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْخُطْبَةُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَاقِعَيْنِ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنْ يُنْصِتُوا إذَا خَطَبَ،
وَإِنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ.
قَالَ فِي النَّهْرِ وَأَجَابَ الْعَيْنِيُّ بِأَنَّ فَاعِلَ قَرَأَ هُوَ الْإِمَامُ وَخَطَبَ هُوَ الْخَطِيبُ، وَهُوَ فِي حَالَةِ الْخُطْبَةِ غَيْرُ الْإِمَامِ فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ وَلَا يَلْزَمُ مَا ذُكِرَ، وَأَجَابَ مُنْلَا خُسْرو بِأَنَّ الْمُؤْتَمَّ بِمَعْنَى مَنْ شَأْنُهُ أَنْ يَأْتَمَّ وَقَوْلُهُ أَوْ خَطَبَ عَطْفٌ عَلَى قَرَأَ الْمَحْذُوفِ وَالْمَعْنَى لَا يَقْرَأُ الْمُؤْتَمُّ إذَا قَرَأَ إمَامُهُ بَلْ يَسْتَمِعُ وَيُنْصِتُ،
وَإِنْ قَرَأَ آيَةَ تَرْغِيبٍ أَوْ تَرْهِيبٍ، وَلَا يَقْرَأُ الْمُؤْتَمُّ إذَا خَطَبَ إمَامُهُ أَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ يَسْتَمِعُ وَيُنْصِتُ،
وَإِنْ قَرَأَ آيَةَ تَرْغِيبٍ أَوْ تَرْهِيبٍ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ مَا قَالَهُ الْعَيْنِيُّ إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى التَّجَوُّزِ فِي الْمُؤْتَمِّ
وَيَلْزَمُ عَلَى مَا قَالَهُ خُسْرو التَّجَوُّزُ فِي الْإِمَامِ أَيْضًا وَتَقْيِيدُ مَنْعِ الْمُؤْتَمِّ عَنْ الْقِرَاءَةِ بِمَا إذَا خَطَبَ مَعَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِهِ لِلْخُطْبَةِ اهـ كَلَامُ النَّهْرِ.
وَأَجَابَ ابْنُ كَمَالْ بَاشَا عَنْ اعْتِرَاضِ الزَّيْلَعِيِّ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الْخُطْبَةُ قَائِمَةً مَقَامَ رَكْعَتَيْ الظُّهْرِ نَزَّلَ مَنْ حَضَرَهَا مَنْزِلَةَ الْمُؤْتَمِّ فَلَا دَلَالَةَ فِي أَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ تَكُونَ الْخُطْبَةُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِعَتَيْنِ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ وَلَا اتِّجَاهَ لِمَا قِيلَ إنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْإِنْصَاتُ وَاجِبًا قَبْلَ الْخُطْبَةِ لِانْعِدَامِ التَّنْزِيلِ الْمَذْكُورِ فَتَدَبَّرْ اهـ.
(قَوْلُهُ وَاسْتَثْنَى الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي إلَخْ)
قَالَ فِي النَّهْرِ إلَّا أَنَّ إطْلَاقَهُ يَقْتَضِي عَدَمَهُ
قَالَ فِي الْفَتْحِ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ وَرُدَّ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَوْ كَتَبَ حَالَةَ الْخُطْبَةِ كُرِهَ أَيْضًا، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي السِّرَاجِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِمَا يَفُوتُ بِهِ الِاسْتِمَاعُ فَلَا يُشَمِّتُ عَاطِسًا وَلَا يَرُدُّ سَلَامًا [بَابُ الْإِمَامَةِ] [شَرَائِطِ صِحَّة الْإِمَامَة] (بَابُ الْإِمَامَةِ) .
وَهِيَ صُغْرَى وَكُبْرَى فَالصُّغْرَى اقْتِدَاءُ الْغَيْرِ بِالْمُصَلِّي وَالْكُبْرَى اسْتِحْقَاقُ تَصَرُّفٍ عَامٍّ كَمَا فِي السِّيَرِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَائِطَ الْقُدْوَةِ مُفَصَّلَةٌ:
الْأُولَى: أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ الْمَأْمُومُ عَلَى إمَامِهِ مَعَ اتِّحَادِ الْجِهَةِ،
فَإِنْ تَقَدَّمَ مَعَ اخْتِلَافِهَا كَالتَّحَلُّقِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ صَحَّ.
الثَّانِي: عِلْمُهُ بِانْتِقَالَاتِ إمَامِهِ بِرُؤْيَةٍ أَوْ سَمَاعٍ،
فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ انْتِقَالَاتُهُ لَمْ يَصِحَّ.
الثَّالِثُ: اتِّحَادُ مَوْقِفِهِمَا، فَإِنْ اخْتَلَفَ كَمَا إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ أَوْ طَرِيقٌ لَمْ يَصِحَّ وَالْمَسْجِدُ مَكَانٌ وَاحِدٌ وَإِنْ تَبَاعَدَ وَفِنَاؤُهُ مُلْحَقٌ بِهِ.
الرَّابِعُ: نِيَّةُ الْمَأْمُومِ الِاقْتِدَاءَ مُقَارِنَةً لِتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ،
فَإِنْ تَأَخَّرَتْ عَنْهُ لَمْ يَصِحَّ.
الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ حَالُ الْإِمَامِ أَدْنَى مِنْ حَالِ الْمَأْمُومِ فِي الشَّرَائِطِ وَالْأَرْكَانِ،
فَإِنْ اسْتَوَيَا أَوْ كَانَ حَالُ الْإِمَامِ أَعْلَى صَحَّ وَيُعَادُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَفَسَدَ إلَخْ.
السَّادِسُ: مُشَارَكَةُ الْإِمَامِ فِي الْأَرْكَانِ،
فَإِنْ سَبَقَهُ الْمَأْمُومُ بِرُكْنٍ وَلَمْ يُشَارِكْهُ إمَامُهُ فِيهِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ.
السَّابِعُ: عَدَمُ مُحَاذَاةِ امْرَأَةٍ لَهُ إنْ نَوَى إمَامُهُ إمَامَتَهَا.
الثَّامِنُ: عِلْمُهُ بِحَالِ إمَامِهِ مِنْ إقَامَةٍ وَسَفَرٍ
فَلَوْ اقْتَدَى بِإِمَامٍ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُقِيمٌ أَوْ مُسَافِرٌ لَمْ تَصِحَّ.
التَّاسِعُ: أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ يَصِحُّ لَهُ الدُّخُولُ بِنِيَّةِ إمَامِهِ فَلَا يَجُوزُ بِنَاءُ فَرْضٍ عَلَى فَرْضٍ آخَرَ.
الْعَاشِرُ: صِحَّةُ صَلَاةِ إمَامِهِ. اهـ.
كَذَا فِي هَامِشِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ مَعْزُوًّا إلَى خَطِّ الْمُؤَلِّفِ فِي كِتَابِهِ قُلْتُ وَبَقِيَ شُرُوطُ الْإِمَامَةِ، وَقَدْ عَدَّهَا الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي نُورِ الْإِيضَاحِ فَقَالَ وَشُرُوطُ الْإِمَامَةِ لِلرِّجَالِ الْأَصِحَّاءِ سِتَّةُ أَشْيَاءَ: الْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالذُّكُورَةُ وَالْقِرَاءَةُ وَالسَّلَامَةُ مِنْ الْأَعْذَارِ كَالرُّعَافِ وَالْفَأْفَأَةِ وَالتَّمْتَمَةِ وَاللَّثَغِ وَفَقْدِ شَرْطٍ كَطَهَارَةٍ وَسَتْرِ عَوْرَةٍ اهـ.
وَقَدْ نَظَمْت شُرُوطَ الْقُدْوَةِ وَالْإِمَامَةِ السِّتَّةَ عَشَرَ بِقَوْلِي أَخِي إنْ تَرْمُ إدْرَاكَ شَرْطٍ لِقُدْوَةٍ ... فَذَلِكَ عَشْرٌ قَدْ أَتَاك مُعَدَّدًا تَأَخُّرُ مُؤْتَمٍّ وَعِلْمُ انْتِقَالِ مَنْ ... بِهِ ائْتَمَّ مَعْ كَوْنِ الْمَكَانَيْنِ وَاحِدًا وَكَوْنُ إمَامٍ لَيْسَ دُونَ تَبِيعِهِ ... بِشَرْطٍ وَأَرْكَانٌ وَنِيَّةُ الِاقْتِدَا مُشَارِكَةٌ فِي كُلِّ رُكْنٍ وَعِلْمُهُ ... بِحَالِ إمَامٍ حَلَّ أَمْ سَارَ مُبْعَدًا وَأَنْ لَا تُحَاذِيَهُ الَّتِي مَعَهُ اقْتَدَتْ ... وَصِحَّةُ مَا صَلَّى الْإِمَامُ مَنْ ابْتِدَا كَذَاك اتِّحَادُ الْفَرْضِ هَذَا تَمَامُهَا ...
وَسِتُّ شُرُوطٍ لِلْإِمَامَةِ فِي الْمَدَى بُلُوغٌ وَإِسْلَامٌ وَعَقْلٌ ذُكُورَةٌ ... قِرَاءَةُ مُجْزٍ وَانْتِفَا مَانِعٍ اقْتِدَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[صِفَة الْإِمَامَة فِي الصَّلَاة]
(ولا يقرأ المؤتم) أي: لا يحل له ذلك مطلقًا
قال في (الخلاصة) : واختلف المشايخ في الكراهة في السوية فقيل لا يكره وإليه مال أبو حفص الكبير
وقيل هذا قول محمد وعندهما يكره
والأصح الكراهة كما في (الذخيرة) .
قال في (الفتح) : والحق أن قول محمد كقولهما إذ عبارته في كتبه مصرحة بالتجافي عن خلافه ففي كتاب (الآثار) قال محمد لا ينبغي أن يقرأ خلف الإمام في شيء من الصلوات التي يجهر فيها أو يسر بذلك جاءت عامة الأخبار وهو قول أبي حنيفة فما في (الهداية) يستحسن أي قراءة الفاتحة في السرية احتياطًا فيما يروى عن محمد
ويكره عندهما ضعيف (بل يستمع) قراءة الإمام إذا جهر بالقراءة (وينصت) إذا أسر لقوله تعالى:} فاستمعوا له وأنصتوا { (الأعراف: ٢٠٤) إذ الخطاب للمقتدي في قول أكثر المفسرين
ولما كان عدم قراءة المؤتم لا يلزم منهما الاستماع لجواز أن أردفه بقوله بل يستمع. اعلم أن وجوب الاستماع لا يخص المقتدي ولا كون القارىء إمامًا بل في كلام أصحابنا ما يدل على وجوب الاستماع في الجهر بالقرآن مطلقًا،
قال في (الخلاصة) : رجل يكتب الفقه وبجنبه رجل يقرأ القرآن فلا يمكنه استماع القرآن فالإثم على القارىء وعلى هذا لو قرأ على السطح في الليل جهرًا والناس نيام يأثم وهذا صريح في إطلاق الوجوب ولأن العبرة بعموم اللفظ لا لخصوص السبب كذا في (فتح القدير) وفي (البيضاوي) ظاهر الآية يقتضي وجوبهما حيث يقرأ القرآن مطلقًا.
(وَلَا يَقْرَأُ الْمُؤْتَمُّ) بَلْ يَسْتَمِعُ وَيُنْصِتُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجِبُ عَلَى الْمُؤْتَمِّ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَحَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «قَالَ لِلْمَأْمُومِينَ الَّذِينَ قَرَءُوا خَلْفَهُ لَا تَفْعَلُوا إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا»؛ وَلِأَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ مِنْ الْأَرْكَانِ فَيَشْتَرِكَانِ فِيهِ كَسَائِرِ الْأَرْكَانِ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى « {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: ٢٠٤] قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ كَانُوا يَقْرَءُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَنَزَلَتْ» وَقَالَ أَحْمَدُ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الصَّلَاةِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي مُوسَى «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» قَالَ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ؛
وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ «لَا يَقْرَأَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ إذَا جَهَرْت بِالْقُرْآنِ» قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ رِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ قَالَ أَحْمَدُ مَا سَمِعْنَا أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ يَقُولُ إنَّ الْإِمَامَ إذَا جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ لَا تُجْزِي صَلَاةُ مَنْ لَمْ يَقْرَأْ وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَنْ الْقِرَاءَةِ يَعْنِي خَلْفَ الْإِمَامِ فَقَالَ لَا قِرَاءَةَ مَعَ الْإِمَامِ فِي شَيْءٍ وَعَنْ جَابِرٍ بِمَعْنَاهُ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَكَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ؛
وَلِأَنَّ الْمَأْمُومَ مُخَاطَبٌ بِالِاسْتِمَاعِ إجْمَاعًا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَا يُنَافِيهِ إذْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَصَارَ نَظِيرَ الْخُطْبَةِ فَإِنَّهُ لَمَّا أَمَرَ بِالِاسْتِمَاعِ لَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَخْطُبَ لِنَفْسِهِ بَلْ لَا يَجُوزُ فَكَذَا هَذَا فَإِنْ قَالُوا يَتْبَعُ سَكَتَاتِ الْإِمَامِ قُلْنَا يُشْكِلُ عَلَيْكُمْ فِيمَا إذَا لَمْ يَسْكُتْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ السُّكُوتُ إجْمَاعًا وَحَدِيثُ عُبَادَةَ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ.
وَقَوْلُهُ رُكْنٌ مِنْ الْأَرْكَانِ فَيَشْتَرِكَانِ فِيهِ قُلْنَا نَعَمْ لَكِنَّ حَظَّ الْمُقْتَدِي الْإِنْصَاتُ وَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ وَقَعَ عَنْهُمَا فَيُجْزِيهِ وَلِهَذَا يُجْزِيهِ إذَا كَانَ مَسْبُوقًا بِالْإِجْمَاعِ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ عَلَى مَا قَالَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَتُهُ لَهُ قِرَاءَةٌ» قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَيُنْصِتُ وَإِنْ قَرَأَ آيَةَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ أَوْ خَطَبَ أَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ؛
لِأَنَّ الِاسْتِمَاعَ وَالْإِنْصَاتَ فَرْضٌ بِالنَّصِّ وَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِ الْقِرَاءَةِ،
وَكَذَا الْإِمَامُ نَفْسُهُ لَا يَشْتَغِلُ بِالدُّعَاءِ حَالَةَ الْقِرَاءَةِ وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إلَّا سَأَلَهَا وَآيَةِ عَذَابٍ إلَّا اسْتَعَاذَ مِنْهُ» مَحْمُولٌ عَلَى النَّوَافِلِ مُنْفَرِدًا؛ لِأَنَّ فِيهِ تَطْوِيلًا عَلَى الْقَوْمِ وَقَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَلِهَذَا لَا يَفْعَلُهُ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ،
وَكَذَا فِي الْخُطْبَةِ يُنْصِتُ وَيَسْتَمِعُ وَإِنْ صَلَّى الْخَطِيبُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّ الِاسْتِمَاعَ فَرْضٌ عَلَيْهِ بِالنَّصِّ إلَّا أَنْ يَقْرَأَ الْخَطِيبُ قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} فَيُصَلِّي السَّامِعُ فِي نَفْسِهِ،
وَكَذَا لَا يُشَمِّتُ الْعَاطِسَ وَلَا يَرُدُّ السَّلَامَ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَرُدُّهُ وَيُشَمِّتُ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْجَوَابَ يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْخُطْبَةِ إذْ الْمَجْلِسُ وَاحِدٌ وَقَوْلُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ أَوْ خَطَبَ إلَى آخِرِهِ ظَاهِرُهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَرَأَ مِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ قَرَأَ آيَةَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ فَلَا يَسْتَقِيمُ فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْإِنْصَاتُ وَاجِبًا قَبْلَ الْخُطْبَةِ فَيَصِيرُ مَعْنَى الْكَلَامِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِنْصَاتُ فِيهَا وَإِنْ قَرَأَ آيَةَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ أَوْ خَطَبَ وَأَيْضًا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْخُطْبَةُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاقِعَتَيْنِ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنْ يُنْصِتُوا إذَا خَطَبَ وَإِنْ صَلَّى الْخَطِيبُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَلَا يَقْرَأُ الْمُؤْتَمُّ) أَيْ سَوَاءٌ جَهَرَ الْإِمَامُ أَوْ أَسَرَّ. اهـ. كَاكِيٌّ
(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ مِنْ الْأَرْكَانِ فَيَشْتَرِكَانِ فِيهِ)
أَمَّا الْأُولَى فَظَاهِرَةٌ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ} وَهُوَ عَامٌّ فِي الْمُصَلِّينَ،
وَكَذَا قَوْلُهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ». اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ: وَأَنْصِتُوا إلَى آخِرِهِ) فَأَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ عَلَى أَنَّ هَذَا خِطَابٌ لِلْمُقْتَدِينَ وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ الْآيَةَ عَلَى حَالَةِ الْخَطِّيَّةِ وَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا فَإِنَّمَا أُمِرُوا بِهِمَا فِيهَا لِمَا فِيهَا مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. اهـ. كَاكِيٌّ
قَالَ فِي الدِّرَايَةِ وَمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ فَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تَرَكُوا الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمَّا «سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ خَلْفَهُ فَقَالَ مَا لِي أُنَازَعُ فِي الْقُرْآنِ»
وَقِيلَ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْإِمَامِ وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةِ الْخَلَّالِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْكِتَابِ فَهِيَ خِدَاجٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَرَاءَ الْإِمَامِ» وَرُوِيَ أَيْضًا مَوْقُوفًا عَلَى جَابِرٍ وَفِيهِ نَوْعُ تَأَمُّلٍ. اهـ.
قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَإِنْ قَرَأَ آيَةَ التَّرْغِيبِ) مِثْلَ آيَاتِ الْجَنَّةِ. اهـ.
وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ وَإِنْ قَرَأَ إلَى آخِرِهِ قَالَ الْعَيْنِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قُلْت فَاعِلُ قَرَأَ هُوَ الْإِمَامُ وَفَاعِلُ خَطَبَ هُوَ الْخَطِيبُ وَهُوَ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ غَيْرُ إمَامٍ فَيَكُونُ هَذَا الْعَطْفُ عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ أُخْرَى وَلَا يَلْزَمُ مَا ذُكِرَ فَافْهَمْ. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَالتَّرْهِيبُ) أَيْ التَّخْوِيفُ مِثْلُ آيَاتِ النَّارِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالْإِنْصَاتُ فَرْضٌ بِالنَّصِّ إلَى آخِرِهِ) يَعْنِي قَوْله تَعَالَى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} وَالْإِنْصَاتُ لَا يَخُصُّ الْجَهْرِيَّةَ؛ لِأَنَّهُ عَدَمُ الْكَلَامِ لَكِنْ قِيلَ: إنَّهُ السُّكُوتُ لِلِاسْتِمَاعِ لَا مُطْلَقًا وَحَاصِلُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ أَمْرَانِ الِاسْتِمَاعُ وَالسُّكُوتُ فَيُعْمَلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَالْأَوَّلُ يَخُصُّ الْجَهْرِيَّةَ وَالثَّانِي لَا فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ فَيَجِبُ السُّكُوتُ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ مُطْلَقًا وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ وُرُودَ الْآيَةِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ هَذَا وَفِي كَلَامِ أَصْحَابِنَا مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِمَاعِ فِي الْجَهْرِ بِالْقُرْآنِ مُطْلَقًا
قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ يَكْتُبُ الْفِقْهَ وَبِجَنْبِهِ رَجُلٌ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَلَا يُمْكِنُهُ اسْتِمَاعُ الْقُرْآنِ فَالْإِثْمُ عَلَى الْقَارِئِ وَعَلَى هَذَا لَوْ قَرَأَ عَلَى السَّطْحِ بِاللَّيْلِ جَهْرًا وَالنَّاسُ نِيَامٌ يَأْثَمُ وَهَذَا صَرِيحُ إطْلَاقِ الْوُجُوبِ؛ وَلِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ. اهـ. فَتْحٌ مَعَ حَذْفٍ
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَقْرَأَ الْخَطِيبُ إلَى آخِرِهِ) أَفَادَ وُجُوبَ السُّكُوتِ فِي الثَّانِيَةِ كُلِّهَا أَيْضًا مَا خَلَا الْمُسْتَثْنَى وَرُوِيَ الِاسْتِثْنَاءُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَاسْتَحْسَنَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ حَكَى أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى بِالصَّلَاةِ وَاشْتَغَلَ هُوَ بِالِامْتِثَالِ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ مُوَافَقَتُهُ وَالْأَشْبَهُ عَدَمُ الِالْتِفَاتِ. اهـ. فَتْحٌ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.