هو من قتله أهل الحرب والبغي، وقطّاع الطّريق
الشروح عليها
(بَابُ الشَّهِيدِ) إنَّمَا بَوَّبَ لَهُ مَعَ أَنَّ الْمَقْتُولَ مَيِّتٌ بِأَجَلِهِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْفَضِيلَةِ فَكَانَ إفْرَادُهُ كَإِفْرَادِ جِبْرِيلَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ؛ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَشْهَدُونَ مَوْتَهُ إكْرَامًا لَهُ فَكَانَ مَشْهُودًا أَوْ؛ لِأَنَّهُ مَشْهُودٌ لَهُ بِالْجَنَّةِ أَوْ بِمَعْنَى فَاعِلٍ؛ لِأَنَّهُ حَيٌّ عِنْدَ اللَّهِ حَاضِرٌ
(قَوْلُهُ هُوَ مَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ أَوْ الْبَغْيِ أَوْ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ أَوْ وُجِدَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَبِهِ أَثَرٌ أَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ ظُلْمًا، وَلَمْ يَجِبْ بِقَتْلِهِ دِيَةٌ) بَيَانٌ لِشَرَائِطِهِ، قُيِّدَ بِكَوْنِهِ مَقْتُولًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ تَرَدَّى مِنْ مَوْضِعٍ أَوْ احْتَرَقَ بِالنَّارِ أَوْ مَاتَ تَحْتَ هَدْمٍ أَوْ غَرَقٍ لَا يَكُونُ شَهِيدًا أَيْ فِي حُكْمِ الدُّنْيَا وَإِلَّا فَقَدْ «شَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْغَرِيقِ وَلِلْحَرِيقِ وَالْمَبْطُونِ وَالْغَرِيبِ بِأَنَّهُمْ شُهَدَاءُ» فَيَنَالُونَ ثَوَابَ الشُّهَدَاءِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ،
وَفِي التَّجْنِيسِ رَجُلٌ قَصَدَ الْعَدُوَّ لِيَضْرِبَهُ فَأَخْطَأَ فَأَصَابَ نَفْسَهُ فَمَاتَ يُغَسَّلُ؛ لِأَنَّهُ مَا صَارَ مَقْتُولًا بِفِعْلٍ مُضَافٍ إلَى الْعَدُوِّ وَلَكِنَّهُ شَهِيدٌ فِيمَا يَنَالُ مِنْ الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ الْعَدُوَّ لَا نَفْسَهُ اهـ.
وَأَطْلَقَ فِي قَتْلِهِ فَشَمَلَ الْقَتْلَ مُبَاشَرَةً أَوْ تَسَبُّبًا؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ مُضَافٌ إلَيْهِمْ حَتَّى لَوْ أَوْطَئُوا دَابَّتَهُمْ مُسْلِمًا أَوْ نَفَّرُوا دَابَّةَ مُسْلِمٍ فَرَمَتْهُ أَوْ رَمَوْهُ مِنْ السُّورِ أَوْ أَلْقَوْا عَلَيْهِ حَائِطًا أَوْ رَمَوْا بِنَارٍ فَأَحْرَقُوا سُفُنَهُمْ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ كَانَ شَهِيدًا،
وَلَوْ انْفَلَتَتْ دَابَّةُ مُشْرِكٍ لَيْسَ عَلَيْهَا أَحَدٌ فَوَطِئَتْ مُسْلِمًا أَوْ رَمَى مُسْلِمٌ إلَى الْكُفَّارِ فَأَصَابَ مُسْلِمًا أَوْ نَفَرَتْ دَابَّةُ مُسْلِمٍ مِنْ سَوَادِ الْكُفَّارِ أَوْ نَفَرَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ فَأَلْجَئُوهُمْ إلَى خَنْدَقٍ أَوْ نَارٍ أَوْ نَحْوِهِ أَوْ جَعَلُوا حَوْلَهُمْ الشَّوْكَ فَمَشَى عَلَيْهَا مُسْلِمٌ فَمَاتَ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ شَهِيدًا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ يَقْطَعُ النِّسْبَةَ إلَيْهِمْ،
وَكَذَا فِعْلُ الدَّابَّةِ دُونَ حَامِلٍ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ جَعْلُ الشَّوْكِ حَوْلَهُمْ تَسْبِيبًا؛ لِأَنَّ مَا قُصِدَ بِهِ الْقَتْلُ فَهُوَ تَسْبِيبٌ، وَمَا لَا فَلَا، وَهُمْ إنَّمَا قَصَدُوا بِهِ الدَّفْعَ لَا الْقَتْلَ، وَأَرَادَ بِمِنْ الْمُسْلِمِ فَإِنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ بِشَهِيدٍ وَأَرَادَ بِالْأَثَرِ هُنَا مَا يَكُونُ عَلَامَةً عَلَى الْقَتْلِ كَالْجُرْحِ وَسَيَلَانِ الدَّمِ مِنْ عَيْنَيْهِ أَوْ أُذُنِهِ لَا مَاءٌ يَسِيلُ مِنْ أَنْفِهِ أَوْ ذَكَرِهِ أَوْ دُبُرِهِ،
فَإِنْ كَانَ يَسِيلُ مِنْ فِيهِ،
فَإِنْ ارْتَقَى مِنْ الْجَوْفِ وَكَانَ صَافِيًا كَانَ عَلَامَةً عَلَى الْقَتْلِ،
وَإِنْ نَزَلَ مِنْ الرَّأْسِ أَوْ كَانَ جَامِدًا فَلَا،
وَفِي الْبَدَائِعِ إنَّ أَثَرَ الضَّرْبِ وَالْخَنْقِ كَأَثَرِ الْجُرْحِ وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَهِيَ مَوْضِعُ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وُجِدَ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ قَتِيلٌ قَبْلَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ فَلَيْسَ بِشَهِيدٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ قَتِيلَ الْعَدُوِّ؛ وَلِهَذَا تَجِبُ فِيهِ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بَعْدَ لِقَائِهِمْ فَإِنَّهُ قَتِيلُهُمْ ظَاهِرًا كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ أَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ ظُلْمًا عَنْ ذِكْرِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ مَعَ كَوْنِهِمْ مُسْلِمِينَ قَتَلُوا ظُلْمًا؛ لِأَنَّ قَتِيلَ أَهْلِ الْبَغْيِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ قَتْلُهُ بِحَدِيدَةٍ بَلْ بِكُلِّ آلَةٍ سِلَاحًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ مُبَاشَرَةً أَوْ تَسْبِيبًا كَقَتِيلِ أَهْلِ الْحَرْبِ
قَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْقِتَالُ مَعَ أَهْلِ الْبَغْيِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ مَأْمُورًا بِهِ أُلْحِقَ بِقِتَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَعَمَّتْ الْآلَةُ كَمَا عَمَّتْ هُنَاكَ اهـ. .
بِخِلَافِ قَتْلِ غَيْرِهِمْ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بِحَدِيدَةٍ كَمَا سَنَذْكُرُهُ وَقُيِّدَ بِقَوْلِهِ ظُلْمًا؛ لِأَنَّ مَنْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ حَقًّا كَالْمَقْتُولِ بِحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ أَوْ عَدَا عَلَى قَوْمٍ فَقَتَلُوهُ فَلَيْسَ بِشَهِيدٍ
وَكَذَا لَوْ مَاتَ فِي حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَقُيِّدَ بِقَوْلِهِ، وَلَمْ يَجِبْ بِقَتْلِهِ دِيَةٌ؛ لِأَنَّ مَنْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ ظُلْمًا خَطَأً أَوْ عَمْدًا بِالْمُثْقِلِ أَوْ غَيْرِهِ فَلَيْسَ بِشَهِيدٍ لِوُجُوبِ الدِّيَةِ بِقَتْلِهِ
وَكَذَا لَوْ وُجِدَ مَذْبُوحًا، وَلَمْ يُعْلَمْ قَاتِلُهُ كَمَا سَيَأْتِي،
وَكَذَا لَوْ وُجِدَ فِي مَحَلَّةٍ مَقْتُولٌ، وَلَمْ يُعْلَمْ قَاتِلُهُ فَإِنَّهُ لَا يُدْرَى أَقُتِلَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا عَمْدًا أَوْ خَطَأً،
وَفِي الْمُجْتَبَى وَإِذَا الْتَقَتْ سَرِيَّتَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَكُلُّ وَاحِدَةٍ تَرَى أَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ فَأَجْلَوْا عَنْ قَتْلَى مِنْ الْفَرِيقَيْنِ قَالَ مُحَمَّدٌ لَا دِيَةَ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا كَفَّارَةَ؛ لِأَنَّهُمْ دَافِعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ الْغُسْلِ
وَيَجِبُ أَنْ يُغَسَّلُوا؛ لِأَنَّ قَاتِلَهُمْ لَمْ يَظْلِمْهُمْ اهـ.
وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ بِقَتْلِهِ أَيْ بِسَبَبِهِ عَمَّا إذَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ بِالصُّلْحِ أَوْ بِقَتْلِ الْأَبِ ابْنَهُ أَوْ شَخْصًا آخَرَ وَوَارِثُهُ ابْنُهُ فَإِنَّ الْمَقْتُولَ شَهِيدٌ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْقَتْلِ لَمْ يُوجِبْ الدِّيَةَ بَلْ يُوجِبُ الْقِصَاصَ، وَإِنَّمَا سَقَطَ لِلصُّلْحِ أَوْ لِلشُّبْهَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْمَالُ عِوَضًا مَانِعًا، وَلَمْ يَكُنْ وُجُوبُ الْقِصَاصِ عِوَضًا مَانِعًا؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لِلْمَيِّتِ مِنْ وَجْهٍ وَلِلْوَارِثِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهِيَ تُشْفِي الصُّدُورَ وَلِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ وَهُوَ مَا فِي شَرْعِيَّتِهِ مِنْ حَيَاةِ الْأَنْفُسِ فَلَمْ يَكُنْ عِوَضًا مُطْلَقًا فَلَا تَبْطُلُ الشَّهَادَةُ بِالشَّكِّ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِلْمُصَنِّفِ وَذُكِرَ فِي الْمُجْتَبَى وَالْبَدَائِعِ أَنَّ الشَّرَائِطَ سِتٌّ الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْقَتْلُ ظُلْمًا وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ بِهِ عِوَضٌ مَالِيٌّ وَالطَّهَارَةُ عَنْ الْجَنَابَةِ وَعَدَمُ الِارْتِثَاثِ اهـ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ بَقِيَّتَهَا لِمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ مِنْ مَفْهُومَاتِهَا لَكِنْ بَقِيَ مَنْ قُتِلَ مُدَافِعًا عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ مَالِهِ أَوْ عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ وَاحِدًا مِنْ الثَّلَاثَةِ فِي الْكِتَابِ فَإِنَّ الْمَقْتُولَ شَهِيدٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ وَعَطَفَهُ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَجَعَلَهُ سَبَبًا رَابِعًا، وَلَا يُمْكِنُ دُخُولُهُ تَحْتَ قَوْلِهِ أَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ ظُلْمًا؛ لِأَنَّ الْمُدَافِعَ الْمَذْكُورَ شَهِيدٌ بِأَيِّ آلَةٍ قُتِلَ بِحَدِيدَةٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ خَشَبٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ، وَمَقْتُولُ الْمُسْلِمِ ظُلْمًا لَا يَكُونُ شَهِيدًا إلَّا إذَا قُتِلَ بِحَدِيدَةٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ،
وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ أَنَّ عِبَارَةَ الْمَجْمَعِ هُنَا لَمْ تَكُنْ مُحَرَّرَةً فَإِنَّهُ لَمْ يُفَصِّلْ فِي مَقْتُولِ الْمُسْلِمِ ظُلْمًا بَلْ أَدْخَلَ الْبَاغِيَ وَقَاطِعَ الطَّرِيقِ تَحْتَ الْمُسْلِمِ وَجَعَلَ حُكْمَ مَقْتُولِهِمْ وَاحِدًا، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ،
وَإِنْ أَرَادَ بِالْمُسْلِمِ مَا عَدَاهُمَا فَلَيْسَ فِي عِبَارَتِهِ اسْتِيفَاءٌ لِلشَّهِيدِ وَيُرَدُّ عَلَى الْكُلِّ مَا قَتَلَهُ ذِمِّيٌّ ظُلْمًا فَإِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُسْلِمِ هُنَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ قَالَ: وَالْمُكَابِرُونَ فِي الْمِصْرِ لَيْلًا بِمَنْزِلَةِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ اهـ. وَالْبَغْيُ فِي عِبَارَةِ الْمُخْتَصَرِ مَجْرُورٌ وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ مَرْفُوعٌ.
[بَابُ الشَّهِيد] (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ يَسِيلُ مِنْ فِيهِ إلَخْ)
قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَأَمَّا إنْ ظَهَرَ مِنْ الْفَمِ فَقَالُوا إنْ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ الرَّأْسِ بِأَنْ يَكُونَ صَافِيًا غُسِّلَ،
وَإِنْ كَانَ خِلَافَهُ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ الْجَوْفِ فَيَكُونُ مِنْ جِرَاحَةٍ فِيهِ فَلَا يُغَسَّلُ وَأَنْتَ عَلِمْت أَنَّ الْمُرْتَقِي مِنْ الْجَوْفِ قَدْ يَكُونُ عَلَقًا فَهُوَ سَوْدَاءُ بِصُورَةِ الدَّمِ، وَقَدْ يَكُونُ رَقِيقًا مِنْ قُرْحَةٍ فِي الْجَوْفِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ فَلَمْ يَلْزَمْ كَوْنُهُ مِنْ جِرَاحَةٍ حَادِثَةٍ بَلْ هُوَ أَحَدُ الْمُحْتَمَلَاتِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا لَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ أَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ ظُلْمًا إلَخْ)
قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ مَنْ قُتِلَ ظُلْمًا، وَلَمْ تَجِبْ بِقَتْلِهِ دِيَةٌ لَاسْتُفِيدَ مَا ذَكَرَهُ مَعَ كَمَالِ الِاخْتِصَار. اهـ.
وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمُدَافِعَ الْمَذْكُورَ شَهِيدٌ إلَخْ)
قَالَ فِي النَّهْرِ مَنْ قُتِلَ مُدَافِعًا عَنْ نَفْسِهِ فَكَوْنُهُ شَهِيدًا مَعَ قَتْلِهِ بِغَيْرِ الْمُحَدَّدِ مُشْكِلٌ جِدًّا لِوُجُوبِ الدِّيَةِ بِقَتْلِهِ فَتَدَبَّرْهُ مُمْعِنًا النَّظَرَ فِيهِ. اهـ.
وَمِثْلُ الْمُدَافِعِ عَنْ نَفْسِهِ الْمُدَافِعُ عَنْ غَيْرِهِ إذْ لَا فَرْقَ يَظْهَرُ وَالْجَوَابُ عَنْ إشْكَالِهِ أَنَّ هَذَا الْقَاتِلَ إنْ كَانَ مُكَابِرًا فِي الْمِصْرِ لَيْلًا فَسَيَأْتِي أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ،
وَإِنْ كَانَ لِصًّا نَزَلَ عَلَيْهِ لَيْلًا لِيَقْتُلَهُ أَوْ يَأْخُذَ مَالَهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهِ أَيْضًا كَمَا فِي النَّهْرِ، وَعَلَى كُلٍّ فَلَا دِيَةَ كَمَا لَا دِيَةَ فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ فَقَوْلُهُ لِوُجُوبِ الدِّيَةِ مَمْنُوعٌ، وَعَلَى كُلٍّ فَهُوَ شَهِيدٌ وَلَا إشْكَالَ تَدَبَّرْ
(هو) أي: الشهيد في العرف ما ذكر وهو تعريف له باعتبار الحكم الآتي، أعني: عدم تغسيله ونزع ثيابه لا لمطلقه لأنه أعم من ذلك لما جاء أن الغريق، والحريق، والمبطون ونحوهم شهداء، ثم هو على قول الكل بناء على ما اختار بعضهم من أن المختلف فيه من الأحكام والأوصاف يجتنب في الحد من أي شخص مسلم،
ولو أريد تعريفه على مذهب الإمام خاصة فسر (من) بمسلم مكلف ظاهر، (قتله أهل الحرب والبغي) .
وقوله: (وقطاع الطريق) بالرفع عطف على أهل لا بالجر لفساد المعنى حينئذ. وأهل قطاع الطريق مع أن القطاع جمع قاطع ففيه إضافة الشيء إلى نفسه ولا فرق بين كون القتل مباشرة أو تسبباً، كما لو نفروا دابة مسلم فرمته ولا بين كون القاتل ذاباً عن نفسه أو ماله أو أهله أو عن واحد من المسلمين، أو من أهل الذمة كما في (الخلاصة) ، وأحتزر به عما لو رمى العود فأصاب نفسه فمات حيث يغسل،
لأنها لم يقتل بفعله مضاف إلى العدو كما في (التجنيس) ، قال يعقوب باشا: وأما قتل أهل البغي بعضهم بعضاً
وكذا قطاع الطريق فلا يبعد أن يعد المقتول منهم شهيداً انتهى، ولا خفاء أن إطلاق المصنف يفيده،
(بَابٌ الشَّهِيدُ) سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَشْهَدُهُ إكْرَامًا لَهُ أَوْ؛
لِأَنَّهُ مَشْهُودٌ لَهُ بِالْجَنَّةِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (هُوَ) أَيْ الشَّهِيدُ (مَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ وَالْبَغْيِ، وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ أَوْ وُجِدَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَبِهِ أَثَرٌ أَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ ظُلْمًا، وَلَمْ تَجِبْ بِقَتْلِهِ دِيَةٌ) ،
وَكَذَا إذَا قَتَلَهُ ذِمِّيٌّ، وَلَمْ تَجِبْ بِقَتْلِهِ دِيَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ شُهَدَاءُ أُحُدٍ وَكُلُّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ طَاهِرٍ قُتِلَ ظُلْمًا، وَلَمْ يَرْتَثَّ، وَلَمْ يَجِبْ بِقَتْلِهِ عِوَضٌ مَالِيٌّ فَهُوَ فِي مَعْنَاهُمْ، وَقَوْلُهُ مَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ يَتَنَاوَلُ مَنْ قَتَلُوهُ مُبَاشَرَةً أَوْ تَسْبِيبًا؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ مُضَافٌ إلَيْهِمْ حَتَّى لَوْ أَوْطَئُوا دَابَّتَهُمْ مُسْلِمًا أَوْ نَفَّرُوا دَابَّةَ مُسْلِمٍ فَرَمَتْهُ أَوْ رَمَوْهُ مِنْ السُّورِ أَوْ أَلْقَوْا عَلَيْهِ حَائِطًا أَوْ رَمَوْا بِنَارٍ فَأَحْرَقُوا سُفُنَهُمْ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ فَمَاتَ بِهِ مُسْلِمٌ كَانَ شَهِيدًا لِمَا قُلْنَاهُ،
وَلَوْ انْفَلَتَتْ دَابَّةُ مُشْرِكٍ لَيْسَ عَلَيْهَا أَحَدٌ فَوَطِئَتْ مُسْلِمًا أَوْ رَمَى مُسْلِمٌ إلَى الْكُفَّارِ فَأَصَابَ مُسْلِمًا أَوْ نَفَرَتْ دَابَّةُ مُسْلِمٍ مِنْ سَوَادِ الْكُفَّارِ أَوْ نَفَرَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ فَأَلْجَؤُهُمْ إلَى خَنْدَقٍ أَوْ نَارٍ أَوْ نَحْوِهِ أَوْ جَعَلُوا حَوْلَهُمْ الْحَسَكَ فَمَشَى عَلَيْهَا مُسْلِمٌ فَمَاتَ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ شَهِيدًا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ يَقْطَعُ النِّسْبَةَ إلَيْهِمْ.
وَإِنْ طَعَنُوهُمْ حَتَّى أَلْقَوْهُمْ فِي النَّارِ يَكُونُوا شُهَدَاءَ إجْمَاعًا قَوْلُهُ وَبِهِ أَثَرٌ أَيْ أَثَرٌ يَكُونُ عَلَامَةً عَلَى الْقَتْلِ كَالْجُرْحِ وَسَيَلَانِ الدَّمِ مِنْ عَيْنِهِ أَوْ أُذُنِهِ إذْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ شِدَّةِ الضَّرْبِ وَجُرْحٍ فِي الْبَاطِنِ عَادَةً،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ أَثَرٌ أَوْ كَانَ الدَّمُ يَسِيلُ مِنْ أَنْفِهِ أَوْ ذَكَرِهِ أَوْ دُبُرِهِ لَا يَكُونُ شَهِيدًا؛ لِأَنَّ الدَّمَ يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْمَخَارِقِ مِنْ غَيْرِ ضَرْبٍ عَادَةً إذْ الْإِنْسَانُ يُبْتَلَى بِالرُّعَافِ وَيَبُولُ الْجَبَانُ دَمًا وَصَاحِبُ الْبَاسُورِ يَخْرُجُ الدَّمُ مِنْ دُبُرِهِ، وَقَدْ يَمُوتُ الْجَبَانُ مِنْ غَيْرِ ضَرْبٍ فَزَعًا، وَكَوْنُهُ فِي الْمَعْرَكَةِ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِقَتْلِهِ بِلَا إصَابَةٍ فَلَمْ يَقَعْ مَقَامَ الْقَتْلِ،
وَلَوْ كَانَ الدَّمُ يَسِيلُ مِنْ فِيهِ فَإِنْ ارْتَقَى مِنْ الْجَوْفِ، وَكَانَ صَافِيًا يَكُونُ شَهِيدًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ قُرْحَةٍ فِي الْبَاطِنِ،
وَإِنْ نَزَلَ مِنْ الرَّأْسِ لَا يَكُونُ شَهِيدًا؛ لِأَنَّهُ رُعَافٌ خَرَجَ مِنْ جَانِبِ الْفَمِ،
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ جَامِدًا لَا يَكُونُ شَهِيدًا؛ لِأَنَّهُ سَوْدَاءُ أَوْ صَفْرَاءُ احْتَرَقَتْ قَوْلُهُ، وَلَمْ يَجِبْ بِقَتْلِهِ دِيَةٌ أَيْ بِنَفْسِ الْقَتْلِ حَتَّى لَوْ وَجَبَتْ الدِّيَةُ بِالصُّلْحِ أَوْ بِقَتْلِ الْأَبِ ابْنَهُ أَوْ شَخْصًا آخَرَ وَوَارِثُهُ ابْنُهُ يَكُونُ شَهِيدًا؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْقَتْلِ لَمْ يُوجِبْ الدِّيَةَ بَلْ يُوجِبُ الْقِصَاصَ، وَإِنَّمَا سَقَطَ بِالصُّلْحِ أَوْ بِالشُّبْهَةِ.
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَشْهَدُهُ) أَيْ تَشْهَدُ مَوْتَهُ فَهُوَ مَشْهُودٌ، وَهُوَ عَلَى هَذَا فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ. اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ لِأَنَّهُ مَشْهُودٌ لَهُ بِالْجَنَّةِ) أَوْ؛ لِأَنَّهُ حَيٌّ عِنْدَ اللَّهِ حَاضِرٌ، وَهُوَ عَلَى هَذَا فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ قَالَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ ظُلْمًا إلَخْ) ،
وَلَوْ قُتِلَ بِشَيْءٍ لَا يُوصَفُ بِالظُّلْمِ كَمَا إذَا انْهَدَمَ عَلَيْهِ الْبِنَاءُ أَوْ سَقَطَ مِنْ الْجَبَلِ أَوْ غَرِقَ فِي الْمَاءِ أَوْ افْتَرَسَهُ سَبُعٌ فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ. اهـ طَحَاوِيٌّ وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ ظُلْمًا مَا نَصُّهُ بِغَيْرِ حَقٍّ.
(قَوْلُهُ: أَوْ جَعَلُوا حَوْلَهُمْ الْحَسَكَ إلَخْ) فَإِنْ قِيلَ قَتِيلُ الْحَسَكِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُغَسَّلَ؛ لِأَنَّ جَعْلَهُ تَسْبِيبٌ لِلْقَتْلِ قُلْنَا مَا قُصِدَ بِهِ الْقَتْلُ يَكُونُ تَسْبِيبًا وَمَا لَا فَلَا، وَهُمْ قَصَدُوا بِهِ الدَّفْعَ لَا الْقَتْلَ. اهـ. كَمَالٌ
(قَوْلُهُ: كَالْجُرْحِ) قَالَ فِي الصِّحَاحِ جَرَحَهُ جَرْحًا وَالِاسْمُ الْجُرْحُ بِالضَّمِّ. اهـ. وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ كَالْجُرْحِ أَوْ رَضٍّ ظَاهِرٍ. اهـ. كَمَالٌ بِمَعْنَاهُ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ الدَّمُ يَسِيلُ مِنْ فِيهِ إلَخْ)
قَالَ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَإِنْ ظَهَرَ الدَّمُ مِنْ الْفَمِ فَقَالُوا إنْ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ الرَّأْسِ بِأَنْ يَكُونَ صَافِيًا غُسِلَ،
وَإِنْ كَانَ خِلَافَهُ مِنْ جِرَاحَةٍ فِيهِ فَلَا يُغْسَلُ، وَأَنْتَ عَلِمْت أَنَّ الْمُرْتَقِيَ مِنْ الْجَوْفِ قَدْ يَكُونُ عَلَقًا فَهُوَ سَوْدَاءُ بِصُورَةٍ، وَقَدْ يَكُونُ رَقِيقًا مِنْ قُرْحَةٍ فِي الْجَوْفِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ فَلَمْ يَلْزَمْ كَوْنُهُ مِنْ جِرَاحَةٍ حَادِثَةٍ بَلْ هُوَ أَحَدُ الْمُحْتَمَلَاتِ حِينَئِذٍ. اهـ.
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَا يَصْعَدُ مِنْ الْجَوْفِ لَا يَكُونُ صَافِيًا أَلْبَتَّةَ فَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فَلْيُتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ إلَخْ) وَكَانَ مُرْتَقِيًا مِنْ الْجَوْفِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ شَخْصًا) يَعْنِي أَوْ قَتَلَ الْأَبُ شَخْصًا آخَرَ وَوَارِثُ ذَلِكَ الشَّخْصِ ابْنُ الْقَاتِلِ. اهـ. كَذَلِكَ بِخَطِّ الشَّارِحِ حَانُوتِيٌّ
(فَرْعٌ)، وَإِذَا قُتِلَ فِي قِتَالٍ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا فِي الْقِتَالِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ. الثَّانِي فِي الْقِتَالِ مَعَ أَهْلِ الْبَغْيِ وَالْخَوَارِجِ. الثَّالِثُ فِي الْقِتَالِ مَعَ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالسُّرَّاقِ فَبِأَيِّ شَيْءٍ قُتِلَ مِنْ هَذَا بَعْدَ أَنْ قُتِلَ بِفِعْلٍ مَنْسُوبٍ إلَى الْعَدُوِّ مِنْ حَجَرٍ أَوْ مَدَارٍ أَوْ قُتِلَ مِنْ وَطْءِ دَوَابِّهِمْ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلٍ مَنْسُوبٍ إلَيْهِمْ سَوَاءٌ كَانَ بِالْمُبَاشَرَةِ مِنْهُمْ أَوْ بِالتَّسَبُّبِ لَا يُغَسَّلُ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ لَا يَجِبُ فِيهِ مَالٌ فَيَكُونُ الْمَقْتُولُ شَهِيدًا كَذَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الزِّيَادَاتِ. اهـ. بَدَائِعُ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.