فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

البحر الرائقابن نجيم

(قَوْلُهُ: وَإِنْ تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ أَوْ حَلَقَ بِعُذْرٍ ذَبَحَ شَاةً أَوْ تَصَدَّقَ بِثَلَاثَةِ أَصْوُعٍ عَلَى سِتَّةٍ أَوْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} ، وَكَلِمَةُ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ، وَقَدْ فَسَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا ذَكَرْنَا وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الْمَعْذُورِ، وَهُوَ كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ الَّذِي أَذَاهُ هَوَامُّ رَأْسِهِ فَأُبِيحَ لَهُ الْحَلْقُ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَهِيَ وَإِنْ نَزَلَتْ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ لَكِنْ قِيسَ الطِّيبُ وَاللُّبْسُ وَالْقَصُّ عَلَيْهِ لِوُجُودِ الْجَامِعِ، وَهُوَ الْمَرَضُ أَوْ الْأَذَى كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَظَاهِرُ النِّهَايَةِ أَنَّهُ إلْحَاقٌ لَهُ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ؛

لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَوْلَى لِمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ مَا ثَبَتَ

٧٬٣٤٣

بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَغَيْرُهُ عَلَيْهِ لَا يُقَاسُ فَهُوَ كَإِلْحَاقِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِالْجِمَاعِ فِي كَفَّارَةِ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ، وَفَسَّرَ الْعُذْرَ الْمُبِيحَ كَمَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ بِخَوْفِ الْهَلَاكِ مِنْ الْبَرْدِ وَالْمَرَضِ أَوْ لُبْسِ السِّلَاحِ لِلْقِتَالِ، وَهَكَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَفَتْحِ الْقَدِيرِ. وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْخَوْفِ الظَّنُّ لَا مُجَرَّدُ الْوَهْمِ فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ هَلَاكُهُ أَوْ مَرَضُهُ مِنْ الْبَرْدِ جَازَ لَهُ تَغْطِيَةُ رَأْسِهِ مَثَلًا أَوْ سِتْرُ بَدَنِهِ بِالْمَخِيطِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَعَدَّى مَوْضِعَ الضَّرُورَةِ فَيُغَطِّيَ رَأْسَهُ بِالْقَلَنْسُوَةِ فَقَطْ إنْ انْدَفَعَتْ الضَّرُورَةُ بِهَا وَحِينَئِذٍ فَلَفُّ الْعِمَامَةِ عَلَيْهَا حَرَامٌ مُوجِبٌ لِلدَّمِ أَوْ الصَّدَقَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.

٧٬٣٤٤

وَكَذَا إذَا انْدَفَعَتْ الضَّرُورَةُ بِلُبْسِ جُبَّةٍ فَلَبِسَ جُبَّتَيْنِ فَإِنَّهُ يَكُونُ آثِمًا إلَّا أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ حَيْثُ كَانَ اللُّبْسُ عَلَى مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ إنَّمَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ مُخَيَّرَةٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ الْحَلَبِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ فَلْيُحْفَظْ هَذَا فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمُحْرِمِينَ يَغْفُلُ عَنْهُ كَمَا شَاهَدْنَاهُ.

فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ لِعُذْرٍ وَيَأْثَمُ إذَا كَانَ لِغَيْرِهِ وَصَرَّحُوا بِالْحُرْمَةِ، وَلَمْ أَرَ لَهُمْ صَرِيحًا هَلْ ذَبْحُ الدَّمِ أَوْ التَّصَدُّقُ مُكَفِّرٌ لِهَذَا الْإِثْمِ مُزِيلٌ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ أَوْ لَا بُدَّ مِنْهَا مَعَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْحُدُودِ هَلْ هِيَ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا أَوْ لَا هَلْ يَخْرُجُ الْحَجُّ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَبْرُورًا بِارْتِكَابِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ،

٧٬٣٤٥

وَإِنْ كَفَّرَ عَنْهَا أَوْ لَا الظَّاهِرُ بَحْثًا لَا نَقْلًا أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ. وَقَيَّدَ بِالْعُذْرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْهَا لِغَيْرِهِ لَزِمَهُ دَمٌ أَوْ صَدَقَةٌ مُعَيَّنَةٌ، وَلَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَبِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الدَّمِ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يُقَيِّدْ الْمُصَنِّفُ ذَبْحَ الشَّاةِ بِالْحَرَمِ مَعَ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِهِ اتِّفَاقًا لِمَا سَنُبَيِّنُهُ فِي بَابِ الْهَدْيِ أَنَّ الْكُلَّ مُخْتَصٌّ بِالْحَرَمِ فَإِنْ ذَبَحَ فِي غَيْرِهِ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ الذَّبْحِ إلَّا إذَا تَصَدَّقَ بِلَحْمِهِ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْرُ قِيمَةِ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَدَلًا عَنْ الْإِطْعَامِ كَذَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ، وَلَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ اتِّفَاقًا.

تعليق

وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ ذَبَحَ إلَى أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِالذَّبْحِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ الْمَذْبُوحُ بَعْدَهُ أَوْ سُرِقَ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ

٧٬٣٤٦

بِخِلَافِ مَا إذَا سُرِقَ، وَهُوَ حَيٌّ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ غَيْرُهُ.

٧٬٣٤٧

وَمُقْتَضَاهُ جَوَازُ الْأَكْلِ مِنْهُ كَهَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَالْأُضْحِيَّةِ لَكِنَّ الْوَاقِعَ لُزُومُ التَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ لَحْمِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ؛ لِأَنَّهُ كَفَّارَةٌ فَالْحَاصِلُ أَنَّ لَهُ جِهَتَيْنِ جِهَةَ الْإِرَاقَةِ وَجِهَةَ التَّصَدُّقِ فَلِلْأُولَى لَا يَجِبُ غَيْرُهُ إذَا سَرَقَ مَذْبُوحًا وَلِلثَّانِيَةِ يَتَصَدَّقُ بِلَحْمِهِ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَأَطْلَقَ فِي التَّصَدُّقِ وَالصَّوْمِ فَأَفَادَ أَنَّ لَهُ التَّصَدُّقَ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ، وَفِيهِ عَلَى غَيْرِ أَهْلِهِ.

٧٬٣٤٨

قَالَ: فِي الْمُحِيطِ وَالتَّصَدُّقُ عَلَى فُقَرَاءِ مَكَّةَ أَفْضَلُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَتَقَيَّدْ بِالْحَرَمِ لِإِطْلَاقِ النَّصِّ

٧٬٣٤٩

بِخِلَافِ الذَّبْحِ؛ لِأَنَّ النُّسُكَ فِي اللُّغَةِ الدَّمُ الْمِهْرَاقُ بِمَكَّةَ وَيُقَالُ لِلْمَذْبُوحِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُقَالُ لِكُلِّ عِبَادَةٍ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى:{إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي} كَمَا فِي الْمُغْرِبِ.

تعليق

وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِلَفْظِ التَّصَدُّقِ الْمُوَافِقِ لِلَفْظِ الصَّدَقَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ إلَى أَنَّ طَعَامَ الْإِبَاحَةِ لَا يَكْفِي؛ لِأَنَّ التَّصَدُّقَ يُنْبِئُ عَنْ التَّمْلِيكِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} وَحَكَى خِلَافًا فِي الْمَجْمَعِ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَكْفِي الْإِبَاحَةُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا بُدَّ مِنْ التَّمْلِيكِ وَرَجَّحَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَّرَ الصَّدَقَةَ بِالْإِطْعَامِ هُنَا فَكَانَ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ مُفَسِّرًا لِمُجْمَلٍ بَلْ مُبَيِّنٌ لِلْمُرَادِ بِالْإِطْعَامِ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ عَمِلَتْ بِهِ الْأُمَّةُ فَجَازَتْ الزِّيَادَةُ بِهِ ثُمَّ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ الصَّدَقَةُ، وَتَحَقُّقُ حَقِيقَتِهَا بِالتَّمْلِيكِ فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ فِي الْحَدِيثِ الْإِطْعَامُ عَلَى الْإِطْعَامِ الَّذِي هُوَ الصَّدَقَةُ، وَإِلَّا كَانَ مُعَارِضًا، وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِالِاسْمِ الْأَعَمِّ.

انْتَهَى. فَالْحَاصِلُ تَرْجِيحُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلِهَذَا قِيلَ إنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَقَوْلِهِ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ لَكِنْ ذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ مَعَ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ بِإِطْلَاقِهِ أَنَّ الصَّوْمَ يَجُوزُ مُتَفَرِّقًا، وَمُتَتَابِعًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِسْبِيجَابِيُّ.

وَالْأَصْوُعُ عَلَى وَزْنِ أَرْجُلٍ جَمْعُ صَاعٍ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّصَدُّقِ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ حَتَّى لَوْ تَصَدَّقَ بِالثَّلَاثَةِ عَلَى أَقَلَّ مِنْ سِتَّةٍ أَوْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا بِهَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ وَيَنْبَغِي عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْإِبَاحَةِ أَنَّهُ لَوْ غَدَّى مِسْكِينًا وَاحِدًا، وَعَشَّاهُ سِتَّةَ أَيَّامٍ يَجُوزُ أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ الْكَفَّارَاتِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) قَدَّمَ النَّوْعَ السَّابِقَ عَلَى هَذَا؛

لِأَنَّهُ كَالْمُقَدِّمَةِ لَهُ إذْ الطِّيبُ، وَإِزَالَةُ الشَّعْرِ وَالظُّفُرِ مُهَيِّجَاتٌ لِلشَّهْوَةِ لِمَا يُعْطِيهِ مِنْ الرَّائِحَةِ وَالزِّينَةِ.

منحة الخالقابن عابدين، حاشية على البحر الرائق

(قَوْلُهُ: وَحِينَئِذٍ فَلَفُّ الْعِمَامَةِ عَلَيْهَا حَرَامٌ مُوجِبٌ لِلدَّمِ أَوْ الصَّدَقَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ) لَمْ يُقَدِّمْ ذَلِكَ بَلْ قَدَّمْنَا عَنْ الْفَتْحِ وَالْمِعْرَاجِ وَالْغَايَةِ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي خِلَافِهِ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة فَقَالَ: وَلْيُتَنَبَّهْ لِمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النَّهْرِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْفَتْحِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي تُحْفَةِ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الْبَحْرِ نَاقَضَ هَذَا بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ،

٣٬٢٨٠

وَكَذَا إذَا انْدَفَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَخْ. اهـ.

٣٬٢٨١

قُلْت: وَلَعَلَّ مُرَادَهُ مَا إذَا كَانَتْ الْعِمَامَةُ نَازِلَةً بِحَيْثُ تُغَطِّي رُبْعًا مِمَّا تَحْرُمُ تَغْطِيَتُهُ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ دَمٌ إنْ كَانَ يَوْمًا، وَإِلَّا فَصَدَقَةٌ تَأَمَّلْ ثُمَّ رَأَيْته فِي شَرْحِ اللُّبَابِ أَجَابَ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ بِنَحْوِ مَا ذَكَرْنَا حَيْثُ

٣٬٢٨٢

قَالَ: وَفِي الْمُحِيطِ إذَا اُضْطُرَّ إلَى تَغْطِيَةِ رَأْسِهِ فَلَبِسَ قَلَنْسُوَةً، وَلَفَّ عِمَامَةً يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ،

٣٬٢٨٣

وَلَوْ وَضَعَ قَمِيصًا عَلَى رَأْسِهِ، وَقَلَنْسُوَةً يَلْزَمُهُ لِلضَّرُورَةِ فِدْيَةٌ يَتَخَيَّرُ فِيهَا بِلُبْسِ الْقَلَنْسُوَةِ وَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِلْقَمِيصِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِلرَّأْسِ إلَى الْقَمِيصِ

٣٬٢٨٤

بِخِلَافِ الْقَلَنْسُوَةِ وَالْعِمَامَةِ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْفَارِسِيُّ وَالطَّرَابُلُسِيّ، وَهُوَ غَرِيبٌ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ هُوَ التَّغْطِيَةُ، وَقَدْ حَصَلَتْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا يَتَعَدَّدُ الْجَزَاءُ بِتَعَدُّدِ الْمَلْبُوسِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ سَوَاءٌ كَانَ لِعُذْرٍ أَمْ لَا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الضَّرُورَةَ مُلْجِئَةٌ إلَى قَدْرِ قَلَنْسُوَةٍ غَيْرِ مُسْتَوْعِبَةٍ لِلرَّأْسِ بِأَنْ يَكُونَ رُبْعُهُ لَيْسَ فِيهِ عُذْرٌ فَوَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ قَمِيصًا بِحَيْثُ غَطَّى رَأْسَهُ جَمِيعَهُ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ فِيهِ جَزَاءَانِ بِلَا شُبْهَةٍ جَزَاءٌ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَجَزَاءٌ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ. اهـ.

(قَوْلُهُ: وَلَمْ أَرَ لَهُمْ صَرِيحًا إلَخْ) نَقَلَ الْبَحْثَ فِي النَّهْرِ والشُّرُنبُلالِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا، وَأَقَرُّوهُ عَلَيْهِ

(قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا إلَخْ) قَالَ نُوحٌ أَفَنْدِي قُلْت

٣٬٢٨٥

قَالَ فِي الْمُلْتَقَطِ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ إنَّ الْكَفَّارَاتِ تَرْفَعُ الْإِثْمَ،

٣٬٢٨٦

وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ عَنْهُ التَّوْبَةُ مِنْ تِلْكَ الْجِنَايَةِ. اهـ.

٣٬٢٨٧

وَفِي الْبَدَائِعِ مَا يُخَالِفُهُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْجِنَايَاتِ الَّتِي فِيهَا الْكَفَّارَةُ مِنْ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ كَمَا فِي الْجِنَايَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ فِيهَا كَفَّارَةٌ مَعْهُودَةٌ وَرَجَّحُوا مَا فِي الْبَدَائِعِ وَحَمَلُوا مَا فِي الْمُلْتَقَطِ عَلَى غَيْرِ الْمُصِرِّ، وَقَالُوا عَلَى الْمُصِرِّ الْكَفَّارَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابُ فِي الْأُخْرَى إنْ لَمْ يَتُبْ قَالَ: الْإِمَامُ النَّسَفِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ الْمُسَمَّى بِالتَّيْسِيرِ لِلْمُصِرِّ الْعَذَابُ فِي الْآخِرَةِ مَعَ الْكَفَّارَةِ فِي الدُّنْيَا إذَا لَمْ يَتُبْ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَرْفَعُ الذَّنْبَ عَنْ الْمُصِرِّ.

اهـ.

فَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ الْحَجُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَبْرُورًا بِارْتِكَابِ الْجِنَايَةِ عَمْدًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى،

٣٬٢٨٨

وَإِنْ كَفَّرَ عَنْهَا صَاحِبُهَا. اهـ.

٣٬٢٨٩

قُلْت: وَهُوَ مُقْتَضَى حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ الْمَارِّ فِي بَحْثِ الْوُقُوفِ «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ، وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» ، وَقَدْ مَرَّ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ أَنَّ الْفُسُوقَ الْمَعَاصِي ثُمَّ رَأَيْته فِي اللُّبَابِ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّوْبَةِ مَعَ الْكَفَّارَةِ،

٣٬٢٩٠

وَقَالَ: شَارِحُهُ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَمَاعَةَ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّهُ إذَا ارْتَكَبَ مَحْظُورَ الْإِحْرَامِ عَامِدًا يَأْثَمُ، وَلَا تُخْرِجُهُ الْفِدْيَةُ وَالْعَزْمُ عَلَيْهَا عَنْ كَوْنِهِ عَاصِيًا قَالَ النَّوَوِيُّ: وَرُبَّمَا ارْتَكَبَ بَعْضُ الْعَامَّةِ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ،

٣٬٢٩١

وَقَالَ: أَنَا أَفْدِي مُتَوَهِّمًا أَنَّهُ بِالْتِزَامِ الْفِدْيَةِ يَتَخَلَّصُ مِنْ وَبَالِ الْمَعْصِيَةِ وَذَلِكَ خَطَأٌ صَرِيحٌ وَجَهْلٌ قَبِيحٌ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْفِعْلُ فَإِذَا خَالَفَ أَثِمَ، وَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ، وَلَيْسَتْ الْفِدْيَةُ مُبِيحَةً لِلْإِقْدَامِ عَلَى فِعْلِ الْمُحَرَّمِ وَجَهَالَةُ هَذَا الْفَاعِلِ كَجَهَالَةِ مَنْ يَقُولُ أَنَا أَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَأَزْنِي وَالْحَدُّ يُطَهِّرُنِي،

٣٬٢٩٢

وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا يُحْكَمُ بِتَحْرِيمِهِ فَقَدْ أَخْرَجَ حَجَّهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَبْرُورًا. اهـ.

وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِمِثْلِ هَذَا فِي الْحُدُودِ فَقَالُوا إنَّ الْحَدَّ لَا يَكُونُ طُهْرَةً مِنْ الذُّنُوبِ، وَلَا يَعْمَلُ فِي سُقُوطِ الْإِثْمِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ التَّوْبَةِ لَكِنْ

٣٬٢٩٣

قَالَ: فِي الْمُلْتَقَطِ إلَخْ ثُمَّ ذَكَرَ شَارِحُ اللُّبَابِ كَلَامَ النَّسَفِيِّ الْمَارِّ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا تَفْصِيلٌ حَسَنٌ يَجْمَعُ بِهِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَالرِّوَايَاتِ

(قَوْلُهُ: وَبِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ مَا قَدَّمْنَاهُ) أَيْ قُبَيْلَ قَوْلِهِ أَوْ حَلَقَ رُبْعَ رَأْسِهِ أَوْ لِحْيَتِهِ،

٣٬٢٩٤

وَفِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ وَنَقَلَ الْمُنْلَا - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ نَحْوَهُ وَنُقِلَ عَنْ الْفَارِسِيِّ وَالْبَحْرِ الْعَمِيقِ نَحْوُ مَا ذَكَرَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِمَا قَالَ شَيْخُنَا مَوْلَانَا السَّيِّدُ مُحَمَّدٌ أَمِينٌ مِيرْغَنِيٌّ بَعْدَ نَقْلِ عِبَارَتِهِمَا فِي رِسَالَةٍ لَهُ قُلْت بَلْ الْمُقَرَّرُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ الْمُعْتَبَرَةِ إجْزَاءُ الصَّوْمِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الدَّمِ كَمَا نُمْلِيهِ عَلَيْك وَسَرْدُ الْأَقْوَالِ الْمُؤَيِّدَةِ لِكَلَامِهِ فَرَاجِعْهَا إنْ شِئْت. اهـ.

(قَوْلُهُ: بَلْ مُبَيِّنٌ لِلْمُرَادِ بِالْإِطْعَامِ) كَذَا فِي أَغْلِبْ النُّسَخِ،

٣٬٢٩٥

وَفِي بَعْضِهَا لِلْمُرَادِ بِالْإِطْلَاقِ، وَهِيَ الْمُوَافِقَةُ لِمَا فِي الْفَتْحِ، وَعَلَى الْأُولَى فَقَوْلُهُ بِالْإِطْعَامِ مُتَعَلِّقٌ بِمُبَيِّنٍ لَا بِالْمُرَادِ أَيْ مُبَيِّنٌ لِلْمُرَادِ مِنْ الصَّدَقَةِ فِي الْآيَةِ بِالْإِطْعَامِ

(قَوْلُهُ: فَجَازَتْ الزِّيَادَةُ بِهِ) أَيْ جَازَ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ تَقْيِيدُ مُطْلَقِ الْكِتَابِ الْمُسَمَّى عِنْدَنَا بِالزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ كَمَا فِي التَّحْرِيرِ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ كَالْمُتَوَاتِرِ فِي ذَلِكَ

٣٬٢٩٦

بِخِلَافِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَبَيَانُ مَا ذَكَرَهُ أَنَّ الصَّدَقَةَ فِي الْآيَةِ مُطْلَقَةٌ تَصْدُقُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَوْ أَطْعَمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» مَشْهُورٌ فَصَحَّ بَيَانًا لِلْمُرَادِ مِنْ الْمُطْلَقِ فِي الْآيَةِ

تعليق

ثُمَّ إنَّ الصَّدَقَةَ تَقْتَضِي التَّمْلِيكَ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا بِهِ

٣٬٢٩٧

بِخِلَافِ الْإِطْعَامِ فَتَعَارَضَا ظَاهِرًا فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ الْإِطْعَامُ عَلَى مَا فِيهِ تَمْلِيكٌ لِيَكُونَ بِمَعْنَى الصَّدَقَةِ فِي الْآيَةِ وَيَنْدَفِعُ التَّعَارُضُ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ مِنْ إطْلَاقِ الْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِهِ فَتَدَبَّرْهُ.

[فَصْلٌ نَظَرَ الْمُحْرِم إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ بِشَهْوَةٍ فَأَمْنَى] (فَصْلٌ)

النهر الفائقعمر ابن نجيم

(وإن تطيب) المحرم (أو لبس) مخيطًا (أو حلق) رأسه أو لحيته (بعذر) كخوف الهلاك من البرد أو المرض ولبس السلاح للقتال ونحو ذلك (ذبح شاة) في الحرم وأطلقه لما سياتي، قيد بالعذر لأنه لو فعل ذلك بلا عذر أثم ووجب عليه دم أو صدقة وهل يرفعانه بلا توبة، فال في (البحر) : لم أره وينبغي أن يكون مبنيًا على الاختلاف في الحدود هي كفارات أو لا والظاهر أنه لا يخرج الحج بذلك عن كونه مبرورًا وأفاد كلامه أنه يخرج عن العهدة بمجرد الذبح

٣٬٢٨٤

فلو ذلك أو سرف لا يجب غيره، وإنما لا يأكل منه رعاية لجملة التصدق،

٣٬٢٨٥

ولو ذبح في غيره لكنه تصدق باللحم علي ستة مساكين من كل واحد منهم قدر قيمة نصف صاع من حنطة أجزأه ذلك بدلاً عن الإطعام كذا في (شرح الطحاوي) . (أو تصدق بثلاثة أصوع) كأرجل جمع صاع، قيل: وفيه دلالة على أنه لا بد فيه من التمليك ولذا لو قال: تصدقت بهذا الشيء عليك فقيل: كان هبة فيثبت له الملك بالقبض وهذا قول محمد وقال أبو يوسف: تكفي الإباحة قال الإتقاني: وهذا أصح عندي ولا نسلم إن بناء الصدقة على التمليك ولذا قال عليه الصلاة والسلام: (نفقة الرجل على أهله صدقة) وإنما يكون ذلك بالإباحة واختلف النقل عن الإمام ففي (الظهيرين) أنه مع محمد وفي (شرح الطحاوي) : أنه مع الثاني، (على ستة) كل واحد نصف صاع حتى لو تصددا بها على ثلاثة أو سبعة فظاهر كلامهم أنه لا يجوز لأن العدد منصوص عليه وعلى قول من اكتفى بالإباحة ينبغي أنه لو غدى مسكينًا واحدًا أو عشاه ستة أيام أنه يجوز أخذًا من مسألة الكفارات وأو صام ثلاثة أياما متتابعة أو متفرقة

٣٬٢٨٦

لقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضًا} الآية وهذه الكفارة فسرها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ففي (الصحيحين) عن كعب بن عجرة بضم [فصل] ولا شيء إن نظر إلى فرج امرأة بشهوة فأمنى، وتجب شاة إن قبل، أو لمس بشهوة، أو أفسد حجه بجماع في أحد السبيلين قبل الوقوف بعرفة، العين وسكون الجيم: (حملت إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والقمل يتناثر على وجهي فقال: ما كنت أرى الجهد/ بلغ منك ما أرى أتجد شاة

٣٬٢٨٧

قلت: لا قال: (صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين نصف صاع) فراعى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الترتيب المذكور في الآية وبدأ فيها بالصيام والصدقة تطيبًا لقلوب العاجزين في النسك بإظهار العناية بتقديم كفاراتهم على غيرها ولم يفتق المصنف هذا الأثر نظرا إلى أن مقتضى الظاهر في مقام التخيير البدأة بالأشق وكأن القياس وجوب صوم ستة أيام لولا ما فسره- صلى الله عليه وسلم- والآية وإن نزلت في أذى الرأس إلا أن الطيب واللون بها دلالة بجامع الأذى والله الموفق للصواب.

[٢٩] فصل لما كانت الجناية بالطيب ونحوه كالوسيلة إلى الجماع ودواعيه قدمها أن حق الوسائل التقديم ثم الجماع سبق من المحظورات بانه يفسده قبل الوقوف فأفرده بفصل على حدة وذكو الدواعي فيه إظهارًا للوصل المعنوي بينهما وبين ما سبق من حيث أن الكل محظور لا يفسد به الحج فلا جرم صدر

تبيين الحقائقالزيلعي

(وَإِنْ تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ أَوْ حَلَقَ بِعُذْرٍ ذَبَحَ شَاةً أَوْ تَصَدَّقَ بِثَلَاثَةِ أَصْوُعٍ عَلَى سِتَّةٍ أَوْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِمَا رُوِيَ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ بِي أَذًى مِنْ رَأْسِي فَحُمِلْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ الْجَهْدَ بَلَغَ مِنْك مَا أَرَى أَتَجِدُ شَاةً قُلْتُ لَا فَنَزَلَتْ الْآيَةُ {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: ١٩٦] قَالَ: هُوَ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ نِصْفَ صَاعٍ نِصْفَ صَاعٍ طَعَامًا لِكُلِّ مِسْكِينٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفُسِّرَ النُّسُكُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِالشَّاةِ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَكَلِمَةُ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ فَصَارَ هَذَا أَصْلًا فِي كُلِّ مَا يَفْعَلُهُ الْمُحْرِمُ لِلضَّرُورَةِ كَلُبْسِ الْمَخِيطِ وَالتَّطَيُّبِ ثُمَّ الصَّوْمُ يُجْزِيهِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ؛

لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ فِي كُلِّ مَكَان

٢٬٣٧٠

وَكَذَا الصَّدَقَةُ عِنْدَنَا، وَأَمَّا النُّسُكُ فَمُخْتَصٌّ بِالْحَرَمِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الْإِرَاقَةَ لَمْ تُعْرَفْ قُرْبَةً إلَّا فِي زَمَانٍ أَوْ فِي مَكَان وَهَذَا الدَّمُ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ فَوَجَبَ اخْتِصَاصُهُ بِالْمَكَانِ

تعليق

ثُمَّ إنْ اخْتَارَ الْإِطْعَامَ تُجْزِيهِ التَّغْدِيَةُ وَالتَّعْشِيَةُ بِالْإِبَاحَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ،

٢٬٣٧١

وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يُجْزِيهِ إلَّا التَّمْلِيكُ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي النَّصِّ بِلَفْظِ الصَّدَقَةِ، وَهِيَ تُنْبِئُ عَنْ التَّمْلِيكِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أُمِرْت أَنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ»، وَهِيَ الزَّكَاةُ

٢٬٣٧٢

بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِيهَا الْإِطْعَامُ، وَهُوَ جَعْلُ الْغَيْرِ طَاعِمًا وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّمْلِيكُ وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي حَدِيثِ كَعْبٍ أَوْ إطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِلْآيَةِ فَلَا يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ فَصَارَ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

حاشية الشلبيالشلبي، حاشية على تبيين الحقائق

لا يتكلم على هذه المسألة.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.