وتوضع على كتابيٍّ ومجوسيٍّ ووثنيٍّ عجميٍّ
الشروح عليها
(قَوْلُهُ وَتُوضَعُ عَلَى كِتَابِيٍّ وَمَجُوسِيٍّ وَوَثَنِيٍّ عَجَمِيٍّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ} الْآيَةُ وَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجِزْيَةَ عَلَى الْمَجُوسِ
وَأَمَّا عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَجَمِ فَلِأَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ فَيَجُوزُ ضَرْبُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَشْتَمِلُ عَلَى سَلْبِ النَّفْسِ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ يَكْتَسِبُ وَيُؤَدِّي إلَى الْمُسْلِمِينَ وَنَفَقَتُهُ فِي كَسْبِهِ وَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ وَضْعِ الْجِزْيَةِ فَهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ وَصِبْيَانُهُمْ فَيْءٌ لِجَوَازِ اسْتِرْقَاقِهِمْ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ
وَأَشَارَ بِتَقْيِيدِ الْوَثَنِيِّ بِالْعَجَمِيِّ دُونَ الْأَوَّلِينَ إلَى أَنَّ الْكِتَابِيَّ وَالْمَجُوسِيَّ لَا فَرْقَ فِيهِمَا بَيْنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ أَيْضًا وَالْكِتَابِيُّ شَامِلٌ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
وَيَدْخُلُ فِي الْيَهُودِ السَّامِرَةِ لِأَنَّهُمْ يَدِينُونَ بِشَرِيعَةِ مُوسَى - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - إلَّا أَنَّهُمْ يُخَالِفُونَهُمْ فِي فُرُوعٍ وَيَدْخُلُ فِي النَّصَارَى الْفِرِنْجِ وَالْأَرْمَنِ وَفِي الْخَانِيَّةِ وَتُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ الصَّابِئَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - خِلَافًا لَهُمَا وَالْمَجُوس عَبَدَةُ النَّارِ وَالْوَثَنُ مَا لَهُ جُثَّةٌ مِنْ خَشَبٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ جَوْهَرٍ يُنْحَتُ وَالْجَمْعُ أَوْثَانٌ وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَنْصِبُهَا وَتَعْبُدُهَا وَالْعَجَمُ جَمْعُ الْعَجَمِيِّ وَهُوَ خِلَافُ الْعَرَبِيِّ وَإِنْ كَانَ فَصِيحًا وَالْأَعْجَمِيُّ الَّذِي فِي لِسَانِهِ عُجْمَةٌ أَيْ عَدَمُ إفْصَاحٍ بِالْعَرَبِيَّةِ وَإِنْ كَانَ عَرَبِيًّا كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَثَنُ مَا كَانَ مَنْقُوشًا فِي حَائِطٍ وَلَا شَخْصَ لَهُ وَالصَّنَمُ اسْمٌ لِمَا كَانَ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ وَالصَّلِيبُ مَا لَا نَقْشَ فِيهِ وَلَا صُورَةَ تُعْبَدُ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وتوضع على كتابي) وهو من يعتقد كتابا منزلا عربيا كان أو أعجميا كذا في (العناية) وعزاه في (الدراية) إلى (جامعي) فخر الإسلام وشمس الأئمة لأن قوله تعالى: {حتى يعطو الجزية} (التوبة: ٢٩) لم يفصل ولأنه عليه الصلاة والسلام (صالح أهل نجران) وعمر أخذ من بني تغلب وهم نصارى العرب انتهى كاليهود ويدخل فيهم السامرة لأنهم يدينون بشريعة موسى وإن خالفوهم في فروع والنصارى ومنهم الفرنج والأرمن لقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} (التوبة: ٢٩)
وأما الصابئة ففي (الخانية) [٣٣٢/أ] أنها توضع عليهم عند أبي حنيفة / خلافا لهما يعني بناء على أنهم من النصارى وعندهما يعبدون الكواكب فكانوا كعبدة الأوثان وقد مر في النكاح أن الخلف لفظي وإطلاقه يعم أهل الكتاب من العرب والعجم وفي (الخانية)
وأما هل تؤخذ منهم الجزية؟ قالوا: ينظر إن كانوا حديثا فيهم مرتدون لا تؤخذ منهم ويقتلون وإن كانوا قديما تؤخذ منهم الجزية،
وأما الزنادقة فأخذ الجزية منهم بناء على قبول توبتهم.
وقالوا: إن جاء الزنديق قبل أن يؤخذ فأقر أنه زنديق فتاب عن ذلك تقبل توبته وإن أخذ ثم تاب لا تقبل توبته (ومجوسي) وهو من يعبد النار لما في (البخاري) : (لم يأخذ عمر من المجوس الجزية حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أنه - صلى الله عليه وسلم - أخذها من مجوسي هجر) (و) توضع أيضا على (وثني) وهو من يعبد الوثن وهو ما كان منقوشا في حائط ولا شخص له والصنم وهو ما كان على صورة الإنسان والصليب وهو ما لا نقش فيه ولا صورة تعبد (عجمي) وهو خلاف العربي ولو فصيحا لا عربي ومرتد وصبي وامرأة وعبد ومكاتب وزمن وأعمى وفقير غير معتمل وراهب لا يخالط.
والأعجمي من فيه عجمة أي عدم إفصاح ولو عربيا، لأنه يجوز استرقافه فيجوز ضرب الجزية عليه بجامع أن كلا منهما مشتمل على سلب النفس، وإنما لم تضرب على النساء والصبيان مع جواز استرقاقهم لأنهم صاروا أتباعا لأصولهم في الكفر فكانوا أتباعا في حقهم فكأن الجزية عن الرجل وأتباعه في المعنى والله أعلم.
(وَتُوضَعُ عَلَى كِتَابِيٍّ وَمَجُوسِيٍّ وَوَثَنِيٍّ عَجَمِيٍّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} وَوَضَعَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْجِزْيَةِ عَلَى الْمَجُوسِ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ الْجِزْيَةَ مِنْ الْمَجُوسِ حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَجَمَاعَةٌ أُخَرُ وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ذَكَرَ الْمَجُوسَ فَقَالَ مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَشْهَدُ أَنِّي «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ لِعَامِلِ كِسْرَى «أَمَرَنَا نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَكَانُوا عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَا وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ فَكَذَا وَضْعُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ اسْتِرْقَاقٌ مَعْنًى إذْ بِهِ يَلْحَقُهُ الصَّغَارُ وَالذُّلُّ وَيُؤَدِّي كَسْبَهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَنَفَقَتُهُ فِي كَسْبِهِ وَأَيُّ رِقٍّ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَتُوضَعُ عَلَى كِتَابِيٍّ)
أَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ فَجَائِزٌ ضَرْبُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ الْعَرَبِ أَوْ مِنْ الْعَجَمِ فَلِأَجْلِ هَذَا ذَكَرَ أَهْلَ الْكِتَابِ مُطْلَقًا حَتَّى يَشْمَلَ الْفَرِيقَيْنِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ فَقَالَ مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إلَخْ) قَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ حَدَّثَنَا بَعْضُ الشِّيخَةِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ ذُكِرَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ النِّيرَانَ لَيْسُوا يَهُودَ وَلَا نَصَارَى وَلَا أَهْلَ كِتَابٍ فَقَالَ عُمَرُ مَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ بِهَؤُلَاءِ فَقَامَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَقَالَ «أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» إلَى هُنَا لَفْظُ أَبِي يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ اهـ أَتْقَانِيٌّ
قَالَ فِي السُّنَنِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَخَذَ النَّاسُ بِقَوْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ يَعْنِي فِي قَبُولِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمَجُوسِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ) ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُوضَعُ عَلَى عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَجَمِ كَمَا لَا تُوضَعُ عَلَى عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ هُوَ يَقُولُ إنَّ الْقِتَالَ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَقَاتِلُوهُمْ} إلَّا أَنَّا عَرَفْنَا جَوَازَ تَرْكِهِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ وَفِي حَقِّ الْمَجُوسِ بِالْخَبَرِ فَبَقِيَ مَا وَرَاءَهُمْ عَلَى الْأَصْلِ. اهـ. هِدَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ) أَيْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَجَمِ. اهـ.
(قَوْلُهُ فَكَذَا وَضْعُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ) أَيْ كَالْكِتَابِيِّ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَيُؤَدِّي كَسْبَهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَنَفَقَتُهُ) أَيْ وَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ أَيْ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَجَمِ قَبْلَ ذَلِكَ أَيْ قَبْلَ وَضْعِ الْجِزْيَةِ فَهُمْ فَيْءٌ وَلِلْإِمَامِ الْخِيَارُ بَيْنَ الِاسْتِرْقَاقِ وَضَرْبِ الْجِزْيَةِ. اهـ. كَاكِيٌّ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ لَا عَرَبِيٍّ وَمُرْتَدٍّ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْعَجَمِ أَوْ الْعَرَبِ وَلَا خِلَافَ فِي الْمُرْتَدِّ. اهـ. كَاكِيٌّ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.