فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

البحر الرائقابن نجيم

(قَوْلُهُ: وَنِيَّتُهُ) أَيْ وَنِيَّةُ الْمُتَوَضِّئِ رَفْعُ الْحَدَثِ أَوْ إقَامَةُ الصَّلَاةِ هَذَا هُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ كَمَا أَفْصَحَ عَنْهُ فِي الْكَافِي فَلَا حَاجَةَ حِينَئِذٍ إلَى مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ كَمَا لَا يَخْفَى وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ نِيَّةَ الطَّهَارَةِ لَا تَكْفِي فِي تَحْصِيلِ السُّنَّةِ كَأَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّهَا مُتَنَوِّعَةٌ إلَى إزَالَةِ الْحَدَثِ أَوْ الْخَبَثِ فَلَمْ يَنْوِ خُصُوصَ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى، فَعَلَى هَذَا لَوْ نَوَى الْوُضُوءَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُحَصِّلًا لَهَا؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ وَرَفْعَ الْحَدَثِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْوُضُوءِ رَفْعُ الْحَدَثِ كَمَا حَقَّقْنَاهُ أَوَّلًا، وَعَلَى هَذَا فَيَصِحُّ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَى الْوُضُوءِ وَسَقَطَ بِهِ كَلَامُ الزَّيْلَعِيِّ أَيْضًا كَمَا لَا يَخْفَى مَعَ أَنَّ الْوُضُوءَ أَخَصُّ مِنْ رَفْعِ الْحَدَثِ؛

لِأَنَّهُ يَشْمَلُ الْغُسْلَ فَعَلَى هَذَا نِيَّةُ الْوُضُوءِ أَوْلَى قَالُوا الْمُعْتَبَرُ قَصْدُ رَفْعِ الْحَدَثِ أَوْ إقَامَةِ الصَّلَاةِ كَمَا ذَكَرَ أَوْ اسْتِبَاحَتَهَا أَوْ امْتِثَالَ الْأَمْرِ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ وَلَا يَتَأَتَّى الْأَخِيرُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ إذْ لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْوُضُوءَ لَا يَكُونُ نَفْلًا؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ وَشَرْطُهَا فَرْضٌ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، وَهِيَ لُغَةً عَزْمُ الْقَلْبِ عَلَى الشَّيْءِ وَاصْطِلَاحًا كَمَا فِي التَّلْوِيحِ قَصْدُ الطَّاعَةِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي إيجَادِ الْفِعْلِ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِي الْعِبَادَاتِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهَا الثَّوَابُ دُونَ الْمُنْهَيَاتِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهَا الْعِقَابُ فَالصَّوَابُ أَنْ تُفَسَّرَ النِّيَّةُ بِتَوَجُّهِ الْقَلْبِ نَحْوَ إيجَادِ الْفِعْلِ وَتَرْكِهِ مُوَافِقًا لِغَرَضٍ مِنْ جَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ حَالًا أَوْ مَآلًا اهـ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ فِي النَّهْيِ لَيْسَ هُوَ الْكَفَّ الَّذِي هُوَ الِانْتِهَاءُ، وَهُوَ قَوْلُ الْبَعْضِ

١٩٢

وَالرَّاجِحُ فِي الْأُصُولِ أَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ فَهُوَ فِي النَّهْيِ كَفُّهُ النَّفْسَ فَحِينَئِذٍ دَخَلَ فِي إيجَادِ الْفِعْلِ وَفِي الصِّحَاحِ الْعَزْمُ إرَادَةُ الْفِعْلِ وَالْقَطْعُ عَلَيْهِ وَالْقَصْدُ إتْيَانُ الشَّيْءِ وَذَكَرَ الْيَمَنِيُّ فِي شَرْحِ الشِّهَابِ ثُمَّ النِّيَّةُ مَعْنًى وَرَاءَ الْعِلْمِ فَهِيَ نَوْعُ إرَادَةٍ كَالْقَصْدِ وَالْعَزِيمَةِ وَالْهَمِّ وَالْحُبِّ وَالْوُدِّ فَالْكُلُّ اسْمٌ لِلْإِرَادَةِ الْحَادِثَةِ لَكِنَّ الْعَزْمَ اسْمٌ لِلْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْفِعْلِ وَالْقَصْدَ اسْمٌ لِلْمُقْتَرِنِ بِالْفِعْلِ وَالنِّيَّةَ اسْمٌ لِلْمُقْتَرِنِ بِالْفِعْلِ مَعَ دُخُولِهِ تَحْتَ الْعِلْمِ بِالْمَنْوِيِّ، وَهَذَا؛

لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يُوجَدُ بِدُونِ الْإِرَادَةِ،

١٩٣

فَإِذَا قَامَ الرَّجُلُ مِنْ قُعُودِهِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَرِيدًا لِلْقِيَامِ،

١٩٤

وَإِنْ لَمْ تَعْمَلْ إرَادَتُهُ الْقِيَامَ وَقَدْ يَرْكَعُ الرَّجُلُ وَيَسْجُدُ ذَاهِلًا عَنْ مَعْرِفَةِ إرَادَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَيَسْتَحِيلُ وُجُودُهُمَا بِدُونِ الْإِرَادَةِ بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ صِنْوُ الْقُدْرَةِ وَإِنَّمَا الْمَفْقُودُ الْعِلْمُ لَا غَيْرَ؛ وَلِذَا قُلْنَا لِلْمُكْرَهِ إرَادَةٌ،

١٩٥

وَإِنْ كَانَتْ فَاسِدَةً بِمُقَابَلَةِ إرَادَةِ الْمُكْرِهِ لَكِنْ قَدْ تُذْكَرُ النِّيَّةُ مَقَامَ الْعَزِيمَةِ كَمَا فِي قَوْلِنَا وَنَوَى الصَّوْمَ بِاللَّيْلِ أَيْ عَزَمَ عَلَيْهِ، وَأَطَالَ فِيهِ فَلْيُرَاجَعْ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى فَوَائِدَ كَثِيرَةٍ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ النِّيَّةَ فِي غَيْرِ التَّوَضُّؤِ بِسُؤْرِ الْحَمَامِ وَبِنَبِيذِ التَّمْرِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي كَوْنِ الْوُضُوءِ مِفْتَاحًا لِلصَّلَاةِ وَوَقْتُهَا عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ وَالتَّلَفُّظُ بِهَا مُسْتَحَبٌّ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ،

١٩٦

وَأَمَّا النِّيَّةُ فِي التَّوَضُّؤِ بِسُؤْرِ الْحِمَامِ أَوْ بِنَبِيذِ التَّمْرِ فَشَرْطٌ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَالنُّقَايَةِ مَعْزِيَّيْنِ إلَى الْكِفَايَةِ قَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا فِي كَوْنِهِ مِفْتَاحًا؛ لِأَنَّهَا شَرْطٌ فِي كَوْنِهِ سَبَبًا لِلثَّوَابِ عَلَى الْأَصَحِّ

١٩٧

وَقِيلَ يُثَابُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ثُمَّ اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِيهِ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ» وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَعْمَالِ الْعِبَادَاتُ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَعْمَالِ تُعْتَبَرُ شَرْعًا بِلَا نِيَّةٍ فَيَكُونُ الْمُرَادُ إنَّمَا صِحَّةُ الْعِبَادَاتِ بِالنِّيَّةِ وَالْوُضُوءُ عِبَادَةٌ لِأَنَّهَا فِعْلُ مَا يُرْضِي الرَّبَّ، وَهُوَ كَذَلِكَ فَصَارَ كَالتَّيَمُّمِ وَلَنَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ أَنَّ حَقِيقَةَ هَذَا التَّرْكِيبِ مَتْرُوكَةٌ بِدَلَالَةِ مَحَلِّ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ إنَّمَا لِلْحَصْرِ، وَقَدْ دَخَلَتْ عَلَى الْمُعَرَّفِ فَاللَّامُ الِاسْتِغْرَاقِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُوجَدَ عَمَلٌ بِلَا نِيَّةٍ وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ؛

لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَعْمَالِ يُوجَدُ بِلَا نِيَّةٍ، فَصَارَ مَجَازًا عَنْ حُكْمِهِ فَالتَّقْدِيرُ حُكْمُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ أَوْ مِنْ حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ وَالْحُكْمُ نَوْعَانِ: مُخْتَلِفَانِ أَحَدُهُمَا: أُخْرَوِيٌّ، وَهُوَ الثَّوَابُ وَالْإِثْمُ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى صِدْقِ الْعَزِيمَةِ وَعَدَمِهِ وَالثَّانِي دُنْيَوِيٌّ، وَهُوَ الْجَوَازُ وَالْفَسَادُ هُوَ بِنَاءً عَلَى وُجُودِ الْأَرْكَانِ وَالشَّرَائِطِ وَعَدَمِهَا

تعليق

وَلَمَّا اخْتَلَفَ الْحُكْمَانِ صَارَ الِاسْمُ بَعْدَ كَوْنِهِ مَجَازًا مُشْتَرَكًا وَيَكْفِي فِي تَصْحِيحِهِ مَا هُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْحُكْمُ الْأُخْرَوِيُّ وَلَا دَلِيلَ عَلَى مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ فَلَا يَصْلُحُ تَقْدِيرُهُ حُجَّةً عَلَيْنَا فَانْدَفَعَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ مَا أَوْرَدَهُ فِي الْكَشْفِ وَشَرْحِ الْمُغْنِي وَشَرْحِ الْمَنَارِ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُمْ إنَّ الْحُكْمَ مُشْتَرَكٌ وَلَا عُمُومَ لَهُ مَمْنُوعٌ بَلْ هَذَا فِي الْمُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ

١٩٨

أَمَّا الْمُشْتَرَكُ الْمَعْنَوِيُّ فَلَهُ عُمُومٌ كَالشَّيْءِ وَالْحُكْمِ مِنْهُ فَيَتَنَاوَلُ الْكُلَّ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الْأَعَمِّ إذْ تَفْسِيرُ الْحُكْمِ الْأَثَرُ الثَّابِتُ بِالشَّيْءِ اهـ.

مَعَ أَنَّ الْأَكْمَلَ فِي تَقْرِيرِهِ أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ أَنْ لَوْ كَانَ الْحُكْمُ مَقُولًا عَلَيْهِمَا بِالتَّوَاطُؤِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الْجَوَازَ وَالْفَسَادَ وَإِنْ كَانَا أَثَرَيْنِ ثَابِتَيْنِ بِالْأَعْمَالِ مُوجِبَيْنِ لَهَا لَكِنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ لَيْسَا كَذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ اهـ.

يَعْنِي: لِتَخَلُّفِهِمَا فِي الْأَوَّلِ بِعَدَمِ الْقَبُولِ مَعَ الصِّحَّةِ وَفِي الثَّانِي بِالْعَفْوِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُرَادُ بِالْأَعْمَالِ مَا يَشْمَلُ عَمَلَ الْقَلْبِ فَيَدْخُلُ فِيهِ كَفُّ النَّفْسِ بِالنَّهْيِ، فَإِنَّهُ عَمَلٌ وَلَا تَرِدُ النِّيَّةُ؛ لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ لِمَعْنًى يَخُصُّهَا، وَهُوَ لُزُومُ التَّسَلْسُلِ لَكِنَّ اعْتِبَارَ النِّيَّةِ لِلتُّرُوكِ إنَّمَا هُوَ لِحُصُولِ الثَّوَابِ لَا لِلْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ النَّهْيِ؛ لِأَنَّ مَنَاطَ الْوَعِيدِ بِالْعِقَابِ فِي النَّهْيِ هُوَ فِعْلُ الْمَنْهِيِّ فَمُجَرَّدُ تَرْكِهِ كَافٍ فِي انْتِفَاءِ الْوَعِيدِ وَمَنَاطُ الثَّوَابِ فِي الْمَنْهِيِّ كَفُّ النَّفْسِ عَنْهُ، وَهُوَ عَمَلٌ مُنْدَرِجٌ فِي الْحَدِيثِ وَعَلَى هَذَا فَفَرْقُ الشَّافِعِيَّةِ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِأَنَّ الْوُضُوءَ فِعْلٌ فَيَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ وَطَهَارَةَ النَّجَاسَةِ مِنْ بَابِ التُّرُوكِ فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ كَتَرْكِ الزِّنَا ضَعِيفٌ،

١٩٩

فَإِنَّ التَّكْلِيفَ أَبَدًا لَا يَقَعُ إلَّا بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ مَقْدُورُ الْمُكَلَّفِ لَا بِعَدَمِ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَقْدُورٍ وُجُودُهُ قَبْلَ التَّكْلِيفِ كَمَا عُرِفَ فِي مُقْتَضَى النَّهْيِ أَنَّهُ كَفُّ النَّفْسِ عَنْ الْفِعْلِ لَا عَدَمُ الْفِعْلِ وَالتَّرْكُ لَيْسَ بِفِعْلٍ؛ وَلِهَذَا لَا يُثَابُ الْمُكَلَّفُ عَلَى التَّرْكِ إلَّا إذَا تَرَكَ قَاصِدًا فَلَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِ الزِّنَا إلَّا إذَا كَفَّ نَفْسَهُ عَنْهُ قَصْدًا

٢٠٠

لَا إذَا اشْتَغَلَ عَنْهُ بِفِعْلٍ آخَرَ كَالنَّوْمِ وَالْعِبَادَةِ وَتَرْكِهِ بِلَا قَصْدٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ الْمُوجِبَيْنِ لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَقَوْلُهُ إنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ وَالْعِبَادَةُ لَا تَصِحُّ إلَّا بِالنِّيَّةِ سَلَّمْنَاهُ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عِبَادَةٌ بِدُونِهَا عِنْدَنَا، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِي هَذَا بَلْ فِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْوِ حَتَّى لَمْ يَقَعْ عِبَادَةٌ سَبَبًا لِلثَّوَابِ فَهَلْ يَقَعُ الشَّرْطُ الْمُعْتَبَرُ لِلصَّلَاةِ حَتَّى تَصِحَّ بِهِ أَوْ لَا؟ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى نَفْيِهِ وَلَا إثْبَاتِهِ فَقُلْنَا نَعَمْ؛

لِأَنَّ الشَّرْطَ مَقْصُودُ التَّحْصِيلِ لِغَيْرِهِ لَا لِذَاتِهِ فَكَيْفَ حَصَلَ تَحْصِيلُ الْمَقْصُود، وَصَارَ كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَبَاقِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ لَا يَفْتَقِرُ اعْتِبَارُهَا إلَى أَنْ تُنْوَى فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الشَّرْطَ وُضُوءٌ هُوَ عِبَادَةٌ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ

٢٠١

بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ التُّرَابَ لَمْ يُعْتَبَرْ شَرْعًا مُطَهِّرًا إلَّا لِلصَّلَاةِ وَتَوَابِعِهَا لَا فِي نَفْسِهِ فَكَانَ التَّطْهِيرُ بِهِ تَعَبُّدًا مَحْضًا، وَفِيهِ يُحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ وَقِيَاسُ الْوُضُوءِ عَلَى التَّيَمُّمِ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْقِيَاسِ أَنْ لَا يَكُونَ الْأَصْلُ مُتَأَخِّرًا وَالتَّيَمُّمُ شُرِعَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَالْوُضُوءُ قَبْلَهَا إلَّا إنْ قَصَدَ بِهِ الِاسْتِدْلَالَ بِمَعْنًى لَمَّا شُرِعَ التَّيَمُّمُ بِشَرْطِ النِّيَّةِ ظَهَرَ وُجُوبُهَا فِي الْوُضُوءِ فَهُوَ بِمَعْنَى لَا فَارِقَ، فَلَيْسَ الْجَوَابُ إلَّا بِإِثْبَاتِ الْفَارِقِ الْمُتَقَدِّمِ وَقَدْ عَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَعْرَابِيَّ الْوُضُوءَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ النِّيَّةَ،

٢٠٢

فَلَوْ كَانَتْ شَرْطًا لَبَيَّنَهَا لَهُ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْوُضُوءَ يَقَعُ عِبَادَةً فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَنْوِ أَوْ مُرَادُهُ نَفْيُ الْعِبَادَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ الرَّدِّ عَلَى مَنْ نَفَى الْعِبَادَةَ عَنْ الْوُضُوءِ مُتَمَسِّكًا بِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ»

وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْغَسْلَ وَالْمَسْحَ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ خَاصَّانِ وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ الْبَيَانَ فَاشْتِرَاطُ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَوْ دَلَّ عَلَيْهَا، وَهُوَ لَا يَجُوزُ فَأَوْرَدَ الْعُقْدَةَ الْأَخِيرَةَ، فَإِنَّهَا فَرْضٌ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَأُجِيبَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ مُجْمَلَةٌ فِي حَقِّ مَا تَتِمُّ بِهِ إذْ لَمْ يُعْرَفْ بِأَنَّ إتْمَامَهَا بِأَيِّ شَيْءٍ يَقَعُ فَاحْتَاجَ إلَى الْبَيَانِ وَقَدْ بُيِّنَ بِالْحَدِيثِ فَالْفَرْضُ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالْحَدِيثِ وَالْتَحَقَ بِهِ بَيَانًا لِمُجْمَلِهِ فَأَوْرَدَ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَلْتَحِقَ خَبَرُ الْفَاتِحَةِ كَذَلِكَ فَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا إجْمَالَ فِي أَمْرِ الْقِرَاءَةِ بَلْ هُوَ خَاصٌّ وَأَوْرَدَ أَيْضًا أَنَّهُ يَنْبَغِي عَدَمُ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ لِمَا ذُكِرَ أُجِيبَ بِأَنَّهَا فَرْضٌ فِيهَا لَا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بَلْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْإِخْلَاصَ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ النِّيَّةِ حَالًا لِلْعَابِدِينَ وَالْأَحْوَالُ شُرُوطٌ وَمِنْ هُنَا نَشَأَ إشْكَالٌ عَلَى مَنْ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِي الْعِبَادَاتِ كَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ مَعَ قَوْلِهِمْ فِي الْأُصُولِ إنَّ حَدِيثَ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» مِنْ قَبِيلِ ظَنِّيِّ الثُّبُوتِ وَالدَّلَالَةِ يُفِيدُ السُّنِّيَّةَ وَالِاسْتِحْبَابَ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي مَحَلِّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

منحة الخالقابن عابدين، حاشية على البحر الرائق

(قَوْلُهُ: فَلَا حَاجَةَ حِينَئِذٍ إلَى مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ) عِبَارَتُهُ هَكَذَا وَنِيَّتُهُ أَيْ نِيَّةُ الْوُضُوءِ فَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إلَى الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ

٨٩

وَكَذَا وَقَعَ فِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ حَيْثُ قَالَ يَنْوِي الطَّهَارَةَ

٩٠

وَالْمَذْهَبُ أَنْ يَنْوِيَ مَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِالطَّهَارَةِ مِنْ الْعِبَادَةِ أَوْ رَفْعِ الْحَدَثِ كَمَا فِي التَّيَمُّمِ وَعَنْ بَعْضِهِمْ نِيَّةُ الطَّهَارَةِ فِي التَّيَمُّمِ تَكْفِي، فَكَذَا هَاهُنَا فَعَلَى هَذَا لَا يَرِدُ عَلَيْهِ،

٩١

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى الشَّخْصِ الْمُتَوَضِّئِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْ وَنِيَّةُ الرَّجُلِ الصَّلَاةَ فَيَكُونُ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا اهـ.

٩٢

وَحَاصِلُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ إمَّا عَائِدٌ عَلَى الْوُضُوءِ أَوْ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ لَكِنْ يَرِدُ عَلَى الْأَوَّلِ وَعَلَى قَوْلِ الْقُدُورِيِّ يَنْوِي الطَّهَارَةَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْمَذْهَبَ نِيَّةُ مَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِالطَّهَارَةِ أَوْ رَفْعِ الْحَدَثِ إلَّا أَنْ يُقَاسَ عَلَى التَّيَمُّمِ فَتَصِحُّ نِيَّةُ الطَّهَارَةِ

٩٣

وَمِثْلُهَا الْوُضُوءُ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَخَصُّ وَعَلَى هَذَا لَا يَرِدُ شَيْءٌ وَحِينَئِذٍ فَاعْتِرَاضُ الشَّارِحِ عَلَى الزَّيْلَعِيِّ أَوَّلًا حَيْثُ أَرْجَعَ الضَّمِيرَ إلَى الْوُضُوءِ وَمُقَدَّمًا لَهُ وَاحْتَاجَ إلَى الْجَوَابِ عَنْهُ مَعَ أَنَّ صَاحِبَ الْمَتْنِ أَرْجَعَهُ إلَى الْمُتَوَضِّئِ وَصَاحِبُ الدَّارِ أَدْرَى وَثَانِيًا بِأَنَّ الْوُضُوءَ وَرَفْعَ الْحَدَثِ سَوَاءٌ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَصِحُّ مَا أَوْرَدَهُ بِقَوْلِهِ

٩٤

وَالْمَذْهَبُ إلَخْ؛ لِأَنَّ رَفْعَ الْحَدَثِ هُوَ حَقِيقَةُ الْوُضُوءِ فَنِيَّةُ الْوُضُوءِ لَا تَكُونُ مُخَالِفَةً لِلْمَذْهَبِ

(قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا مُتَنَوِّعَةٌ إلَخْ) قِيلَ فِيهِ نَظَرٌ،

٩٥

فَإِنَّ الْحَدَثَ مُتَنَوِّعٌ إلَى أَكْبَرَ وَأَصْغَرَ وَقَدْ كَفَى نِيَّةُ رَفْعِهِ فِي تَحْصِيلِ السُّنَّةِ. اهـ.

قُلْت قَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْأَكْبَرَ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْأَصْغَرِ فَالْحَدَثُ،

٩٦

وَإِنْ تَنَوَّعَ فَالْمَقْصُودُ، وَهُوَ الْأَصْغَرُ حَاصِلٌ

٩٧

إمَّا اسْتِقْلَالًا وَإِمَّا ضِمْنًا بِخِلَافِ الْخَبَثِ

(قَوْلُهُ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ) لِمُنَافَاتِهِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ يَكُونُ وَاجِبًا وَمَنْدُوبًا

(قَوْلُهُ: صَارَ الِاسْمُ بَعْدَ كَوْنِهِ مَجَازًا مُشْتَرَكًا) ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ حُكْمُ الْأَعْمَالِ، وَهَذَا مَجَازٌ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْدِيرُهُ وَالْحُكْمُ الْمُقَدَّرُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ فَنَزِيدُ مِنْهُمَا مَا هُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ وَعِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ الْحُكْمُ الْأُخْرَوِيُّ إذَا لَا ثَوَابَ بِدُونِ النِّيَّةِ اتِّفَاقًا

٩٨

وَأَمَّا الدُّنْيَوِيُّ فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ

(قَوْلُهُ: فَانْدَفَعَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ مَا أَوْرَدَهُ فِي الْكَشْفِ إلَخْ) .

اعْلَمْ أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ قَالُوا لَمَّا صَارَ الِاسْمُ مُشْتَرَكًا وَالْمُشْتَرَكُ لَا عُمُومَ لَهُ عِنْدَنَا أَرَدْنَا الْمَعْنَى الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ الْأُخْرَوِيُّ وَأُورِدَ عَلَيْهِمْ أَنَّ الَّذِي لَا عُمُومَ لَهُ هُوَ الْمُشْتَرَكُ اللَّفْظِيُّ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُكْمَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا بِأَنْ يُوضَعَ بِإِزَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَضْعًا عَلَى حِدَةٍ بَلْ هُوَ مُشْتَرَكٌ مَعْنَوِيٌّ مَوْضُوعٌ لِلْأَثَرِ الثَّابِتِ بِالشَّيْءِ فَيَعُمُّ الْحُكْمَيْنِ كَمَا يَعُمُّ الْحَيَوَانُ الْإِنْسَانَ وَالْفَرَسَ وَغَيْرَهُمَا وَاللَّوْنُ السَّوَادَ وَالْبَيَاضَ وَنَحْوَهُمَا فَإِرَادَةُ النَّوْعَيْنِ لَا تَكُونُ مِنْ عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ فِي شَيْءٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى إرَادَةِ أَحَدِهِمَا لِتَصْحِيحِهِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ التَّقْدِيرَ الَّذِي قَرَّرَهُ الشَّارِحُ هُوَ عَيْنُ مَا قَرَّرَهُ الْأُصُولِيُّونَ فَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا أُورِدَ عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ يَنْدَفِعُ الْإِيرَادُ بِمُجَرَّدِ تَقْرِيرِهِ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ زَائِدٌ عَلَيْهِ يَصْلُحُ لِلدَّفْعِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ مَعْنَى تَقْرِيرِهِ أَنَّا نُرِيدُ بِالْحُكْمِ الْمَعْنَى الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ وَنَدَعُ الْآخَرَ الَّذِي لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ لَا لِمَا قَالُوا مِنْ عَدَمِ عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ بَلْ اسْتِغْنَاءً مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ بِأَحَدِهِمَا الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ الْحُكْمُ مُشْتَرَكًا لَفْظِيًّا أَوْ مَعْنَوِيًّا وَبِهَذَا يَحْصُلُ الدَّفْعُ لِلْإِيرَادِ الْمَذْكُورِ وَلَكِنْ يُنَافِي الْحَمْلَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْله وَيَكْفِي فِي تَصْحِيحِهِ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِيمَا قَالَهُ الْأُصُولِيُّونَ فَلْيُتَأَمَّلْ

(قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّ الْأَكْمَلَ فِي تَقْرِيرِهِ أَجَابَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْإِيرَادِ الْمَذْكُورِ

٩٩

وَحَاصِلُهُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنَارِ لِلشَّارِحِ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ الْمَعْنَوِيَّ إنْ كَانَ مُتَوَاطِئًا قَبِلَ الْعُمُومَ،

١٠٠

وَإِنْ كَانَ مُشَكِّكًا لَا يَقْبَلُهُ

(قَوْلُهُ: عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى الْحَكَمَيْنِ

(قَوْلُهُ: لَكِنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ لَيْسَا كَذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ) أَيْ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ بَلْ الْأَعْمَالُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَامَاتٌ مَحْضَةٌ عَلَيْهِمَا كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ فَإِطْلَاقُ الْحُكْمِ عَلَيْهَا يَكُونُ بِالْمَعْنَى الْآخَرِ بِالضَّرُورَةِ وَلَا مَعْنَى لِلِاشْتِرَاكِ إلَّا هَذَا

(قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ وَإِنَّ الْوُضُوءَ) أَيْ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْمَفْهُومَ مِنْ الْمَقَامِ

(قَوْلُهُ: فَقُلْنَا نَعَمْ) أَيْ أَنَّهُ يَقَعُ الشَّرْطُ الْمُعْتَبَرُ لِلصَّلَاةِ

(قَوْلُهُ: فَلَيْسَ الْجَوَابُ إلَّا بِإِثْبَاتِ الْفَارِقِ الْمُتَقَدِّمِ) ، وَهُوَ أَنَّ التُّرَابَ لَمْ يُعْتَبَرْ شَرْعًا مُطَهِّرًا إلَّا لِلصَّلَاةِ.

النهر الفائقعمر ابن نجيم

(ونيته) مصدر مضاف إلى فاعله أي: نية المتوضئ رفع الحدث أو إقامة الصلاة، كذا في كافي المصنف وعدل عما هو الظاهر من كونه مضافا إلى مفعوله أي: نية الوضوء لما أن المذهب أنه لا بد في تحصيل السنة من أن ينوي ما لا يصح إلا بالطهارة من العبادة أو رفع الحدث أو إقامة الصلاة أو امتثال الأمر كما في المعراج وهو ظاهر أن نية الطهارة لا تكفي وكأنه لتنوعها،

١٠٢

ومقتضاه الاكتفاء بنية الوضوء بل هي أولى من رفع الحدث لتنوعه أيضا،

١٠٣

ومن ثم جزم في فتح القدير بأنها كافية وعليه فلا يحتاج إلى تكلف ما مر ومحلها عند غسل الوجه والتلفظ بها مندوب،

١٠٤

والأصح أن الوضوء الخالي عنها لا ثواب فيه،

١٠٥

وقيل: يثاب وقد مر توهينه

تبيين الحقائقالزيلعي

(وَنِيَّتُهُ) أَيْ وَنِيَّةُ الْوُضُوءِ وَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إلَى الْوُضُوءِ لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ،

٢٧

وَكَذَا وَقَعَ فِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ حَيْثُ قَالَ يَنْوِي الطَّهَارَةَ

٢٨

وَالْمَذْهَبُ أَنْ يَنْوِيَ مَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِالطَّهَارَةِ مِنْ الْعِبَادَاتِ أَوْ رَفْعَ الْحَدَثِ كَمَا فِي التَّيَمُّمِ وَعَنْ بَعْضِهِمْ نِيَّةُ الطَّهَارَةِ فِي التَّيَمُّمِ تَكْفِي فَكَذَا هَاهُنَا فَعَلَى هَذَا لَا يَرِدُ عَلَيْهِ،

٢٩

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى الشَّخْصِ الْمُتَوَضِّئِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْ وَنِيَّةُ الرَّجُلِ الصَّلَاةَ، فَيَكُونُ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا ثُمَّ هِيَ سُنَّةٌ،

٣٠

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَرْضٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ فَلَا يَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ كَالتَّيَمُّمِ، وَلَنَا أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُعَلِّمْ الْأَعْرَابِيَّ النِّيَّةَ حِينَ عَلَّمَهُ الْوُضُوءَ مَعَ جَهْلِهِ،

٣١

وَلَوْ كَانَ فَرْضًا لَعَلَّمَهُ، وَلِأَنَّهُ شَرْطُ الصَّلَاةِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ كَسَائِرِ شُرُوطِهَا

٣٢

بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ مَأْمُورٌ بِهَا فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} أَيْ فَاقْصِدُوا، وَلِأَنَّهَا فِي التَّيَمُّمِ لِصَيْرُورَةِ التُّرَابِ طَهُورًا لِأَنَّهُ مُلَوَّثِ وَالْمَاءُ مُطَهِّرٌ بِنَفْسِهِ حِسًّا

٣٣

وَكَذَا شَرْعًا وَحُكْمًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {مَاءً طَهُورًا} فَمَنْ شَرَطَ النِّيَّةَ لِصَيْرُورَتِهِ طَهُورًا فَقَدْ زَادَ فِيهِ، وَهُوَ نَسْخٌ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

حاشية الشلبيالشلبي، حاشية على تبيين الحقائق

(قَوْلُهُ أَنْ يَنْوِيَ مَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِالطَّهَارَةِ مِنْ الْعِبَادَةِ)

١٤

فَلَوْ نَوَى الصَّوْمَ مَثَلًا لَا يُجْزِئُهُ عَنْ الصَّلَاةِ،

١٥

وَالْحَاصِلُ أَنَّ ظَاهِرَ عِبَارَةِ الْمَتْنِ تُفِيدُ أَنَّ السُّنَّةَ نِيَّةُ الطَّهَارَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ السُّنَّةُ أَنْ يَنْوِيَ عِبَادَةً لَا تَصِحُّ بِدُونِ الطَّهَارَةِ كَالصَّلَاةِ فَلَا يَصِحُّ الْحَمْلُ عَلَى الظَّاهِرِ إلَّا عَلَى قَوْلِ الْبَعْضِ انْتَهَى يَحْيَى وَوَقْتُهَا عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ انْتَهَى جَوْهَرَةٌ قَالَ الْقُدُورِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي مُخْتَصَرِهِ:

١٦

وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُتَوَضِّئِ أَنْ يَنْوِيَ الطَّهَارَةَ قَالَ الشَّيْخُ قَاسِمٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِهِ أَيْ يَقْصِدَ بِقَلْبِهِ إيقَاعَ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ لِلطَّهَارَةِ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا قَالَهُ أَبُو زُرْعَةَ: إنَّ الْمَاءَ لِرَفْعِ الْحَدَثِ وَاسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ عَمَلُ الْقَلْبِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِالنِّسْيَانِ،

١٧

وَالْأَصَحُّ أَنَّ النِّيَّةَ سُنَّةٌ لِأَنَّ بِهَا يَصِيرُ الْفِعْلُ قُرْبَةً بِالْإِجْمَاعِ انْتَهَى.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.