وكره ذوق شيءٍ ومضغه بلا عذرٍ
الشروح عليها
(قَوْلُهُ وَكُرِهَ ذَوْقُ شَيْءٍ، وَمَضْغُهُ بِلَا عُذْرٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ الصَّوْمِ لِلْفَسَادِ، وَلَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ لِعَدَمِ الْفِطْرِ صُورَةً وَمَعْنًى قُيِّدَ بِقَوْلِهِ: بِلَا عُذْرٍ؛ لِأَنَّ الذَّوْقَ بِعُذْرٍ لَا يُكْرَهُ كَمَا
قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ فِيمَنْ كَانَ زَوْجُهَا سَيِّئَ الْخُلُقِ أَوْ سَيِّدُهَا لَا بَأْسَ بِأَنْ تَذُوقَ بِلِسَانِهَا وَلَيْسَ مِنْ الْأَعْذَارِ، وَالذَّوْقُ عِنْدَ الشِّرَاءِ لِيُعْرَفَ الْجَيِّدُ مِنْ الرَّدِيءِ بَلْ يُكْرَهُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْوَلْوَالِجِيِّ وَتَبِعَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ،
وَفِي الْمُحِيطِ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ كَيْ لَا يُغْبَنَ وَالْمَضْغُ بِعُذْرٍ بِأَنْ لَمْ تَجِدْ الْمَرْأَةُ مَنْ يَمْضُغَ لِصَبِيِّهَا الطَّعَامَ مِنْ حَائِضٍ أَوْ نُفَسَاءَ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ لَا يَصُومُ، وَلَمْ تَجِدْ طَبِيخًا، وَلَا لَبَنًا حَلِيبًا لَا بَأْسَ بِهِ لِلضَّرُورَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا الْإِفْطَارُ إذَا خَافَتْ عَلَى الْوَلَدِ فَالْمَضْغُ أَوْلَى وَأَطْلَقَ فِي الصَّوْمِ فَشَمِلَ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ، وَقَدْ قَالُوا: إنَّ الْكَرَاهَةَ فِي الْفَرْضِ
أَمَّا فِي الصَّوْمِ التَّطَوُّعِ فَلَا يُكْرَهُ الذَّوْقُ وَالْمَضْغُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْإِفْطَارَ فِيهِ مُبَاحٌ لِلْعُذْرِ وَغَيْرِهِ عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ كَذَا فِي التَّجْنِيسِ وَتَبِعَهُ فِي النِّهَايَةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِمَا، وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ الْإِفْطَارَ فِي التَّطَوُّعِ لَا يَحِلُّ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَمَا كَانَ تَعْرِيضًا لَهُ عَلَيْهِ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ كَلَامَنَا عِنْدَ عَدَمِ الْعُذْرِ
وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ فَمُسَلَّمٌ وَسَيَأْتِي أَنَّهَا شَاذَّةٌ
(قَوْلُهُ: وَأَطْلَقَ فِي الصَّوْمِ إلَخْ)
قَالَ فِي الْإِمْدَادِ: كَذَا أَطْلَقَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَنْزِ وَشَرْحِ الْمُخْتَارِ فَشَمِلَ النَّفَلَ لِمَا أَنَّهُ لَا يُبَاحُ فِيهِ الْفِطْرُ بِلَا عُذْرٍ عَلَى الْمَذْهَبِ،
وَمَنْ قَيَّدَهُ بِالْفَرْضِ كَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ وَنَفْيُ كَرَاهَةِ الذَّوْقِ فِي النَّفْلِ إنَّمَا هُوَ عَلَى رِوَايَةِ جَوَازِ الْإِفْطَارِ فِي النَّفْلِ بِلَا عُذْرٍ
(قَوْلُهُ: وَفِيهِ بَحْثٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا لَمْ يُكْرَهْ فِي النَّفْلِ وَكُرِهَ فِي الْفَرْضِ إظْهَارًا لِتَفَاوُتِ الْمَرْتَبَتَيْنِ.
(وكره) للصائم (ذوق شيء و) كذا يكره له (مضغة) لما فيه من تعريض اليوم للإفساد
قال في (العناية) : بسبب التسبب لأن الجاذبة قوية فلا يأمن أن يجذب منه شيئًا إلى الباطن قال بعض المتأخرين: وهذا وهم بل التعريض بطريق المباشرة لا بطريق التسبب انتهى. ويمكن أن يعلق الجار بالإفساد (بلا عذر) قيد فيهما وجعله الشارح قيدًا في الثاني فقط والأول أولى فمن العذر في الأول ما لو كان زوجها أو سيدها سيء الخلق فذاقت المرقة وليس منه ذوق نحو العسل ليعرف الجيد أو الرديء منه عند الشراء كما في (الفتح) وفي (المحيط) يجوز أن يقال: إنه لا بأس به/ كيلا يغبن وعبارته في (المجتبي) يكره ذوق العسل والدهن عند الشراء لمعرفة جودته كما للمرأة ذوق المرقة
وقيل: لا بأس به إذا لم يجد بدًا من شرائه ويخاف الغبن انتهى.
وينبغي حمل الأول على ما إذا وجد بد والثاني على ما إذا لم يجده وقد خشي الغبن هذا كله في الفرض
أما النفل فلا لأنه يباح الفطر فيه بالعذر اتفاقًا ولا عذر في رواية الحسن والثاني فالذوق أولى بعدم الكراهة لأنه ليس بإفطار بل يحتمل أني صير إياه قال ابن المال: وفيه نظر إذ لا دلالة فيما ذكر على عدم كراهة تعريض الصوم للفساد لأن الإفطار بعذر أو بغيره ينجبر بالقضاء ولا جابر للتعريض وأقول: منع الدلالة مطلقًا فيه نظر لأن الفطر حيث جاز بلا عذر على رواية الحسن فلا وجه لكراهة الذوق إذ غاية ما يفضي إليه الإفساد وتعمده جائز فيما أفضى إليه أولى نعم الإشكال على ظاهر المذهب متجه لأن الفطر لا يجوز إلا من عذر فما أفضى إليه بلا عذر أولى نعم يمكن أن يقال: إنما يكره في النفل وكره في الفرض إظهارًا لتفاوت المرتبتين ومن العذر في الثاني أن لا تجد من يمضغ لبيها من حائض أو نفساء أو غيرهما ممن لا يصوم ولم تجد طبيخًا ولا لبنًا حليبًا.
(وَكُرِهَ ذَوْقُ شَيْءٍ وَمَضْغُهُ بِلَا عُذْرٍ وَمَضْغُ الْعِلْكِ)
أَمَّا كَرَاهِيَةُ الذَّوْقِ فَلِأَنَّهُ تَعَرَّضَ لِإِفْسَادِ صَوْمِهِ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَ زَوْجُهَا سَيِّئَ الْخُلُقِ لَا بَأْسَ بِأَنْ تَذُوقَ الْمَرْأَةُ الْمَرَقَ بِلِسَانِهَا قَالُوا هَذَا فِي الْفَرْضِ
وَأَمَّا فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ فَلَا يُكْرَهُ لِأَنَّ الْإِفْطَارَ فِيهِ مُبَاحٌ بِالْعُذْرِ بِالِاتِّفَاقِ وَبِغَيْرِهِ عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ
وَأَمَّا مَضْغُهُ بِلَا عُذْرٍ أَيْ مَضْغُ الصَّائِمِ فَلِمَا بَيَّنَّا مِنْ التَّعْرِيضِ لِلْإِفْسَادِ وَإِنْ كَانَ بِعُذْرٍ بِأَنْ لَمْ تَجِدْ الْمَرْأَةُ مَنْ يَمْضُغُ لِصَبِيِّهَا الطَّعَامَ مِنْ حَائِضٍ أَوْ نُفَسَاءَ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ لَا يَصُومُ وَلَمْ تَجِدْ طَبِيخًا وَلَا لَبَنًا حَلِيبًا فَلَا بَأْسَ بِهِ لِلضَّرُورَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا الْإِفْطَارُ إذَا خَافَتْ عَلَى الْوَلَدِ فَالْمَضْغُ أَوْلَى
وَأَمَّا مَضْغُ الْعِلْكِ فَلِمَا ذَكَرْنَا وَلِأَنَّهُ يُتَّهَمُ بِالْإِفْطَارِ لِأَنَّ مَنْ رَآهُ مِنْ بَعِيدٍ يَظُنُّهُ آكِلًا وَفَسَدَ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَقِفَنَّ مَوَاقِفَ التُّهَمِ» وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إيَّاكَ وَمَا يَسْبِقُ إلَى الْقُلُوبِ إنْكَارُهُ وَإِنْ كَانَ عِنْدَك اعْتِذَارُهُ وَذِكْرُ الْعِلْكِ فِي الْمُخْتَصَرِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ أَنْوَاعِهِ لَا يُفَطِّرُ وَمُحَمَّدٌ أَيْضًا ذَكَرَهُ كَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ
وَقِيلَ هَذَا إذَا كَانَ مَمْضُوغًا لِأَنَّهُ لَا يَنْفَصِلُ مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَمْضُوغٍ يُفَطِّرُ لِأَنَّهُ يَتَفَتَّتُ وَيَصِلُ مِنْهُ شَيْءٌ إلَى جَوْفِهِ
وَقِيلَ فِي الْأَسْوَدِ يُفَطِّرُ وَإِنْ كَانَ مُلْتَئِمًا وَفِي غَيْرِ الصَّوْمِ لَا يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ السِّوَاكِ فِي حَقِّهِنَّ لِأَنَّ بِنْيَتَهُنَّ ضَعِيفَةٌ فَلَا تَحْتَمِلُ السِّوَاكَ وَهُوَ يُنَقِّي الْأَسْنَانَ وَيَشُدُّ اللِّثَةَ كَالسِّوَاكِ
وَيُكْرَهُ لِلرِّجَالِ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ عِلَّةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ
وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ
بِخِلَافِ النِّسَاءِ وَلَوْ كَانَ الْخَيَّاطُ يَخِيطُ بِخَيْطٍ مَصْبُوغٍ وَهُوَ يَبُلُّ بِرِيقِهِ وَيَبْلَعُهُ فَإِنْ تَغَيَّرَ بِهِ رِيقُهُ وَصَارَ مِثْلَ صِبْغِهِ فَسَدَ صَوْمُهُ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ وَكُرِهَ ذَوْقٌ) وَهُوَ مَعْرِفَةُ الشَّيْءِ بِفَمِهِ مِنْ غَيْرِ إدْخَالِ عَيْنِهِ فِي حَلْقِهِ اهـ بَاكِيرٌ
(قَوْلُهُ عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ) وَأَبِي يُوسُفَ أَيْضًا فَالذَّوْقُ أَوْلَى بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِقْطَارٍ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَصِيرُ إيَّاهُ. اهـ. فَتْحٌ وَفِي الْمُجْتَبَى يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ ذَوْقُ الْعَسَلِ وَالدُّهْنِ عِنْدَ الشِّرَاءِ لِمَعْرِفَةِ جَوْدَتِهِ كَمَا يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ ذَوْقُ الْمَرَقَةِ
وَقِيلَ لَا بَأْسَ إذَا لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ شِرَائِهِ وَيَخَافُ الْغَبْنَ. اهـ. كَاكِيٌّ قَالَ الْعَيْنِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَوْلُهُ بِلَا عُذْرٍ يَرْجِعُ إلَى الذَّوْقِ وَالْمَضْغِ جَمِيعًا
بِخِلَافِ مَا جَعَلَهُ الشَّارِحُ قَيْدًا لِلْمَضْغِ فَقَطْ اهـ قَوْلُهُ وَلِأَنَّ مَنْ رَآهُ مِنْ بَعِيدٍ يَظُنُّهُ أَكْلًا) وَلَا يَضُرُّ وُصُولُ طَعْمِهِ أَوْ رِيحِهِ إلَى بَاطِنِهِ. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ مُلْتَئِمًا) أَيْ لِأَنَّهُ يُفَتَّتُ وَإِنْ مُضِغَ وَالْأَبْيَضُ يَتَفَتَّتُ قَبْلَ الْمَضْغِ فَيَصِلُ إلَى الْجَوْفِ وَإِطْلَاقُ مُحَمَّدٍ عَدَمَ الْفَسَادِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ مُعَلَّلٌ بِعَدَمِ الْوُصُولِ فَإِذَا فُرِضَ فِي مَضْغِ الْعِلْكِ مَعْرِفَةُ الْوُصُولِ مِنْهُ عَادَةً وَجَبَ الْحُكْمُ بِالْفَسَادِ لِأَنَّهُ كَالْمُتَيَقَّنِ. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ) أَيْ فَهُوَ مُبَاحٌ اهـ فَتْحٌ
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ النِّسَاءِ) أَيْ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ لِأَنَّهُ سِوَاكُهُنَّ. اهـ. فَتْحٌ
وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ تَرْكُهُ ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ. اهـ. غَايَةٌ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.