ولو ذبح محرمٌ صيدًا حرم
الشروح عليها
(قَوْلُهُ: وَلَوْ ذَبَحَ مُحْرِمٌ صَيْدًا حَرُمَ) أَيْ فَهُوَ مَيْتَةٌ؛ لِأَنَّ الذَّكَاةَ فِعْلٌ مَشْرُوعٌ، وَهَذَا فِعْلٌ حَرَامٌ فَلَا يَكُونُ ذَكَاةً كَذَبِيحَةِ الْمَجُوسِيِّ فَأَفَادَ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَالْحَلَالِ،
وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْحَلَالَ لَوْ ذَبَحَ صَيْدَ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَيْتَةً أَيْضًا كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَأَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ الْمُحْرِمُ الذَّابِحُ مُضْطَرًّا أَوْ لَا وَاخْتَلَفَتْ الْعِبَارَاتُ فِيمَا إذَا اُضْطُرَّ الْمُحْرِمُ هَلْ يَذْبَحُ الصَّيْدَ فَيَأْكُلَهُ أَوْ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ فَفِي الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ مِنْ الصَّيْدِ وَيُؤَدِّي الْجَزَاءَ، وَلَا يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَيْتَةِ أَغْلَظُ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الصَّيْدِ تَرْتَفِعُ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْإِحْرَامِ أَوْ الْحَرَمِ فَهِيَ مُؤَقَّتَةٌ بِهِ
بِخِلَافِ حُرْمَةِ الْمَيْتَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْصِدَ أَخَفَّ الْحُرْمَتَيْنِ دُونَ أَغْلَظِهِمَا، وَالصَّيْدُ وَإِنْ كَانَ مَحْظُورَ الْإِحْرَامِ لَكِنْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ تَرْتَفِعُ الْحَظْرَ فَيَقْتُلُهُ وَيَأْكُلُ مِنْهُ وَيُؤَدِّي الْجَزَاءَ. اهـ. وَالْمُرَادُ بِالْقَتْلِ الذَّبْحُ،
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ الْمُحْرِمُ إذَا اُضْطُرَّ إلَى مَيْتَةٍ وَصَيْدٍ فَالْمَيْتَةُ أَوْلَى فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ،
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالْحَسَنُ يَذْبَحُ الصَّيْدَ،
وَلَوْ كَانَ الصَّيْدُ مَذْبُوحًا فَالصَّيْدُ أَوْلَى عِنْدَ الْكُلِّ،
وَلَوْ وُجِدَ لَحْمُ صَيْدٍ، وَلَحْمُ آدَمِيٍّ كَانَ ذَبْحُ الصَّيْدِ أَوْلَى،
وَلَوْ وَجَدَ صَيْدًا أَوْ كَلْبًا فَالْكَلْبُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ فِي الصَّيْدِ ارْتِكَابَ الْمَحْظُورَيْنِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ الصَّيْدُ أَوْلَى مِنْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ. اهـ.
وَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُ مَا فِي الْفَتَاوَى لِمَا أَنَّ فِي أَكْلِ الصَّيْدِ ارْتِكَابَ حُرْمَتَيْنِ الْأَكْلُ وَالْقَتْلُ،
وَفِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ ارْتِكَابُ حُرْمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ الْأَكْلُ، وَكَوْنُ الْحُرْمَةِ تَرْتَفِعُ لَا يُوجِبُ التَّخْفِيفَ وَلِهَذَا
قَالَ فِي الْمَجْمَعِ: وَالْمَيْتَةُ أَوْلَى مِنْ الصَّيْدِ لِلْمُضْطَرِّ وَيُجِيزُهُ لَهُ مُكَفِّرًا وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّ رِوَايَةَ تَقْدِيمِ الْمَيْتَةِ رِوَايَةُ الْمُنْتَقَى وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ صَيْدًا حَيًّا، وَمَالَ مُسْلِمٍ يَأْكُلُ الصَّيْدَ لَا مَالَ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ حَرَامٌ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْمَالُ حَرَامٌ حَقًّا لِلْعَبْدِ فَكَانَ التَّرْجِيحُ لِحَقِّ الْعَبْدِ لِافْتِقَارِهِ،
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ، وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا مَنْ وَجَدَ طَعَامَ الْغَيْرِ لَا يُبَاحُ لَهُ الْمَيْتَةُ، وَهَكَذَا عَنْ ابْنِ سِمَاعَةَ وَبِشْرٍ أَنَّ الْغَضَبَ أَوْلَى مِنْ الْمَيْتَةِ، وَبِهِ أَخَذَ الطَّحَاوِيُّ،
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ هُوَ بِالْخِيَارِ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَيْ فَهُوَ مَيْتَةٌ) ذَكَرَ فِي النَّهْرِ أَنَّهُ لَيْسَ مَيْتَةً حَقِيقَةً بَلْ حُكْمًا مُسْتَدِلًّا بِمَا يَأْتِي مِنْ تَقْدِيرِ الصَّيْدِ عَلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَجَعَلَ لِذَلِكَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْقُدُورِيِّ فَهُوَ مَيْتَةٌ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ
(قَوْلُهُ: وَأَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ الْمُحْرِمُ الذَّابِحُ مُضْطَرًّا أَوْ لَا) ،
وَكَذَا شَمَلَ مَا لَوْ كَانَ مُكْرَهًا أَوْ مُكْرَهًا
قَالَ فِي اللُّبَابِ إذَا أَكْرَهَ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا عَلَى قَتْلِ صَيْدٍ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزَاءٌ كَامِلٌ،
وَإِنْ أَكْرَهَ حَلَالٌ مُحْرِمًا فَالْجَزَاءُ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَلَالِ،
وَلَوْ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ، وَإِنْ أَكْرَهَ مُحْرِمٌ حَلَالًا عَلَى صَيْدٍ إنْ كَانَ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ فَعَلَى الْمُحْرِمُ جَزَاءٌ كَامِلٌ، وَعَلَى الْحَلَالِ نِصْفُهُ،
وَإِنْ كَانَ فِي صَيْدِ الْحِلِّ فَالْجَزَاءُ عَلَى الْمُحْرِمِ،
وَإِنْ كَانَا حَلَالَيْنِ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ إنْ تَوَعَّدَهُ بِقَتْلٍ كَانَ الْجَزَاءُ عَلَى الْآمِرِ،
وَإِنْ تَوَعَّدَهُ بِحَبْسٍ كَانَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمَأْمُورِ الْقَاتِلِ خَاصَّةً. اهـ. وَبَيَانُهُ فِي شَرْحِهِ.
(قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُ مَا فِي الْفَتَاوَى) أَيْ تَرْجِيحُ مَا ذَكَرَهُ عَنْ الْفَتَاوَى الْخَانِيَّةِ عَلَى مَا قَدَّمَهُ عَنْ الْمَبْسُوطِ مِنْ أَنَّ الصَّيْدَ أَوْلَى مِنْ الْمَيْتَةِ
(قَوْلُهُ: وَيُجِيزُهُ لَهُ مُكَفِّرًا) يَعْنِي قَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ الْمُضْطَرِّ أَنْ يَصِيدَ وَيَأْكُلَ وَيُكَفِّرَ، وَهَذَا أَهْوَنُ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجْبُرُهُ، وَلَا جَابِرَ لِأَكْلِ الْمَيْتَةِ كَذَا فِي شَرْحِ ابْنِ الْمَلَكِ.
(ولو ذبح محرم صيدًا) أو حلال صيد الحرم (حرم) أكله على كل أحد، لأن الزكاة فعل مشروع وهذا إحرام فلا يكون ذكاء كذبيحة المجوسي، وعدل عن قول القدومي فهو ميتة لا يحل أكله لما أنه ليس ميتة حقيقة بل حكمًا بدليل أنه لو اضطر إلى أكل الميتة وصيد فإنه يذبح الصيد هياكله في قول الإمام والثاني.
وقال محمدي زفر: يأكل الميتة كذا في (المبسوط (إلا أنه في (الثانية (جعل الميتة أولى في قول الإمام ومحمد وقال أبو يوسف والحسن: يذبح الصيد ولو كان مذبوحا كان أولى بأن في الصيد ارتكاب محظورين الذبح والميتة، لأنه ميتة حكما يعني: فكان أغلظ حرمة، هذا إذا لم تكن الميتة ميتة آدمي فإن كانت ذبح الصيد استحسانا، لأمن لحم الإنسان حرام حقا لله تعالى وللعبد، والصيد حرام حفل لله تعالى فقط، كذا في (الواقعات) والكلام فيما هو الأولى حتى لو تناول من لحم الإنسان جاز، واستثنى الشافعية ما إذا كان نبيل ولو وجد صيدا حيًا ومال إنسان فالصيد أولى، وذكر الكرخي أن مال المسلم أولى وعن محمد الصيد أولى من لحم الخنزير.
(وَلَوْ ذَبَحَ مُحْرِمٌ صَيْدًا حَرُمَ) يَعْنِي عَلَى الذَّابِحِ وَعَلَى غَيْرِهِ،
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَحِلُّ لِغَيْرِهِ، وَلَهُ إذَا حَلَّ؛ لِأَنَّ الذَّكَاةَ مَوْجُودَةٌ حَقِيقَةً فَتَعْمَلُ عَمَلَهَا غَيْرَ أَنَّهُ حَرُمَ عَلَى الذَّابِحِ لِارْتِكَابِهِ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ عُقُوبَةً لَهُ فَيَبْقَى فِي حَقِّ غَيْرِهِ مِنْ الْمُحْرِمِينَ وَغَيْرِهِمْ وَفِي حَقِّ نَفْسِهِ بَعْد مَا حَلَّ عَلَى الْأَصْلِ وَلَنَا أَنَّ الذَّكَاةَ فِعْلٌ مَشْرُوعٌ، وَهَذَا الْفِعْلُ حَرَامٌ فَلَا يَكُونُ ذَكَاةً فَصَارَ كَذَبِيحَةِ الْمَجُوسِيِّ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ، وَلَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّحْمِ فَأَقَامَ الشَّارِعُ بَعْضَ الْأَفْعَالِ مَقَامَ التَّمْيِيزِ تَيْسِيرًا، وَهُوَ الْفِعْلُ الْمَشْرُوعُ، فَلَا يُقَامُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ بِالرَّأْيِ فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ الْحُرْمَةُ لِأَجْلِ عَدَمِ التَّمْيِيزِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.