يسن صوم الاثنين والخميس
الشروح عليها
بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ التَّطَوُّعُ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَيْسَ بِفَرْضٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَاعَدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» وَفِي الْحَدِيثِ «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»
وَالصَّحِيحُ تَعَلُّقُ الْغُرَمَاءِ بِهِ كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ، وَحِينَئِذٍ فَتَخْصِيصُهُ بِكَوْنِهِ لَهُ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ الرِّيَاءِ مِنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَقْوَالٍ تَزِيدُ عَلَى خَمْسِينَ قَوْلًا (يُسَنُّ صَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ) لِمَا صَحَّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَحَرَّى صَوْمَهُمَا وَقَالَ إنَّهُمَا يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الْأَعْمَالُ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ»
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيُسَنُّ أَيْضًا الْمُحَافَظَةُ عَلَى صَوْمِهِمَا وَالْمُرَادُ عَرْضُهَا عَلَى اللَّهِ،
وَأَمَّا رَفْعُ الْمَلَائِكَةِ لَهَا فَإِنَّهُ بِاللَّيْلِ مَرَّةً وَبِالنَّهَارِ مَرَّةً، وَرَفْعُهَا فِي شَعْبَانَ، الثَّابِتُ بِخَبَرِ أَحْمَدَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ إكْثَارِهِ الصَّوْمَ فِي شَعْبَانَ فَقَالَ: إنَّهُ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» مَحْمُولٌ عَلَى رَفْعِ الْأَعْمَالِ جُمْلَةً، وَسُمِّيَ الِاثْنَيْنِ لِأَنَّهُ ثَانِي الْأُسْبُوعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُ الْأَحَدُ وَهُوَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ الْأَكْثَرِينَ، لَكِنْ الَّذِي صَوَّبَهُ السُّهَيْلِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ السَّبْتُ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
(قَوْلُهُ: التَّطَوُّعُ: التَّقَرُّبُ إلَخْ) أَيْ شَرْعًا
(قَوْلُهُ «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ) أَيْ الْجِهَادِ وَفِيهِ دَلَالَةُ فَضْلِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ
(قَوْلُهُ: كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ) أَيْ فُرُوضِهَا وَسُنَنِهَا وَمَا ضُوعِفَ مِنْهَا
(قَوْلُهُ يُسَنُّ صَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ) سُئِلَ الشَّيْخُ الرَّمْلِيُّ عَنْ الْأَفْضَلِ هَلْ هُوَ صَوْمُ الْخَمِيسِ أَوْ الِاثْنَيْنِ؟ فَأَجَابَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِأَنَّ صَوْمَ الِاثْنَيْنِ أَفْضَلُ اهـ. كَذَا رَأَيْته بِهَامِشٍ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ فِيهِ بَعْثَتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَمَاتَهُ وَسَائِرَ أَطْوَارِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ) وَهُوَ مَا لَمْ يُفْرَضْ وَلِلصَّوْمِ مِنْ الْفَضَائِلِ وَالْمَثُوبَةِ مَا لَا يُحْصِيهِ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَمِنْ ثَمَّ أَضَافَهُ تَعَالَى إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ فَقَالَ «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» وَأَيْضًا فَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَعْظَمِ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ بَلْ أَعْظَمُهَا عِنْدَ جَمَاعَةٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إخْبَارِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا قِيلَ إنَّ التَّبَعَاتِ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ يَرُدُّهُ خَبَرُ مُسْلِمٍ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مَعَ جُمْلَةِ الْأَعْمَالِ فِيهَا وَبَقِيَ فِيهِ سَبْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ قَوْلًا لَا تَخْلُو عَنْ خَفَاءٍ وَتَعَسُّفٍ نَعَمْ قِيلَ إنَّ التَّضْعِيفَ فِي الصَّوْمِ وَغَيْرِهِ لَا يُؤْخَذُ؛
لِأَنَّهُ مَحْضُ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا الَّذِي يُؤْخَذُ الْأَصْلُ وَهُوَ الْحَسَنَةُ الْأُولَى لَا غَيْرُ وَإِنَّمَا يَتَّجِهُ إنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ الصَّادِقِ وَإِلَّا وَجَبَ الْأَخْذُ بِعُمُومِ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ أَخْذِ حَسَنَاتِ الظَّالِمِ حَتَّى إذَا لَمْ تَبْقَ لَهُ حَسَنَةٌ وَضَعَ عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَظْلُومِ فَإِذَا وَضَعَ عَلَيْهِ سَيِّئَاتِهِ فَأَوْلَى أَخْذُ جَمِيعِ حَسَنَاتِهِ الْأَصْلِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ صَارَ لَهُ وَمَحْضُ الْفَضْلِ جَارٍ فِي الْأَصْلِ أَيْضًا كَمَا هُوَ مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ. (يُسَنُّ صَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ) لِلْخَبَرِ الْحَسَنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَحَرَّى صَوْمَهُمَا وَيَقُولُ إنَّهُمَا تُعْرَضُ فِيهِمَا الْأَعْمَالُ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» أَيْ تُعْرَضُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى
وَكَذَا تُعْرَضُ فِي لَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبَانَ وَفِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَالْأَوَّلُ عَرْضٌ إجْمَالِيٌّ بِاعْتِبَارِ الْأُسْبُوعِ وَالثَّانِي بِاعْتِبَارِ السَّنَةِ
وَكَذَا الثَّالِثُ وَفَائِدَةُ تَكْرِيرِ ذَلِكَ إظْهَارُ شَرَفِ الْعَامِلِينَ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ
وَأَمَّا عَرْضُهَا تَفْصِيلًا فَهُوَ رَفْعُ الْمَلَائِكَةِ لَهَا بِاللَّيْلِ مَرَّةً وَبِالنَّهَارِ مَرَّةً وَعَدَّ الْحَلِيمِيُّ اعْتِيَادَ صَوْمِهِمَا مَكْرُوهًا شَاذٌّ وَتَسْمِيَتُهُمَا بِذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ أَوَّلَ الْأُسْبُوعِ الْأَحَدُ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَنَاقَضَهُ السُّهَيْلِيُّ فَنَقَلَ عَنْ الْعُلَمَاءِ إلَّا ابْنَ جَرِيرٍ أَنَّ أَوَّلَهُ السَّبْتُ وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي النَّذْرِ
(قَوْلُهُ وَهُوَ مَا لَمْ يُفْرَضْ) عِبَارَةُ غَيْرِهِ التَّطَوُّعُ: التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَيْسَ بِفَرْضٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ اهـ.
(قَوْلُهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَطَّلِعَ إلَخْ) إنْ أُرِيدَ الْقَطْعُ بِهِ فَمُسَلَّمٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ وَهِيَ أَمْرٌ قَلْبِيٌّ إلَّا أَنَّ هَذَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كُلِّ عِبَادَةٍ تَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ كَالصَّلَاةِ وَإِنْ أُرِيدَ مُطْلَقًا فَمَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّا إذَا رَأَيْنَا شَخْصًا تَنَاوَلَ شَيْئًا عِنْدَ السَّحَرِ ثُمَّ أَمْسَكَ إلَى الْغُرُوبِ ثُمَّ تَنَاوَلَ شَيْئًا آخَرَ نَظُنُّ كَوْنَهُ صَائِمًا بَصْرِيٌّ وَلَك أَنْ تَخْتَارَ الشِّقَّ الثَّانِيَ وَتَحْمِلَ كَلَامَ الشَّارِحِ عَلَى الشَّأْنِ وَالْغَالِبُ؛ إذْ مَا صَوَّرَهُ السَّيِّدُ الْبَصْرِيُّ مِنْ النَّوَادِرِ بَلْ يَدَّعِي امْتِنَاعَ الِاطِّلَاعِ عَلَى إمْسَاكِهِ مِنْ الْمُفْطِرَاتِ الْبَاطِنِيَّةِ.
(قَوْلُهُ وَمَا قِيلَ إلَخْ) أَيْ: فِي تَوْجِيهِ الْإِضَافَةِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ.
(قَوْلُهُ إنَّ التَّبَعَاتِ) أَيْ: حُقُوقَ الْعِبَادِ.
(قَوْلُهُ يَرُدُّهُ إلَخْ) أَقَرَّهُ الْمُغْنِي وَاعْتَمَدَهُ النِّهَايَةُ فَقَالَ
وَالصَّحِيحُ تَعَلُّقُ الْغُرَمَاءِ بِهِ كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ وَحِينَئِذٍ فَتَخْصِيصُهُ بِكَوْنِهِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ الرِّيَاءِ مِنْ غَيْرِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ أَنَّهُ يُؤْخَذُ) أَيْ: الصَّوْمُ
(قَوْلُهُ مَعَ جُمْلَةِ الْأَعْمَالِ) أَيْ: فُرُوضِهَا وَسُنَنِهَا وَمَا ضُوعِفَ مِنْهَا ع ش.
(قَوْلُهُ فِيهَا) أَيْ: التَّبَعَاتِ.
(قَوْلُهُ وَبَقِيَ فِيهِ إلَخْ) عِبَارَةُ النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَقْوَالٍ تَزِيدُ عَلَى خَمْسِينَ قَوْلًا اهـ.
(قَوْلُهُ لَا يُؤْخَذُ) أَيْ: فِي التَّبَعَاتِ.
(قَوْلُهُ عَنْ الصَّادِقِ) أَيْ: الشَّارِعِ.
(قَوْلُهُ جَازَ فِي الْأَصْلِ أَيْضًا) يَعْنِي أَنَّ الْأَصْلَ أَيْضًا مَحْضُ الْفَضْلِ كُرْدِيٌّ قَوْلُ الْمَتْنِ (يُسَنُّ صَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ)
وَيُسَنُّ أَيْضًا الْمُحَافَظَةُ عَلَى صَوْمِهِمَا نِهَايَةٌ قَالَ ع ش رَأَيْت بِهَامِشٍ أَنَّ الشَّيْخَ الرَّمْلِيَّ أَفْتَى أَنَّ صَوْمَ الِاثْنَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ صَوْمِ الْخَمِيسِ اهـ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ فِيهِ بَعْثَتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَمَاتَهُ وَسَائِرَ أَطْوَارِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَكَذَا تُعْرَضُ فِي لَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبَانَ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ يُعْرَضُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مَا يَقَعُ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ إلَيْهَا وَفِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مَا يَقَعُ مِنْ لَيْلَةِ النِّصْفِ إلَيْهَا فَلَا تَكْرَارَ بَيْنَ الثَّانِي وَالثَّالِثِ
وَأَمَّا أَصْلُ التَّكْرَارِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ بَصْرِيٌّ.
(قَوْلُهُ فَالْأَوَّلُ عَرْضٌ إجْمَالِيٌّ إلَخْ) مُقْتَضَى صَنِيعِهِ أَنَّ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ لَا إجْمَالِيٌّ وَلَا تَفْصِيلِيٌّ فَلْيُتَأَمَّلْ بَصْرِيٌّ وَقَدْ يُقَالُ الْمُتَبَادَرُ مِنْ صَنِيعِهِ أَنَّ قَوْلَهُ بِاعْتِبَارِ السُّنَّةِ الْمُرَادُ بِهِ عَرْضٌ إجْمَالِيٌّ بِاعْتِبَارِ السُّنَّةِ فَلَا إشْكَالَ.
(قَوْلُهُ وَفَائِدَةُ تَكْرِيرِ ذَلِكَ إلَخْ) سَكَتَ الْمُغْنِي وَالنِّهَايَةُ عَنْ الثَّالِثِ وَمَا لَا إلَى رَفْعِ أَعْمَالِ الْأُسْبُوعِ مُفَصَّلَةً وَأَعْمَالُ الْعَامِ جُمْلَةً وَسَكَتَا عَنْ كَيْفِيَّةِ رَفْعِ الْأَعْمَالِ بِاللَّيْلِ مَرَّةً وَبِالنَّهَارِ مَرَّةً.
(قَوْلُهُ وَعَدَّ الْحَلِيمِيُّ) إلَى الْمَتْنِ فِي النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي.
(قَوْلُهُ شَاذٌّ) أَيْ: وَمُنَافٍ لِمَا قَالَهُ السُّهَيْلِيُّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِبِلَالٍ لَا يَفُتْك صِيَامُ الِاثْنَيْنِ فَإِنِّي وُلِدْت فِيهِ وَبُعِثْت فِيهِ وَأَمُوتُ فِيهِ» أَيْضًا نِهَايَةٌ وَمُغْنِي.
(قَوْلُهُ بِذَلِكَ) أَيْ بِالِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ.
(قَوْلُهُ إنَّ أَوَّلَهُ السَّبْتُ) وَهُوَ الْأَصَحُّ نِهَايَةٌ وَمُغْنِي.
(قَوْلُهُ وَيُسَنُّ) إلَى قَوْلِهِ وَآخِرُ الْأُولَى فِي النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي إلَّا قَوْلَهُ الْمُقْتَضِي إلَى وَآكُدُهَا.
لا يتكلم على هذه المسألة.
وَقَدْ شَرَعَ فِي الْأَوَّلِ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي فَقَالَ: (يُسَنُّ صَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَ) صَوْمُ (الْخَمِيسِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَتَحَرَّى صَوْمَهُمَا وَقَالَ: إنَّهُمَا يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الْأَعْمَالُ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَالْمُرَادُ عَرْضُهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى،
وَأَمَّا رَفْعُ الْمَلَائِكَةِ لَهَا، فَإِنَّهُ فِي اللَّيْلِ مَرَّةٌ وَفِي النَّهَارِ مَرَّةٌ، وَلَا يُنَافِي هَذَا رَفْعَهَا فِي شَعْبَانَ كَمَا فِي خَبَرِ مُسْنَدِ أَحْمَدَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَ عَنْ إكْثَارِ الصَّوْمِ فِي شَعْبَانَ فَقَالَ: إنَّهُ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» لِجَوَازِ رَفْعِ أَعْمَالِ الْأُسْبُوعِ مُفَصَّلَةً وَأَعْمَالِ الْعَامِ جُمْلَةً،
وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِبِلَالٍ «لَا يَفُتْك صِيَامُ الِاثْنَيْنِ، فَإِنِّي وُلِدْتُ فِيهِ وَبُعِثْتُ فِيهِ وَأَمُوتُ فِيهِ أَيْضًا» وَأَغْرَبَ الْحَلِيمِيُّ فَعَدَّ مِنْ الْمَكْرُوهِ اعْتِيَادَ صَوْمِ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ كَالِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَشْبِيهًا بِرَمَضَانَ، وَسُمِّيَ مَا ذُكِرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِأَنَّهُ ثَانِي الْأُسْبُوعِ، وَالْخَمِيسَ لِأَنَّهُ خَامِسُهُ كَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ نَاقِلًا لَهُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ أَوَّلَ الْأُسْبُوعِ الْأَحَدُ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ الْأَكْثَرِينَ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ النَّذْرِ أَنَّ أَوَّلَهُ السَّبْتُ،
وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: إنَّهُ الصَّوَابُ، وَقَوْلُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إلَّا ابْنَ جَرِيرٍ، وَجَمْعُ الِاثْنَيْنِ أَثَانِينُ، وَالْخَمِيسِ أَخْمِسَاءُ وَأَخْمِسَةٌ وَأخَامِيسُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الثَّانِي مِنْهُ، فَقَالَ
(يُسَنُّ صَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَحَرَّى صَوْمَهُمَا.
وَقَالَ: «تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي. وَأَنَا صَائِمٌ» رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ الْأَوَّلُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ.
وَالثَّانِي مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ
قَوْلُهُ: (تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ) أَيْ أَعْمَالُ الْأُسْبُوعِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى،
وَأَمَّا الْعَرْضُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ بِمَعْنَى كِتَابَتِهِمْ لَهُ فَإِنَّهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ.
وَأَمَّا الْعَرْضُ عَلَى اللَّهِ فِي نِصْفِ شَعْبَانَ كُلَّ سَنَةٍ فَلِجُمْلَةِ أَعْمَالِ السَّنَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ لِإِظْهَارِ الْعَدْلِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ إذْ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ.
قَوْلُهُ: (الِاثْنَيْنِ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ ثَانِي أَيَّامِ إيجَادِ الْمَخْلُوقَاتِ غَيْرِ الْأَرْضِ، وَالْخَمِيسُ خَامِسُهَا كَمَا فِي الْحَدِيثِ. وَمَا قِيلَ لِأَنَّهُ ثَانِي الْأُسْبُوعِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَرْجُوحِ أَنَّ أَوَّلَهُ الْأَحَدُ وَإِنَّمَا أَوَّلُهُ السَّبْتُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا فِي بَابِ النَّذْرِ وَالِاثْنَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ الْخَمِيسِ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْحَاجُّ) وَمِثْلُهُ الْمُسَافِرُ وَلَوْ سَفَرًا قَصِيرًا فَلَا يُنْدَبُ لَهُ نَعَمْ يُنْدَبُ صَوْمُهُ لِلْحَاجِّ بِغَيْرِ عَرَفَةَ
وَيُنْدَبُ صَوْمُ الثَّمَانِيَةِ قَبْلَهُ لِلْحَاجِّ وَغَيْرِهِ.
وَلَوْ حَصَلَ فِيهِ شَكٌّ مَعَ لَيْلَةِ الْعِيدِ بِنَقْصِ الشَّهْرِ وَكَمَالِهِ كَانَ كَالشَّكِّ فِي يَوْمِ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَلَا حُرْمَةَ فِيهِ وَلَا كَرَاهَةَ وَيَوْمُ عَرَفَةَ أَفْضَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (الِاثْنَيْنِ) قِيلَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ ثَانِي الْأُسْبُوعِ وَالْخَمِيسُ خَامِسُهُ كَذَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي التَّحْرِيرِ عَلَى التَّنْبِيهِ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ أَنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ الْأُسْبُوعِ الْأَحَدُ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ النَّذْرِ أَنَّ أَوَّلَهُ السَّبْتُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ إلَخْ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: أَيْ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى،
وَأَمَّا رَفْعُ الْمَلَائِكَةِ فَإِنَّهُ بِاللَّيْلِ مَرَّةً وَبِالنَّهَارِ أُخْرَى.
باب صوم التطوع (التطوع): التقرب إلى الله تعالى بما ليس بفرض من العبادات، وتعبير المصنف هنا به وفي الصلاة بالنفل موافق لقوله تعالى?:{وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهِ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}،
{وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ}.
ولا شك أن الصوم من أعظم القربات؛ ففي (الصحيحين): (من صام يومًا في سبيل الله .. باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا).
و (قال الله تعالى: (كل عمل بني آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به).
واختلفوا في معناه على أقوال، ذكر الطالقاني منها خمسة وخمسين قولاً، قال الشيخ: من أحسنها قول سفيان بن عيينة: إن يوم القيامة يتعلق خصماؤه بجميع أعماله إلا الصوم فلا سبيل لهم عليه؛ لأنه لله.
قلت: وهذا مردود بما روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتدرون من المفلس؟)
ثم ذكر: (أنه رجل يأتي يوم القيامة وقد ظلم هذا، وسفك دم هذا، وانتهك عرض هذا، ويأتي وله صلاة وزكاة وصوم، قال: فيأخذ هذا بكذا - إلى أن قال-: وهذا بصومه) فدل على أنه يؤخذ في المظالم.
قال: (يسن: صوم الاثنين، والخميس) ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:(تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم) رواه الترمذي وقال: حسن.
والمراد: عرضها على الله تعالى،
وأما رفع الملائكة لها .. فإنه في الليل مرة،
وفي النهار مرة. وفي (أبي داوود): [٢٤٢٨](أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحرى صومهما).
وروى الحاكم [٢/ ٦٠٢] عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه: أن أعرابيًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الإثنين فقال: (ذلك اليوم الذي ولدت فيه وأنزل علي فيه) وقال: (صحيح على شرط الشيخين.
وقال السهيلي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال: (لا يَفُتْكَ صيام الإثنين؛ فإني ولدت فيه، وبعثت فيه، وأموت فيه).
وذكر أيضًا عن العباس رضي الله عنه قال: مكثت حولاً بعد موت أبي لهب لا أراه في النوم، ثم رأيته في شر حال، فقال: ما لقيت بعدكم راحة إلا أن العذاب يخفف عني كل يوم إثنين؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد يوم الإثنين وكانت ثويبة قد بشرته بولده فقال لها: اذهبي فأنت حرة.
وقال الحليمي: يكره اعتياد صومهما؛ لأن في ذلك تشبيهًا برمضان، وهذا النقل مستغرب، لكن ظاهر السنة يؤيده؛ لأنه عليه السلاة والسلام لم ينقل عنه: أنه كان يواظب عليهما.
وسمي الإثنين؛ لأنه ثاني الأسبوع، والخميس؛ لأنه خامسه، كذا في (المحكم) و (التحرير)، وهو يقتضي: أن أول الأسبوع الأحد وهو الذي عليه أكثر الناس كما قاله ابن عطية في تفسير (سورة الحديد)، وسيأتي في (باب النذر) ما يخالفه.
ويوم الإثنين لا يثنى ولا يجمع كما سيأتي في (النذر).
ويوم الخميس جمعه أخمساء وأخمسة وأخامس، وكانت العرب تسميه مؤنسًا؛ لميلهم فيه إلى الملاذ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.