وبجماعة تتقرى بهم قرية بلا حد أولا
الشروح عليها
(وَبِجَمَاعَةٍ تَتَقَرَّى) أَيْ تَسْتَغْنِي وَتَأْمَنُ (بِهِمْ قَرْيَةٌ) بِحَيْثُ يُمْكِنُهُمْ الْمَثْوَى صَيْفًا وَشِتَاءً وَالدَّفْعُ عَنْ أَنْفُسِهِمْ فِي الْغَالِبِ (بِلَا حَدٍّ) مَحْصُورٌ فِي خَمْسِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (أَوَّلًا) أَيْ ابْتِدَاءً أَيْ شَرْطُ صِحَّتِهَا وُقُوعُهَا بِالْجَمَاعَةِ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلَ جُمُعَةٍ أُقِيمَتْ فَإِنْ حَضَرَ مِنْهُمْ مَا لَا تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ وَلَوْ اثْنَيْ عَشَرَ لَمْ تَصِحَّ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ وَبِجَمَاعَةٍ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَبِجَامِعٍ وَالْبَاءُ فِيهِ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلْمَعِيَّةِ أَيْ شَرْطُ صِحَّتِهَا وُقُوعُهَا فِي الْجَامِعِ مَعَ جَمَاعَةٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلظَّرْفِيَّةِ أَيْ شَرْطُ صِحَّتِهَا أَنْ تَكُونَ فِي جَامِعٍ وَفِي جَمَاعَةٍ
(قَوْلُهُ الْمَثْوَى) أَيْ الْإِقَامَةُ
(قَوْلُهُ أَوَّلَ جُمُعَةٍ أُقِيمَتْ) أَيْ فِي الْبَلَدِ (وَقَوْلُهُ فَإِنْ حَضَرَ مِنْهُمْ) أَيْ فِي أَوَّلِ جُمُعَةٍ أُقِيمَتْ بِالْبَلَدِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
ص (وَبِجَمَاعَةٍ تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ أَوْ لَا بِلَا حَدٍّ وَإِلَّا فَتَجُوزُ بِاثْنَيْ عَشَرَ بَاقِينَ لِسَلَامِهَا) ش: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُنَا وَفِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ فُهِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ شَرْطٌ فِي ابْتِدَاءِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ أَيْ يُطْلَبُ حُضُورُهُمْ فِي الْجُمُعَةِ الْأُولَى ثُمَّ لَا يُشْتَرَطُ حُضُورُهُمْ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ بَلْ تَجُوزُ بِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا بَاقِينَ لِسَلَامِهَا وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ خِلَافُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَفِي صِحَّتِهَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ بِمَعْنَى أَنْ يُطْلَبَ وُجُودُهُمْ فِي الْقَرْيَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُهُمْ الصَّلَاةَ لَا فِي الْجُمُعَةِ الْأُولَى وَلَا فِي غَيْرِهَا بَلْ تَجُوزُ بِاثْنَيْ عَشَرَ.
وَنَصُّ كَلَامِهِ: الَّذِي يَتَبَيَّنُ أَنَّ هَذِهِ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ إقَامَتِهَا فِي الْبَلَدِ وَوُجُوبِهَا عَلَى أَهْلِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُ هَذَا الْعَدَدِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْعِيرِ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ذَلِكَ الْيَوْمَ إلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا انْتَهَى.
وَنَحْوُ هَذَا فِي الْإِكْمَالِ وَنَصُّهُ نَاقِلًا عَنْ الْمَازِرِيِّ، وَمَالِكٌ لَمْ يَحُدَّ فِي ذَلِكَ أَيْ الْعَدَدِ الَّذِي تُقَامُ بِهِ الْجُمُعَةُ حَدًّا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ مِمَّنْ يُمْكِنُهُمْ الثَّوَاءُ وَنَصْبُ لِأَسْوَاقِ عِيَاضٍ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ مَالِكٍ هُوَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهَا لَا فِي إجْزَائِهَا وَاَلَّذِي فِي كَلَامِ أَصْحَابِنَا إجَازَتُهَا مَعَ اثْنَيْ عَشَر رَجُلًا لِاسْتِدْلَالِهِمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَهُ الْبَاجِيُّ وَحَكَى أَبُو يَعْلَى الْعَبْدِيُّ نَحْوَهُ عَنْ أَصْحَابِنَا وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ رَأَيْت لِمَالِكٍ أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَالْأَرْبَعَةِ وَلَكِنَّهَا تَنْعَقِدُ بِمَا دُونَ الْأَرْبَعِينَ انْتَهَى.
وَنَصُّ مَا فِي الْمُنْتَقَى: الْجَمَاعَةُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَلَا حَدَّ لَهَا عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا أَنْ يَكُونُوا عَدَدًا تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ بِانْفِرَادِهِمْ وَتُمْكِنُهُمْ الْإِقَامَةُ وَمُنِعَ ذَلِكَ فِي الثَّلَاثَةِ وَالْأَرْبَعَةِ؛ إذْ مَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُهُمْ وَاسْتِدْلَالُ أَصْحَابِنَا بِحَدِيثِ الْعِيرِ يَقْتَضِي إجَازَتَهُمْ لِلْجُمُعَةِ مِنْ اثْنَيْ عَشَر رَجُلًا مَعَ الْإِمَامِ وَاَلَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّلِيلِ أَنَّ هَذَا عَدَدٌ يَصِحُّ مِنْهُمْ الِانْفِرَادُ بِالِاسْتِيطَانِ فَصَحَّ أَنْ تَنْعَقِدَ بِهِمْ الْجُمُعَةُ انْتَهَى مُخْتَصَرًا بِالْمَعْنَى.
وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بِتَكَلُّفٍ وَيَكُونُ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَفِي صِحَّتِهَا أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّ إقَامَتِهَا جَمَاعَةٌ تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ أَوَّلًا أَيْ فِي وُجُوبِهَا عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ وَصِحَّتِهَا مِنْهُمْ لَا فِي حُضُورِهَا وَإِلَّا فَيَجُوزُ إذَا حَضَرَهَا اثْنَا عَشَر رَجُلًا فَتَأَمَّلْهُ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَاسْتَفْسَرَهُ فَقَالَ: إنْ أَرَادَ أَنَّ عَدَدَ الْجَمَاعَةِ شَرْطُ كِفَايَةٍ فِيهَا فَلَا قَائِلَ بِهِ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهَا لَا فِي أَدَائِهَا فَبَاطِلٌ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ شَرْطٌ فِي الْأَدَاءِ وَإِلَّا أَجْزَأَ الْفِعْلُ قَبْلَ وُجُوبِهِ عَنْهُ بَعْدَهُ وَإِنْ أَرَادَ صِحَّتَهَا بِاثْنَيْ عَشَر قَبْلَ إحْرَامِهَا أَوْ بَعْدَ فَهَذَا مَا تَقَدَّمَ لِلْبَاجِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ انْتَهَى.
(قُلْت) لَمْ يُرِدْ أَنَّ الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ شَرْطُ كِفَايَةٍ وَلَا أَنَّهَا شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ دُونَ الْأَدَاءِ بَلْ أَرَادَ الْوَجْهَ الثَّالِثَ وَهُوَ أَنَّ وُجُودَهُمْ فِي الْقَرْيَةِ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ وَفِي الْأَدَاءِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُهُمْ بَلْ تَصِحُّ بِاثْنَيْ عَشَرَ مِنْهُمْ
فَلَوْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ جَمَاعَةٌ تَتَقَرَّى بِهِمْ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ ثُمَّ سَافَرَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهَا مَنْ تَتَقَرَّى بِهِ فَإِنْ سَافَرُوا بِنِيَّةِ الِانْتِقَالِ فَلَا إشْكَالَ فِي سُقُوطِ الْجُمُعَةِ عَنْ الْبَاقِينَ وَإِنْ سَافَرُوا لِمَوْضِعٍ قَرِيبٍ بِنِيَّةِ الْعَوْدِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجُمُعَةَ تَجِبُ عَلَى الْبَاقِينَ وَقَدْ قَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إذَا كَانَ بِالْقَرْيَةِ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ ثُمَّ تَفَرَّقُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي أَشْغَالِهِمْ مِنْ حَرْثٍ أَوْ حَصَادٍ حَتَّى لَا يَبْقَى بِهَا إلَّا الْعَدَدُ الَّذِي لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ فَكَانَ الشَّيْخُ يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ يَقُولُ إذَا بَقِيَ مِنْهُمْ فِي الْقَرْيَةِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا جَمَعُوا انْتَهَى مُخْتَصَرًا فَتَأَمَّلْهُ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ أَيْ يُمْكِنُهُمْ الثَّوَاءُ أَيْ الْإِقَامَةُ آمِنِينَ مُسْتَغْنِينَ عَنْ غَيْرِهِمْ فِي الدَّفْعِ عَنْهُمْ.
قَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ وَابْنُ الْقَصَّارِ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ وَالْبَاجِيُّ: لَا حَدَّ لِمَنْ يُقَامُ بِهِمْ بَلْ الْمُعْتَبَرُ أَنْ تَكُونَ الْجَمَاعَةُ تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُمْ الثَّوَاءُ بِهَا آمِنِينَ.
قَالَ الْمَازِرِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجِهَاتِ فِي كَثْرَةِ الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ فَفِي الْجِهَاتِ الْآمِنَةِ تَتَقَرَّى بِالنَّفَرِ الْيَسِيرِ
بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِمَّا يُتَوَقَّعُ فِيهِ الْخَوْفُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَأَمَّا الْمَوْضِعُ الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ الثَّوَاءُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ الْحُكْمُ فِيهِ بِاخْتِلَافِ الْجِهَاتِ فَالْبِلَادُ الَّتِي سَلِمَتْ مِنْ الْفِتَنِ تَتَقَرَّى الْقَرْيَةُ فِيهَا بِجَمَاعَةٍ يَسِيرَةٍ فِي الْخُصُوصِ وَغَيْرُهُمْ
بِخِلَافِ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَالَ الْأَبِيُّ مَعْنَى يُمْكِنُهُمْ الثَّوَاءُ يَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيُصَلِّي الْجُمُعَةَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ الْمُتَّصِلَةِ الْبُنْيَانِ كَالرَّوْحَاءِ وَمَا أَشْبَهَهَا.
وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْخُصُوصِ كَانَ عَلَيْهِمْ وَالٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَقَالَ مَرَّةً: الْقَرْيَةُ الْمُتَّصِلَةُ الْبُنْيَانِ الَّتِي فِيهَا الْأَسْوَاقُ يَجْمَعُ أَهْلُهَا، وَمَرَّةً لَمْ يَذْكُرْ الْأَسْوَاقَ انْتَهَى.
قَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: الصَّحِيحُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْأَسْوَاقِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا مَالِكٌ؛ لِأَنَّهَا مَظِنَّةٌ لِكَثْرَةِ النَّاسِ الَّذِينَ تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ
فَلَوْ اجْتَمَعَ مَنْ تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ وَلَا سُوقَ عِنْدَهُمْ جَمَعُوا قَالَ
وَأَمَّا اتِّصَالُ الْبُنْيَانِ فَشَرْطٌ فَلَوْ لَمْ تَتَّصِلْ كَدُورِ جِرْبَةَ وَدُورِ جِبَالِ الْغَرْبِ لَمْ يَجْمَعُوا. بِهَذَا وَقَعَتْ الْفُتْيَا
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمْ إنْ كَانُوا مِنْ الْقُرْبِ بِحَيْثُ يَرْتَفِقُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فِي ضَرُورِيَّاتِهِمْ وَالدَّفْعِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ جَمَعُوا؛ لِأَنَّهُمْ وَهُمْ كَذَلِكَ بِحُكْمِ الْقَرْيَةِ الْمُتَّصِلَةِ الْبُنْيَانِ انْتَهَى.
(قُلْت) مَا اسْتَظْهَرَهُ جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الطِّرَازِ فَقَالَ: وَاتَّفَقَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى اتِّصَالِ بُنْيَانِ الْقَرْيَةِ فَإِنْ تَفَرَّقَتْ بُيُوتُهَا بِحَيْثُ لَوْ سَافَرَ مَنْ فِي بَعْضِهَا قَصَرَ إذَا فَارَقَ بُيُوتَهُ وَإِنْ لَمْ يُفَارِقْ الْبَاقِيَ فَهَذَا تَفْرِيقٌ كَثِيرٌ يَجْعَلُهَا فِي حُكْمِ الْقُرَى وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُتَقَارِبَةً فَهِيَ فِي حُكْمِ الْمُتَّصِلَةِ وَقَدْ يَخْرَبُ بَعْضُ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ فَتَنْهَدِمُ وَتَحْتَرِقُ فَيَكُونُ بَيْنَ الْبَيْتِ وَالْبَيْتِ هَذَا الْقَدْرُ انْتَهَى.
وَالثَّوَاءُ بِمَعْنَى الْإِقَامَةِ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَبِالْمَدِّ
وَأَمَّا الْتَوَى بِالْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ وَالْقَصْرِ فَمَعْنَاهُ الْهَلَاكُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) عُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ حُكْمَ الْقَرْيَةِ الْمَذْكُورَةِ حَيْثُ حَصَلَ لَهُمْ الْأَمْنُ بِمَحَلَّتِهِمْ وَأَمْكَنَهُمْ الْمُقَامُ بِمَوْضِعِهِمْ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ وَعُلِمَ مِنْهُ أَيْضًا مَعْنَى التَّقَرِّي وَهُوَ أَنْ تُمْكِنَهُمْ الْإِقَامَةُ آمِنِينَ مُسْتَغْنِينَ عَنْ غَيْرِهِمْ وَتَقَدَّمَ قَوْلُ الْبَاجِيِّ أَنَّ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّلِيلِ أَنَّ الِاثْنَيْ عَشَرَ عَدَدٌ يَصِحُّ مِنْهُمْ الِانْفِرَادُ بِالِاسْتِيطَانِ فَصَحَّ أَنْ تَنْعَقِدَ بِهِمْ الْجُمُعَةُ وَأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ لَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ كَمَا تَقَدَّمَ جَمِيعُ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِ
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: وَأَمَّا الِاسْتِيطَانُ فَقَالَ الْبَاجِيُّ هُوَ الْإِقَامَةُ بِنِيَّةِ التَّأْبِيدِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَابْنُ الْفُرَاتِ وَغَيْرُهُمْ
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الْحَجِّ حَقِيقَةُ التَّوَطُّنِ الْإِقَامَةُ بِعَدَمِ نِيَّةِ الِانْتِقَالِ وَلَا يُخْرِجُهُمْ عَنْ حَقِيقَةِ الِاسْتِيطَانِ كَوْنُهُمْ يَخْرُجُونَ فِي أَيَّامِ الْمَطَرِ نَحْوَ الشَّهْرَيْنِ فَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ عَنْ تَعَالِيقِ أَبِي عِمْرَانَ فِي الْجَمَاعَةِ يُقِيمُونَ بِمَوْضِعٍ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ يَرْتَحِلُونَ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ يُقِيمُونَ فِيهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ كَقَرْيَتَيْنِ إذَا حَلُّوا بِإِحْدَاهُمَا أَقَامُوا فِيهَا وَإِذَا حَلُّوا بِالْأُخْرَى أَقَامُوا فِيهَا وَلَيْسَتْ هَذِهِ مَسْأَلَةُ الْعُتْبِيَّةِ فِي الْقَوْمِ يَمُرُّونَ بِثَغْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ فَيُقِيمُونَ فِيهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ فَقَالَ الْبَاجِيُّ هَذِهِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الِاسْتِيطَانِ وَقَيَّدَهَا ابْنُ رُشْدٍ بِكَوْنِ أَهْلِ الثَّغْرِ تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ؛
لِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْعُتْبِيَّةِ لَيْسَ فِيهَا اسْتِيطَانٌ
بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ أَبِي عِمْرَانَ انْتَهَى.
وَقَالُوا أَيْضًا فِي شُرُوطِ التَّمَتُّعِ فِيمَنْ لَهُ أَهْلٌ بِمَكَّةَ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ إذَا أَقَامَ فِي إحْدَاهُمَا أَكْثَرَ جُعِلَ وَطَنَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ نَاجِي الْفَتْوَى عِنْدَنَا بِإِفْرِيقِيَّةَ بِمَا فِي الْوَاضِحَةِ عَنْ مُطَرِّفٍ.
وَابْنُ الْمَاجِشُونِ يُقِيمُهَا الثَّلَاثُونَ وَمَا قَارَبَهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مِثْلُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إذَا اجْتَمَعَ ثَلَاثُونَ بَيْتًا» وَالْبَيْتُ مَسْكَنُ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ وَمَا قَارَبَهَا فَكَانَ شَيْخُنَا الشَّبِيبِيُّ يَقُولُ كَالسَّبْعَةِ وَالْعِشْرِينَ لَا أَقَلَّ وَكَانَ شَيْخُنَا يَعْنِي الْبُرْزُلِيَّ يَقُولُ كَالْخَمْسَةِ وَالْعِشْرِينَ وَالْأَقْرَبُ هُوَ الْأَوَّلُ وَبِهِ أَقُولُ.
وَاخْتُلِفَ هَلْ يُعْتَبَرُ فِي الْعَدَدِ مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ كَالْمُسَافِرِينَ وَالْعَبِيدِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ وَهَذَا إذَا كَمُلَ بِهِمْ عَدَدُ الْجَمَاعَةِ لَا أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ عَبِيدٌ أَوْ مُسَافِرُونَ انْتَهَى.
قَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي الْمُغْنِي لَا تُجْزِئُ الْأَرْبَعَةُ وَالْخَمْسَةُ إلَى الْعَشَرَةِ وَاخْتُلِفَ هَلْ يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ أَنْ تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ حَيْثُ يَسْتَغْنُونَ عَنْ غَيْرِهِمْ فِي الْأُمُورِ الْكَثِيرَةِ لَا النَّادِرَةِ بِحَيْثُ يَدْفَعُونَ كَذَلِكَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَوْ يُعْتَبَرُ الْعَدَدُ؟ .
عَلَى قَوْلَيْنِ وَعَلَى الثَّانِي اُخْتُلِفَ فِي كَمِّيَّةِ ذَلِكَ فَفِي الْوَاضِحَةِ لَا دُونَهَا وَفِي الْمُخْتَصَرِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْخَمْسِينَ وَفِي اللُّمَعِ عَشَرَةٌ وَفِي غَيْرِهِ اثْنَيْ عَشَرَ انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَبَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَعْنِي قَوْلَهُ وَالْمُشْتَرَطُ حُصُولُ الْعَدَدِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْعِيرِ مَا نَصُّهُ وَاخْتَارَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِنَا أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ زَادَ فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ وَبِهِ قَالَ شَيْخُنَا يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ وَرَجَعَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ لِلْأَوَّلِ انْتَهَى.
(وَبِجَمَاعَةٍ تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ بِلَا حَدٍّ أَوْ لَا فَتَجُوزُ بِاثْنَيْ عَشَرَ بَاقِينَ لِسَلَامِهَا) الْمَازِرِيُّ: لَمْ يَحُدَّ مَالِكٌ حَدًّا فِي أَقَلَّ مَنْ تُقَامُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ مِمَّنْ يُمْكِنُهُمْ الثَّوَاءُ وَنَصْبُ الْأَسْوَاقِ عِيَاضٌ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَ الْمَازِرِيُّ عَنْ مَالِكٍ هُوَ شَرْطُ وُجُوبِهَا لَا فِي إجْزَائِهَا، وَاَلَّذِي يَقْتَضِي كَلَامُ أَصْحَابِنَا إجَازَتُهَا مَعَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا التَّلْقِينُ: لَا حَدَّ لِلْجَمَاعَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَدَدًا تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ ابْنُ يُونُسَ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُ هَذَا.
وَفِي الْوَاضِحَةِ: إذَا اجْتَمَعَ ثَلَاثُونَ رَجُلًا وَمَا قَارَبَهُمْ فَهُمْ جَمَاعَةٌ تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ وَوُجُوبُهَا،
وَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُ هَذَا الْعَدَدِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ لِحَدِيثِ جَابِرٍ:«مَا بَقِيَ حِينَ انْفَضُّوا مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا» .
وَلَمَّا ذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ حَدِيثَ جَابِرٍ قَالَ: قَدْ رَتَّبَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى هَذِهِ النَّازِلَةِ فَرْعًا غَرِيبًا فَقَالُوا: يَجِبُ إتْمَامُ الْجُمُعَةِ بِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا وَلَكِنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْهُمْ
وَالصَّحِيحُ أَنَّ كُلَّ مَا جَازَ تَمَامُهَا بِهِ كَانَ انْعِقَادُهَا عَلَيْهِ انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ كُلُّ مَا اخْتَرْته مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ.
وَقَدْ تَرَكَ ابْنُ عَرَفَةَ كَثِيرًا مِنْ هَذَا وَنَقَلَ مَا لَمْ أَخْتَرْ نَقْلَهُ، وَكَلَامُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مُوَافِقٌ وَقَدْ حَصَلَ مِنْ هَذَا صِحَّةُ مَا صَدَرَتْ مِنِّي بِهَا فُتْيَا، وَهِيَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ أَنْ تَكُونَ الْقَرْيَةُ بِهَا ثَلَاثُونَ رَجُلًا فَإِنْ حَضَرُوا فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَإِلَّا صَلَّوْا ظُهْرًا،
فَإِنْ صَلَّوْا جُمُعَةً أَجْزَأَتْهُمْ إنْ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَأَكْثَرَ فَأَجَزْت الصَّلَاةَ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ أُجِزْهَا ابْتِدَاءً لِمَا فِي دِيوَانِ ابْنِ يُونُسَ الَّذِي هُوَ - كَمَا كَانَ يَقُولُ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مُصْحَفُ الْمَذْهَبِ.
وَيَبْقَى النَّظَرُ إنْ انْفَضَّ مَنْ مَعَ الْإِمَامِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ لَهُ أَثْنَاءَ الصَّلَاةِ إلَّا أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ مَا يَكُونُ الْحُكْمُ؟ .
وَالْمَنْصُوصُ عَنْ سَحْنُونٍ إنْ تَفَرَّقَتْ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ وَهُوَ فِي التَّشَهُّدِ وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلَّا عَبِيدٌ وَمُسَافِرُونَ جَعَلَهَا نَافِلَةً وَسَلَّمَ وَانْتَظَرَ الْجَمَاعَةَ.
(ص) وَبِجَمَاعَةٍ تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ أَوْ لَا بِلَا حَدٍّ (ش) هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَبِجَامِعٍ وَالْبَاءُ فِيهِ تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلْمَعِيَّةِ أَيْ وَشَرْطُ الْجُمُعَةِ وُقُوعُهَا فِي الْجَامِعِ مَعَ جَمَاعَةٍ وَتَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلظَّرْفِيَّةِ أَيْ شَرْطُهَا أَنْ تَكُونَ فِي جَامِعٍ وَجَمَاعَةٍ تَسْتَغْنِي وَتَأْمَنُ بِهِمْ قَرْيَةٌ بِأَنْ يُمْكِنَهُمْ الثَّوَى بِالْمُثَلَّثَةِ أَيْ الْإِقَامَةُ فِيهَا صَيْفًا وَشِتَاءً وَالدَّفْعُ عَنْ أَنْفُسِهِمْ فِي الْأُمُورِ الْكَثِيرَةِ لَا النَّادِرَةِ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْجِهَاتِ مِنْ كَثْرَةِ الْخَوْفِ وَالْفِتَنِ وَقِلَّتِهَا بِلَا حَدٍّ مَحْصُورٍ مِنْ خَمْسِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ، أَوْ عَشَرَةٍ كَمَا قِيلَ بِكُلٍّ مِنْهَا قَالَ بَعْضُهُمْ وَأَفْهَمَ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ الِاثْنَيْ عَشَرَ لَا تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ اهـ.
فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ بِلَا حَدٍّ أَيْ فِيمَا بَعْدَ الِاثْنَيْ عَشَرَ وَاشْتِرَاطُ حُضُورِ الْجَمَاعَةِ الْمَذْكُورَةِ إنَّمَا هُوَ فِي الْجُمُعَةِ الْأُولَى وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَوَّلًا لَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ بَلْ تَجُوزُ فِيمَا بَعْدَهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: أَوْ عَشْرَةٍ) يَقْتَضِي أَنَّهَا تَصِحُّ فِي الْعَشَرَةِ إذَا تَقَرَّتْ بِهِمْ قَرْيَةٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ
(قَوْلُهُ وَأَفْهَمَ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ الِاثْنَيْ عَشَرَ. . . إلَخْ) أَيْ أَفْهَمَ مِنْ كَوْنِهِ جَعَلَ الِاثْنَيْ عَشَرَ كَافِيَةً فِي غَيْرِ الْأُولَى فَيَقْتَضِي أَنَّ الِاثْنَيْ عَشَرَ لَا تَكْفِي فِي الْأُولَى (أَقُولُ) : وَلَا يَخْفَى مُنَافَاةُ هَذَا لِقَوْلِهِ أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ أَوْ عَشْرَةً كَمَا قِيلَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِدْرَاكِ كَأَنْ يَقُولُ لَكِنَّ كَلَامَهُ فِيمَا بَعْدُ يُفْهِمُ أَنَّ الِاثْنَيْ عَشَرَ. . . إلَخْ ثُمَّ أَقُولُ
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ وَالثَّلَاثَةَ عَشَرَ، عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ
قَالَ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَا بُدَّ مِمَّنْ تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ اثْنَيْ عَشَرَ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ جَمَاعَةٍ عَظِيمَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ يُمْكِنُهُمْ الثَّوَى فِي الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ اهـ.
(تَتَقَرَّى) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ تَعْمُرُ (بِهِمْ قَرْيَةٌ) بِحَيْثُ لَا يَرْتَفِقُونَ فِي مَعَاشِهِمْ بِغَيْرِهِمْ وَيَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ الْعَدُوَّ غَالِبًا (بِلَا حَدٍّ) فِي عَدَدٍ مَخْصُوصٍ كَخَمْسِينَ (أَوَّلًا) بِشَدِّ الْوَاوِ مُنَوَّنًا أَيْ أَوَّلَ جُمُعَةٍ تُقَامُ فِي الْبَلَدِ،
فَإِنْ حَضَرَ مِنْهُمْ فِيهَا مَنْ لَا تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ فَلَا تَصِحُّ وَلَوْ اثْنَيْ عَشَرَ.
بلا حد؛ يعني أن الجماعة المذكورين ليسوا محدودين على المشهور. وروى ابن حبيب: إذا كانوا ثلاثين رجلا أو ما قاربهم جمعوا،
وإن كانوا أقل لم تجزهم.
وفي مختصر الشيخ أبي إسحاق: اشتراط خمسين رجلا في صلاة الكسوف: قال بعضهم: فيه إشارة إلى اعتبار العدد في صلاة الجمعة. وحكى ابن الصباغ عن مالك أنها: لا تقام بأقل من أربعين رجلا، وذكر غيره قولا باعتبار اثني عشر، وأفهم كلام المؤلف أن الاثني عشر لا تتقرى بهم قرية، وعلى هذا فقوله: "بلا حد" ، فيما زاد على الاثنى عشر. وإلا؛ يعني أنه إذا كان المقام غير الجمعة الأولى بل الثانية فما بعدها، فإنه لا يشترط في صحتها حضور الجماعة التي تتقرى بهم القرية، بل تصح.
وتجوز؛ أي تجوز إقامتها باثني عشر من دون الإمام أحرار ذكورٍ بالغين متوطنين؛ أي ساكنين للبلد على نية التأبيد، مالكيين، أو حنفيين، كشافعيين قلدوا واحدا ممن ذكر،
لا إن لم يقلدوا فلا تصح جمعة المالكي باثني عشر شافعيين لم يقلدوا؛ لأنه يشترط عندهم في صحتها أربعون يحفظون الفاتحة بشدَّاتها.
فإن نقصوا لم تصح حال كون الاثني عشر. باقين لسلامها؛ أي لابد من بقائهم مع الإمام إلى أن يسلموا كلهم،
فلو فسدت صلاة واحد منهم ولو بعد ما سلم الإمام بطلت على الجميع، ولابد أيضا من أن يحضر الجماعة الاثنا عشر الخطبة،
فإن حضر ثالث عشر في الصلاة دون الخطبة، ثم حصل عذر لواحد من الاثني عشر الحاضرين للخطبة بطلت صلاة الجميع.
تنبيه: من أدرك ثانية الجمعة مع الإمام، ثم بعد سلامه أي الإمام تذكر -أي هذا الذي أدرك الثانية- أنه نسي منها سجدة، سجدها باتفاق ابن القاسم وأشهب، ثم كمل أربعا عند ابن القاسم، وجمعة عند أشهب مراعاة لعدم سلام المأموم. ويوافقد ما تقدم في قوله: "وتداركه إن لم يسلم" ، من أن المعتبر سلام المأموم، فإنا عرفت هذا عرفت أن الشيخين متفقان على أن سلام الإمام لا يفيت التدارك، ومبنى القولين على الخلاف فيما يحصل به إدراك الجماعة.
وقد تقدم أن ابن القاسم يشترط إدراك الركعة بسجدتيها،
وأن أشهب يكفي عمده إدراك الركوع. انتهى ملخصا من شرح الشيخ عبد الباقي، وحاشية الشيخ محمد بن الحسن بناني. وما قررت به كلام المصنف من أنه يشترط حضور الجماعة الذين تتقرى بهم القرية في الجمعة الأولى دون غيرها فيكفي اثنا عشر باقين لسلامها، مطابق لما فهمه في توضيحه من كلام ابن عبد السلام، والذي فهمه غيره من كلام ابن عبد السلام أنه لا يشترط حضور الجماعة الذين تتقرى بهم القرية في الجمعة الأولى ولا في غيرها، وإنما يشترط حضورهم في القرية بحيث إنهم إذا استعين بهم أعانوا.
ولابد من وجود اثني عشر مع الإمام في كل جمعة، وهذا الثاني هو المذهب، وإنما اكتفي باثني عشر لأن الذين لم يَنفَضُّوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدوم العير كانت عدتهم كذلك، وهم الصحابة العشرة وبلال، واختلف في الثاني عشر، فقيل: عمار بن ياسر،
وقيل: ابن مسعود رضي الله عنهم، ووقع في رواية خالد الطحان أن جابرا قال: أنا منهم،
وأما وقت انفضاضهم؛ ففي الخطبة.
وقال الشيخ الأمير: وتجب على جماعة تتقرى بهم قرية بلا حد،
ولو سافر بعضهم قريبا ويعود اعتبر، وتسقط الجمعة بموت بعضهم حيث كان الباقي لا تتقرى بهم قرية، ثم تصح بحضور اثني عشر منهم تلزمهم الجمعة غير الإمام لسلامها، وإمام مقيم،
ولو كان بقية القرية أرقاء مثلا ولو في أول جمعة، على ما قرره الحطاب؛ وهو المرتضى. ويتحصل من كلامهم هنا أن المذهب أن الجمعة إنما تجب إذا كان في البلد جماعة تتقرى بهم القرية،
فإذا وجدوا به فإنها تجب عليهم عند توفر الشروط،
فإن حضروها فواضح، وإلا فتصح باثني عشر باقين لسلامها، فالجماعة المتقرَى بها شرط في وجوب الجمعة؛ بمعنى أنها لا تجب إلا إذا وجدوا في القرية،
ولا يشترط حضورهم الصلاة لا في الجمعة الأولى ولا في غيرها؛ بل تجوز باثني عشر باقين لسلامها، هذا هو المعتمد كما عرفت. ويمكن حمل كلام المص عليه بتكلف. فتحمل الأولية على أولية إقامتها ووجوبها على أهل البلد؛ أي شرط خطابهم بها في أول أمرهم كونهم ممن تتقرى بهم قرية، ويكون معنى قوله: وإلا بأن لم تكن في أولها بل عند إقامتها فإنها تجوز باثنى عشر الخ. وجعله الخرشي على هذا الوجه مستدركا من مقدر أي وحضروها وإلا يحضروها فتجوز باثني عشر الخ.
وقرر بعض الأولية على أولية إحرامها والدخول فيها؛ أي تشترط الجماعة التي تتقرى بهم القرية أولا؛ أي عند الدخول فيها لا دواما،
فلو تفرقوا عنه بعد الإحرام أتمها باثني عشر. قاله الخرشي. قال جامعه عفا الله عنه: ولا يخفى ما في هذين التقريرين من التكلف. والله سبحانه أعلم.
ولو كانت الجماعة التي تتقرى بهم القرية فيهم اثنا عشر ممن تنعقد بهم والباقي ممن لا تنعقد بهم، فهل يكتفى بذلك أم لا؟ قولان حكاهما ابن الحاجب وابن ناجي، واستظهر الأول وإذا تفرق من تتقرى بهم القرية يوم الجمعة في أشغالهم من حرث أو حصاد ولم يبق إلا اثنا عشر والإمام، جَمَّعوا. قاله ابن عرفة.
ولو ارتحلت الجماعة المتقرية بهم القرية ولم يبق إلا اثنا عشر والإمام، جَمَّعوا إن نوت المرتحلة العود، وسافروا لموضع قريب، وأمن الباقون على أنفسهم كأن لم يكن أهلها إلا اثني عشر فقط مع إمكان الثواء والذب عن أنفسهم وإلا فلا، كتقريها بثلاثة أو أربعة. قاله الشيخ عبد الباقي. بإدخال شيء فيه من كلام الشيخ محشيه محمد بن الحسن بناني. وعلم مما مر أن التقري شرط وجوب بإمام مقيم؛ حال من قوله: "باثني عشر" ، أو من قوله: "بجماعة" : كما قاله الخرشي؛
يعني أن الجمعة لابد لها من إمام مقيم إقامة تقطع حكم السفر سواء كان متوطنا أم لا،
فإذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام صحاح، جاز أن يكون إماما في الجمعة،
وقال الشيخ محمد بن الحسن: ولو عطف قوله: "بإمام" ، بالواو على ما قبله من الشروط كان أولى. انتهى.
وقال غير واحد: إنما أتى بلفظ إمام توطئة لما بعده؛ لأنه علم من قوله: "اثني عشر" الخ، ولا تتوقف إجازة إمامة المسافر المقيم في الجمعة على عدم وجود خطيب في البلد، خلافا للجزولي، وابن عمر. قال الإمام الحطاب: والجواز هو الظاهر من إطلاق أهل المذهب، وتصح إمامته،
ولو سافر بعد صلاته للجمعة إماما من غير طرو عذر. واعلم أن أهل القرية تجب عليهم وتنعقد بهم،
ومن على كفرسخ تجب عليه ولا تنعقد به كالمسافر الذي نوى ببلدها إقامة تقطع حكم السفر،
ويجوز أن يكون الإمام فيها من الأخيرين كالأول،
وأما المسافر الذي لم ينو إقامة تقطع حكم السفر فلا يصح أن يكون إماما فيها كمن على أكثر من كفرسخ، وإنما اشترط في الإمام أن يكون مقيما، ولم يشترط فيه التوطن كالجماعة الاثني عشر؛ لأنه نائب عن الخليفة، فأعطي حكما متوسطا بين الجماعة والخليفة.
وقال أشهب وسحنون: لا يشترط في الإمام أن يكون مقيما؛ لأنها إذا حضرها وجبت عليه وصار من أهلها، وعن مطرف وعبد الملك: إن كان مستخلفا صحت، وإلا فلا. والفرق بين جواز إمامة المقيم هنا ومنع إمامة المعتكف في المسجد ليلة المطر، ضعف التبعية هنا لمشاركته للمتوطن في وجوبها على كل، وقوة التبعية في المعتكف لانتفاء موجب الجمع فيه، فمنعت أن يكون متبوعا، وأيضا الجمع رخصة يقتصر فيها على محل ورودها.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.