فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبيرالدردير

(وَ) جَازَ (زِيَارَةُ الْقُبُورِ) بَلْ هِيَ مَنْدُوبَةٌ (بِلَا حَدٍّ) بِيَوْمٍ أَوْ وَقْتٍ أَوْ فِي مِقْدَارِ مَا يَمْكُثُ عِنْدَهَا أَوْ فِيمَا يُدْعَى بِهِ أَوْ الْجَمِيعُ وَيَنْبَغِي مَزِيدُ الِاعْتِبَارِ حَالَ الزِّيَادَةِ وَالِاشْتِغَالُ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَعَدَمُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَلَى الْقُبُورِ خُصُوصًا لِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ وَلْيُحْذَرْ مِنْ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْ صَدَقَاتِ أَهْلِ الْمَقَابِرِ فَإِنَّهُ مِنْ أَقْبَحِ مَا يَكُونُ.

لا زيادة له على هذه المسألة.

حاشية الدسوقيالدسوقي، حاشية على الشرح الكبير

(قَوْلُهُ بَلْ هِيَ مَنْدُوبَةٌ) أَيْ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» وَلِأَحَادِيثَ أُخَرَ تَقْتَضِي الْحَثَّ عَلَى الزِّيَارَةِ وَذَكَرَ فِي الْمَدْخَلِ فِي زِيَارَةِ النِّسَاءِ لِلْقُبُورِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ الْمَنْعُ، وَالْجَوَازُ عَلَى مَا يُعْلَمُ فِي الشَّرْعِ مِنْ السَّتْرِ وَالتَّحَفُّظِ عَكْسُ مَا يُفْعَلُ الْيَوْمَ،

٢٬٥٧٢

وَالثَّالِثُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُتَجَالَّةِ وَالشَّابَّةِ اهـ،

٢٬٥٧٣

وَبِهَذَا الثَّالِثِ جَزَمَ الثَّعَالِبِيُّ وَنَصُّهُ: وَأَمَّا النِّسَاءُ فَيُبَاحُ لِلْقَوَاعِدِ

٢٬٥٧٤

وَيَحْرُمُ عَلَى الشَّوَابِّ اللَّاتِي يُخْشَى مِنْهُمْ الْفِتْنَةُ

(قَوْلُهُ بِلَا حَدٍّ إلَخْ) أَشَارَ بِهَذَا الْقَوْلِ مَالِكٌ بَلَغَنِي أَنَّ الْأَرْوَاحَ بِفِنَاءِ الْمَقَابِرِ فَلَا يَخْتَصُّ زِيَارَتُهَا بِوَقْتٍ بِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ يَوْمُ الْجُمُعَةِ لِفَضْلِهِ وَالْفَرَاغِ فِيهِ نَقَلَهُ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ وَقَدْ سَهَّلَ فِي الْمِعْيَارِ تَصْبِيحَ الْقُبُورِ مُحْتَجًّا بِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ طَاوُسٍ أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ اهـ بْن

(قَوْلُهُ وَلْيُحْذَرْ مِنْ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْ صَدَقَاتِ إلَخْ) أَيْ

٢٬٥٧٥

وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ مِنْ حَمْلِ تُرَابِ الْمَقَابِرِ لِلتَّبَرُّكِ فَذَكَرَ فِي الْمِعْيَارِ أَنَّهُ جَائِزٌ قَالَ مَا زَالَتْ النَّاسُ يَحْمِلُونَهُ وَيَتَبَرَّكُونَ بِقُبُورِ الْعُلَمَاءِ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ اهـ بْن

مواهب الجليلالحطاب

ص (وَزِيَارَةُ الْقُبُورِ بِلَا حَدٍّ)

٨٬٥٢٣

ش: قَالَ فِي الْمَدْخَلِ فَصْلٌ وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْ لِلْعَالِمِ أَنْ يَمْنَعَهُنَّ أَيْ النِّسَاءُ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْقُبُورِ وَإِنْ كَانَ لَهُنَّ مَيِّتٌ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ حَكَمَتْ بِعَدَمِ خُرُوجِهِنَّ وَذَكَرَ أَحَادِيثَ وَآثَارًا، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي خُرُوجِهِنَّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: بِالْمَنْعِ، وَالْجَوَازِ عَلَى مَا يُعْلَمُ فِي الشَّرْعِ مِنْ السَّتْرِ وَالتَّحَفُّظِ عَكْسُ مَا يُفْعَلُ الْيَوْمَ.

٨٬٥٢٤

وَالثَّالِثُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الشَّابَّةِ وَالْمُتَجَالَّةِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ فِي نِسَاءِ ذَلِكَ الزَّمَانِ،

٨٬٥٢٥

وَأَمَّا خُرُوجُهُنَّ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَقُولَ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، أَوْ مَنْ لَهُ مُرُوءَةٌ، أَوْ غَيْرَةٌ فِي الدِّينِ بِجَوَازِهِ انْتَهَى.

ثُمَّ قَالَ: وَصِفَةُ السَّلَامِ عَلَى الْأَمْوَاتِ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا والْمُسْتأْخِرينَ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ أَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ وَمَا زِدْت، أَوْ نَقَصْت فَوَاسِعٌ، وَالْمَقْصُودُ الِاجْتِهَادُ لَهُمْ فِي الدُّعَاءِ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِي قِبْلَةِ الْمَيِّتِ وَيَسْتَقْبِلُهُ بِوَجْهِهِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ فِي نَاحِيَةِ رِجْلَيْهِ إلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ يُثْنِي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا حَضَرَهُ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ الْمَشْرُوعَةَ، ثُمَّ يَدْعُو لِلْمَيِّتِ بِمَا أَمْكَنَهُ انْتَهَى.

٨٬٥٢٦

وَقَالَ سَيِّدِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الثَّعَالِبِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْعُلُومِ الْفَاخِرَةِ فِي النَّظَرِ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ: وَزِيَارَةُ الْقُبُورِ لِلرِّجَالِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

٨٬٥٢٧

وَأَمَّا النِّسَاءُ فَيُبَاحُ لِلْقَوَاعِدِ وَيَحْرُمُ عَلَى الشَّوَابِّ اللَّوَاتِي يُخْشَى عَلَيْهِنَّ مِنْ الْفِتْنَةِ وَذَكَرَ أَحَادِيثَ تَقْضِي الْحَثَّ عَلَى زِيَارَةِ الْقُبُورِ مِنْ جُمْلَتِهَا عَنْ الْإِحْيَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ زَارَ أَبَوَيْهِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ غُفِرَ لَهُ وَكُتِبَ بَارًّا» وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الرَّجُلَ لِيَمُوتَ وَالِدَاهُ وَهُوَ عَاقٌّ لَهُمَا فَيَدْعُو اللَّهَ لَهُمَا مِنْ بَعْدِهِمَا فَيَكْتُبُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْبَارِّينَ» ثُمَّ قَالَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَيَنْبَغِي لِمَنْ عَزَمَ عَلَى زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَنْ يَتَأَدَّبَ بِآدَابِهَا وَيُحْضِرَ قَلْبَهُ فِي إتْيَانِهَا وَلَا يَكُونَ حَظُّهُ التَّطْوَافَ عَلَى الْأَجْدَاثِ فَإِنَّ هَذِهِ حَالَةً تُشَارِكُهُ فِيهَا الْبَهِيمَةُ بَلْ يَقْصِدُ بِزِيَارَتِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِصْلَاحَ قَلْبِهِ وَنَفْعَ الْمَيِّتِ بِالدُّعَاءِ وَمَا يَتْلُو عِنْدَهُ مِنْ الْقُرْآنِ وَيُسَلِّمُ إذَا دَخَلَ الْمَقَابِرَ وَيُخَاطِبُهُمْ خِطَابَ الْحَاضِرِينَ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَكَنَّى بِالدَّارِ عَنْ عُمَّارِهَا،

٨٬٥٢٨

وَإِذَا وَصَلَ إلَى قَبْرِ مَعْرِفَتِهِ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَيْضًا وَيَأْتِيهِ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ وَيَعْتَبِرُ بِحَالِهِ

تعليق

ثُمَّ ذُكِرَ عَنْ عَاصِمٍ الْجَحْدَرِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ بَعْدَ مَوْتِهِ: هَلْ تَعْلَمُونَ بِزِيَارَتِنَا إيَّاكُمْ؟ .

فَقَالَ: نَعْلَمُ بِهِ عَشِيَّةَ الْخَمِيسِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ كُلَّهُ وَيَوْمَ السَّبْتِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ لِفَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَعِظَمِهَا وَعَنْ ابْنِ وَاسِعٍ أَنَّ الْمَوْتَى يَعْلَمُونَ بِزُوَّارِهِمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمًا قَبْلَهُ وَيَوْمًا بَعْدَهُ، ثُمَّ قَالَ سَيِّدِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الثَّعَالِبِيُّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْأَرْوَاحَ تَزُورُ قُبُورَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الدَّوَامِ وَلِذَلِكَ تُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ الْقُبُورِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ وَبُكْرَةَ السَّبْتِ فِيمَا ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَرْوَاحِ أَنَّهَا بِأَفْنِيَةِ الْقُبُورِ وَأَنَّهَا تَطْلُعُ بِرُؤْيَتِهَا وَأَنَّ أَكْثَرَ إطْلَاعِهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةَ السَّبْتِ انْتَهَى.

تعليق

ثُمَّ ذُكِرَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا دَخَلْتُمْ الْمَقَابِرَ فَاقْرَءُوا الْفَاتِحَةَ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَاجْعَلُوا ثَوَابَ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْمَقَابِرِ فَإِنَّهُ يَصِلُ إلَيْهِمْ،

تعليق

ثُمَّ ذُكِرَ عَنْ الْقُرْطُبِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ مَرَّ عَلَى الْمَقَابِرِ وَقَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً، ثُمَّ وَهَبَ أَجْرَهُ لِلْأَمْوَاتِ أُعْطِيَ مِنْ الْأَجْرِ بِعَدَدِ الْأَمْوَاتِ» انْتَهَى.

تعليق

ثُمَّ ذُكِرَ عَنْ الْقُرْطُبِيِّ أَيْضًا عَنْ الْحَسَنِ قَالَ مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الْأَجْسَادِ الْبَالِيَةِ وَالْعِظَامِ النَّخِرَةِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ الدُّنْيَا وَهِيَ بِكَ مُؤْمِنَةٌ أَدْخِلْ عَلَيْهَا رُوحًا مِنْك وَسَلَامًا مِنِّي إلَّا كُتِبَ لَهُ بِعَدَدِهِمْ حَسَنَاتٌ انْتَهَى

التاج والإكليلالمواق

(وَزِيَارَةُ الْقُبُورِ بِلَا حَدٍّ) ابْنُ حَبِيبٍ: لَا بَأْسَ بِزِيَارَةِ الْقُبُورِ وَالْجُلُوسِ إلَيْهَا وَالسَّلَامِ عَلَيْهَا عِنْدَ الْمُرُورِ. وَرَوَى ابْنُ عَبْدُوسٍ: لَا بَأْسَ بِزِيَارَتِهَا وَلَيْسَ مِنْ الْعَمَلِ. عِيَاضٌ: سَهَّلَ الْقَرَوِيُّونَ زِيَارَةَ مَرَّةٍ أَوَّلَ سَابِعِ الْمَيِّتِ وَمَنَعَهُ الْأَنْدَلُسِيُّونَ وَشَدَّدُوا كَرَاهَةَ بِدْعَتِهِ. ابْنُ حَبِيبٍ: يُذْهَبُ بِرُوحِ الْمُؤْمِنِ بَعْدَ فِتْنَتِهِ فِي قَبْرِهِ إلَى عِلِّيِّينَ وَفِيهَا مُجْتَمَعُ أَرْوَاحِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً تَطْلُعُ قُبُورَهَا وَمَوَاضِعَ رَمِيمِ أَجْسَادِهَا ذَاهِبَةً وَرَاجِعَةً ثُمَّ تَأْوِي إلَى جَنَّةِ الْمَأْوَى تَكْرِمَةً مِنْ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ «أَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّسْلِيمِ عَلَى الْقُبُورِ وَبِزِيَارَتِهَا» ، انْتَهَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ.

١٬٧٩١

وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: قَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنْ سَفَرٍ فَقَامَ عَلَى بَابِ عَائِشَةَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَا بَكْرٍ، السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَتِ، وَكَانَ عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ إذَا خَرَجَ إلَى قُبُورِ الشُّهَدَاءِ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: أَلَّا تُسَلِّمُونَ عَلَى الشُّهَدَاءِ فَيَرُدُّونَ عَلَيْكُمْ؟ قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا فِي الْأَخْبَارِ وَذَهَبَ إلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ» اُنْظُرْهُ عِنْدَ تَكَلُّمِهِ عَلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ خَرَجَ إلَى الْقُبُورِ فَقَالَ:«السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ» .

وَانْظُرْ بَقِيَ لَهُ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ أَعْنِي مِنْ الْجَائِزَاتِ الدَّفْنُ لَيْلًا قَالَ مُطَرِّفٌ: لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ لَيْلًا وَلَا بَأْسَ بِالدَّفْنِ لَيْلًا وَقَدْ دُفِنَ الصِّدِّيقُ لَيْلًا

١٬٧٩٢

وَكَذَلِكَ فَاطِمَةُ وَعَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -،

١٬٧٩٣

وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يُقَبَّلَ وَجْهُ الْمَيِّتِ فَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَفَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِابْنِ مَظْعُونٍ» .

(وَكُرِهَ حَلْقُ شَعَرِهِ وَقَلْمُ ظُفْرِهِ وَهُوَ بِدْعَةٌ وَضُمَّ مَعَهُ إنْ فُعِلَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: أَكْرَهُ أَنْ يُتْبَعَ الْمَيِّتُ بِمِجْمَرٍ أَوْ يُقَلَّمَ أَظْفَارُهُ أَوْ تُحْلَقَ عَانَتُهُ، وَرَأَى ذَلِكَ بِدْعَةً مِمَّنْ يَفْعَلُهُ. الْبَاجِيُّ: وَلَا يُحْلَقُ لَهُ شَعَرٌ وَلَا يُخْتَنُ وَلَا تُقَلَّمُ أَظْفَارُهُ وَيُنَقَّى الْوَسَخُ مِنْ أَظْفَارِهِ وَغَيْرِهَا.

قَالَ أَشْهَبُ: وَمَا سَقَطَ لَهُ مِنْ شَعَرٍ أَوْ غَيْرِهِ جُعِلَ مَعَهُ فِي أَكْفَانِهِ

شرح الخرشيالخرشي

(ص) وَزِيَارَةُ الْقُبُورِ بِلَا حَدٍّ (ش) يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ، بَلْ يُنْدَبُ زِيَارَةُ الْقُبُورِ بِلَا حَدٍّ فِي الْمِقْدَارِ مِنْ الْأَيَّامِ كَيَوْمٍ فِي الْأُسْبُوعِ أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ فِي قَدْرِ الْمُكْثِ عِنْدَهَا أَوْ فِي التَّعْيِينِ كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوْ فِيمَا يُدْعَى بِهِ أَوْ فِي الْجَمِيعِ. وَبَقِيَ مِنْ الْجَائِزَاتِ عَلَى الْمُؤَلِّفِ الصَّلَاةُ وَالدَّفْنُ لَيْلًا كَمَا قَالَهُ مُطَرِّفٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَابْنِ أَبِي حَازِمٍ وَقَدْ دُفِنَ الصِّدِّيقُ وَفَاطِمَةُ وَعَائِشَةُ لَيْلًا. وَبَقِيَ عَلَيْهِ تَقْبِيلُ الْمَيِّتِ وَهُوَ جَائِزٌ وَقَدْ فَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ بِالنَّبِيِّ، وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ. قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ

لا زيادة له على هذه المسألة.

حاشية العدويالعدوي، حاشية على شرح الخرشي

(قَوْلُهُ أَوْ فِي التَّعْيِينِ كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ) اُنْظُرْهُ مَعَ مَا وَرَدَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ زَارَ أَبَوَيْهِ كُلَّ جُمُعَةٍ غُفِرَ لَهُ وَكُتِبَ بَارًّا» وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمَوْتَى يَعْلَمُونَ بِزُوَّارِهِمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمًا قَبْلَهُ وَيَوْمًا بَعْدَهُ وَعَنْ بَعْضِهِمْ: عَشِيَّةَ الْخَمِيسِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ السَّبْتِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَلِذَلِكَ يُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ الْقُبُورِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَهَا وَبُكْرَةَ يَوْمِ السَّبْتِ فِيمَا ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ لَكِنْ ذُكِرَ فِي الْبَيَانِ قَدْ جَاءَ أَنَّ الْأَرْوَاحَ بِأَفْنِيَةِ الْقُبُورِ وَأَنَّهَا تَطْلُعُ بِرُؤْيَتِهَا وَأَنَّ أَكْثَرَ اطِّلَاعِهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ وَالْجُمُعَةِ وَلَيْلَةَ السَّبْتِ (أَقُولُ) وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الشَّارِحِ بِأَنَّهُ عَبَّرَ بِالتَّعْيِينِ، فَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَا يَتَعَيَّنُ لِلزِّيَارَةِ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ.

٣٬٣٧٤

وَفِي الْقُرْطُبِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«مَنْ مَرَّ عَلَى الْمَقَابِرِ وَقَرَأَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: ١] إحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً ثُمَّ وَهَبَ أَجْرَهُ لِلْأَمْوَاتِ أُعْطِيَ مِنْ الْأَجْرِ بِعَدَدِ الْأَمْوَاتِ.»

(قَوْلُهُ أَوْ فِي الْجَمِيعِ) هَذَا هُوَ الْأَوَّلُ.

(قَوْلُهُ الدَّفْنُ لَيْلًا) إلَّا أَنَّهُ أَفْضَلُ نَهَارًا فَيَكُونُ دَفْنُ الصِّدِّيقِ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ لَيْلًا لِأَمْرٍ عَرَضَ. وَقَوْلُهُ: لَيْلًا رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ الصَّلَاةِ وَالدَّفْنِ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ صَرِيحًا.

منح الجليلعليش

(وَ) جَازَ بِمَعْنَى نُدِبَ لِلرِّجَالِ خَاصَّةً (زِيَارَةُ الْقُبُورِ بِلَا حَدٍّ) أَيْ تَحْدِيدٍ بِيَوْمٍ مِنْ الْأُسْبُوعِ أَوْ وَقْتٍ مِنْ الْيَوْمِ أَوْ بِمُدَّةِ مُكْثٍ عِنْدَهَا مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بَلَغَنِي أَنَّ الْأَرْوَاحَ بِفِنَاءِ الْمَقَابِرِ فَلَا تَخْتَصُّ زِيَارَتُهَا بِيَوْمٍ بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا خُصَّ يَوْمُ الْجُمُعَةِ لِفَضْلِهِ وَالْفَرَاغِ فِيهِ أَوْ دُعَاءٌ، وَيَنْبَغِي مَزِيدُ الِاعْتِبَارِ بِحَالِ الْمَوْتَى حَالَ زِيَارَتِهِمْ، وَكَثْرَةُ الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَعَدَمُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْكَلَامِ الدُّنْيَوِيِّ وَالْحَذَرُ مِنْ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْ صَدَقَاتِ أَهْلِ الْقُبُورِ فَإِنَّهُ مِنْ أَقْبَحِ مَا يَكُونُ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ بُرَيْدَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّ فِي زِيَارَتِهَا تَذْكِرَةً» .

اهـ وَفَعَلَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ يَقُولُ «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الدَّارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا بِكُمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَاحِقُونَ اللَّهُمَّ اُرْزُقْنَا أَجْرَهُمْ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ» . الْقُرْطُبِيُّ يَنْبَغِي لِمَنْ عَزَمَ عَلَى زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَنْ يَتَأَدَّبَ بِأَدَبِهَا وَيُحْضِرَ قَلْبَهُ فِي وَكُرِهَ: حَلْقُ شَعْرِهِ، وَقَلْمُ ظُفُرِهِ. وَهُوَ بِدْعَةٌ وَضُمَّ مَعَهُ إنْ فُعِلَ، [منح الجليل] إتْيَانِهَا وَلَا يَكُونُ حَظُّهُ التَّطْوَافَ عَلَى الْأَجْدَاثِ فَإِنَّهَا حَالَةٌ تُشَارِكُهُ فِيهَا الْبَهِيمَةُ بَلْ يَقْصِدُ بِزِيَارَتِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِصْلَاحَ قَلْبِهِ وَنَفْعَ الْمَيِّتِ بِالدُّعَاءِ.

وَيُسَلِّمُ إذَا دَخَلَ الْمَقَابِرَ وَيُخَاطِبُهُمْ خِطَابَ الْحَاضِرِينَ فَيَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ،

١٬٨٥٥

وَإِذَا وَصَلَ إلَى قَبْرِ مَعْرِفَتِهِ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَيْضًا وَيَأْتِيهِ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ وَيَعْتَبِرُ بِحَالِهِ. وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ مَرَّ عَلَى الْمَقَابِرِ، وَقَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً ثُمَّ، وَهَبَ أَجْرَهُ لِلْأَمْوَاتِ أُعْطِيَ مِنْ الْأَجْرِ بِعَدَدِهِمْ» . وَعَنْ الْحَسَنِ مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَالَ اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الْأَجْسَادِ الْبَالِيَةِ وَالْعِظَامِ النَّخِرَةِ وَالْأَرْوَاحِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ الدُّنْيَا، وَهِيَ بِك مُؤْمِنَةٌ أَدْخِلْ عَلَيْهَا رَوْحًا مِنْك وَسَلَامًا مِنِّي كُتِبَ لَهُ بِعَدَدِهِمْ حَسَنَاتٌ.

لوامع الدرر في هتك أستار المختصرمحمد بن محمد سالم المجلسي

وزيارة القبور؛ يعني أن زيارة القبور جائزة، والمراد أذن فيها لأن زيارة القبور مندوبة كما صرح بذلك غير واحد لما فيها من التذكرة والاعتبار، لحديث: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الموت (١) )، و (لخروجه صلى الله عليه وسلم بأمر ربه إلى البقيع،

١٢٬١٥٠

ولو شاء الله لاستغفر لهم مكانه (٢) )، ولكن أراد الله تشريع الإتيان إليها، الباجي: إنما أمرت عائشة بالمرور بجنازة سعد على حجرتها لتدعُوَ له بحضرته؛ لأن مشاهدته تدعو إلى الإشفاق والاجتهاد له، ولذلك يسعى إلى الجنائز ولا يجتزأ بما يدعى لها في المنزل،

١٢٬١٥١

وفي الحديث: (اطلع في القبور واعتبر بالنشور (٣) ). وذكر في المدخل في زيارة النساء للقبور ثلاثة أقوال: المنع، والجواز، على ما يعلم في الشرع من الستر والتحفظ، عكس ما يفعل اليوم،

١٢٬١٥٢

والثالث الفرق بين المتجالة والشابة. انتهى. نقله الشيخ محمد بن الحسن، وغيره. وبالثالث جزم الثعالبي،

١٢٬١٥٣

ونصه: وأما النساء فيباح للقواعد

١٢٬١٥٤

ويحرم على الشواب التي يخشى عليهن الفتنة. انتهى. قاله الشيخ بناني وغيره.

١٢٬١٥٥

وقال في المدخل: الخلاف في نساء ذلك الزمان،

١٢٬١٥٦

وأما اليوم فمعاذ الله أن يقول أحد من العلماء أو من له مروءة أو غيرهم في الدين بجوازه.

١٢٬١٥٧

وفي كلام بعضهم: أن ما ورد من النهي عن زيارتهن منسوخ. والله سبحانه أعلم.

١٢٬١٥٨

وفي الحديث: (ارجعن مأزورات غير مأجورات (٤) )، يقال: وَزَرَ يزِر ووُزِرَ يُوزَرُ وِزرا بالكسر والفتح، وَزِرَةً كعدة: أثمّ فهو موزور، وقوله مأزورات للازدواج، ولوأفرد لقيل: موزورات، وقوله: بلا حد، الظاهر أنه في موضع الحال من زيارة فهو ظرف مستقر، والباء للمصاحبة. والله سبحانه أعلم؛ يعني أن زيارة القبور لا تحد بيوم مخصوص، ولا بوقت دون وقت، بل تزار في كل الأوقات،

١٢٬١٥٩

وفي جميع الأيام، وليست محدودة بيوم في الأسبوع أو أكثر، ولا تحد أيضًا بقدر في المكث عندها.

١٢٬١٦٠

وقال الشارح عند قوله: بلا حد أي بوقت من الأوقات مخصوص، ويحتمل أنه لا تحديد فيما يمكث عندها أو فيما يدعى به أو بعدد معلوم من الأسبوع أو الشهر أو العام أو العمر إلى غير ذلك. (وقد أذن عليه الصلاة والسلام في زيارتها بعد أن نهى عن ذلك (١) )، (وقد زار صلى الله عليه وسلم القبور وجلس إليها وسلم على أهلها (٢) ). انتهى. وقوله: "بلا حد" ؛ أي ولكن الأفضل ليلة الجمعة ويومها، وينبغي لمن عزم على زيارة القبور أن يتأدب بآداب الزيارة ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظه التطواف على الأجداث فإنها حالة تشاركه فيها البهائم، بل يقصد وجه الله وإصلاح قلبه ونفع الميت بالدعاء وما يتلو عنده من القرآن، وليجتهد له في الدعاء،

١٢٬١٦١

وفي الإحياء: قال صلى الله عليه وسلم: (من زار أبويه في كل جمعة غفر له وكتب بارا (٣) )، وعن ابن سيرين عنه صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليموت والداه وهو عاق لهما فيدعو الله لهما من بعدهما فيكتبه الله عز وجل من البارين (٤) ). نقله الحطاب، وغيره. وكيفية الزيارة: أن يسلم إذا دخل المقابر ويخاطبهم خطاب الحاضرين، فيقول كما في خبر أبي داود: (السَّلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون (٥) ).

انتهى. وكنى بالدار عن أهلها، وأتى بالمشيئة للتبرك امتثالا لقوله تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} ،

١٢٬١٦٢

وقيل: إن إن بمعنى: إذا، كقوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى}

١٢٬١٦٣

وقيل: لتعليق اللحوق بتلك البقعة،

١٢٬١٦٤

وإذا وصل إلى قبر يعرفه سلم عليه، ويأتيه من تلقاء وجهه،

١٢٬١٦٥

وإن شاء من ناحية رجليه إلى رأسه، ثم يثني على الله تعالى بما حضره، ويصلي على نبيه الصلاة المشروعة للميت، ويدعو للميت بما أمكنه. قاله الشيخ إبراهيم.

١٢٬١٦٦

وفي التنبيه: اللهم صل وسلم على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آل سيدنا محمد الذي من صلى عليه عند دخول المقبرة،

١٢٬١٦٧

أوجب الله لأهلها الرحمة والمغفرة: وفي الشبراخيتي: عن بعضهم أن الموتى يعلمون بزُوَّارِهم يوم الجمعة ويوم السبت إلى طلوع الشَّمس، قال القرطبي: ولذلك تستحب زيارة القبور ليلة الجمعة ويوم الجمعة وبكرة السبت فيما ذكر العلماء رحمة الله عليهم،

١٢٬١٦٨

وفي البيان: قد جاء: أن الأرواح بأفنية القبور وأنها تطلع بزُوَّارها،

١٢٬١٦٩

وأن أكثر اطلاعها يوم الخميس والجمعة وليلة السبت. وذكر (عن عاصم الجحدري أَنه سئل بعد موته، هل تعلمون بزيارتنا إياكم؟ فقال: نعلم بها عشية الخميس ويوم الجمعة ويوم السبت إلى طلوع الشَّمس لفضل يوم الجمعة وعظمها (١) )، وقد قيل: إن الأرواح تزور قبورها كل جمعة على الدوام، وعن ابن حنبل: إذا دخلتم المقابر فاقرءوا الفاتحة والمعوذتين وقل هو الله أحد، واجعلوا ثواب ذلك لأهل المقابر فإنه يصل إليهم.

١٢٬١٧٠

وفي القرطبي من حديث علي رضي الله عنه: (أنه صلى الله عليه وسلم، قال: من مر على المقابر وقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} إحدى عشرة مرة، ثم وهب أجرها للأموات، أعطي من الأجر بعدد الأموات (٢) ). وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن، أنه قال: (من دخل المقابر، فقال: اللهم رب هذه الأجساد البالية، والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، أدْخِلْ عليها روحا من عندك وسلاما مني، استغفر له كل من مات منذ خلق الله آدم (٣) )، وأخرجه ابن أبي الدنيا بلفظ: كتب الله له بعدد من مات من ولد آدم إلى أن تقوم الساعة حسنات، انتهى كلام الشيخ إبراهيم، ونقله غيره.

١٢٬١٧١

وقال الشيخ عبد الباقي: ظاهر الأول استغفار من لم يدخل مقبرتهم أيضًا، وظاهر الثاني العموم في عددهم أيضًا. انتهى. ومر النبي صلى الله عليه وسلم بقبور أهل المدينة، فأقبل عليهم بوجهه، فقال: (السَّلام عليكم أهل القبور ويغفر الله لنا ولكم أنتم سلف ونحن بالأثر (٤) ). رواه في التيسير عن الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه.

١٢٬١٧٢

وقال صلى الله عليه وسلم في زيارته: (السَّلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، ويرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين (٥) )،

١٢٬١٧٣

وقال صلى الله عليه وسلم في الزيارة: (السَّلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجلون (٦) ). انتهى. وروى مسلم والنسائي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كلما كانت ليلتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: (السَّلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد (١) ). انتهى.

١٢٬١٧٤

وفي الرياض: قال عبد الحق: اعلم أن الميت كالحي فيما يعطاه ويهدى إليه، بل الميت أكثر وأكثر؛ لأن الحي قد يستقل ما يهدى إليه ويستحقر ما يتحف به، والميت لا يستحقر شيئًا من ذلك ولو كان مقدار جناح بعوضة أو وزن مثقال ذرة؛ لأنه يعسر قيمته، وقد كان يقدر عليه فضيعه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له (٢) )، فهذا دعاء الولد يصل إلى والده وينتفع به،

١٢٬١٧٥

وكذلك: أمره عليه السلام بالسلام على أهل القبور والدعاء لهم، ما ذاك إلا لكون ذلك الدعاء لهم والسلام عليهم يصل إليهم ويأتيهم والله أعلم. ويروى عنه عليه الصلاة والسلام، أنه قال: (الميت في قبره كالغريق ينتظر دعوة تلحقه من ابنه أو أخيه أو صديقه،

١٢٬١٧٦

فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها (٣) ). قال عبد الحق: وأعلم أن قبور الصالحين لا تخلوا من بركة،

١٢٬١٧٧

وأن زائرها والمسلم عليها والقارئ عندها والداعي لمن فيها لا ينقلب إلا بخير ولا يرجع إلا بأجر، وقد يوجد لذلك أمارة وتبدو له منها بشارة. انتهى. وروى ابن عبد البر عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من رجل مر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه فسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام (٤) )، ويروى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من رجل يزور قبر أخيه فيجلس عنده إلا استأنس به حتى يقوم (٥) ).

نقله في الرياض. ومن قرأ هذا الدعاء، وهو: اللهم إني أسألك بجاه نبيك نبي الرحمة، وترابه الطيبة الطاهرة، وما ضمه أن لا تعذب هذا الميت في قبره، ثلاث مرات عند وقوفه على القبر القديم والجديد، لا يعذب أبداً. قال بعضهم: نقلته من خط سيدي أحمد بابًا،

١٢٬١٧٨

ومن أخذ قبضة من تراب القبر فقرأ عليه سورة القدر سبعاً تحت رأس، أو قال عند رأس الميت في القبر، فإنه لا يعذب ولا يرى سوءًا، نقله صاحب كتاب البركة.

١٢٬١٧٩

ومن قرأ على الميت الفاتحة مرة، والإخلاص أحد عشر، ويبسمل أول كل مرة فهو خير عظيم. وعن عمر رضي الله عنه: من جلس عند رأس الميت حين يوضع في القبر وقرأ السور التي تقرأ في الوتر قبل أن يطرح عليه التراب، رفع الله عنه عذاب القبر وأدخل عليه ألف نور.

١٢٬١٨٠

وفي نقل الثعالبي: يستحب الوقوف بعد الدفن قليلا والدعاء للميت مستقبل وجهه بالثبات، فيقال: اللهم هذا عبدك أنت أعلم به منا ولا نعلم أنَّه إلا خيرًا وقد أجلسته لتسأله، اللهم فثبته بالقول الثابت في الآخرة كما ثبته في الدنيا، اللهم ارحمه وألحقه بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولا تضللنا بعده ولا تحرمنا أجره. وشهد أبو سعيد وأبو هريرة رضي الله عنهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من قال: (لا إله إلا الله وحده، لا إله إلا الله لا شريك له، لا إله إلا الله له الملك وله الحمد، لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم مات لم تطعمه النار.

يعقدهن خمسا بأصابعه. ثم قال: من قالهن في يوم أو ليلة أو شهر، ثم مات في تلك الليلة أو ذلك اليوم أو ذلك الشهر، غفر له ذنوبه.

١٢٬١٨١

ومن قال هذا أول مضجعه نجاه الله من النار، وهو: لا إله إلا الله يحيى ويميت، وهو حي لا يموت، سبحان الله رب العباد والبلاد، والحمد لله كثيرًا طيباً مباركاً فيه على كل حال، الله أكبر كبير كبرياء ربنا وجلاله بقدرته في كل مكان، اللهم إن أمرضتني لتقبض روحي في مرضي هذا فاجعل روحي في أرواح من سبقت لهم منك الحسنى (١) ). ومما يدعو به العبد عند الموت فيخفف عنه كرب الموت: يا نور السماوات والأرض، ويا رافع السماوات والأرضين، ويا غياث المستغيثين، ويا منتهى رغبة الراغبين، ويا منفس عن المكروبين، ويا منقذ الهالكين، ويا ناصر من لا ناصر له، ويا مفرج عن المغمومين، يا مجيب دعوة المضطرين، ويا كاشف كل سوء، ويا أرحم الراحمين، اختم لي بالحسنى، وفرج عني كرب الموت.

١٢٬١٨٢

وفي العلوم الفاخرة: أن من قال هذا في مرضه كان ملطوفا به، وهو: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} إلى قوله: {سليم} ،

١٢٬١٨٣

ومن أكثر من قول: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين أربعين مرة مع سورة الإخلاص عشراً في مرضه الذي يموت فيه، خفف عنه وغفر ذنوبه إن مات في مرضه،

١٢٬١٨٤

وإن برئ كذلك، ولم يفتتن في قبره، وأمن من ضغطة القبر، وحملته الملائكة يوم القيامة على أكفها.

١٢٬١٨٥

وفي كتاب سنن المهتدين: أن من قال هذا الدعاء ثم مات جعل الله روحه في الأفق المبين، وهو قاع بين يدي العرش فيه رياض وأشجار وأنهار، تغشاه كل يوم مائة رحمة؛ وهو: اللهم إنك برَأْتَ الخلق من غير حاجة بك إليهم بل مَنَّا منك عليهم فجعلتهم فريقين فريقاً للنعيم وفريقا في السعير فاجعلني للنعيم ولا تجعلني للسعير، اللهم إنك خلقت الخلق فرقاً وميزتهم قبل أن تخلقهم فجعلت منهم شقيا وسعيدا وغويا ورشيدا فلا تشقني بمعصيتك، اللهم إنك تعلم كل نفس قبل أن تخلقها فلا محيص لها مما علمت فاغفر لي ما علمته، اللهم إن أحداً لا يشاء حتى تشاء فاجعل مشيئتي أن أشاء لما يقربني إليك، اللهم إنك خلقت الخير والشر وجعلت لكل واحد منهما عاملاً يعمل به فاجعلني من خير القسمين، اللهم إنك خلقت الجنة والنار وجعلت لكل منهما أهلا وسكانا فاجعلني من ساكني جنتك، اللهم إنك أردت بقوم الهدى وشرحت صدورهم وأردت بقوم الضلال وضيقت صدورهم فاشرح صدري للإيمان وزينه في قلبي وكره إلي الكفر والفسوق والعصيان، اللهم إنك دبرت الأمور فجعلت مصيرها إليك فأحيني حياة طيبة وقربني إليك زلفى، اللهم ما أصبح بي أو بأحد من خلقك من نعمة فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر، اللهم من أصبح وأمسى وثقته ورجاؤه غيرك فأنت ثقتي ورجائي ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وعن ابن عباس: من صلى كل ليلة جمعة ركعتين بالفاتحة والإخلاص فيهما فإنه يأمن من منكر ونكير إن شاء الله تعالى،

١٢٬١٨٦

ومن كتب أسماء هؤلاء الشيوخ الأربعة ومحا ذلك وشربه فإنهم يحضرون له عند موته؛ وهم: سيدي عبد القادر الجيلاني، وأبو يزيد البسطامي، طيفور بن عيسى، وأبو حامد الغزالي، ومعروف بن فيروز الكرخي. تنبيهات: الأول: سهل صاحب المعيار في تصبيح المقابر محتجاً بما ذكره ابن طاووس أن السلف كانوا يفعلونه،

١٢٬١٨٧

وكذا ذكر أن ما يفعله الناس من حمل تراب المقابر للتبرك به جائز، قال: ما زال الناس يحملونه ويتبركون بقبور العلماء والشهداء والصالحين. الثاني: بقي على المصنف من الجائزات: الصلاة، والدفن ليلاً فإنه جائز، كما قاله مطرف عن ابن شهاب وأبي حازم. وقد دفن الصديق وفاطمة وعائشة ليلاً رضي الله عنهم، وبقي عليه أيضًا تقبيل الميت؛ وهو جائز، فقد فعله أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم بعثمان بن مظعون.

قاله ابن حبيب. قاله الخرشي. الثالث: أعلم أن الصدقة، والدعاء، والهدي، والعتق، تصل إلى الميت من غير خلاف، واختلف في الصلاة والصوم والحج والقراءة، ومذهب أحمد وصول القراءة.

تعليق

ولما أنهى الكلام على ما أراد من جائزات الجنازة، شرع في الكلام على مكروهاتها،

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.