يثبت رمضان بكمال شعبان
الشروح عليها
(يَثْبُتُ رَمَضَانُ) أَيْ يَتَحَقَّق فِي الْخَارِجِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ خُصُوصَ الثُّبُوتِ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ
إمَّا (بِكَمَالِ شَعْبَانَ) ثَلَاثِينَ يَوْمًا
وَكَذَا مَا قَبْلَهُ إنْ غُمَّ وَلَوْ شُهُورًا لَا بِحِسَابِ نَجْمٍ وَسَيْرِ قَمَرٍ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَنَاطَ الْحُكْمَ بِالرُّؤْيَةِ أَوْ بِإِكْمَالِ الثَّلَاثِينَ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الشَّهْرُ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ»
وَفِي رِوَايَةٍ «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ» ، وَهِيَ مُفَسِّرَةٌ لِمَا قَبْلَهَا قَالَ مَالِكٌ إذَا تَوَالَى الْغَيْمُ شُهُورًا يُكْمِلُونَ عِدَّةَ الْجَمِيعِ حَتَّى يَظْهَرَ خِلَافُهُ اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ وَيَقْضُونَ إنْ تَبَيَّنَ لَهُمْ مَا هُمْ عَلَيْهِ انْتَهَى
(قَوْلُهُ أَيْ يَتَحَقَّقُ فِي الْخَارِجِ) سَوَاءٌ حَكَمَ بِثُبُوتِهِ حَاكِمٌ أَوْ لَا
(قَوْلُهُ وَكَذَا مَا قَبْلَهُ) أَيْ
وَكَذَا بِكَمَالِ مَا قَبْلَهُ، وَهُوَ رَجَبٌ ثَلَاثِينَ
وَكَذَا مَا قَبْلَ رَجَبٍ وَقَوْلُهُ إنْ غُمَّ شَرْطٌ فِي كَمَالِ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثِينَ أَيْ إذَا كَانَتْ السَّمَاءُ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مُغَيِّمَةً فِي آخِرِ كُلِّ شَهْرٍ،
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً فَلَا يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ عَلَى إكْمَالِ ثَلَاثِينَ بَلْ تَارَةً يَثْبُتُ بِذَلِكَ إنْ لَمْ يَرَ الْهِلَالَ وَتَارَةً يَثْبُتُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ فَيَكُونُ شَعْبَانُ أَوْ غَيْرُهُ حِينَئِذٍ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا كَمَا سَيَأْتِي بِقَوْلٍ أَوْ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ لِلْهِلَالِ.
(قَوْلُهُ لَا بِحِسَابِ نَجْمٍ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِكَمَالِ شَعْبَانَ وَقَوْلُهُ وَسَيْرِ قَمَرٍ تَفْسِيرٌ وَقَوْلُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إنَّهُ يَثْبُتُ بِحِسَابِ سَيْرِ الْقَمَرِ،
وَإِذَا ثَبَتَ بِالْحِسَابِ أَنَّ قَوْسَ الْقَمَرِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مُرْتَفِعٌ بِحَيْثُ إنَّهُ يُرَى ثَبَتَ الشَّهْرُ وَإِلَّا فَلَا وَالثُّبُوتُ بِالنِّسْبَةِ لِذَلِكَ الْحَاسِبِ لِسَيْرِ الْقَمَرِ وَلِمَنْ يُصَدِّقُهُ فِي حِسَابِهِ وَهَذَا الْقَوْلُ الضَّعِيفُ هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ
(قَوْلُهُ أَنَاطَ الْحُكْمَ) أَيْ الَّذِي هُوَ ثُبُوتُ الشَّهْرِ
(قَوْلُهُ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ) قِيلَ إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ فِيهِ لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَكْثَرَ مِمَّا صُمْنَا ثَلَاثِينَ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَدْ صَامَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِسْعَةَ أَعْوَامٍ مِنْهَا عَامَانِ ثَلَاثُونَ وَسَبْعَةُ أَعْوَامٍ كُلُّ عَامٍ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَهَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي الْبُخَارِيِّ قَوْلُهُ «فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ» أَيْ لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ قَوْلُهُ «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ» بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ غَيْمٌ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ قَوْلُهُ «فَاقْدُرُوا لَهُ» بِضَمِّ الدَّالِ وَكَسْرِهَا وَهَمْزَتُهُ هَمْزَةُ وَصْلٍ أَيْ فَأَتِمُّوهُ ثَلَاثِينَ وَهَذَا مَحَطُّ الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ وَعُلِمَ مِمَّا قُلْنَاهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِإِقْدَارِهِ إتْمَامُهُ ثَلَاثِينَ وَأَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ زَائِدَةٌ مِثْلُ {رَدِفَ لَكُمْ} وَإِتْيَانُ التَّقْدِيرِ بِمَعْنَى التَّمَامِ وَاقِعٌ بِكَثْرَةٍ قَالَ تَعَالَى {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} أَيْ تَمَامًا قَوْلُهُ «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ» أَيْ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً
(قَوْلُهُ وَهِيَ مُفَسِّرَةٌ لِمَا قَبْلَهَا) أَيْ لِمَا عَلِمْت أَنَّ الْإِقْدَارَ يَأْتِي بِمَعْنَى الْإِتْمَامِ وَالْإِكْمَالِ
(قَوْلُهُ وَيَقْضُونَ إنْ تَبَيَّنَ لَهُمْ خِلَافُ مَا هُمْ عَلَيْهِ) أَيْ كَمَا إذَا تَبَيَّنَ أَنَّ شَعْبَانَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ وَأَنَّ رَمَضَانَ كَامِلٌ فَإِنَّهُمْ يَقْضُونَ يَوْمًا وَإِذَا تَبَيَّنَ نَقْصُ رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَكَمَالُ رَمَضَانَ قَضَوْا يَوْمَيْنِ قَالَ عج يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بِكَمَالِ شَعْبَانَ بِمَا إذَا لَمْ تَتَوَالَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ قَبْلَ شَعْبَانَ عَلَى الْكَمَالِ وَإِلَّا جُعِلَ شَعْبَانُ نَاقِصًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَالَى خَمْسَةُ أَشْهُرٍ عَلَى الْكَمَالِ كَمَا لَا يَتَوَالَى أَرْبَعَةٌ عَلَى النَّقْصِ عِنْدَ مُعْظَمِ أَهْلِ الْمِيقَاتِ اهـ وَهَذَا ضَعِيفٌ
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ إذَا غُمَّ لَيْلَةُ ثَلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ لَمْ يَثْبُتْ رَمَضَانُ إلَّا بِكَمَالِ شَعْبَانَ،
وَإِنْ تَوَالَى قَبْلَهُ أَرْبَعَةٌ كَوَامِلُ أَوْ ثَلَاثَةٌ نَوَاقِصُ وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ أَهْلِ الْمِيقَاتِ اهـ عَدَوِيٌّ وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً لَيْلَةَ إحْدَى وَثَلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ وَقَدْ كَانَ هِلَالُهُ ثَبَتَ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ مِنْ رَجَبٍ فَإِنَّ رَمَضَانَ حِينَئِذٍ لَا يَثْبُتُ بِكَمَالِ شَعْبَانَ لِتَكْذِيبِ الشَّاهِدَيْنِ أَوَّلًا وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَيَّدَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ بِهَذَا لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَكْمُلْ فِيهِ شَعْبَانُ بِدَلِيلِ تَكْذِيبِهِمَا
[بَاب مَا يَثْبُت بِهِ رَمَضَان] ص (بَابُ يَثْبُتُ رَمَضَانُ بِكَمَالِ شَعْبَانَ) ش: يَعْنِي أَنَّ رَمَضَانَ يَثْبُتُ بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا الرُّؤْيَةُ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا وَالثَّانِي إكْمَالُ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَذَلِكَ إذَا لَمْ يُرَ الْهِلَالُ لِغَيْمٍ أَوْ نَحْوِهِ،
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ مِنْ الشُّهُورِ وَلَوْ تَوَالَى الْغَيْمُ فِي شُهُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَقَالَ مَالِكٌ: يُكْمِلُونَ عِدَّةَ الْجَمِيعِ حَتَّى يَظْهَرَ خِلَافُهُ اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ وَيَقْضُونَ إنْ تَبَيَّنَ لَهُمْ خِلَافُ مَا هُمْ عَلَيْهِ فَإِنْ حَصَلَ الْغَيْمُ فِي رَمَضَانَ وَمَا قَبْلَهُ مِنْ الشُّهُورِ فَكَمَّلُوهَا ثَلَاثِينَ ثَلَاثِينَ
ثُمَّ إنْ رَأَوْا هِلَالَ شَوَّالٍ لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يَقْضُوا شَيْئًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ رَمَضَانُ نَاقِصًا فَإِنْ رَأَوْا شَوَّالًا لَيْلَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ قَضَوْا يَوْمًا وَاحِدًا وَإِنْ رَأَوْهُ لَيْلَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ قَضَوْا يَوْمَيْنِ وَإِنْ رَأَوْهُ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ قَضَوْا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ.
(تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ) فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. جَوَازُ اسْتِعْمَالِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الشَّهْرِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَابْنُ الْفَرَسِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَكَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَالْقَرَافِيِّ وَالْجُزُولِيِّ
وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَصُومُ رَمَضَانَ: أَنَّهُ يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ: صُمْنَا رَمَضَانَ. حَتَّى يُقَالَ: شَهْرَ.
وَقَالَ: إنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ لَا يَصِحُّ وَحَكَى الْبَاجِيُّ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: إنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ فِيمَا يُلْبِسُ، مِثْلُ: جَاءَ رَمَضَانُ وَدَخَلَ رَمَضَانُ
وَأَمَّا صُمْنَا رَمَضَانَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَوْلُهُ وَتَصُومُ رَمَضَانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ قَوْلِ الْقَائِلِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ إضَافَةِ الشَّهْرِ إلَيْهِ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ: لَا يُقَالُ إلَّا شَهْرُ رَمَضَانَ تَمَسُّكًا فِي ذَلِكَ بِحَدِيثٍ لَا يَصِحُّ
ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْإِكْمَالِ وَقَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: اُخْتُلِفَ هَلْ يُقَالُ جَاءَ رَمَضَانُ؟ فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ،
وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِجَوَازِهِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إذَا دَخَلَ رَمَضَانُ، انْتَهَى. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْإِكْمَالِ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْكَرَاهَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ
وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَذَكَرَ الدَّمِيرِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فِي شَرْحِ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ حَجَرَ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: رَمَضَانُ وَتَبِعَا فِي ذَلِكَ النَّوَوِيَّ فَإِنَّهُ
قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ قَالَتْ، طَائِفَةٌ: لَا يُقَالُ: رَمَضَانُ عَلَى انْفِرَادِهِ بِحَالٍ وَإِنَّمَا يُقَالُ: شَهْرُ رَمَضَانَ، وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ: إنْ كَانَ هُنَالِكَ قَرِينَةٌ تُصْرَفُ إلَى الشَّهْرِ فَلَا كَرَاهَةَ وَإِلَّا فَتُكْرَهُ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ مَذْهَبُ الْبُخَارِيِّ وَالْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي إطْلَاقِ رَمَضَانَ بِقَرِينَةٍ وَبِغَيْرِ قَرِينَةٍ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ هُوَ الصَّوَابُ وَالْمَذْهَبَانِ الْأَوَّلَانِ فَاسِدَانِ، انْتَهَى. إلَّا أَنَّ كَلَامَ النَّوَوِيِّ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَلْ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَالْعَجَبُ مِنْ الْأَبِيِّ فِي نَقْلِ كَلَامِهِ وَسُكُوتِهِ عَلَيْهِ وَعَدَمِ ذِكْرِهِ كَلَامَ الْقَاضِي عِيَاضٍ وَمِنْ ابْنِ الْفَاكِهَانِيِّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ فِي نَقْلِهِ كَلَامَ النَّوَوِيِّ وَعَدَمِ تَنْبِيهِهِ عَلَى مَا نَسَبَهُ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ مَعَ أَنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ فِي كَلَامِهِ مُؤَاخَذَةً عَلَيْهِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ وَذَكَرَهَا ((قُلْتُ)) وَمَا نَسَبَهُ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ غَرِيبٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي الْمَذْهَبِ وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي لَفْظِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَفْظُ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الشَّهْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَنَقَلَ الْمَسْأَلَةَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ وَنَصُّهُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ رَمَضَانُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الشَّهْرِ؟ فَذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ إلَى كَرَاهَتِهِ وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ كَانَتْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الشَّهْرُ كَقَوْلِهِ: صُمْت رَمَضَانَ، وَجَاءَ رَمَضَانُ الشَّهْرُ الْمُبَارَكُ. لَمْ يُكْرَهْ إفْرَادُهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ كُرِهَ كَقَوْلِهِ: جَاءَ رَمَضَانُ وَدَخَلَ رَمَضَانُ، قَالَ: وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «لَا تَقُولُوا رَمَضَانَ؛ فَإِنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَكِنْ قُولُوا شَهْرَ رَمَضَانَ» .
وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ وَالضَّعْفُ بَيِّنٌ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَرَوَى الْكَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَالطَّرِيقُ إلَيْهَا فِي ذَلِكَ ضَعِيفٌ،
وَالصَّحِيحُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْبُخَارِيُّ. وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ مُطْلَقًا كَيْفَمَا قِيلَ: لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالشَّرْعِ وَلَمْ يَثْبُتْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ. وَقَدْ صَنَّفَ جَمَاعَةٌ لَا يُحْصَوْنَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يُثْبِتُوا هَذَا الِاسْمَ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ جَوَازُ ذَلِكَ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ:«إذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ» . الْحَدِيثَ.
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ إذَا دَخَلَ رَمَضَانُ،
وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: إذَا كَانَ رَمَضَانُ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: اُخْتُلِفَ فِي رَمَضَانَ هَلْ هُوَ اسْمٌ لِلشَّهْرِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَوْ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَجَمَاعَةٌ، انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَالَ الْجُزُولِيُّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ الشَّهْرُ إلَى اسْمِهِ وَيُقَالُ شَهْرُ كَذَا إلَّا رَمَضَانُ وَرَبِيعَانِ فَيُقَالُ شَهْرُ رَمَضَانَ وَشَهْرُ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَلَا يُقَالُ شَهْرُ رَجَبٍ وَشَهْرُ شَوَّالٍ وَإِنَّمَا يُقَالُ رَجَبٌ وَشَوَّالٌ، انْتَهَى. وَمُرَادُهُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ فَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ يُقَالُ هَذَا شَهْرُ رَمَضَانَ وَهُمَا شَهْرَا رَبِيعٍ وَلَا يُذْكَرُ الشَّهْرُ مَعَ أَسْمَاءِ سَائِرِ الشُّهُورِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَقَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: الشُّهُورُ كُلُّهَا مُذَكَّرَةٌ إلَّا جُمَادَى.
وَقَالَ ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ: لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ يُضَافُ إلَيْهِ شَهْرٌ إلَّا رَمَضَانُ وَالرَّبِيعَانِ وَمَا كَانَ مِنْهَا اسْمًا لِلشَّهْرِ أَوْ صِفَةً قَامَتْ مَقَامَ الِاسْمِ فَهُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ الشَّهْرُ إلَيْهِ كَالْمُحَرَّمِ وَصَفَرٍ، انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ. وَنَقَلَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي هَمْعِ الْهَوَامِعِ أَنَّ سِيبَوَيْهِ أَجَازَ إضَافَةَ شَهْرٍ إلَى سَائِرِ أَعْلَامِ الشُّهُورِ وَمَنَعَ ذَلِكَ الْمُتَأَخِّرُونَ فَقَالَ أَبُو حَيَّانَ: لَمْ تَسْتَعْمِلْ الْعَرَبُ مِنْ أَسْمَاءِ الشُّهُورِ مُضَافًا إلَى شَهْرٍ إلَّا رَمَضَانَ وَرَبِيعَ الْأَوَّلَ وَرَبِيعَ الْآخِرَ وَلَا يُقَالُ شَهْرُ الْمُحَرَّمِ وَلَا شَهْرُ جُمَادَى، انْتَهَى.
وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ: إنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ اسْمُ الشَّهْرِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ وَفِي مُخْتَصَرِ الْمُتَيْطِيَّةِ إشَارَةٌ إلَى هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْعِلَّةُ فِي اخْتِصَاصِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِذَلِكَ أَنَّ رَمَضَانَ قَدْ جَاءَ أَنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى
وَأَمَّا رَبِيعُ فَلَزِمَهُ الشَّهْرُ؛ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ بِفَصْلِ الرَّبِيعِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تُسَمِّيهِ رَبِيعًا أَوَّلَ وَالْخَرِيفَ رَبِيعًا ثَانِيًا، انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَبَّابُ: قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْمَشْهُورُ فِي التَّلَفُّظِ بِاسْمِ الشَّهْرِ مَعَ الشَّهْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ شَهْرُ رَبِيعٍ لَا تَقُولُ جَاءَ رَبِيعٌ الْأَوَّلُ أَوْ الْآخِرُ وَإِنَّمَا تَقُولُ جَاءَ شَهْرُ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أَوْ الْآخِرِ، وَرَمَضَانُ أَنْتَ فِيهِ مُخَيَّرٌ إنْ شِئْت أَثْبَتَّهُ وَإِنْ شِئْت تَرَكْتَهُ وَسَائِرُ الشُّهُورِ لَا يَجُوزُ أَنْ تَلْفِظَ مَنْعَهَا بِاسْمِ الشَّهْرِ وَإِنَّمَا تَقُولُ جَاءَ الْمُحَرَّمُ
وَكَذَلِكَ سَائِرُهَا، هَذَا نَقْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ، انْتَهَى. وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ وَلَعَلَّ هَذَا فِي الْأَكْثَرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَيَثْبُتُ رَمَضَانُ بِكَمَالِ شَعْبَانَ) ابْنُ يُونُسَ: لِلْعِلْمِ بِدُخُولِ رَمَضَانَ ثَلَاثُ طُرُقٍ وَهِيَ: الرُّؤْيَةُ وَالشَّهَادَةُ عَلَيْهَا فَإِنْ لَمْ يُوصَلْ إلَى ذَلِكَ فَإِكْمَالُ عِدَّةِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(ص) يَثْبُتُ رَمَضَانُ بِكَمَالِ شَعْبَانَ (ش) أَيْ: تَتَقَرَّرُ حَقِيقَتُهُ وَتُوجَدُ فِي الْخَارِجِ بِكَمَالِ شَعْبَانَ أَيْ: مَعَ الْغَيْمِ أَيْ: إذَا كَانَتْ السَّمَاءُ لَيْلَةَ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ مُغَيِّمَةً،
وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ مُصْحِيَةً فَلَا يَثْبُتُ بِكَمَالِ شَعْبَانَ وَيُكَذَّبَانِ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِهِ وَقَوْلُهُ: بِكَمَالِ شَعْبَانَ أَيْ: إذَا ثَبَتَ أَوَّلُهُ وَفِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ رَمَضَانَ غَيْرَ مُضَافٍ إلَى شَهْرٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَمَذْهَبُ الْبُخَارِيِّ وَالْمُحَقِّقِينَ لِخَبَرِ «إذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ» ، وَثَالِثُهَا يَجُوزُ بِقَرِينَةٍ كَصُمْنَا رَمَضَانَ،
وَيُكْرَهُ بِدُونِهَا كَجَاءَ رَمَضَانُ؛ لِمَا قِيلَ إنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمَذْهَبَانِ فَاسِدَانِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى، فَقَدْ صَنَّفَ جَمَاعَةٌ لَا يُحْصَوْنَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يُثْبِتُوهُ، وَمَا رُوِيَ فِيهِ مِنْ الْحَدِيثِ ضَعِيفٌ .
(قَوْلُهُ: أَيْ تَتَقَرَّرُ حَقِيقَتُهُ وَتُوجَدُ) أَيْ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ الثُّبُوتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ نَعَمْ الثُّبُوتُ عِنْدَ الْحَاكِمِ مُسَهِّلٌ لِتَعْمِيمِهِ كَذَا قَرَّرَ، ثُمَّ أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ تَتَقَرَّرُ حَقِيقَتُهُ فِي الْخَارِجِ أَيْ: بِحَسَبِنَا لَا بِحَسَبِ مَا عِنْدَ اللَّهِ وَإِلَّا فَعِنْدَ اللَّهِ قَدْ يَكُونُ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ قَمَرٌ،
وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ تَتَقَرَّرُ حَقِيقَتُهُ فِي الْخَارِجِ، بَلْ يُرَادُ يَثْبُتُ عِنْدَنَا أَيْ: يَتَحَقَّقُ وُجُوبُ الصَّوْمِ عِنْدَنَا.
(قَوْلُهُ: بِكَمَالِ شَعْبَانَ) ، ظَاهِرُهُ وَلَوْ تَوَالَى الْغَيْمُ شُهُورًا مُتَعَدِّدَةً وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَهُ تت، وَذَكَرَ عج أَنَّهُ يُقَيِّدُ قَوْلَهُ: بِكَمَالِ شَعْبَانَ بِمَا إذَا لَمْ يَتَوَالَ قَبْلَهُ أَرْبَعَةٌ عَلَى الْكَمَالِ وَإِلَّا جُعِلَ شَعْبَانُ نَاقِصًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَالَى خَمْسَةُ أَشْهُرٍ عَلَى الْكَمَالِ كَمَا لَا يَتَوَالَى أَرْبَعَةٌ عَلَى النَّقْصِ عِنْدَ مُعْظَمِ أَهْلِ الْمِيقَاتِ، وَرَدَّهُ شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّهُ لَا يُلْتَفَتُ لِكَلَامِ أَهْلِ الْمِيقَاتِ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ كَمَالِ شَعْبَانَ وَلَوْ تَوَالَى الْغَيْمُ شُهُورًا،
وَكَذَا مُحَشِّي تت اعْتَرَضَ عَلَى عج
(قَوْلُهُ: وَيُكَذَّبَانِ) أَيْ: الشَّاهِدَانِ بِهِلَالِ شَعْبَانَ
(قَوْلُهُ: لِمَا قِيلَ) تَعْلِيلٌ لِلْقَوْلَيْنِ: عَدَمِ الْجَوَازِ مُطْلَقًا، وَالتَّفْصِيلِ فَقَدْ حُذِفَ الْقَوْلُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ مُطْلَقًا، وَالْمُرَادُ الْكَرَاهَةُ قَطْعًا لِدَلَالَةِ الْقَوْلِ بِالتَّفْصِيلِ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ لِلْقَوْلِ بِالْإِطْلَاقِ،
وَأَمَّا وَجْهُ دَلَالَتِهِ لِلْقَوْلِ بِالتَّفْصِيلِ فَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ إلَّا أَنَّ الْقَرِينَةَ تُفِيدُ عَدَمَ إرَادَةِ الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ، وَإِرَادَةِ الشَّهْرِ فَلَا ضَرَرَ فِي عَدَمِ ذِكْرِ الشَّهْرِ
(قَوْلُهُ: وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَسْمَائِهِ)
قَالَ فِي ك، وَرَمَضَانُ إنْ صَحَّ أَنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ فَغَيْرُ مُشْتَقٍّ، وَرَاجِعٌ إلَى مَعْنَى الْغَافِرِ أَيْ: يَمْحُو الذُّنُوبَ وَيَمْحَقُهَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا فِي قُوَّةِ التَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ: وَالْمَذْهَبَانِ فَاسِدَانِ وَالتَّقْدِيرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى .
(بَابٌ) يَثْبُتُ رَمَضَانُ بِكَمَالِ شَعْبَانَ، أَوْ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ،
وَلَوْ [منح الجليل] [بَابٌ فِي الصِّيَام] وَهُوَ لُغَةً: مُطْلَقُ الْإِمْسَاكِ وَشَرْعًا: إمْسَاكٌ عَنْ شَهْوَتَيْ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ بِنِيَّةٍ مِنْ الْفَجْرِ لِلْغُرُوبِ. وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ شَمِلَ إمْسَاكَ مَنْ جُومِعَتْ نَائِمَةً أَوْ قَاءَ عَمْدًا. (يَثْبُتُ) أَيْ يَتَحَقَّقُ (رَمَضَانُ بِكَمَالِ شَعْبَانَ) ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَوْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ حَاكِمٌ
وَكَذَا مَا قَبْلَهُ إنْ تَوَالَى الْغَيْمُ وَلَوْ شُهُورًا كَثِيرَةً فِي الطِّرَازِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُكْمِلُونَ عِدَّةَ الْجَمِيعِ حَتَّى يَظْهَرَ خِلَافُهُ اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ، وَيَقْضُونَ إنْ تَبَيَّنَ لَهُمْ خِلَافُ مَا عَمِلُوا عَلَيْهِ الرَّمَاصِيُّ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا الْتِفَاتَ لِقَوْلِ أَهْلِ الْمِيقَاتِ لَا يَتَوَالَى أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ عَلَى التَّمَامِ وَسَيَقُولُ الْمُؤَلِّفُ لَا بِقَوْلِ مُنَجِّمٍ.
فَقَوْلُ عج قَوْلُهُ بِكَمَالِ شَعْبَانَ أَيْ: إذَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ تَامَّةٍ إذْ لَا يَتَوَالَى أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ عَلَى التَّمَامِ، وَحِينَئِذٍ فَيُجْعَلُ نَاقِصًا.
وَقِيلَ لَا يُنْظَرُ لِهَذَا وَيُعْتَبَرُ كَمَالُ شَعْبَانَ مُطْلَقًا اهـ. غَيْرُ صَوَابٍ، وَالْعَجَبُ مِنْهُ كَيْفَ صَدَّرَ بِقَوْلِ أَهْلِ الْمِيقَاتِ مُقَيِّدًا بِهِ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ، وَحَكَى أَهْلُ الْمَذْهَبِ بِقِيلَ. وَهَذَا لَا يُعَارِضُ قَوْلَهُمْ إذَا حَصَلَ الْغَيْمُ شُهُورًا فَإِنَّهَا تُحْسَبُ عَلَى الْكَمَالِ. اهـ. غَيْرُ ظَاهِرٍ، بَلْ يُعَارِضُهُ إذْ لَوْ اُعْتُبِرَ قَوْلُ أَهْلِ الْمِيقَاتِ لَحُسِبَ عَلَى التَّمَامِ عِنْدَ تَوَالِي الْغَيْمِ ثَلَاثَةً فَقَطْ، وَجُعِلَ الرَّابِعُ نَاقِصًا.
لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي جَامِعِ الْمُقَدِّمَاتِ نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ عج قَائِلًا لَا تَتَوَالَى أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ نَاقِصَةٍ أَوْ تَامَّةٍ إلَّا فِي النَّادِرِ فَانْظُرْهُ وَتَأَمَّلْهُ.
قُلْت: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ لَيْسَ نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ عج لِزِيَادَةِ ابْنِ رُشْدٍ قَوْلُهُ إلَّا فِي النَّادِرِ فَلَمْ يَجْعَلْ الْقَاعِدَةَ كُلِّيَّةً فَلِذَا أَلْغَاهَا الْإِمَامُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
يثبت رمضان بكمال شعبان؛ يعني أن رمضان يثبت ويتحقق بأحد أمرين: أحدهما: الرؤية، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى،
والثاني: كمال شعبان ثلاثين يوما، وذلك إذا لم يُرَ الهلال لغيم أو غيره،
وكذا الحكم في غير رمضان من المشهور،
ولو توالى الغيم في شهور متعددة، فقال الإمام مالك: يكملون عدة الجميع حتى يظهر خلافه اتباعا للحديث، ويقضون إن تبين لهم خلاف ما هم عليه،
فإن حصل الغيم في رمضان وما قبله من المشهور فكملوها ثلاثين ثلاثين ثم رأوا شوالا ليلة ثلاثين من رمضان لم يقضوا شيئا، لجواز أن يكون رمضان تسعة وعشرين،
فإن رأوا شوالا ليلة تسع وعشرين من رمضان قضوا يوما واحدا،
وإن رأوه ليلة ثمان وعشرين قضوا يومين،
وإن رأوه ليلة سبع وعشرين قضوا ثلاثة أيام. والله أعلم. قاله الحطاب.
وقال الأمير: قال ابن حجر: تمني زواله من الكبائر، ولعله إذا كان بغضا للعبادة بل ربما خشي عليه الكفر، ومما يخالف تعظيم شعائر الله تعالى قول العوام آخره إنه مريض، أو يطلع في الروح.
وفي كلام المصنف استعمال رمضان من غير ذكر الشهر؛ وهو الصحيح. كما قاله القرطبي في تفسيره. وهو مذهب البخاري والمحققين، لخبر: (إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة (١) )،
وقيل: يكره استعماله بلا إضافة شهر إليه، ونقله عياض وغيره، وما قيل إنه اسم من أسماء الله تعالى لم يثبت، وما روي فيه من الحديث [ضعيف] )،
وقيل: يجوز استعماله بلا إضافة شهر إليه بقرينة كصمنا رمضان،
ويكره بدونها كجاء رمضان. انظر الشبراخيتي، والحطاب. وقد علمت أن كونه اسما من أسماء الله تعالى خلاف الصحيح، فلا إيهام، فيجوز استعماله من غير قرينة، واعلم أن الدميري من الشافعية وابن حجر في شرح البخاري ذكرا تبعا للنووي أن ووهب مالك أنه لا يجوز أن يقال: رمضان، من غير ذكر الشهر،
فإن النووي ذكر في المسألة ثلاثة مذاهب: أحدها أنه لا يقال رمضان على انفراده بحال، وإنما يقال شهر رمضان، قال: وهذا قول أصحاب مالك وغيرهم،
وقال أكثر أصحابنا وابن الباقلاني: إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر فلا كراهة وإلا كره.
والمذهب الثالث، مذهب البخاري والمحققين أنه لا كراهة في إطلاق رمضان بقرينة، وبغير قرينة وهذا المذهب هو الصواب والمذهبان الأولان فاسدان. قال الحطاب: وما نسبه النووي لأصحاب مالك غريب غير معروف، وقد تكرر في لفظ مالك في الموطإ رمضان من غير ذكر الشهر. والله أعلم. والعجب من الأبي في نقله كلام النووي وسكوته عليه وعدم ذكره كلام القاضي عياض،
ومن الفاكهاني حيث نقله في شرح العمدة ولم ينبه عليه، وظاهر المتيطي أن الخلاف في الجواز وعدمه، والذي يقتضيه كلام الإكمال أن الخلاف إنما هو في الكراهة وهو الظاهر، وكلام النووي ليس فيه التصريح بأن ذلك لا يجوز، بل ظاهر عبارته أن ذلك مكروه، واحتج القائلون بأنه لا يقال ذلك بحديث أبي هريرة: (لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ولكن قولوا شهر رمضان (١) )، وهذا الحديث رواه البيهقي وضعفه، والضعف بين عليه، ورُوِيَ الكراهةُ في ذلك عن مجاهد والحسن البصري، والكراهة لا تثبت إلا بالشرع.
وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة جواز ذلك، ففي الصحيحين: (إذا جاء رمضان فتحت الجنة (٢) )،
وفي بعض الروايات: (إذا دخل رمضان (٣) )، وهذا هو حجة المجيز. الجزولي: لا يجوز أن يضاف الشهر إلى اسمه ويقال شهر كذا إلا رمضان وربيعان، ومراده بعدم الجواز من حيث اللغة، ونقل عن سيبويه جواز إضافة شهر إلى سائر أعلام المشهور، وإنما اختص الثلاثة بإضافة لفظ الشهر إليها على القول الأول ليلا يلتبس شهر ربيع الأول والثاني بفصل الربيع، ولا قيل في رمضان إنه من أسماء الله تعالى وإن كان ضعيفا والله سبحانه أعلم.
أو برؤية عدلين، هذا الأمر الثاني الذي يثبت به رمضان وهو الرؤية، وهي على وجهين: مستفيضة وسيأتي الكلام عليها، وغير مستفيضة وهي المراد هنا؛ يعني أن رمضان كما يثبت بكمال شعبان ثلاثين، يثبت برؤية عدلين ليلة ثلاثين من استهلال شعبان، كانا بصوب واحد أم لا ولكنهما متقاربان،
ولو ادعيا رؤيته في الجهة التي وقع المطلب فيها من غيرهما وَلَمْ يُرَ، وأراد المصنف بالعدلين ما قابل المستفيضة وإن كانوا ثلاثة أو أكثر، وعند الحنفية كل مسلم عدل
وكذا الشافعي في العبادات. واعلم أن تعهد الأهلة فرض كفاية للمؤقتات الشرعية. قاله الأمير. وروى أبو داوود عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان،
فإن غم عليه عدّ ثلاثين يوما ثم صام (١) )،
وفي الحديث: (الشهر تسعة وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه،
فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له (٢) ). وقوله: الشهر تسعة وعشرون، قيل: إنه محمول على الغالب لقول ابن مسعود: (صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين (٣) )، أخرجه أبو داوود والترمذي، أو معناه أن الشهر يكون تسعا وعشرين وهكذا وقع في حديث أم سلمة في البخاري،
وقوله: فإن غم عليكم، قال ابن حجر: بضم المعجمة وتشديد الميم؛ أي حال بينكم وبينه غيم، يقال: غممت الشيء إذا غطيته. قاله محمد بن الحسن. وقوله: فاقْدُروا له الباجي: عن إمامنا مالك: تقديره إتمام الذي أنت فيه ثلاثين، والتقدير يأتي بمعنى التمام؛ أي كقوله تعالى: {قد جعل الله لكل شيء قدرا} ؛ أي تماما، وفسر مالك الحديث المذكور بالخبر الآخر: (فأكملوا العدة ثلاثين (٤) )، وهذا التفسير نسبه ابن حجر للجمهور،
وقال الطحاوي: إن الحديث الثاني ناسخ للأول،
وأن التقدير في الأول معناه أن ينظر إلى الهلال ليلة الواحد والثلاثين،
فإن سقط لستة أسباع ساعة فهو من تلك الليلة،
وإن سقط لضعفها فمما قبلها وأبطله ابن رشد.
وقال عقبه. والذي أقول به في معنى التقدير المأمور به في الحديث أن ينظر في المشهور التي قبل شعبان،
فإن توالى ثلاثة على الكمال حمل على النقص، وإلا حمل على الكمال وهو محمل الحديث الثاني. انتهى. قال الحطاب: وتفسير مالك هو الحق الذي لا غبار عليه، وما عداه فيه ما فيه.
والحاصل أنه اختلف في الحديث على ثلاثة أقوال: قول الإمام إن الحديث الثاني تفسير للأول، وقول الطحاوي إنه ناسخ له، وقول ابن رشد بالجمع بينهما. قاله محمد بن الحسن. وتفسير مالك المتقدم عن الباجي هو الذي نسبه ابن حجر للجمهور،
وقال فيه الحطاب: هو الحق الذي لا غبار عليه، وما عداه فيه ما فيه، وعلم من كلام المصنف أنه لا يلتفت لحساب المنجمين وهو كذلك كما يأتي للمصنف، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى عند قوله: "لا بمنجم" ،
وفي كلام الأجهوري هنا نظر. واعلم أن قولهم: "يثبت رمضان" ، بكذا ليس المراد به خصوصية الثبوت عند القاضي، وإنما المراد ما هو أعم من ذلك؛ وهو أنه يثبت حكمه ويستقر وجوده عند القاضي وغيره. قاله الحطاب. تنبيهات: الأول: ما ذكره المصنف من اشتراط عدلين في الشهادة هو المشهور،
قال في المدونة: ولا يصام رمضان ولا يفطر فيه، ولا يقام الموسم إلا بشهادة رجلين حرين مسلمين عدلين. انتهى. وهذا في حق من لم ير الهلال بنفسه،
وأما من رآه فيلزمه الصوم. وتحصل مما مر أن رمضان لا يثبت بشهادة رجل وامرأة خلافا لأشهب، ولا بشهادة رجل وامرأتين خلافا لابن مسلمة،
وفي النوادر: ولا يصام ولا يفطر بشهادة صالحي الأرقاء، ولا من فيه علقة رق، ولا بشهادة النساء والصبيان، ولا فرق في ذلك بين رمضان وغيره من المشهور إلا برؤية عدلين، وهذا هو المعروف، قال ابن عبد الحكم: رأيت أهل مكة يذهبون بهلال الموسم في الحج مذهبا لا ندري من أين أخذوه؛ لأنهم لا يقبلون في هلال الموسم إلا أربعين رجلا،
وقيل عنهم خمسين، والقياس أن يجوز فيهم شَاهِدَا عَدْل كما يجوز في الدماء والفروج، ولا أعلم شيئا فيه أكثر من شاهدين إلا الزنى.
وقال سند بعد أنَّ ذكر كلام ابن عبد الحكم: وعندي أنهم رأوا شأن الحج من أعظم العبادات البدنية وأعظم الحقوق، يعتبر فيه خمسون رجلا وهو القسامة في الدم، قاله الحطاب.
الثاني: قال في الأذكار: روينا في مسند الدارمي وكتاب الترمذي (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال، قال: اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله (١) )، قال الترمذي: حديث حسن،
وفي مسند الدارمي أيضا: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال، قال: الله أكبر، اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى، ربي وربك الله (٢) ).
وفي سنن أبي داوود: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال، قال: هلال خير ورشد، هلال خير ورشد آمنت بالذي خلقك ثلاث مرات، ثم يقول: الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا )، وقوله: هلال خير ورشد، هكذا ذكرد في الأذكار مرتين، وصرح بذلك الدميري في شرح المنهاج،
فقال: وفي أبي داوود كان يقول: هلال رشد وخير؛ مرتين، ورأيته في نسخة مصححة من أبي داوود مكررا ثلاثا،
قال الدميري بعد أن ذكر ما تقدم: ويستحب أن يقرأ بعد ذلك سورة الملك [لأثر] ورد فيه ولأنها المنجية الواقية، قال الشيخ تقي الدين السبكي: وكأن ذلك لأنها ثلاثون آية بعدد أيام المشهور، ولأن السكينة تنزل عند قراءتها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها عند النوم. قاله الحطاب. الثالث: كان صلى الله عليه وسلم يقول إذا دخل شهر رمضان: (اللَّهُمَّ سلمني من رمضان وسلم رمضان لي وسلمه مني (٥) )، قوله: سلمني من رمضان أي لا يصيبني فيه ما يحول بيني وبين صيامه من مرض أو غيره، وقوله: وسلم رمضان لي هو أن لا يغم عليه الهلال في أوله وآخره فيلتبس عليه الصوم والفطر، وقوله: وسلمه مني؛
أي اعصمني من المعاصي فيه، والظاهر أن المراد بقوله: إذا دخل شهر رمضان، أنه كان يقول ذلك في الوقت الذي يتراءى الناس الهلال فيه قبل الرؤية، بدليل قول مفسر الحديث: إن معنى سلم رمضان لي هو أن لا يغم علي الهلال في أوله وآخره، فيتأتى ذلك. والله سبحانه أعلم. انظر الحطاب. الرابع: قال ابن فرحون في الألغاز: إذا تعلق برؤية الهلال فرض كالصوم والفطر فلا بد من اثنين،
وأما إذا أريد بذلك علم التاريخ فإنه يقبل في ذلك رؤية الرجل الواحد والعبد والمرأة؛ لأنه خبر، فيقبل منهم، ونقله عن الطرطوشي، ودخل في قوله: إذا تعلق برؤية الهلال فرض، كل حكم شرعي،
فإذا تعلق برؤية الهلال حلول دين أو كمال عدة معتدة فلا بد في ذلك من شاهدين. والله سبحانه أعلم. انظر الحطاب. الخامس: قال الخليل: مَأْخَذُ رمضان من الرمض بالتحريك؛ وهو مطر يأتي آخر الخريف، سمي هذا الشهر به لأنه يغسل الأبدان من الآثام ويطهر قلوبهم،
وقيل: سمي به لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها
وقيل: لأن القلوب تأخذ فيه أي في رمضان من حرارة الموعظة والفكرة في أمر الآخرة كما يأخذ الرمل والحجارة من حر الشمس.
وفي القاموس: الرمض محركة: شدة وقع الشمس على الرمل وغيره، ورمض يومنا كفرح اشتد حره، وقدمه احترقت، ويجمع رمضان على رمضانات ورمضانين وأرمضة وأرمُض، ورمضان إن صح أنه اسم من أسماء الله تعالى معناه: الغافر؛ أي يمحو الذنوب ويمحقها. واعلم أن أسماء المشهور منقولة سميت بحالات الأزمنة، فرمضان وافق زمن الحر هذا على الصحيح من أنه ليس من أسماء الله عز وجل، وسمي شوال شوالا لأن النوق تشيل فيه أذنا بها لظهور الحمل بها، وذو القعدة لأنهم كانوا يقعدون فيه عن القتال، وذو الحجة لأنهم كانوا يحجون فيه، والمحرم لأنهم كانوا يحرمون فيه القتال، وصفر من الصفر بالسكون الذي هو الخلو فإن الطرقات يقل سالكها بسبب ذهاب الأمن في انسلاخ الأشهر الحرم، والربيعان من ربيع العشب لأنه قد يأتي فيهما، وَالجُمَادَيَانِ من جمد الماء لأنهما يأتيان في زمن البرد وشدته غالبا، ورجب شهر حرام من الترجيب وهو التعظيم، وشعبان وهو من التشعب لأن العرب كانت تختلف فيه وتظهر القتال لخروج الشهر الحرام.
وقال أهل اللغة: الشهر مأخوذ من الشهرة، يقال: شهره يشهره شهرا إذا أظهره، سمي الشهر شهرا لشهرة أمره في حوائج الناس إليه في معاملاتهم ومناسكهم من حجهم وصومهم وغير ذلك. السَّادِسُ: ورد في خبر الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (شهرا عيد لا ينقصان: رمضان، وذو الحجة (١) ). انتهى. ولا خلاف أنه إذا شهد عدلان ليلة ثلاثين من رمضان أو من ذي الحجة برؤية الهلال يعمل بشهادتهما،
وقال ابن مسعود: (صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين (٢) )،
وقال بعض الحفاظ: صام رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات: اثنان ثلاثون ثلاثون، وسبعة تسعة وعشرون. قاله عبد الباقي.
وقال الخرشي عن بعضهم، أنه صلى الله عليه وسلم صام تسع رمضانات؛ الكمل منها خمس، والناقص أربع. من تذكرة ابن عوان. انتهى. والجواب أن الأصح في معنى الحديث لا ينقص أجرها، والثواب المرتب عليهما، ومعنى ذلك أن ثواب العمل في كل واحد منهما إذا كان ناقصا يعدل ثوابه إذا كان كاملا، وهذا ظاهر في رمضان،
وأما في ذي الحجة فمعناه: إذا أخطأ الجم فوقفوا في العاشر فإن ذلك يجزئهم، ولهم ثواب من وقف في التاسع،
وقيل أيضا في معنى الحديث أن المراد لا ينقصان معا، بل إن جاء أحدهما ناقصا جاء الآخر كاملا ولا بد، قال ابن حجر: وهذان الجوابان هما المشهوران عن السلف. انظر حاشية الشيخ بناني. السابع: أفهم قوله: "بكمال شعبان أو برؤية" ، أنه لو رأى الشخص النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بالصوم لم يجب الصوم على صاحب المنام ولا غيره وهو كذلك إجماعا، قاله عياض: لأن من شروط التحمل العقل الكامل والراءي غير عاقل، ولا يضبط ما رآه في النوم كل الضبط لا للشك في رؤيته صلى الله عليه وسلم؛
لأن من رآه لم ير إلا الحق. انظر الشبراخيتي. الثامن: نقل الشيخ محمد بن البكري في مؤلفه إعلام الأنام بفضائل الصيام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان فتحت أبواب الجنان فلم يغلق منها باب واحد الشَّهرَ كُلَّهُ، وغلت عتاة الجن، ونادى مناد كل ليلة إلى انفجار الصبح: يا باغي الخير تمّم وأبشر ويا باغي الشر قصّر وأقصر، هل من مستغفر يغفر له؟
هل من تائب يتاب عليه؟ هل من داع يستجاب له؟ هل من سائل يعطى سؤله؟ ولله عند كل فطر في شهر رمضان كل ليلة عتقاء من النار ستون ألفا،
فإذا كان يوم الفطر أعتق الله تبارك وتعالى مثل ما عتق في جميع الشهر ثلاثين مرة ستين ألفا ). رواه البيهقي. ونقل أيضا من رواية البيهقي والأصبهاني، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله في كل ليلة من رمضان ستمائة ألف عتيق من النار،
فإذا كان آخر ليلة عتق بعدد ما مضى (٢) )، وروى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان أول ليلة من رمضان نظر الله تعالى إلى خلقه،
وإذا نظر إلى عبد لم يعذبه أبدا، ولله في كل يوم وليلة ألف ألف عتيق من النار،
فإذا كانت ليلة تسع وعشرين أعتق فيها مثل ما أشتق في كل الشهر (٣) )، ونقل أيضا: (ولله في كل من شهر رمضان عند الإفطار ألف ألف عتيق من النار كلهم قد استوجبوا النار،
فإذا كان آخر يوم من شهر رمضان أعتق الله في ذلك اليوم بقدر ما أعتق من أول الشهر (٤) )، ونقل العلامة ابن حجر الهيثمي في كتابه: إتحاف أهل الإسلام بخصوصيات الصيام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان أول ليلة من رمضان فتحت أبواب السماء فلا يغلق منها باب حتى يخرج آخر ليلة من رمضان، وليس من عبد مؤمن يصلي في ليلة منها إلا كتب الله له ألفا وسبعمائة حسنة بكل سجدة، وبنى له بيتا في الجنة من ياقوتة حمراء لها ستون ألف باب، لكل باب قصر من ذهب مرشح بياقوتة حمراء،
فإذا صام أول يوم من رمضان غفر له ما تقدم من ذنبه إلى مثل ذلك اليوم من رمضان، واستغفر له كل يوم سبعون ألف ملك من صلاة الغداة إلى أن توارت بالحجاب؛ أي إلى غروب الشمس، وكان له بكل سجدة يسجدها في شهر رمضان بليل أو نهار شجرة يسير الراكب في ظلها خمس مائة عام (٥) ). رواه البزار والبيهقي وغيرهما. وذكر غيره عن أبي سعيد الخدري ما فيه مخالفة، فقال: عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أبواب السماء وأبواب الجنة لتفتح لأول ليلة من شهر رمضان فلا تغلق إلى آخر ليلة منه إلى أن
قال: فإذا صام أول يوم من شهر رمضان غفر له كل ذنب إلى آخر رمضان وكان كفارة إلى مثلها إلى أن قال: وكان له بكل سجدة يسجدها من ليله أو نهاره شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها ). قاله الشيخ علي الأجهوري. قال جامعه عفا الله تعالى عنه: الظاهر أنه لا مخالفة، بل هي أجور وردت عن الشارع يتفضل المولى تبارك وتعالى بجميعها على من قابله يفَضْله، وقوله: إلى آخر ليلة منه، لا يخالف ما مر بجعل الغاية داخلة فيما قبلها.
والله سبحانه أعلم. وللشيخ علي الأجهوري رحمه الله تعالى: برمضان كل يوم يعتق … ستون ألفا جا بذا المصدق ومثل كل ذي بيوم الفطر … يعتقه فيا له من أجر وجاء أن العتقا ستمئين … من الألوف كل يوم يا فطين ويعتق الله بيوم الفطر … بقدر ما أعتقه في الشهر وألف ألف كل يوم ذا ورد … لليلة العشرين مع سبع تعد فيعتق الله بها بقدر ما … أعتق في جميعه فلتعلما وجاء عند كل فطر وسحور … سبعة آلاف عتيق للغفور وصائم الأول منه تغفر … ذنوبه لمثله فاستبشروا سبعون ألف ملك تصلي … على الذي يصوم فاحفظ نقلي من الغداة للعشي كل يوم … وجاء هذا غير مخصوص بقوم ثم له بكل سجدة بليل … ألف وسبع مائة بغير ميل من حسنات وله رب السما … يبني بدار الخلد بيتا فاعلما وفي التيسير: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان؛
فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخُلوفُ فم الصائم أفضل عند الله من ريح المسك ).
وفي رواية: (الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب،
فإذا شاتمه أحد أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم (٢) )، أخرجه الستة. وقوله: الصوم لي؛ أي لم يشاركني فيه أحد، ومعنى ذلك -والله تعالى أعلم- أن الصوم ليست له صورة ظاهرة، وإنما هو نية مع كف؛ أي نية الامتثال بالكف، وهذا الوجه لا تصح فيه الشركة؛ لأنه إذا لم يكن بهذه المثابة لم يكن صوما،
وأما كون معناه أن الصوم لم يعبد به غير الله، فغير صحيح. والله سبحانه أعلم. والخلوف بضم الخاء: تغير ريح فم الصائم من ترك الأكل والشرب، والرفث: مخالطة الرجل المرأة بما يريد منها،
وقيل: هو التصريح بذكر الجماع؛ وهو الحرام في الحج على المُحْرِمِ
وأما الرفث في الكلام إذا لم يكن مع امرأة فلا يحرم، لكن يستحب تركه، والصخب: الضجة والجلبة. وفيه أيضا عن الترمذي، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام يوما في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقا كما بين السماء والأرض) ، وَرَوَى أيضا عن النسائي عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، قال: (قلت يا رسول الله: مرني بأمر ينفعني الله به، قال: عليك بالصوم فإنه لا عدل له) وَرَوَى أيضا عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة بابا يقال له الريان لا يدخله إلا الصائمون،
فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد) . أخرجه الخمسة إلا أبا داود،
وزاد الترمذي: (ومن دخله لا يظمأ أبدا) ، وروى أيضا عن الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وسلسلت الشياطين) . أخرجه الستة إلا أبا دوود،
وفي أخرى للنسائي: (وينادي مناد كل ليلة يا باغي الخير هلم ويا باغي الشر أقصر (٣) ).
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.