وإنما تدفع لحر مسلم فقير.
الشروح عليها
(وَإِنَّمَا تُدْفَعُ لَحُرٍّ مُسْلِمٍ فَقِيرٍ) غَيْرِ هَاشِمِيٍّ فَتُدْفَعُ لِمَالِكِ نِصَابٍ لَا يَكْفِيهِ عَامَهُ فَأَوْلَى مَنْ لَا يَمْلِكُهُ لَا لِعَامِلٍ عَلَيْهَا وَمُؤَلَّفٍ قَلْبُهُ وَلَا فِي الرِّقَابِ وَلَا لِغَارِمٍ وَمُجَاهِدٍ وَغَرِيبٍ يَتَوَصَّلُ بِهَا لِبَلَدِهِ بَلْ بِوَصْفِ الْفَقْرِ وَجَازَ دَفْعُهَا لِأَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ وَلِلزَّوْجَةِ دَفْعُهَا لِزَوْجِهَا الْفَقِيرِ
بِخِلَافِ الْعَكْسِ (بَابُ ذَكَرَ فِيهِ حُكْمَ الصِّيَامِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ) ، وَهُوَ لُغَةً الْإِمْسَاكُ عَنْ الشَّيْءِ وَشَرْعًا إمْسَاكٌ عَنْ شَهْوَتَيْ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ بِنِيَّةٍ فَلَهُ رُكْنَانِ وَافْتَتَحَهُ بِمَا يَثْبُتُ بِهِ رَمَضَانُ بِقَوْلِهِ
(قَوْلُهُ فَتُدْفَعُ لِمَالِكِ نِصَابٍ) أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفُقَرَاءِ هُنَا فُقَرَاءُ الزَّكَاةُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ
وَقِيلَ إنَّمَا تُدْفَعُ لِعَادِمِ قُوتِ يَوْمِهِ وَالْأَوَّلُ قَوْلُ أَبُو مُصْعَبٍ وَشَهَّرَهُ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَالثَّانِي قَوْلُ اللَّخْمِيِّ،
وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ فِي بَلَدِهَا فُقَرَاءُ نُقِلَتْ لِأَقْرَبِ بَلَدٍ فِيهَا ذَلِكَ بِأُجْرَةٍ مِنْ الْمُزَكِّي لَا مِنْهَا لِئَلَّا يَنْقُصَ الصَّاعُ هَذَا إنْ أَخْرَجَهَا الْمُزَكِّي فَإِنْ دَفَعَهَا لِلْإِمَامِ فَفِي نَقْلِهِ لَهَا لِأَقْرَبِ الْبِلَادِ لِبَلَدِهَا حِينَ فَقْدِهِمْ مِنْهَا بِأُجْرَةٍ مِنْهَا أَوْ مِنْ الْفَيْءِ قَوْلَانِ قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ
(قَوْلُهُ دَفْعُهَا لِزَوْجِهَا الْفَقِيرِ) إنَّمَا جَزَمَ هُنَا بِجَوَازِ دَفْعِهَا لِزَوْجِهَا الْفَقِيرِ دُونَ زَكَاةِ الْمَالِ فَإِنَّ فِيهَا قَوْلَيْنِ بِالْمَنْعِ وَالْكَرَاهَةِ لِلْفَرْقِ بِقِلَّةِ النَّفْعِ بِالنِّسْبَةِ لِزَكَاةِ الْمَالِ.
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْعَكْسِ) أَيْ فَلَا يَجُوزُ وَلَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ فَقِيرَةً؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا تَلْزَمُهُ وَمَنْ أَيْسَرَ بَعْدَ أَعْوَامٍ لَمْ يَقْضِيهَا اهـ عبق [بَابُ الصِّيَامِ] (بَابٌ فِي الصِّيَامِ)
(قَوْلُهُ عَنْ شَهْوَتَيْ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ) يَبْطُلُ طَرْدُ هَذَا التَّعْرِيفِ بِمَا إذَا جُومِعَتْ نَائِمَةً أَوْ قَائِمَةً عَمْدًا فَالتَّعْرِيفُ يَقْتَضِي صِحَّةَ صَوْمِهِ لِإِمْسَاكِ كُلٍّ عَنْ شَهْوَتَيْ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ
(قَوْلُهُ فَلَهُ رُكْنَانِ) أَيْ الْإِمْسَاكُ وَالنِّيَّةُ وَإِنَّمَا كَانَا رُكْنَيْنِ لِدُخُولِهِمَا فِي مَاهِيَّتِه وَمَفْهُومِهِ،
وَأَمَّا شُرُوطُ وُجُوبِهِ فَالْإِطَاقَةُ وَالْبُلُوغُ وَشُرُوطُ صِحَّتِهِ الْإِسْلَامُ وَالزَّمَانُ الْقَابِلُ لِلصَّوْمِ،
وَأَمَّا شُرُوطُ وُجُوبِهِ وَصِحَّتِهِ فَالْعَقْلُ وَعَدَمُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَمَجِيءُ شَهْرِ رَمَضَانَ
ص (وَإِنَّمَا تُدْفَعُ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ فَقِيرٍ) ش: خَتَمَ الْبَابَ بِبَيَانِ مَصْرِفِ زَكَاةِ الْفِطْرِ، فَقَالَ: وَإِنَّمَا تُدْفَعُ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ فَقِيرٍ يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيمَنْ تُدْفَعُ لَهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: (الْأَوَّلُ) الْحُرِّيَّةُ،
(وَالثَّانِي) الْإِسْلَامُ، (وَالثَّالِثُ) الْفَقْرُ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا فَلَا تُدْفَعُ لِعَبْدٍ وَلَا لِمَنْ فِيهِ شَائِبَةٌ وَلَا لِكَافِرٍ وَلَا لِغَنِيٍّ،
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يُعْطَاهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ وَلَا الْعَبْدُ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: يُرِيدُ: وَلَا الْأَغْنِيَاءُ فَإِنْ أَعْطَاهَا مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهَا عَالِمًا بِذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ،
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ نُظِرَ فَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِأَيْدِيهِمْ اسْتَرْجَعَهَا،
وَإِنْ أَكَلُوهَا وَصَانُوا بِهَا أَمْوَالَهُمْ ضَمِنُوهَا،
وَإِنْ هَلَكَتْ بِسَبَبٍ مِنْ اللَّهِ نُظِرَ فَإِنْ غَرُّوا ضَمِنُوا،
وَإِنْ لَمْ يَغِرُّوا لَمْ يَضْمَنُوا، انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَاخْتُلِفَ فِي صِفَةِ الْفَقِيرِ الَّذِي تَحِلُّ لَهُ فَقِيلَ: هُوَ مَنْ تَحِلُّ لَهُ زَكَاةُ الْعَيْنِ،
وَقَالَ أَبُو مُصْعَبٍ لَا يُعْطَاهَا مَنْ أَخْرَجَهَا وَلَا يُعْطَى فَقِيرٌ أَكْثَرَ مِنْ زَكَاةِ إنْسَانٍ وَهُوَ صَاعٌ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا الْيَوْمِ» فَالْقَصْدُ غَنَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَالْقَصْدُ بِمَا سِوَاهَا مِنْ الزَّكَاةِ مَا يُغْنِيهِ عَمَّا يَحْتَاجُهُ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَقَدْ قِيلَ: يُعْطَى مَا فِيهِ كَفَافٌ لِسَنَةٍ، وَلِذَا قِيلَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطَى الزَّكَاةَ مَنْ لَهُ نِصَابٌ لَا كِفَايَةَ فِيهِ وَلَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ أَنَّهُ لَا يُعْطَى زَكَاةَ الْفِطْرِ مَنْ يَمْلِكُ نِصَابًا، انْتَهَى.
فَأَوَّلُ كَلَامِهِ يُخَالِفُ آخِرَهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ " لَا تَحِلُّ لَهُ زَكَاةُ الْعَيْنِ " يَقْتَضِي جَوَازَ دَفْعِهَا لِمَالِكِ النِّصَابِ،
وَقَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ: لَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ أَنَّهَا لَا تُعْطَى لِمَنْ يَمْلِكُ نِصَابًا إلَّا أَنْ يُقَيَّدَ أَوَّلُ كَلَامِهِ بِآخِرِهِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ آخِرًا فَإِنَّهُ قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي صِفَةِ مَنْ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ مَنْ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ،
وَالثَّانِي - أَنَّهُ الْفَقِيرُ الَّذِي لَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى أَكْثَرَ مِنْ صَدَقَةٍ إنْسَانٌ وَاحِدٌ، وَعَلَى الثَّانِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، انْتَهَى. وَنَحْوُهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَالذَّخِيرَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رَاشِدٍ فِي الْبَابِ الْآتِي،
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي كَوْنِ مَصْرِفِهَا فَقِيرَ الزَّكَاةِ أَوْ عَادِمَ قُوتِ يَوْمِهِ نَقَلَ اللَّخْمِيُّ،
وَقَالَ أَبُو مُصْعَبٍ: وَخَرَجَ عَلَيْهَا إعْطَاؤُهَا مَنْ مَلَكَ عَبْدًا فَقَطْ وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِعَجْزِ قِيمَتِهِ عَنْ نِصَابٍ أَوْ كَوْنِهِ مُحْتَاجًا إلَيْهِ، انْتَهَى.
فَانْظُرْهُ فَاَلَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْفَقِيرَ الَّذِي تُصْرَفُ لَهُ الْفِطْرَةُ هُوَ فَقِيرُ الزَّكَاةِ عَلَى الْمَشْهُورِ عَلَى مَا قَالَهُ الْجَمَاعَةُ،
وَقِيلَ مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ بِأَنْ لَا يَكُونَ مَالِكًا لِلنِّصَابِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَمَصْرِفُهَا مَصْرِفُ الزَّكَاةِ،
وَقِيلَ الْفَقِيرُ الَّذِي لَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا وَعَلَى الْمَشْهُورِ يُعْطَى الْوَاحِدُ عَنْ مُتَعَدِّدٍ،
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهَا تُصْرَفُ فِي الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ نَصَّ فِي الْمَوَّازِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْطَى مِنْهَا مَنْ يَلِيهَا وَلَا مَنْ يَحْرُسُهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يُعْطَى مِنْهَا الْمُجَاهِدُونَ، وَأَكْثَرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا تُعْطَى لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَقَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ هُنَا أَنَّهَا لَا تُعْطَى لِلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ،
وَلَوْ اُحْتِيجَ إلَيْهِمْ وَهُوَ أَيْضًا ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ،
وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُمْ كُفَّارٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَيُعْطَى مِنْهَا ابْنُ السَّبِيلِ إذَا كَانَ فَقِيرًا بِمَوْضِعِهِ،
وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا بِبَلَدِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا الْيَوْمِ» ، وَهَذَا إذَا كَانَ مُحْتَاجًا لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ ذَلِكَ وَانْظُرْ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا الرَّقِيقَ، وَيُعْتِقَ إذَا فَضَلَ عَنْ حَاجَةِ فُقَرَاءِ بَلَدِهَا أَوْ لَمْ يُوجَدْ بِهِ فَقِيرٌ أَمْ لَا وَيَنْقُلَ مَا فَضَلَ إلَى غَيْرِهِمْ وَهَلْ يُعْطَى الْغَارِمُ مِنْهَا أَمْ لَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ إجَازَةُ جَمِيعِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَمَصْرِفُهَا كَالزَّكَاةِ أَيْ فَتُصْرَفُ فِي الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، وَاعْتَرَضَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْمَنْعَ مَقْصُورٌ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْعَبِيدِ وَالْغَنِيِّ عَلَى تَقْيِيدِ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُهَا لِغَيْرِهِمْ فَانْظُرْهُ مَعَ كَلَامِ الشَّيْخِ، انْتَهَى.
كَلَامُ الشَّارِحِ.
(قُلْتُ) : أَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي ابْنِ السَّبِيلِ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُخِذَ حِينَئِذٍ بِوَصْفِ الْفَقْرِ،
وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَعَهُ مَا يَكْفِيهِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى مَا يُوصِلُهُ إلَى بَلَدِهِ فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ الْمُتَقَدِّمِ أَوْ صَرِيحُهُ أَنَّهَا لَا تُصْرَفُ لَهُ، وَأَنَّهَا لَا تُصْرَفُ فِي شِرَاءِ رَقِيقٍ وَلَا لِغَارِمٍ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفِ،
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ فِي اللُّبَابِ، وَنَصُّهُ: وَالْمُخْرَجُ إلَيْهِ مَنْ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ مِنْ الْفُقَرَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ،
وَقِيلَ: الْفَقِيرُ الَّذِي لَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا فِي يَوْمِهِ، انْتَهَى.
قَالَ فِي الْجَلَّابِ: وَلَا تُدْفَعُ إلَّا إلَى حُرٍّ مُسْلِمٍ فَقِيرٍ،
وَأَمَّا كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي صَرْفُهَا لِغَيْرِ الْفَقِيرِ،
وَأَمَّا كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ فَمُعْتَرَضٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ اعْتَمَدَ الشَّارِحُ فِي شَامِلِهِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرَهُ هُنَاكَ لَكِنَّهُ حَكَاهُ بِقِيلِ، فَقَالَ وَمَصْرِفُهَا حُرٌّ مُسْلِمٌ فَقِيرٌ،
وَقِيلَ مَصْرِفُ الزَّكَاةِ وَهُوَ ظَاهِرُهَا لَا لِغَنِيٍّ وَعَبْدٍ وَمُؤَلَّفٍ، انْتَهَى. فَأَشَارَ بِقَوْلِهِ،
وَقِيلَ إلَى مَا قَالَهُ: إنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِّ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ الشَّارِح فِي الْكَبِيرِ نَبَّهَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ " فَقِيرٌ " عَلَى أَنَّهَا تُدْفَعُ لِلْمَسَاكِينِ مِنْ بَابِ أَوْلَى لِمَا عَلِمْت أَنَّهُ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ أَشَدُّ حَاجَةً مِنْ الْفَقِيرِ، انْتَهَى. وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ التَّوْضِيحِ أَنَّهُ قَالَ: أَكْثَرُ عِبَارَاتِهِمْ أَنَّهَا تُعْطَى لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَهَكَذَا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَا بَأْسَ بِدَفْعِهَا لِأَهْلِهِ الَّذِينَ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ عَلَى الْأَظْهَرِ وَلِلْمَرْأَةِ دَفْعُهَا لِزَوْجِهَا الْفَقِيرِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ دَفْعُهَا لَهَا وَلَوْ كَانَتْ فَقِيرَةً؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا تَلْزَمُهُ وَمَنْع أَيْسَرَ بَعْدَ أَعْوَامٍ لَمْ يَقْبِضْهَا، انْتَهَى. وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ.
(الْخَامِسُ) الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ - أَعْنِي قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَغْنُوهُمْ - يُغْنِي الْمَسَاكِينَ عَنْ طَوَافِ هَذَا الْيَوْمِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَرُوِيَ «أَغْنُوهُمْ عَنْ الطَّلَبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ» ، وَرُوِيَ «أَغْنُوهُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ» ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى.
[كِتَابُ الصِّيَامِ] قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: الصِّيَامُ هُوَ الْإِمْسَاكُ وَالْكَفُّ وَالتَّرْكُ، وَأَمْسَكَ عَنْ الشَّيْءِ وَكَفَّ عَنْهُ وَتَرَكَهُ فَهُوَ صَائِمٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} . أَيْ صَمْتًا وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْكَلَامِ وَالْكَفُّ عَنْهُ،
قَالَ النَّابِغَةُ:
خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ ... تَحْتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا يُرِيدُ بِصَائِمَةٍ وَاقِفَةً مُمْسِكَةً عَنْ الْحَرَكَةِ وَالْجَوَلَانِ، وَقَوْلُهُمْ صَامَ النَّهَارُ مَعْنَاهُ إذَا انْتَصَفَ؛ لِأَنَّ الشَّمْسَ إذَا كَانَتْ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ فَكَأَنَّهَا وَاقِفَةٌ غَيْرُ مُتَحَرِّكَةٍ لِإِبْطَاءِ مَشْيِهَا وَالْعَرَبُ قَدْ تُسَمِّي الشَّيْءَ بِاسْمِ مَا قَرُبَ مِنْهُ، انْتَهَى. وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْقَاضِي عِيَاضٍ: الصِّيَامُ فِي اللُّغَةِ الْإِمْسَاكُ قَالَ تَعَالَى: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} . أَيْ إمْسَاكًا، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ: قَالَ الْخَلِيلُ الصِّيَامُ قِيَامٌ بِلَا عَمَلٍ وَالصَّوْمُ الْإِمْسَاكُ عَنْ الطَّعَامِ وَصَامَ الْفَرَسُ أَيْ قَامَ عَلَى غَيْرِ اعْتِلَافٍ وَأَنْشَدَ بَيْتَ النَّابِغَةِ الْمُتَقَدِّمَ وَصَامَ النَّهَارُ صَوْمًا إذَا قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ وَاعْتَدَلَ وَالصَّوْمُ رُكُودُ الرِّيحِ وَالْبِكْرَاتُ شَرُّهُنَّ الصَّائِمَةُ يَعْنِي الَّتِي لَا تَدُورُ، وقَوْله تَعَالَى {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: صَمْتًا،
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: كُلُّ مُمْسِكٍ عَنْ كَلَامٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ سَيْرٍ فَهُوَ صَائِمٌ. وَالصَّوْمُ ذَرْقُ النَّعَامَةِ وَالصَّوْمُ الْبِيعَةُ وَالصَّوْمُ الشَّجَرُ فِي لُغَةِ هُذَيْلٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ غَيْرُهُ: الصَّوْمُ شَجَرٌ عَلَى شَكْلِ شَخْصِ الْإِنْسَانِ كَرِيهُ الْمَنْظَرِ، انْتَهَى.
وَقَالَ غَيْرُهُ: الْبِيعَةُ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَاحِدَةُ بِيَعِ الْيَهُودِ.
وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ الصَّوْمُ فِي اللُّغَةِ الْإِمْسَاكُ عَمَّا تَنْزِعُ إلَيْهِ النَّفْسُ، انْتَهَى. يُسَمَّى الصَّائِمُ سَائِحًا
قَالَ فِي جَمْعِ الْأُمَّهَاتِ لِلسَّنُوسِيِّ: وَعَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ يُقَالُ السَّائِحُونَ الصَّائِمُونَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا ذَكَرَ الصَّائِمِينَ لَمْ يَذْكُرْ السَّائِحِينَ وَإِذَا ذَكَرَ السَّائِحِينَ لَمْ يَذْكُرْ الصَّائِمِينَ، انْتَهَى. وَالصَّوْمُ فِي الشَّرْعِ
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: الْإِمْسَاكُ عَنْ شَهْوَتَيْ الْفَمِ وَالْفَرْجِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا مُخَالَفَةً لِلْهَوَى فِي طَاعَةِ الْمَوْلَى فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ النَّهَارِ وَبِنِيَّةٍ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ مَعَهُ إنْ أَمْكَنَ فِيمَا عَدَا زَمَنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَأَيَّامَ الْأَعْيَادِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الصَّوْمُ رَسْمُهُ عِبَادَةٌ عَدَمِيَّةٌ وَقْتَ طُلُوعِ الْفَجْرِ حَتَّى الْغُرُوبِ فَلَا يَدْخُلُ تَرْكُ مَا تَرْكُهُ وَرَعٌ لِعَدَمِ اقْتِضَائِهِ لِذَاتِهِ الْوَقْتَ الْمَخْصُوصَ وَقَدْ يُحَدُّ بِأَنَّهُ كَفٌّ بِنِيَّةٍ عَنْ إنْزَالٍ يَقَظَةً وَوَطْءٍ وَإِنْعَاظٍ وَمَذْيٍ وَوُصُولِ غِذَاءٍ غَيْرِ غَالِبٍ غُبَارٍ وَذُبَابٍ وَفَلْقَةٍ بَيْنَ الْأَسْنَانِ لِحَلْقٍ أَوْ جَوْفٍ زَمَنَ الْفَجْرِ حَتَّى الْغُرُوبِ دُونَ إغْمَاءٍ أَكْثَرَ نَهَارِهِ. وَلَا يَرِدُ بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ غَدًا فَبَيَّتَ وَأَكَلَ نَاسِيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ هَذَا رُعِيَ لِلَغْوِ الْأَكْلِ نَاسِيًا وَإِلَّا زِيدَ أَثَرُ جَوْفٍ غَيْرِ مَنْسِيَّةٍ فِي تَطَوُّعٍ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ إمْسَاكٌ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْجِمَاعِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ بِنِيَّةٍ يَبْطُلُ طَرْدُهُ قَوْلُهَا فِيمَنْ صَبَّ فِي حَلْقِهِ مَاءً وَمَنْ جُومِعَتْ نَائِمَةً وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ نَهَارِهِ وَأَمْذَى أَوْ أَمْنَى يَقَظَةً،، انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى وُجُوبِ صِيَامِ رَمَضَانَ فَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَهُ فَهُوَ مُرْتَدٌّ وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ صَوْمِهِ مَعَ الْإِقْرَارِ بِوُجُوبِهِ قُتِلَ حَدًّا عَلَى الْمَشْهُورِ.
مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: صَوْمُ رَمَضَانَ وَاجِبٌ، جَحْدُهُ وَتَرْكُهُ كَالصَّلَاةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي فَرْضِ الْعَيْنِ: وَالْمُمْتَنِعُ مِنْ صَوْمِهِ يُقْتَلُ
وَكَذَلِكَ الْمُمْتَنِعُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ وَغُسْلِ الْجَنَابَةِ وَلَا يَقْتُلُهُ إلَّا السُّلْطَانُ
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَقَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ بِالْقَتْلِ كُفْرًا فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ أَقْوَى مِنْهُ فِي الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ لَهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ مَا يُوجَدُ لِلصَّلَاةِ؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا يُوَافِقُهُ عَلَى ذَلِكَ الصَّوْمِ إلَّا الْحَكَمَ بْنَ عُيَيْنَةَ
بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ وَافَقَ فِيهَا جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، انْتَهَى.
(قُلْت) فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا، فَقَوْلُ عِيَاضٍ فِي قَوَاعِدِهِ أَنَّهُ يُحْبَسُ وَيُمْنَعُ مِنْ الْإِفْطَارِ مُخَالِفٌ لِلْمَشْهُورِ فَقَدْ صَرَّحَ بِقَتْلِهِ لِتَرْكِ الصَّوْمِ ابْنُ يُونُسَ وَغَيْرُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَاخْتُلِفَ فِي الصَّوْمِ الْوَاجِبِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: قِيلَ عَاشُورَاءُ
وَقِيلَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْمَهْدَوِيُّ عَنْ مُعَاذٍ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ عَاشُورَاءُ وَثَلَاثَةُ أَيَّام وَذَكَرَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ عَاشُورَاءُ وَاخْتُلِفَ فِي قَوْله تَعَالَى {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} . فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ رَمَضَانُ وَاَلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْأَنْبِيَاءُ وَأُمَمُهُمْ وَأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَى مَنْ قَبْلَنَا فَجَاءَ فِي الْحَرِّ فَحَوَّلُوهُ وَزَادُوا فِيهِ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ
وَقَالَ التَّشْبِيهُ فِي مُطْلَقِ الصَّوْمِ: وَإِنْ اخْتَلَفَ الْعَدَدُ
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) أَوَّلُ مَا فُرِضَ رَمَضَانُ خُيِّرَ بَيْنَ صَوْمِهِ وَبَيْنَ الْإِطْعَامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} . ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} . وَكَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ إنَّمَا يُبَاحُ الشُّرْبُ وَالْأَكْلُ وَالْجِمَاعُ بَعْدَ الْغُرُوبِ إلَى أَنْ يَنَامَ الْمُكَلَّفُ أَوْ يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ جَمِيعُ ذَلِكَ ثُمَّ وَقَعَ لِقَيْسِ بْنِ صِرْمَةَ - بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ - أَنَّهُ طَلَبَ مِنْ امْرَأَتِهِ مَا يُفْطِرُ عَلَيْهِ فَذَهَبَتْ لِتَأْتِيَ لَهُ بِهِ فَوَجَدَتْهُ قَدْ نَامَ فَأَصْبَحَ صَائِمًا فَغُشِيَ عَلَيْهِ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ} الْآيَةَ.
وَرُوِيَ «أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَرَادَ وَطْءَ امْرَأَتِهِ فَزَعَمَتْ أَنَّهَا نَامَتْ فَكَذَّبَهَا وَوَطِئَهَا ثُمَّ خَوَّنَ نَفْسَهُ وَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَذَكَرَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} . الْآيَةَ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْأَمْرَيْنِ سَبَبٌ لِنُزُولِهَا فَأُبِيحَ جَمِيعُ ذَلِكَ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الصَّوْمِ هُوَ مُخَالَفَةُ الْهَوَى؛ لِأَنَّهُ يَدْعُو إلَى شَهْوَتَيْ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ وَكَسْرُ النَّفْسِ وَتَصْفِيَةُ مِرْآةِ الْعَقْلِ وَالِاتِّصَافُ بِصِفَةِ الْمَلَائِكَةِ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى مُوَاسَاةِ الْجَائِعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَإِنَّمَا تُدْفَعُ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ فَقِيرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْطَى مِنْهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ وَلَا الْعَبِيدُ وَلَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ أَنَّهُ لَا يُعْطَى زَكَاةَ الْفِطْرِ مَنْ يَمْلِكُ نِصَابًا. ابْنُ عَرَفَةَ: فِي كَوْنِ مَصْرِفِهَا فَقِيرَ الزَّكَاةِ أَوْ عَادِمَ قُوتِ يَوْمِهِ نَقْلُ اللَّخْمِيِّ وَقَوْلُ أَبِي مَصْعَبٍ. [كِتَابُ الصِّيَامِ][بَاب فِي أَحْكَام الصِّيَام] ابْنُ شَاسٍ: يُنْظَرُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ.
أَمَّا الصَّوْمُ فَالنَّظَرُ فِي سَبَبِهِ وَرُكْنِهِ
وَشَرْطِهِ وَسُنِّيَّتِهِ. وَأَمَّا الْفِطْرُ فَالنَّظَرُ فِي مُبِيحَاتِهِ وَمُوجِبَاتِهِ.
(ص) وَإِنَّمَا تُدْفَعُ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ فَقِيرٍ (ش) يَعْنِي: أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ تُدْفَعُ لِلْحُرِّ لَا لِلْقِنِّ - وَلَوْ مُكَاتَبًا -: الْمُسْلِمِ لَا الْكَافِرِ،
وَلَوْ مُؤَلَّفًا، أَوْ جَاسُوسًا، الْفَقِيرِ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهَا لَا تُدْفَعُ لِغَيْرِ مَنْ ذَكَرَ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَلَا تُدْفَعُ لِمَنْ يَلِيهَا وَلَا لِمَنْ يَحْرُسُهَا وَلَا تُعْطَى لِمُجَاهِدٍ أَيْضًا، وَلَا يُشْتَرَى لَهُ بِهَا آلَةٌ وَلَا لِلْمُؤَلَّفَةِ، وَلَا لِابْنِ السَّبِيلِ إلَّا إذَا كَانَ فَقِيرًا بِالْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ بِهِ فَيُعْطَى مِنْهَا بِوَصْفِ الْفَقْرِ، وَلَا يُعْطَى مِنْهَا مَا يُوَصِّلُهُ لِبَلَدِهِ، وَلَا يُشْتَرَى مِنْهَا رَقِيقٌ يُعْتَقُ، وَلَا لِغَارِمٍ.
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ اللَّذَيْنِ لَمْ يَقَعَا فِي الْقُرْآنِ إلَّا مَقْرُونَيْنِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الثَّالِثِ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ (بَابُ الصَّوْمِ) وَهُوَ لُغَةً الْإِمْسَاكُ، وَشَرْعًا الْإِمْسَاكُ عَنْ شَهْوَتَيْ الْفَمِ وَالْفَرْجِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا مُخَالَفَةً لِلْهَوَى فِي طَاعَةِ الْمَوْلَى فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ النَّهَارِ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ مَعَهُ إنْ أَمْكَنَ فِيمَا عَدَا زَمَنَ الْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ، وَأَيَّامَ الْأَعْيَادِ قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَقَوْلُهُ: أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا أَيْ: الْفَمُ وَالْفَرْجُ فَيَقُومُ مَقَامَ الْفَمِ الْأَنْفُ وَنَحْوُهُ،
فَإِنَّ الْوَاصِلَ مِنْهُ لِلْجَوْفِ أَوْ لِلْحَلْقِ مُفَطِّرٌ، وَيَقُومُ مَقَامَ الْفَرْجِ اللَّمْسُ الْمُوجِبُ لِلْفِطْرِ.
(قَوْلُهُ: فَقِيرٍ) أَيْ: فَقِيرِ الزَّكَاةِ عَلَى الْمَشْهُورِ فَتُدْفَعُ لِمَالِكِ نِصَابٍ لَا يَكْفِيهِ لِعَامِهِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: لَا تُدْفَعُ لَهُ وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ «أَغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا الْيَوْمِ» وَتُدْفَعُ لِلْمَسَاكِينِ بِالْأَوْلَى أَيْ: فَالْحَصْرُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا لَا تُدْفَعُ لِمَنْ يَلِيهَا وَغَيْرِهِ مِمَّا عَدَا الْمَسَاكِينَ.
(تَنْبِيهٌ) : لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَطْلُبَهَا كَمَا يَطْلُبُ غَيْرَهَا وَلَا يَأْخُذَهَا كَرْهًا وَإِنْ بِقِتَالٍ
(قَوْلُهُ: إلَّا مَقْرُونَيْنِ) هُنَا صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ أَيْ: اللَّذَيْنِ هُمَا الرُّكْنَانِ الْأَوَّلَانِ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الثَّالِثِ إلَخْ.
[بَابُ الصَّوْمِ] (بَابُ الصَّوْمِ) شُرِعَ الصَّوْمُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ عَلَى صَاحِبِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ كَزَكَاةِ الْفِطْرِ
(قَوْلُهُ: الْإِمْسَاكُ) أَيْ: مُطْلَقُ الْإِمْسَاكِ وَالْكَفِّ عَنْ الشَّيْءِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} أَيْ: صَمْتًا وَإِمْسَاكًا عَنْ الْكَلَامِ
(قَوْلُهُ: وَشَرْعًا هُوَ الْإِمْسَاكُ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ فِعْلِيَّةٌ لَا عَدَمِيَّةٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَبَّدَنَا بِهِ كَالصَّلَاةِ وَأَمَرَنَا بِهِمَا فَهُوَ عِبَادَةٌ فِعْلِيَّةٌ كَهِيَ، وَقَدْ عُلِمَ بِالْقَاعِدَةِ الْأُصُولِيَّةِ أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ فَعَلَ أَمْرًا كَانَ بِلَا خِلَافٍ، أَوْ نَهْيًا عَلَى الْمُخْتَارِ فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عِبَادَةٌ عَدَمِيَّةٌ اهـ. إلَّا أَنْ يُقَالَ مَنْ قَالَ عَدَمِيَّةٌ أَرَادَ أَنَّهُ لَا صُورَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ حِسِّيَّةٌ كَالصَّلَاةِ
(قَوْلُهُ: مُخَالَفَةً) أَيْ: حَالَةَ كَوْنِ الْإِمْسَاكِ ذَا مُخَالَفَةٍ لِلْهَوَى وَأَرَادَ بِذَلِكَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُرَادًا لِلصَّائِمِ
لَا أَنَّ الصَّوْمَ يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ إذْ لَوْ خَلَا عَنْ ذَلِكَ لَصَحَّ صَوْمُهُ
(قَوْلُهُ: اللَّمْسُ الْمُوجِبُ لِلْفِطْرِ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْفِطْرَ عَلَى مَا سَيَأْتِي إلَّا الْمَذْيُ، أَوْ الْمَنِيُّ فَلَمْ يَكُنْ اللَّمْسُ هُوَ الْمُوجِبُ لِذَاتِهِ وَلَمْ يَكُنْ قَائِمًا مَقَامَ الْفَرْجِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَاهِبًا لِقَوْلٍ ضَعِيفٍ
(وَإِنَّمَا تُدْفَعُ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ: زَكَاةُ الْفِطْرِ (لِحُرٍّ) لَا رِقٍّ (مُسْلِمٍ) لَا كَافِرٍ (فَقِيرٍ) وَأَوْلَى مِسْكِينٍ لَا غَنِيٍّ غَيْرِ هَاشِمِيٍّ لَا هَاشِمِيٍّ، هَذَا قَوْلُ أَبُو مُصْعَبٍ وَشَهَرَهُ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ إنَّمَا تُدْفَعُ لِعَادِمِ قُوتِ يَوْمِهِ،
فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُسْتَحِقُّهَا فِي بَلَدِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَجَبَ نَقْلُهَا لِأَقْرَبِ بَلَدٍ فِيهِ مُسْتَحِقُّهَا بِأُجْرَةٍ مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَا مِنْهَا لِئَلَّا يَنْقُصَ الصَّاعُ.
فَإِنْ دَفَعَهَا لِلْإِمَامِ فَفِي نَقْلِهَا بِأُجْرَةٍ مِنْهَا أَوْ مِنْ الْفَيْءِ قَوْلَانِ وَعُلِمَ مِنْ اقْتِصَارِهِ عَلَى الْفَقِيرِ أَنَّهَا لَا تُدْفَعُ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا وَمُؤَلَّفٍ قَلْبُهُ وَلَا فِي الرِّقَابِ وَلَا لِغَارِمٍ وَلَا لِمُجَاهِدٍ وَلَا لِغَرِيبٍ مُحْتَاجٍ لِمَا يُوَصِّلُهُ.
وَيَجُوزُ دَفْعُهَا لِلْقَرِيبِ الَّذِي لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَلِلزَّوْجَةِ دَفْعُهَا لِزَوْجِهَا الْفَقِيرِ لَا عَكْسُهُ وَلَوْ فَقِيرَةً لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَجْرِ فِي دَفْعِ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ فِي دَفْعِهَا لَهُ زَكَاةَ مَا لَهَا لِقِلَّةِ نَفْعِ الْفِطْرَةِ بِالنِّسْبَةِ لِزَكَاةِ الْمَالِ.
وإنما تدفع لحر مسلم فقير، هذا بيان لمصرف زكاة الفطر؛ يعني أنه يشترط فيمن تدفع له زكاة الفطر ثلاثة شروط: الأول الحرية فلا تدفع للعبد ولو ذا شائبة، الثاني: الإسلام فلا تدفع للكافر، الثالث: الفقر فلا تدفع لغني وَلَا خِلَافَ في ذلك عندنا. قاله الحطاب.
قال في المدونة: ولا يعطاها أهل الذمة ولا العبيد، قال أبو الحسن: يريد ولا الأغنياء،
فإن أعطاها من لا يجوز له أخذها عالما بذلك لم تجزه ولا ضمان عليهم،
وإن لم يعلم نظرت فإن كانت قائمة بأيديهم استرجعها،
وإن أكلوها وصانوا بها أموالهم ضمنوها،
وإن هلكت بسبب من الله تعالى نظر،
فإن غروا ضمنوا وإن لم يغروا لم يضمنوا. انتهى. وقوله: "فقير" ، المراد به فقير الزكاة هذا هو المشهور، ومقابله لأبي مصعب، قال: لا يعطاها من أخرجها ولا يعطى فقير أكثر من زكاة إنسان. قال اللخمي: وهذا هو الظاهر لقوله عليه الصلاة والسلام: (أغنوهم عن طواف هذا اليوم (٢) )، فالقصد إغناؤهم ذلك اليوم، والقصد بما سواها من الزكاة ما يغنيه عما يحتاج إليه من النفقة والكسوة في المستقبل. انتهى.
تنبيهات: الأول: قال الحطاب قال اللخمي: واختلف في صفة الفقير الذي تحل له، فقيل: هو من تحل له زكاة العين،
وقال أبو مصعب: لا يعطاها من أخرجها، ولا يعطى فقير أكثر من زكاة إنسان وهو صاع، وهذا هو الظاهر لقوله عليه الصلاة والسلام: أغنوهم عن طواف هذا اليوم، فالقصد إغناؤهم ذلك اليوم، والقصد بما سواها من الزكاة ما يغنيه عما يحتاجه من النفقة والكسوة في المستقبل. انتهى المراد منه. ثم قال الحطاب بعد جلب أنقال: فالذي يظهر من كلامهم أن الفقير الذي تصرف له الفطرة هو فقير الزكاة على المشهور على ما قاله الجماعة، ويقيد على ما قاله اللخمي بأن لا يكون مالكا للنصاب.
والله أعلم. انتهى؛ يعني أن اللخمي قال: لا أعلمهم يختلفون أنها لا تعطى لمالك نصاب. انتهى.
وفي كلام اللخمي تدافع؛ لأنه
قال في أوله من تحل له زكاة العين، ويمكن أن يقيد أول كلامه بآخره. كما قاله الحطاب. الثاني: علم مما مر أن مصرف زكاة الفطر ليس كمصرف زكاة الأموال؛ إذ تلك تصرف إلى الأصناف الثمانية كما مر، وهذه لا تصرف إلا إلى اثنين منها وهما الفقير والمسكين، ويعطى منها ابن السبيل إذا كان فقيرا بموضعه ولو كان غنيا ببلده، لقوله عليه الصلاة والسلام: (أغنوهم عن طواف هذا اليوم (١) )، وهذا إذا كان محتاجا لم يستغن عن ذلك انتهى.
قاله الحطاب. ولو كان ابن السبيل معه ما يكفيه وهو محتاج إلى ما يوصله فلا تصرف له، وعلم من قول المصنف: "فقير" ، أنها تدفع للمسكين بالأولى، ولا تصرف في شراء رقيق يعتق منها، ولا لغارم، ولا لمؤلف كافر،
وقوله: "فقير" ، قد قَدَّمْتُ عند قول المصنف: "وإن جلس نزعت منه" ، ما يفيد أن من كان له مال ولم يمكن وصوله إليه أنه فقير، فتعطى له الزكاة فراجعه إن شئت،
وفي كلام الحطاب هنا ما يفيد ذلك؛ أغني ما قدمته من قوله: ويعطى منها ابن السبيل إذا كان فقيرا بموضعه لخ.
الثالث: قال في الشامل: ولا بأس بدفعها لأقاربه الذين لا تلزمه نفقتهم على الأظهر، وللمرأة دفعها لزوجها الفقير،
ولا يجوز له هو دفعها لها ولو كانت فقيرة؛ لأن نفقتها تلزمه،
ومن أيسر بعد أعوام لم يقضها،
وقال عبد الباقي: وأفاد المصنف بالحصر أنها لا تدفع لمن يليها ولا لمن يحرسها، ولا لبقية الأصناف الثمانية، ولا جابي لها، ففي الذخيرة: ليس للإمام أن يطلبها كما يطلب غيرها. انتهى. ولا يأخذها كرها وإن بقتال، فلا يقاتل عليها أهل البلد، كما قال ابن يونس وابن شعبان
بخلاف الأذان، ولعل الفرق بينهما تكرره وشهرته، وتوقف معرفة الوقت عليه لجميعهم. وروى محمد كالموطإ: كل من منع فريضة عجز المسلمون عن أخذها منه وجب جِهادُه، وهو يؤذن بقتال من منع زكاة الفطر كما مر. والله سبحانه أعلم. وقد مر الجزم بإعطاء المرأة زكاة الفطر لزوجها الفقير، ومر الخلاف في دفعها زكاة المال له بين المنع والكراهة، والفرق بينهما، قلة النفع بزكاة الفطر بالنسبة لزكاة المال انظر حسن نتائج الفكر.
وفيه عند قوله: "وإنما تدفع لحر مسلم" غير هاشمي فقير الزكاة على المشهور، فتدفع لمالك نصاب لا يكفيه لعامه.
وقال اللخمي: لا تدفع له، ويؤيده خبر: (أغنوهم عن طواف هذا اليوم (١) )، وروي: أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم، وروي: أغنوهم في هذا اليوم، وتدفع للمسكين بالأولى،
فإن لم يوجدا ببلدها نقِلَت لأقرب بلد فيها هما أو أحدهما بأجرة من غيرها لا منها، ليلا ينقص الصاع،
هذا إن أخرجها المزكي: فإن دفعها للإمام ففي نقلها حين فقدهما بالبلد للأقرب لها بأجرة منها أو من الفيء قولان. انتهى. وقد مر هذا.
وفي الشبراخيتي: وإنما تدفع لحر مسلم فقير؛ أي والمسكين أولى، والمراد فقير الزكاة على المشهور، وعلى ما قاله الجماعة: فتدفع لمالك النصاب؛ لأن فقير الزكاة من عنده بلغة لا تكفيه لعيش عامة وإن ملك نصابا،
وقال اللخمي: إنها لا تدفع لمالك النصاب اتفاقا. ذكره الحطاب. لكن في الحاشية: والذي يتحرر من الخلاف أن الفقير هنا هو الفقير في باب زكاة المال، وكلام اللخمي طريقة وظاهر كلام المصنف أنها لا تدفع لغير من ذكر وهو كذلك، فلا تدفع لمن يليها، ولا لمن يحرسها، ولا يعطى منها المجاهد، ولا يشترى له بها آلة، ولا للمؤلفة، ولا للجاسوس، ولا لابن السبيل إلا إذا كان فقيرا بالموضع الذي هو به، فيعطى منها بوصف الفقر، ولا يعطى منها ما يوصله لبلده، ولا يشترى منها رقيق يعتق، ولا لغارم.
انتهى. الرابع: قال الحطاب: الحديث المذكور، أعني قوله صلى الله عليه وسلم: (أغنوهم (٢) )؛ يعني المساكين عن طواف هذا اليوم، هكذا رواه البيهقي وابن سعد في الطبقات بهذا اللفظ، وروي: أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم، وروي: أغنوهم في هذا اليوم. والله أعلم. انتهى. الخامس: قال الخرشي: قال سفيان الثوري: أعز الخلق خمسة أنفس: عَالِمٌ زَاهِدٌ فِي الدنيا، وفَقِيهٌ صُوفِيٌّ، وغَنِيٌّ مُّتَوَاضِعٌ، وفَقِيرٌ شَاكِرٌ، وشَريفٌ سُنِّيٌ. انتهى.
ولما أنهى الكلام على الصلاة والزكاة الذين لم يقعا في القرآن إلا مقرونين، شرع في الكلام على الثالث من أركان الإسلام، فقال: [باب: في الصيام] يقال: صام صوما وصياما،
قال في المقدمات: الصيام هو الإمساك والكف والترك،
ومن أمسك عن شيء وكف عنه وتركه فهو صائم عنه،
قال الله عز وجل: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} ؛ أي صمتا عن الكلام والكف عنه،
وقال النابغة: خيل صيام وخيل غير صائمة … وسط العجاج وخيل تعلك اللجما يريد بصائمة: واقفة ممسكة عن الحركة والجولان، وقولهم: صام النهار: معناه إذا انتصف؛ لأن الشمس إذا كانت في وسط السماء كانت واقفة غير متحركة لإبطاء مشيها، والعرب قد تسمي الشيء باسم ما قرب منه. انتهى. قاله الحطاب،
وفي الصحاح، قال الخليل: الصيام قيام بلا عمل، والصوم الإمساك عن الطعام، وصام الفرس أي قام على غير اعتلاف، والصوم ركود الريح. وقوله: والبكرات شرهن الصائمة؛ أي التي لا تدور. انتهى. والصوم: ذرق النعامة، والصوم: البيعة؛ يعني واحدة البيع للنصارى،
وقال البيضاوي: الصوم في اللغة الإمساك عما تنازع إليه النفس، ويسمى الصائم سائحا،
وعنه عليه الصلاة، والسلام، أنه قال: (السائحون: الصائمون (١) )؛ لأن الله تعالى إذا ذكر السائحين لم يذكر الصائمين،
وإذا ذكر الصائمين لم يذكر السائحين. قاله الحطاب.
وقال: قال أبو عبيد: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم، والصوم شجر في لغة هذيل. انتهى.
وقال غيره: الصوم شجر على شكل شخص الإنسان كريه المنظر. انتهى.
وقال الحطاب: الصوم في الشرع،
قال في الذخيرة: الإمساك عن شهوتي الفم والفرج. أو ما يقوم مقامهما مخالفة للهوى في طاعة المولى في جميع أجزاء النهار بنية قبل الفجر أو معه إن أمكن فيما عدا زمن الحيض والنفاس وأيام الأعياد. انتهى. قوله: أو ما يقوم مقامهما؛ أي الفم والفرج، فيقوم مقام الفم الأنف ونحوه،
فإن الواصل منه للجوف وللحلق مفطر، ويقوم مقام الفرج اللمس الموجب للفطر. وعرفه ابن عرفة بقوله: كف بنية عن إنزال يقظة أو وطء وإنعاظ ومذي، ووصول غذاء غير غالب غبار أو ذباب أو فلقة بين أسنان لحلق أو جوف زمن الفجر حتى الغروب دون إغماء أكثر نهاره. ولا يرد بقول ابن القاسم يبر حالف ليصومن غدا فبيت وأكل ناسيا، لقول ابن رشد: هو رعي للغو الأكل ناسيا، وإلا زيد بعد أو جوف: غير منسي في تطوع، قال الرماصي: ذِكرُه الإنعاظ على مذهب ابن القاسم أنه ناقض للصوم وهو المشهور،
ويبطل طرده بمن جومعت نائمة،
وكذا من قاء متعمدا، وقوله: دون إغماء أكثر نهاره، إنما قيد به مع أن الإغماء قبل طلوع الفجر المستمر لطلوعه مبطل ولو كان قليلا؛ وهو مذهب المدونة؛ لأن هذا يغني عنه قوله: كف بنية؛ لأن من أغمي عليه قبل طلوع الفجر لا نية له، ولذا أبطل ولو قل، وقوله: بنية، أخرج به الكف بغير نية، والباء للمصاحبة، وقوله: يقظة، خرج به إنزال النوم فإنه لا أثر له في الشرع، وقوله: غير صفة لغذاء، وقوله: أو ذباب، معطوف على غبار، وقوله: أو فلقة بين أسنان، معطوف على غبار، وقوله: لحلق، متعلق بوصول، وقوله: أو جوف معطوف على لحلق، والمراد بالجوف العدة، وقوله: زمن الفجر، معمول للكف بنية فكأنه قال: كف بنية من زمن الفجر إلى الغروب.
وقال الحطاب: قال ابن رشد: إمساك عن الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية، فيبطل طرده قولها: فيمن صب في حلقه ماء،
ومن جومعت نائمة، ومن أغمي عليه أكثر نهاره أو أمذى يقظة. انتهى. واعلم أن الصوم واجب كتابا، لقوله عز وجل: {كتب عليكم الصيام} ، وسنة لقوله صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله،
وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت (١) )، وإجماعا، قال الحطاب: أجمعت الأمة على وجوب صوم رمضان،
فمن جحد وجوبه فهو مرتد،
ومن امتنع من صومه مع الإقرار بوجوبه قتل حدا على المشهور من مذهب مالك. قال ابن عرفة: صوم رمضان واجب. جحده وتركه كالصلاة. انتهى. فيقتل حدا كالمتنع من الصلاة والوضوء وغسل الجنابة، ولا يقتله إلا السلطان، ومقابل المشهور قول ابن حبيب: إن تارك الصوم يقتل كفرا،
قال في التوضيح: وقول ابن حبيب بالقتل كفرا في تارك الصلاة أقوى منه في الصوم؛ لأنه لا يوجد له هنا من الأدلة ما يوجد للصلاة، لأنا لا نعلم أحدا يوافقه على ذلك في الصوم إلا الحكم بن عيينة،
بخلاف الصلاة فإنه وافق فيها جماعة من الصحابة والتابعين. انتهى. قاله الحطاب.
وقال: فعلم منه أن المشهور أنه يقتل حدا، فقول القاضي عياض في قواعده: إنه يحبس ويمنع من الإفطار، مخالف للمشهور، وقد صرح بقتله لترك الصوم ابن يونس وغيره. والله أعلم. وشرط وجوبه: النقاء، والبلوغ، وصحته: الإسلام، والعقل، وعدم الحيض والنفاس زمنه. واختلف في الصوم الواجب قبله، فقال في الذخيرة: قيل عاشوراء،
وقيل ثلاثة من كل شهر. انتهى. وذكر الهروي عن معاذ أن الواجب في أول الإسلام عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، وذكر عن عطاء أنه عاشوراء، واختلف في قوله: {كما كتب على الذين من قبلكم} ، فقيل: المراد به رمضان، والذين كتب عليهم الأنبياء وأممهم، وأنه كان واجبا على من قبلنا فجاء في الحر فحولوه وزادوا فيه. قاله الشعبي.
وقيل: التشبيه في مطلق الصوم وإن اختلف العدد
وقيل غير ذلك. والله أعلم. قاله الحطاب.
وقال الخرشي: وهل وجب قبله صوم ثم نسخ، وعليه فهل ثلاثة أيام من كل شهر أو يوم عاشوراء أو هما؟ وهل النسخ برمضان أو بأيام معدودات، ثم برمضان أولا؟ أقوال. انتهى. وَأَوَّلُ مَا فُرِضَ رمضان، خير بين صومه وبين الإطعام،
لقوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} ، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ، وكان في أول الأمر إنما يباح الأكل والشرب والجماع بعد الغروب إلى أن ينام المكلف أو يصلي العشاء فيحرم عليه جميع ذلك، ثم وقع لقيس بن صرمة بكسر الصاد المهملة وسكون الراء أنه طلب من امرأته ما يفطر عليه، فذهبت لتأتي له به قوجدته قد نام فأصبح صائما فغشي عليه في أثناء النهار، فأنزل الله عز وجل قوله تعالى: {علم الله أنكم كنتم} .
الآية. وروي أن عمر رضي الله عنه أراد وطء امرأته، فزعمت أنها نامت فكذبها ووطئها ثم خون نفسه، وذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وذكر ذلك جماعة من الصحابة عن أنفسهم، فنزل قوله تعالى: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} . الآية. ويحتمل أن الأمرين سبب لنزولها، فأبيح جميع ذلك من غروب الشمس إلى طلوع الفجر وحكمة مشروعية الصوم هي مخالفةُ الهوى؛ لأنه يدعو إلى شهوتي الفم والفرج، وكسرُ النفس، وتصفية مرءاة العقل: والاتصاف بصفة الملائكة، والتنبيه على مواساة الجائع.
قاله الحطاب. وقال بعضهم: لما تاب الله على آدم من أكل الشجرة تأخر قبول توبته لما بقي عليه في جسده من تلك الأكلة ثلاثين يوما، فلما صفا جسده منها تيب عليه، ففرض الله على ذريته ثلاثين يوما. نقله الدميري. قاله الخرشي.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.