وصوم عَرَفَةَ إنْ لَمْ يَحُجَّ
الشروح عليها
(وَصَوْمُ عَرَفَةَ) ، وَهُوَ التَّاسِعُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَهُوَ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ سَنَةً مَاضِيَةً وَسَنَةً مُسْتَقْبَلَةً وَالْيَوْمُ الثَّامِنُ يُكَفِّرُ سَنَةً (إنْ لَمْ يَحُجَّ) وَكُرِهَ لِحَاجٍّ صَوْمُهُمَا لِلتَّقَوِّي عَلَى الْوُقُوفِ وَالدُّعَاءِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ، وَهُوَ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ إلَخْ) أَيْ كَمَا وَرَدَ بِذَلِكَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ قَالَ بَعْضُهُمْ: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ صَامَ يَوْمَ عَرَفَةَ لَا يَمُوتُ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ؛ لِأَنَّ التَّكْفِيرَ يُشْعِرُ بِحَيَاتِهِ وَصُدُورِ ذُنُوبٍ مِنْهُ فَتَأَمَّلْ
ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ وَنُدِبَ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ إلَخْ الْمُرَادُ تَأَكُّدُ النَّدْبِ وَإِلَّا فَالصَّوْمُ مُطْلَقًا مَنْدُوبٌ
(قَوْلُهُ وَالْيَوْمُ الثَّامِنُ) أَيْ، وَهُوَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَقَوْلُهُ يُكَفِّرُ أَيْ يُكَفِّرُ صَوْمُهُ سَنَةً مَاضِيَةً وَهَذَا قَوْلُ الْقَرَافِيِّ وَفِي ح أَنَّ صَوْمَهُ يُكَفِّرُ شَهْرًا
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وَصَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ إنْ لَمْ يَحُجَّ وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ) . ابْنُ حَبِيبٍ: وَرَدَ التَّرْغِيبُ فِي صِيَامِ الْعَشْرِ وَيَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّ صِيَامَ يَوْمٍ مِنْ الْعَشْرِ كَصِيَامِ شَهْرَيْنِ مِنْ غَيْرِهِ وَصِيَامَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ كَسَنَةٍ وَصِيَامَ يَوْمِ عَرَفَةَ كَسَنَتَيْنِ. أَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ حَبِيبٍ: وَفِطْرُهُ أَفْضَلُ لِلْحَاجِّ لِيَقْوَى عَلَى الدُّعَاءِ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(ص) وَصَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ إنْ لَمْ يَحُجَّ وَعَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ (ش) يُرِيدُ أَنَّ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ مُسْتَحَبٌّ فِي حَقِّ غَيْرِ الْحَاجِّ،
وَأَمَّا هُوَ فَيُسْتَحَبُّ فِطْرُهُ لِيَتَقَوَّى عَلَى الدُّعَاءِ وَقَدْ «أَفْطَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَجِّ» وَأَنَّ صِيَامَ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ مُسْتَحَبٌّ، وَاخْتُلِفَ فِي صِيَامِ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ الْعَشْرِ الْمَذْكُورِ هَلْ يَعْدِلُ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ أَوْ سَنَةً؟ وَهَذَا مَا عَدَا الثَّامِنَ وَالتَّاسِعَ،
أَمَّا الْأَوَّلُ فَيَعْدِلُ سَنَةً، وَأَمَّا الثَّانِي فَيَعْدِلُ سَنَتَيْنِ،
ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: وَعَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ بَابِ تَغْلِيبِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ إذْ الْمُرَادُ بِالْعَشْرِ: التِّسْعَةُ الْأَيَّامِ مِنْ أَوَّلِهِ، وَعَطْفُهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ عَطْفِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ ص) وَعَاشُورَاءَ وَتَاسُوعَاءَ (ش) عَاشُورَاءُ وَتَاسُوعَاءُ أَيْضًا مَمْدُودَانِ: الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنْ الْمُحَرَّمِ وَالْمَعْنَى: أَنَّ صِيَامَ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَيَوْمِ تَاسُوعَاءَ مُسْتَحَبٌّ وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْمُؤَلِّفُ عَاشُورَاءَ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ تَاسُوعَاءَ؛ لِأَنَّهُ يُكَفِّرُ سَنَةً
وَيُسْتَحَبُّ فِيهِ التَّوْسِعَةُ عَلَى الْأَهْلِ وَالْأَقَارِبِ وَالْيَتَامَى مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ وَلَا اتِّخَاذِ ذَلِكَ سُنَّةً لَا بُدَّ مِنْهَا وَإِلَّا كُرِهَ لَا سِيَّمَا لِمَنْ يَقْتَدِي بِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ جُمْلَةَ الْخِصَالِ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهَا تُفْعَلُ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ اثْنَتَا عَشْرَةَ خَصْلَةً: الصَّلَاةُ، وَالصَّوْمُ، وَالصَّدَقَةُ، وَالِاكْتِحَالُ، وَالِاغْتِسَالُ، وَزِيَارَةُ عَالِمٍ، وَعِيَادَةُ مَرِيضٍ، وَمَسْحُ رَأْسِ الْيَتِيمِ،
وَالتَّوْسِعَةُ عَلَى الْعِيَالِ أَيْ: وَمَنْ فِي حُكْمِهِمْ، وَتَقْلِيمُ الْأَظَافِرِ، وَقِرَاءَةُ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ أَلْفَ مَرَّةٍ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ لَكِنْ لَمْ يَرِدْ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الصَّوْمُ وَالتَّوْسِعَةُ، وَبَقِيَ مِنْ الْأَيَّامِ الْمُرَغَّبِ فِي صَوْمِهَا يَوْمُ ثَالِثِ الْمُحَرَّمِ فِيهِ دَعَا زَكَرِيَّا فَاسْتُجِيبَ لَهُ، وَسَابِعَ عَشَرَ رَجَبٍ فِيهِ بُعِثَ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَخَامِسَ عَشَرَ ذِي الْقِعْدَةِ فِيهِ أُنْزِلَتْ الْكَعْبَةُ عَلَى آدَمَ وَمَعَهَا الرَّحْمَةُ، وَنِصْفُ شَعْبَانَ لِنَسْخِ الْآجَالِ، وَالْخَمِيسُ وَالِاثْنَيْنُ لِلتَّرْغِيبِ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ عَرْضِ الْأَعْمَالِ فِيهِمَا وَعَدَّ عِيَاضٌ مِنْ الْمُرَغَّبِ فِيهِ صَوْمُ الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ الْمُحَرَّمِ، وَكَرِهَ بَعْضٌ صَوْمَ يَوْمِ الْمَوْلِدِ أَيْ:؛
لِأَنَّهُ مِنْ أَعْيَادِ الْمُسْلِمِينَ .
(قَوْلُهُ: وَصَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ) وَيَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَكُرِهَ لِحَاجٍّ صَوْمُ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَالْفِطْرُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ وَنُدِبَ صَوْمُ غَيْرِ عَرَفَةَ وَالتَّرْوِيَةِ وَلَوْ لِحَاجٍّ
(قَوْلُهُ: هَلْ يَعْدِلُ شَهْرًا) وَهُوَ لِلشَّارِحِ بَهْرَامَ.
(قَوْلُهُ: أَوْ شَهْرَيْنِ) وَهُوَ لِلْحَطَّابِ
(قَوْلُهُ: أَوْ سَنَةً) أَيْ: كَمَا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الثَّانِي فَيَعْدِلُ سَنَتَيْنِ إلَخْ) قَالَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ مَعْنَاهُ إنْ وَجَدَ شَيْئًا فِي الَّتِي بَعْدَهُ يُكَفِّرُهُ وَإِلَّا حَصَلَ الثَّوَابُ.
وَقَالَ فِي ك: ظَاهِرُهُ حُصُولُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الثَّوَابِ وَلَوْ صَامَ مَا ذُكِرَ قَضَاءً لَكِنْ وَقَعَ فِي عِبَارَةِ بَعْضِهِمْ يَعْنِي: تَطَوُّعًا،
وَأَمَّا قَضَاءً فَلَا لِفَوَاتِ الْمَنْدُوبِ وَإِنْ لَمْ يُنَافِ الْوَاجِبَ
(قَوْلُهُ: مِنْ تَغْلِيبِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ) الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ
(قَوْلُهُ: مَمْدُودَانِ) خَبَرُ عَاشُورَاءَ وَتَاسُوعَاءَ فَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ أَيْضًا: وَقَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ يُكَفِّرُ سَنَةً لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنْ عِشْت إلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ» فَلَمْ يَأْتِ الْقَابِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ فَلَمْ يَصُمْ التَّاسِعَ قَطُّ كَمَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ لَكِنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَصُومُهُ» فَالِاحْتِيَاطُ صَوْمُهُ ك
(قَوْلُهُ الْعَاشِرُ مِنْ الْمُحَرَّمِ) أَيْ: أَنَّ الْمُرَادَ بِعَاشُورَاءَ الْعَاشِرُ مِنْ الْمُحَرَّمِ
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ عَرَفَةَ أَفْضَلُ مِنْ عَاشُورَاءَ؛ لِأَنَّ عَرَفَةَ مُحَمَّدِيٌّ وَعَاشُورَاءَ مُوسَوِيٌّ
(قَوْلُهُ: الْأَهْلِ وَالْأَقَارِبِ) أَيْ: الْإِخْوَانِ.
(قَوْلُهُ: لَا بُدَّ مِنْهَا) أَيْ: طَرِيقَةً لَا بُدَّ مِنْهَا أَيْ: كَالْأَمْرِ الْوَاجِبِ، أَوْ سُنَّةً اصْطِلَاحِيَّةً مُؤَكَّدَةً،
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِتِلْكَ الْمَثَابَةِ فَلَا هَذَا ظَاهِرُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَهُ اعْتِقَادٌ أَنَّهَا سُنَّةٌ وَلَمْ تَكُنْ مُؤَكَّدَةً
(قَوْلُهُ: وَالِاكْتِحَالُ) هَذَا يَأْتِي عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ جَوَازِهِ وَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ فِي الرِّسَالَةِ الْحُرْمَةُ إذَا كَانَ غَيْرَ ضَرُورَةٍ
(قَوْلُهُ: وَمَسْحُ رَأْسِ الْيَتِيمِ) ذَكَرَ بَعْضٌ أَنَّ رَأْسَ الْيَتِيمِ يُمْسَحُ مِنْ وَسَطِهِ إلَى نَاصِيَتِهِ وَمَنْ لَهُ أَبٌ يُمْسَحُ مِنْ نَاصِيَتِهِ إلَى وَسَطِهِ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -
(قَوْلُهُ: لَمْ يُرِدْ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الصَّوْمَ وَالتَّوْسِعَةَ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ السَّنَةِ» اهـ.
وَصَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَامَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصَوْمِهِ وَقَالَ «إذَا كَانَ الْعَامُ الْقَابِلُ صُمْنَا التَّاسِعَ» اهـ. أَيْ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَاسْتِحْسَانٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ
(قَوْلُهُ: دَعَا زَكَرِيَّا) أَيْ: يَرْزُقُهُ اللَّهُ غُلَامًا كَمَا فِي الْآيَةِ.
(قَوْلُهُ: فِيهِ أُنْزِلَتْ الْكَعْبَةُ عَلَى آدَمَ) .
اعْلَمْ أَنَّ آدَمَ لَمَّا وَصَلَ إلَى مَكَانِ الْبَيْتِ نَزَلَ إلَيْهِ جَبْرَائِيلُ بِيَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ تَلْتَهِبُ نُورًا لَهَا بَابٌ شَرْقِيٌّ وَبَابٌ غَرْبِيٌّ مُقَابِلُهُ مِنْ ذَهَبٍ مِنْ تِبْرِ الْجَنَّةِ وَفِيهَا ثَلَاثَةُ قَنَادِيلَ مِنْ تِبْرِ الْجَنَّةِ تَلْتَهِبُ نُورًا بَابُهَا مَنْظُومٌ مِنْ يَاقُوتٍ أَبْيَضَ وَالْحَجَرُ فِي الرُّكْنِ يَاقُوتَةٌ بَيْضَاءُ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ فَوَضَعَهَا عَلَى الْبَيْتِ بِقَدْرِهِ وَلَمْ تَزَلْ عَلَيْهِ إلَى أَنْ مَاتَ وَلَهُ مِنْ الْعُمُرِ أَلْفُ سَنَةٍ وَصَلَّى عَلَيْهِ جِبْرِيلُ وَالْمَلَائِكَةُ وَدُفِنَ بِخَيْفِ مِنًى كَمَا قِيلَ وَرُفِعَتْ الصَّخْرَةُ بَعْدَهُ
وَقِيلَ إنَّهُ بَنَى الْبَيْتَ عَلَى حُدُودِهَا، ثُمَّ رُفِعَتْ
وَقِيلَ اسْتَمَرَّتْ مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ حَتَّى رُفِعَتْ فِي زَمَنِ طُوفَانِ نُوحٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ النُّبْذَةِ اللَّطِيفَةِ لِلشَّيْخِ شِهَابِ الدِّينِ الْقَلْيُوبِيِّ وَقَوْلُهُ: فَوَضَعَهَا عَلَى الْبَيْتِ أَيْ: مَكَانَهُ وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: أُنْزِلَتْ الْكَعْبَةُ أَيْ: صُورَتُهَا وَفِي تَقْرِيرٍ مَعْنَى أُنْزِلَتْ هُدِيَ إلَى بِنَائِهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ
(قَوْلُهُ: وَمَعَهَا الرَّحْمَةُ) الْمَعِيَّةُ مَجَازِيَّةٌ أَيْ: وَمَعَهَا الْوَعْدُ بِالرَّحْمَةِ لِزَائِرِيهَا
(قَوْلُهُ: وَنِصْفِ شَعْبَانَ لِنَسْخِ الْآجَالِ) أَيْ: فَيَكْتُبُ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِذَلِكَ مِنْ اللَّوْحِ الْوَقْتَ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ الشَّخْصُ وَالْعَامَ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ وَيُسَلِّمُهُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ
(قَوْلُهُ: بِحَدِيثِ عَرْضِ الْأَعْمَالِ) قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ» وَقَالَ «إنَّ الْأَعْمَالَ تُعْرَضُ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيهِمَا وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِيهِمَا وَأَنَا صَائِمٌ» .
(فَائِدَةٌ) قَالَ الْبَدْرُ اُنْظُرْ لَوْ صَامَ يَوْمَ عَرَفَةَ عَنْ قَضَاءٍ عَلَيْهِ وَنَوَى بِهِ الْقَضَاءَ وَعَرَفَةَ مَعًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْهُمَا مَعًا قِيَاسًا عَلَى مَنْ نَوَى بِغُسْلِهِ الْجَنَابَةَ وَالْجُمُعَةَ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ عَنْهُمَا مَعًا وَقِيَاسًا عَلَى مَنْ صَلَّى الْفَرْضَ وَنَوَى التَّحِيَّةَ وَانْظُرْ النَّقْلَ فِي الْمَسْأَلَةِ
وَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي عَاشُورَاءَ وَتَاسُوعَاءَ وَنَحْوِهِمَا تَأَمَّلْ اهـ. كَلَامُ الْبَدْرِ
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْيَادِ الْمُسْلِمِينَ) يَنْتَقِضُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ
(وَ) نُدِبَ (صَوْمُ) يَوْمِ (عَرَفَةَ) وَهُوَ تَاسِعُ الْحِجَّةِ لِحَدِيثِ «صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ، سَنَةً مَاضِيَةً، وَسَنَةً مُسْتَقْبَلَةً» . وَصَوْمُ الْيَوْمِ الثَّامِنِ وَرَدَ أَنَّهُ يُكَفِّرُ سَنَةً أَوْ شَهْرًا (إنْ لَمْ يَحُجَّ)
وَيُكْرَهُ صَوْمُهَا لِلْحَاجِّ وَيَتَأَكَّدُ نَدْبُ فِطْرِهِمَا لَهُ لِلتَّقَوِّي عَلَى الْمَنَاسِكِ، وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَفْطَرَهُمَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَنَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ» .
وصوم عرفة إن لم يحج: يعني أنه يندب لغير الحاج صيام يوم عرفة، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة،
وكذلك يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، فيندب صومه لغير الحاج،
وأما الحاج فيكره له صوم كل منهما، والفطر في حقه أفضل فيهما للتقوي على الوقوف، ولأنه الوارد في الصحيح، ولأنه نهي عن صوم يوم عرفة بعرفة.
وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: (صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده (١) ). رواه مسلم وأبو داوود.
وصح عنه صلى الله عليه وسلم (أنه كان في الحج يوم عرفة مفطرا) : وفي المتيطية:
ويكره للحاج أن يصوم بمنى وعرفة متطوعا؛ وهو حسن لغير الحاج؛ لأن بالحاج حاجة شديدة إلى تقوية جسمه لصعوبة العمل وكثرته في ذلك الوقت، وربما ضعف بالصوم فقصر من بعضه، فلذلك كره. انتهى، وقول المتيطية: بمنى؛ يعني يوم التروية. قاله الحطاب. وورد أن صيام يوم التروية كصيام سنة،
وأن صيام يوم عرفة كصيام سنتين،
وأن صوم يوم من سائر الأيام العشرة كصيام شهر. قاله الحطاب.
وأما غير يوم التروية من أيام منى فالمطلوب فيه الإفطار كما يأتي،
وفي حديث البيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها: صيام يوم عرفة كصيام ألف يوم )،
وفي خبر أحمد ومسلم وأبي داود عن قتادة الأنصاري: (صوم يوم عرفة يكفر سنتين ماضية ومستقبلة) ؛ يعني يكفر صغائر ذنوب صاحبه في السنة التي هو فيها والتي بعدها، بمعنى أن الله تعالى يحفظه أن يذنب فيها، أو يعطى من الثواب ما يكون كفارة لذنوبهما، قال صاحب العدة: وذا لا يوجد مثله في شيء من العبادات. قاله الشيخ إبراهيم.
وقال: وأما الحاج فيكره له صومه، لما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه [وأبو داود] والحاكم عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام (نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة (٤) )؛ لأنه يوم عيد لأهل عرفة، فيكره صومه لذلك، وليقوى على الاجتهاد في الدعاء، (وصح أنه عليه الصلاة والسلام كان مفطرا،
وكذا عمر وعثمان (٥) ). ومثل يوم عرفة يوم التروية في استحباب صومه لغير الحاج وكراهته للحاج. وعشر ذي الحجة، بفتح الحاء وكسرها كما في الشبراخيتي وغيره،
وكذا اللغتان في الحج كما قاله غير واحد؛ يعني أنه يستحب صيام عشر ذي الحجة لأنه روي أن صيام يوم منها كصيام شهر، هكذا
قال في المقدمات. وقال في الذخيرة: روي أن صيام كل يوم منها يعدل سنة،
قال في المقدمات: وقيل في قوله تعالى: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ } أنها عشر ذي الحجة،
وأن الشفع يوم النحر، وأن الوتر يوم عرفة. قاله الحطاب. وقوله: "عشر ذي الحجة" ، من عطف العام على الخاص، والمراد التسع؛ لأن العاشر هو يوم النحر صومه حرام، ففيه إطلاق الكل على الجزء، وندب صوم غير عرفة والتروية ولو لحاج، وعرفة لغير حاج كصيام سنتين، والتروية لغيره كسنة كما في الذخيرة، أو كشهر كما في الحطاب وغيرهما من بقية العشر صيام كل واحد منه كشهرين على ما للشارح، أو شهر على ما للحطاب أو سنة على ما للذخيرة.
قاله عبد الباقي. وقد ثبتت الفضلية لعشر ذي الحجة على غيرها من أيام السنة حتى قيل إنها أفضل من العشر الأخيرة من رمضان، لحديث: (ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيها أفضل منه في هذه (١) )،
والأظهر تخصيصه كما في الأمير، ويمكن أن يجتمع في عشر ذي الحجة أمهات العبادة؛ وهي الصلاة والصوم والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيرها، وهي مشتملة على يوم الحج الأكبر وهو يوم النحر، وقوله: "وعشر ذي الحجة" ، روى أبو داوود عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أننها قالت. (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة (٢) )، وقد ثبت في صحيح البخاري أنه صلى الله عليه وسلم، قال: (ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل منه في هذه (٣) )؛
يعني العشر الأول من ذي الحجة. وعلم مما مر أن غير الحاج يصوم تسعة أيام وهي الأُولُ من ذي الحجة، ولا يصوم العاشر وهو يوم النحر،
وأن الحاج إنما بصوم سبعة يصوم السبعة الأول، ولا يصوم التروية ولا عرفة ولا يوم النحر،
وقال أبو أمامة بن النقاش: فإن قلت أيهما أفضل عشر ذي الحجة أو العشر الأخير من رمضان. فالجواب أن عشر ذي الحجة أفضل لاشتمالها على اليوم الذي (ما رئي الشيطان في يومٍ غيرِ يوم بدر أدحر ولا أغيظ منه فيه وهو يوم عرفة (٤) )؛ ولأنه يكفر بصيامه سنتين، ولاشتماله على أعظم الأيام حرمة عند الله تعالى؛ وهو يوم النحر الذي سماه الله تعالى: يوم الحج الأكبر، وليالي عشر رمضان الأخير أفضل لاشتمالها على ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر،
ومن تأمل هذا الجواب وجده شافيا كافيا، أشار إليه الفاضل المفضل بقوله: ما من أيام، دون أن يقول: ما من عشر ونحوه،
ومن أجاب بغير هذا لم يدل بحجة صحيحة صريحة قط. انتهى. ولا يفهم من هذا الجواب أن ليالي عشر ذي الحجة لا فضيلة فيها،
فإن أكثر المفسرين على أن المراد بقوله: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ }: العشر الأول من ذي الحجة، ولا شك أن الإقسام بها يقتضي اختصاصها بمزيد فضل، وهذا ظاهر. انتهى. قاله الحطاب. وعاشوراء؛ يعني أنه يندب صوم يوم عاشوراء؛ وهو اليوم العاشر من المحرم لا التاسع كما قيل به، ولا الحادي عشر كما قيل به وهو مردود، وإنما ندب صوم عاشوراء، لقوله صلى الله عليه وسلم: (صوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله (١) )، رواه مسلم وغيره، وفيه تيب على آدم، واستوت السفينة على الجودي، وفلق البحر لوسى، وأغرق فرعون، وولد عيسى، وأخرج يونس من بطن الحوت، ويوسف من الجب، وتيب على قوم يونس.
وفي بعض كتب الوعظ أنه صلى الله عليه وسلم، قال لعمر: (إن الله خلق السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم والعرش والكرسي والجنة في يوم عاشوراء، وخلق آدم فيه وأدخل الجنة فيه، وولد إبراهيم فيه ونجاه الله من النار فيه، ورفع عيسى إلى السماء فيه، ورفع فيه إدريس مكانا عليا، وأخرج يوسف من السجن فيه، وأعطي سليمان الملك فيه، وفيه كشف بصر يعقوب، وضر أيوب، وغفر لنبيه داوود فيه (٢) )، وروي أنه يوم الزينة الذي كان فيه ميعاد موسى لفرعون، وأول مطر نزل من السماء كان يوم عاشوراء وفيه صامت الوحوش والهوام، لما رواه أبو موسى المديني أن رجلا أتى البادية في يوم عاشوراء فرأى قوما يذبحون ذبائح فأخبروه أن الوحوش صائمة، وقالوا له: اذهب بنا نرك فذهبوا إلى روضة وأوقفوه، فلما كان بعد العصر جاءت الوحوش من كل جهة وأحاطت بالروضة واقفة رؤوسها ليس شيء منها يأكل، حتى إذا غابت الشمس أسرعت جميعا فأكلت.
وأخرج الخطيبي في تاريخه مرفوعا أن: الصرد والطير صام يوم عاشوراء، وروي عن الخليفة القادر بالله أنه كان يبيت الخبز للنمل كل يوم فيأكله إلا يوم عاشوراء،
ومثله مروي عن قثم رحمه الله تعالى، وتوقف عبد الحق في ثبوت ذلك، ولا يبعد أن يكون لها صوم خاص كما كان لبعض الأمم بترك الكلام. انظر الشبراخيتي.
وفي الحطاب أن الإمام الشافعي، قال: إن عاشوراء اليوم التاسع من المحرم،
وقال إمامنا مالك: والأكثر هو العاشر، وهو الذي تدل عليه الأحاديث كلها.
وفي المقدمات: أفضل الأيام للصيام بعد رمضان عاشوراء، وكان هو الفرض قبل رمضان. الفاكهاني: في شرح الرسالة انظر تفضيل عاشوراء على يوم عرفة، وقد جاء في الصحيح (أن يوم عرفة يكفر السنة التي قبله والتي بعده (١) )،
(وأن عاشوراء يكفر التي قبله (٢) ). والتكفير منوط بالأفضلية، فصن ادعى خلاف ذلك فعليه الدليل. قاله الحطاب.
وقال ففي كلامه ميل إلى تفضيل عرفة وهو الظاهر،
قال في التوضيح: وإنما كان يوم عرفة يكفر سنتين، ويوم عاشوراء يكفر سنة لأن يوم عرفة يوم محمدي، ويوم عاشوراء يوم موسوي. ولبعضهم: صيام عاشورا أتى ندبه … في سنة محكمة ماضيه قال النبي المصطفى إنه … تكفير ذنب السنة الماضيه ومن يوسع يومه لم يزل … في عامة في عيشة راضيه وقد ذكروا فيما يفعل فيه اثنتي عشرة خصلة وهي: الصلاة، والصوم، والصدقة، والاغتسال، والاكتحال، وزيارة عالم، وعيادة المريض، ومسح رأس اليتيم، والتوسعة على العيال، وتقليم الأظفار، وقراءة سورة الإخلاص ألف مرة، وصلة الرحم.
ونظمها بعضهم، فقال: صم صل صل زر عالما عد واكتحل … رأس اليتيم امسح تصدق واغتسل وسع على العيال فلم ظفرا … وسورة الإخلاص ألفا تقرأ قال الشيخ علي الأجهوري: وذيلتها ببيت ذكرت فيه أنه لم يرد شيء منها إلا الصيام والتوسعة على العيال، فقلت: ولم يرد من ذي سوق الصوم كذا … توسعة وغير هذا انتبذا وممن قال بتوسيع النفقة على الأهل يوم عاشوراء عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وجابر بن عبد الله، ومحمد بن المنتشر، وابنه، وأبو الزبير، وشعبة، ويحيى بن سعيد، وسفيان بن عيينة، وغيرهم من المتأخرين.
ورَوَى ما فيه استحباب ذلك من أئمة الحديث في كتبهم المشهورة، الطبرانيُّ في الكبير، والبيهقيُّ في الشعب: وابنُ عبد البر في الاستذكار، وغيرهم من أئمة الحديث.
وفي حديث شعبة [عن أبي] ، ابن الزبير عن جابر: أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: من وسع على نفسه وأهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته، قال: جربناه فوجدناه كذلك،
وقال أبو الزبير مثله، وقال شعبة: مثله رواه ابن عبد البر في الاستذكار ورجاله رجال الصحيح، وروى الطبراني في الكبير من ابن مسعود مثله، وروي عن عمر بن الخطاب بإسناد جيد موقوفا: (من وسع على أهله ليلة عاشوراء وسع الله عليه سائر السنة (٢) )، وقد مر الحديث الذي رواه مسلم وغيره: (صوم عاشوراء أحْتَسِبُ على الله أن يكفر السنة التي قبله (٣) )، وقد روى الحاكم والبيهقي من حديث ابن عباس مرفوعا: (من اكتحل يوم عاشوراء بالأثمد لم ترمد عينه أبدا (٤) )، قال ابن حجر: موضوع أورده ابن الجوزي في الموضوعات،
وقال الحاكم: والاكتحال يوم عاشوراء لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أثر؛ وهو بدعة ابتدعها قتلة الحسين.
وقال الشيخ زروق في شرح القرطبية: فيوسع يومه وليلته من غير إسراف ولا مراءاة ولا مماراة، وقد جرب ذلك جماعة من العلماء فصح،
وقال ابن حبيب: يستحب في يوم عاشوراء التوسعة على العيال،
وفي المدخل: والتوسعة فيه أي في يوم عاشوراء؛ أي على الأهل والأقارب واليتامى والمساكين، وزيادة النفقة والصدقة مندوب إليها بحيث لا يُجْهَدُ لكن بشرط عدم التكلف،
وأن لا يصير ذلك سنة يستن بها لابد من فعلها. وكان بعض العلماء يتركون النفقة فيه لينبهوا على أنها ليست بواجبة، ومما أحدثوا فيه من البدع زيارة القبور، وزيارة القبور في هذا اليوم بدعة مطلقا للرجال والنساء،
ومن البدع التي أحدثتها النساء فيه دخول الجامع العتيق بمصر، واستعمالهن الحناء في هذا اليوم على كل حال،
فمن لم تفعلها منهن فكأنها ما قامت بحق هذا اليوم،
ومن ذلك البخور، فمن لم تشتره منهن في ذلك اليوم وتتبخر به فكأنها ارتكبت أمرا عظيما. قاله الحطاب.
وقال القباب: قال القاضي أبو الفضل في المشارق: عاشوراء اسم إسلامي لا يعرف في الجاهلية. قاله ابن دريد. انتهى. قاله الحطاب. واعلم أن المشهور أن عاشوراء كغيره، فلا يصح صومه إلا بنية من الليل، والشاذ لابن حبيب صحة صومه بنية من النهار. قاله الحطاب. وتاسوعاء؛ يعني أنه يستحب صوم تاسوعاء؛ وهو اليوم التاسع من المحرم، لما في صحيح مسلم أنه عليه الصلاة والسلام، قال: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع (١) )، فلم يأت العام القابل حتى توفي صلى الله عليه وسلم، ولأنه قد تقدم أنه اختلف في يوم عاشوراء: هل هو التاسع أو العاشر؟
وقال ابن رشد: من أراد أن يتحراه صامهما، وبقي على المصنف من الأيام التي ورد الترغيب في صومها: ثالث المحرم، فيه دعا زكرياء ربه فاستجيب له، والسابع والعشرون من رجب؛ لأن فيه بعث محمد صلى الله عليه وسلم، والخامس والعشرون من ذي القعدة لأن فيه أنزلت الكعبة على آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام ومعها الرحمة، ونصف شعبان ذكره ابن عرفة لا ذكر أن مما ورد الترغيب في صومه شعبان، فقال: خصوصا يوم نصفه، ومَا مَرَّ من أن السابع والعشرين من رجب بعث فيه سيد الوجود صلى الله عليه وسلم قَالَه في التوضيح.
واعترضه المسناوي بأن المعروف أن البعثة كانت في ربيع الأول أو في رمضان على خلاف بين أهل التاريخ، ووفق بينهما بأن الرؤيا كانت في ربيع الأول وملاقاة الملك كانت في رمضان، والقول بأنها كانت في رجب
إما ضعيف جدا أو غير صحيح. نقله محمد بن الحسن.
ومن الأيام المرغب في صيامها: يوم الخميس، ويوم الاثنين نص على ذلك اللخمي وابن رشد،
قال في المقدمات: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم يوم الاثنين والخميس،
وقال: إن الأعمال تعرض على الله سبحانه وتعالى فيهما، وأنا أحب أن يعرض عملي على الله سبحانه وأنا صائم )، فصيامهما مستحب. قاله الحطاب.
وقال الشيخ زروق: صيام يوم المولد كرهه بعض من قرب عصره ممن صح علمه وورعه، قائلا إنه من أعياد المسلمين، فينبغي أن لا يصام فيه. انتهى. ولعله يعني ابن عباد، فقد
قال في رسالته الكبرى: وأما المولد فالذي يظهر أنه عيد من أعياد المسلمين وموسم من مواسمهم، وكل ما يفعل فيه مما يقتضيه وجود الفرح والسرور بذلك المولد المبارك من إيقاد الشمع، وإمتاع البصر والسمع، والتزين بلبس فاخر الثياب، وركوب فاره الدواب، أمر مباح لا ينكر على أحد، قياسا على غيره من أوقات الفرح. والحكم بكون هذه الأشياء بدعة في هذا الوقت الذي ظهر فيه سر الوجود، وارتفع فيه علم الشهود، وانقشع بسببه ظلام الكفر والجحود، وادعاء أن هذا الزمان ليس من المواسم المشروعة لأهل الإيمانْ، ومقارنة ذلك بالنيروز والمهرجانْ، أمر مستثقل تشمئز منه القلوب السليمهْ، وتدفعه الآراء المستقيمهْ، ولقد كنت -فيما خلا من الزمان- خرجت يوم مولد إلى ساحل البحر، فاتفق أن وجدت هنالك سيدي الحاج بن عاشر رحمه الله تعالى وجماعة من أصحابه، وقد أخرج بعضهم طعاما مختلفا ليأكلوه هنالك، فلما قدموه لذلك أرادوا مني مشاركتهم في الأكل، وكنت إذ ذاك صائما، فقلت لهم: إني صائم، فنظر إلى سيدي الحاج نظرة منكرة،
وقال لي ما معناه: إن هذا اليوم يوم فرح وسرور، ويستقبح في مثله الصيام بمنزلة العيد، فتأملت كلامه فوجدته حقا وكأني كنت نائما فأيقظني. قاله الحطاب. والمحرم؛ يعني أنه يستحب صوم المحرم لخبر مسلم: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم (٢) )،
وقال ابن عطية: قال قتادة: اصطفى الله تعالى من الملائكة جبريل،
ومن الشهور المحرم ورمضان، ومن البقاع المساجد،
ومن الأيام الجمعة، ومن الليالي ليلة القدر،
ومن الكلام ذكرَه، فينبغي أن يعظم ما عظم الله تعالى،
فإن قيل إذا تقرر أن أفضل الصيام بعد رمضان صيام المحرم، فكيف كان أكثر صيامه صلى الله عليه وسلم في شعبان فإنه كان يصومه أو إلا قليلا؟ فالجواب أنه صلى الله عليه وسلم لم يعلم فضل المحرم إلا في آخر عمرد قبل التمكن من صومه، أو لعله كانت تعرض له فيه أعذار تمنع من إكثار الصوم فيه من مرض أو سفر. قاله بمعناه النووي. قاله الشبراخيتي.
وفي الخرشي: وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه سمى المحرم شهر الله )، قال السيوطي: سئلت لم خص الله تعالى المحرم بشهر الله دون سائر الشهور مع أن فيها ما يساويه في الفضل ويزيد عليه كرمضان، ووجدت ما يجاب به أن هذا الاسم إسلامي دون سائر الشهور،
فإن أسماءها كلها على ما كانت عليه في الجاهلية. وكان اسم المحرم في الجاهلية صفر الأول، والذي بعدد صفر الثاني، فلما جاء الإسلام سمى الله تعالى المحرم، فأضيف إليه بهذا الاعتبار وهي إضافة تخصيص وتشريف، كقوله تعالى: {نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا} ، وكقولهم في الكعبة بيت الله. ورجب؛ يعني أنه يستحب صيام رجب وأمثل ما ورد فيه ما رواه النسائي من حديث أسامة بن زيد،
قلت: (يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان (٢) )، ففيه إشعار بأن في رجب مشابهة برمضان،
وأن الناس يشتغلون فيه من العبادة بما يشتغلون في رمضان ويغفلون عن نظير ذلك في شعبان؛ ولذلك كان يصومه،
وفي تخصيص ذلك بالصوم إشعار بفضل صيام رجب،
وأن ذلك كان من المعلوم المقرر لديهم،
ومن ذلك ما رواه أبو داوود أنه عليه الصلاة والسلام قال لبعض أصحابه: (صم من [الحُرُم] (٣) واترك، صم من [الحرم] واترك، صم من [الحرم] )، واترك،
وقال بأصابعه الثلاث فضمها وأرسلها )، ففي هذا الخبر وإن كان في إسناده من لا يعرف ما يدل على استحباب صيام بعض رجب؛ لأنه أحد الأشهر الحرم. قاله الحطاب.
وقال محمد بن الحسن: واعترض الحطاب ذكر المصنف لرجب بما نقله عن ابن حجر؛ بأنه لم يرد في فضل رجب ولا في صيامه ولا في صيام شيء منه معين حديث يصلح للحجة به،
ولذا قال المواق: ولو قال المصنف والمحرم وشعبان لوافق المنصوص. انتهى.
وفي الحطاب: وأما الأحاديث الواردة في فضل رجب، أو في فضل صيامه، أو في فضل صيام شيء منه صريحة فهي على قسمين: ضعيف وموضوع،
فمن الضعيف: إن في الجنة نهرا يقال له رجب ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، من صام يوما من رجب سقاه الله من ذلك النهر، وله شاهد باطل وهو أن في الجنة نهرا يقال له رجب ماؤه الرحيق من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا أعده الله لصوّام رجب، ومنه ما رواه البيهقي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصم بعد رمضان إلا رجبا وشعبان، ومنه أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل رجب، قال: اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلغنا لرمضان.
ومن الأحاديث الباطلة: رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي.
وفي رواية وقع فيها طول وزيادات من جعلة تلك الزيادات،
فمن صام من رجب يوما إيمانا واحتسابا استوجب رضوان الله الأكبر، وأسكنه الفردوس الأعلى إلى آخره.
ومن الأحاديث الباطلة أيضا: فضل رجب على الشهور كفضل القرآن على الأذكار، وفضل شعبان على الشهور كفضل محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء، وفضل رمضان على سائر الشهور كفضل الله على عباده. ومنها: من صلى المغرب في أول ليلة من رجب ثم صلى بعدها عشرين ركعة يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد مرة، ويسلم فيهن عشر تسليمات، أتدرون ما ثوابه؟
فإن الروح الأمين جبريل علمني ذلك، قال راوي الحديث وهو أنس: قلت الله ورسوله أعلم، قال: حفظه الله في نفسه وأهله وماله وولده، وأجير من عذاب القبر، وجاز على الصراط كالبرق بغير حساب ولا عذاب، وهذا حديث موضوع.
وكذا الحديث الذي فيه رجب شهر الله لأنه مخصوص بالمغفرة، وفيه تحقن الدماء، وفيه تاب الله على أنبيائه، وفيه أنقذ أولياءه من يد أعدائه الخ. ومنها حديث: من صام ثلاثة أيام من رجب كتب الله له صيام شهر،
ومن صام سبعة أيام أغلق عنه سبعة أبواب النار،
ومن صام ثمانية أيام فتح الله له ثمانية أبواب الجنة،
ومن صام نصف رجب كتب الله له رضوانه،
ومن كتب الله له رضوانه لم يعذبه،
ومن صام رجبا كله حاسبه الله حسابا يسيرا. ومنها: إن شهر رجب شهر عظيم من صام يوما منه كتب الله له صوم ألف سنة،
ومن صام مند يومين كتب الله له صوم ألفي سنة،
ومن صام منه ثلاثة أيام كتب الله له صوم ثلاثة آلاف سنة،
ومن صام منه سبعة أيام أغلقت عنه أبواب جهنم،
ومن صام منه ثمانية أيام فتحت له أبواب الجنة الثمانية فيدخل من أيها شاء،
ومن صام منه خمسة عشر يوما بدلت سيئاته حسنات ونادى مناد من السماء قد غفر الله لك فاستأنف العمل،
ومن زاد زاده الله وهو حديث موضوع. ومنها حديث: من فرج من مؤمن كربة في رجب أعطاه الله في الفردوس قصرا مد بصره، أكرموا رجبا يكرمكم الله بألف كرامة ولا أصل له، بل اختلقه السقطى. ومنها حديث: رجب من الأشهر الحرم، وأيامه مكتوبة على أبواب السماء السادسة،
فإذا صام الرجل منه يوما وَجَوَّدَ صيامة بتقوى الله نطق الباب ونطق اليوم، فقالا: يا رب اغفر له،
وإذا لم يتم صومه بتقوى الله لم يستغفرا له. رواد النقاش. ومنها حديث: من صام يوما من رجب كان كصيام سنة،
ومن صام سبعة أيام أغلقت عنه أبواب جهنم؛
ومن صام ثمانية أيام فتحت له ثمانية أبواب الجنة ومن صام عشرة أيام لم يسئل الله شيئا إلا أعطاه،
ومن صام خمسة عشر يوما نادى مناد من السماء قد غفر لك ما تقدم فاستأنف العمل،
ومن زاد زاده الله، وفي شهر رجب حمل نوح في السفينة فصام، وأمر من معه أن يصوموا شكرا لله وجرت السفينة بهم فاستقرت على الجودي في يوم عاشوراء،
وفي رجب تاب الله على آدم وعلى مدينة أهل يونس، وفيه فلق البحر لموسى، وفيه ولد إبراهيم وعيسى.
ومن الأحاديث الضعيفة حديث: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم، رجب لا يقارنه أحد من الأشهر. ولذلك يقال له: شهر الله والأصم وثلاثة أشهر متواليات؛ يعني ذا القعدة وذا الحجة والمحرم، ألا وإن رجبا شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي،
فمن صام من رجب يوما إيمانا واحتسابا استوجب رضوان الله الأكبر، وأسكنه الفردوس الأعلى،
ومن صام من رجب يومين فله من الأجر ضعفان،
وإن كل ضعف مثل جنان الدنيا،
ومن صام من رجب أربعة أيام عوفي من البلاء من الجنون والجذام والبرص ومن فتنة المسيح الدجال ومن عذاب القبر، وهو حديث طويل ورد من طرق،
وفي بعضها زيادة على بعض؛ ففي بعضها: خيرة الله من الشهور شهر رجب. واعلم أنه اشتهر أن أهل العلم يتسامحون في إيراد الأحاديث في الفضائل وإن كان فيها ضعف ما لم تكن موضوعة، وينبغي مع ذلك اشتراط أن يعتقد العامل كون ذلك الحديث ضعيفا،
وأن لا يشهر ذلك ليلا يعمل المرء بحديث ضعيف، فيشرع ما ليس بشرع ويراه بعض الجهال فيظن أنه سنة صحيحة، وليحذر المرء من دخوله تحت قوله صلى الله عليه وسلم: (من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين (٢) )، فكيف بمن عمل به؟ ولا فرق في العمل بالحديث في الأحكام أو في الفضائل إذِ الكُلُّ شرع. نقله الحطاب. وأخرج ابن ماجة في سننه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام رجب (٣) )، وليس بالقوي، وكان ابن عباس ينهى عن صيام رجب كله ليلا يتخذ عيدا وإسناده صحيح، وكان عمر يضرب أيدي الرجال في رجب إذا رفعوها عن الطعام حتى يضعوها فيه، ويقول: إنما هو موسم كان أهل الجاهلية يعظمونه.
ابن حجر: هذا النهي منصرف لمن يصومه معظما لأمر الجاهلية،
فمن صامه لقصد الصوم في الجملة من غير أن يجعله حتما أو يخص منه أياما معينة يواظب على صومها أو ليالي معينة يواظب على قيامها، بحيث يظن أنها سنة فهذا من فعله مع السلامة مما استثني، فلا بأس به،
فإن خص ذلك أو جعله حتما فهذا محظور؛ وهو في المنع بمعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تخصوا يوم الجمعة بصيام ولا ليلتها بقيام (٤) ). رواه مسلم وإن صامه معتقدا أن صيامه أو صيام شيء منه أفضل من صيام غيره، ففي هذا نظر ويقوي جانب المنع ما في الصحيح عن ابن عباس: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى صوم يوم يفضله على غيره إلا يوم عاشوراء وهذا الشهر يعني شهر رمضان (١) ).
نقله الحطاب. وحاصل ما لهم هنا أن صوم رجب مندوب حيث لم يكن هناك مانع كتعظيم أمر الجاهلية، وأنه لا إثم على من صامه كله،
وأما حديث: إن جنهم تسعر من الحول إلى الحول لصوام رجب فغير صحيح ولا تحل روايته، وأنه يلزم ناذره، ويكفي في ندب صومه ما ورد من النصوص في فضل الصوم مطلقا، والحديث الوارد في سنن أبي داوود في صوم الأشهر الحرم، وقد تقدم في فضل الصوم ما فيه كفاية. وللدميري رحمه الله تعالى: تتميم الأصب صومه ندب … لكل قادر وبالنذر يجب وأحمد كرهه إذا انفرد … والمانع المُطْلِق قوله يرد والنهيَ عنه قد روى ابن ماجه … وضعفه استبان في الديباجه والشيخ عز الدين قال من نهى … عن صومه في كل حالة سها وشَدَّد النكير في الرد عليه … وقال لا يرجع في الفتوى إليه إذ الذين نقلوا الشريعه … ما كرهوا صيامه جميعه وفي عموم طلب الصوم اندرج … وزال عن صائمه به الحرج وابن الصلاح قال من روى رجب … فيه عذاب صائميه قد وجب غير صحيح لا تحل نسبته … إلى رسول الله ضل مثبته ففي عموم الفضل للصوم نصوص … تدل لاستحبابه على الخصوص قوله: الأصبُّ هو رجب، وله ستة عشر اسما: رجب لأنه كان يرجب في الجاهلية أي يعظم أو لترك القتال فيه، يقال: أقطع الرجب، والأصم لأنه لا تسمع فيه قعقعة السلاح، والأصب بموحدة لأنهم كانوا يقولون إن الرحمة تصب فيه، ومنها رجم بالميم لأن الشياطين ترجم فيه، والشهر الحرام، والهرم لأن حرمته قديمة، والمقيم لأن حرمته ثابتة، والمعلى لأنه رفيع عندهم، والفرد وهو اسم شرعي، ومنصل الأسنة، ومنصل الأَلِّ أي الحرب، ومنزع الأسنة.
وشهر العتيرة لأنهم كانوا يذبحونها فيه، والبدي، والمشعشع، وشهر الله. وذكر بعض القُصَّاصِ أن الإسراء كان في رجب وهو كذب. نقله الحطاب.
وقال: ذكر ابن عرفة في الأشهر المرغب في صومها شوالا، ولم أره في كلام غيره من أهل المذهب، لكن وقفت في جمع الجوامع للجلال السيوطي على حديث ذكره فيه، ونصه: (من صام رمضان وشوالا والأربعاء والخميس دخل الجنة (١) ). قال المناوي في شرحه عن الذهبي: ورجاله ثقات. انتهى. قال محمد بن الحسن: الذي رأيته في الجامع الكبير وعليه شرح المناوي: (من صام رمضان وشيئا من شوال والأربعاء والخميس دخل الجنة (٢) ).
انتهى. وهل أول الأشهر الحرم، المحرم وآخرها ذو القعدة فتكون كلها في عام واحد أو أولها ذو القعدة وآخرها رجب فتكون من عامين؟ اختلف في ذلك، والأول أولى، وفقه هذا الخلاف أن من نذر صيام الأشهر الحرم، يقال له على القول الأول: ابدأ بالمحرم، ثم برجب ثم بذي القعدة، ثم بذي الحجة، وعلى القول الآخر يقال: ابدأ بذي القعدة حتى يكون آخر صيامك في رجب من العام الثاني، قال معناه ابن عرفة، قال الحطاب: هذا لازم إن نذر أن يصومها مرتبة، وإلا فالظاهر أنه على جهة الأولى.
والله أعلم. ومن قال المحرم هو الأول احتج بأنه أول السنة،
ومن قال أولها ذو القعدة احتج بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأبه حين ذكر الأشهر الحرم. وشعبان؛ يعني أنه يندب صوم شعبان لما رواه الإمام مالك والبخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان ).
وهذا لفظ الموطإ. قاله الحطاب. وذكر بعض أهل العلم أن السبب في ذلك أنه كان صلى الله عليه وسلم ربما حصل له الشغل عن صيام ثلاثة الأيام من كل شهر بسفر أو غيره، فيقضيها في شعبان، فلذلك كان يصوم في شعبان أكثر مما يصوم في غيره، ويقوي هذا التأويل ما رواه أبو داوود وغيره من حديث العلاء بن عبد الرحمن من أبيه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا دخل النصف من شعبان فلا يصومن أحد (٢) )،
وفي رواية: (إذا دخل النصف من شعبان فأمسكوا عن الصيام (٣) )، وقد ذكر بعض أهل العلم أن معنى هذا النهي المبالغة في الاحتياط ليلا يختلط برمضان ما ليس منه )، ويكون هذا بمعنى نهيه عن أن يتقدم أحد عن رمضان بيوم أو يومين. قاله الحطاب.
وفي خبر عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان (٥) )،
وفي رواية لمسلم: كان يصومه -يعني شعبان- إلا قليلا،
وفي رواية: (كان يصومه كله) وفسر بأنه يصومه كله، في سنين؛ بأن يصوم في سنة من أوله،
وفي أخرى وسطه، وفي أخرى من آخره. واعلم أن الشهور كلها مذكرة إلا جمادى.
تنبيه: ذكر الدميري في شرح سنن ابن ماجه عن الحليمي أنه لم يوجد لصوم رجب ذكر في الأصول المعروفة، سوى ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم (سئل عن صوم رجب، فقال: أين أنتم من شعبان (٧) )، وهذا يحتمل أن يكون معناه أن رجبا قد ظهر فضله فإنه من المحرم وكان معظما في الجاهلية، فلا تسئلوا عنه وسلوا عن شعبان، وحينئذ يجوز أن يكون صومه مستحبا، ويحتمل أن يكون معناه أنه منفصل عن رمضان وهو كالأشهر التي قبله، وإنما المتصل برمضان؛
والشبيه به من بعض الوجوه شعبان،
فإن فيه ليلة النصف كما في رمضان ليلة القدر، فسلوا عنه لا عن رجب، قال الحليمي: وهذا أشبه؛ لأن ذا القعدة من الحرم، ولم يرد في صيامه شيء. قاله الحطاب. وروى عبد الرزاق من زيد بن أسلم أن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت لامرأة ذكرت لها أنها تصوم رجبا: صومي شعبان فإن فيه الفضل، فقد ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ناس يصومون رجبا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأين هم من صيام شعبان؟. نقله الحطاب.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.