وورود الماء على النجاسة كعكسه.
الشروح عليها
(وَوُرُودُ الْمَاءِ عَلَى) ذِي (النَّجَاسَةِ) كَثَوْبٍ مَثَلًا مُتَنَجِّسٌ يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمُطْلَقُ وَيَنْفَصِلُ عَنْهُ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ (كَعَكْسِهِ) أَيْ كَوُرُودِ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمَاءِ فِي التَّطْهِيرِ أَيْ لَا فَرْقَ عِنْدَنَا فِي وُرُودِ الْمُطْلَقِ عَلَى النَّجَاسَةِ وَلَا فِي وُرُودِ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمَاءِ كَأَنْ يَغْمِسَ الثَّوْبَ فِي إنَاءِ مَاءٍ وَيَخْرُجُ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ سَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا وَخَالَفَ الشَّافِعِيُّ فِي الثَّانِي فَقَالَ: إنْ وَرَدَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ دُونَ قُلَّتَيْنِ تَنَجَّسَ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ وَلَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُ الثَّوْبِ إلَّا بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ أَوْ يُغْمَسَ فِي مَاءٍ قَدْرَ قُلَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ بِالطَّاهِرِ طَاهِرٌ وَبِالنَّجِسِ نَجِسٌ نَاسَبَ أَنْ يُبَيِّنَ الْأَعْيَانَ الطَّاهِرَةَ وَالنَّجِسَةَ بِقَوْلِهِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: وَوُرُودُ الْمَاءِ إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَوُرُودُ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمَاءِ كَعَكْسِهِ؛ لِأَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى مِنْ الْمُشَبَّهِ وَهُنَا بِالْعَكْسِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ إذَا وَرَدَ عَلَى النَّجَاسَةِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ فَهُوَ طَاهِرٌ بِاتِّفَاقٍ،
وَأَمَّا إذَا وَرَدَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى الْمَاءِ الْقَلِيلِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ فَفِي نَجَاسَتِهِ الْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَدْ جَعَلَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْفَرْعَ الثَّانِي مُشَبَّهًا بِهِ لَا يُقَالُ إنَّ عَادَةَ الْمُصَنِّفِ إدْخَالُ الْكَافِ عَلَى الْمُشَبَّهِ لَا عَلَى الْمُشَبَّهِ بِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا يُدْخِلُهَا عَلَى الْمُشَبَّهِ بَعْدَ تَتْمِيمِ الْحُكْمِ كَمَا لَوْ قَالَ وَوُرُودُ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ لَا يَضُرُّ كَعَكْسِهِ وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ وَحِينَئِذٍ فَهِيَ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمُشَبَّهِ بِهِ فَالِاعْتِرَاضُ بَاقٍ فَتَأَمَّلْ وَذِكْرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ لِاسْتِفَادَتِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ لَكِنَّهُ قَصَدَ بِالتَّصْرِيحِ بِهَا الرَّدَّ عَلَى الْمُخَالِفِ كَالشَّافِعِيِّ
(قَوْلُهُ: عَلَى ذِي النَّجَاسَةِ) أَيْ وَهُوَ الشَّيْءُ الْمُتَنَجِّسُ
(قَوْلُهُ: وَيَنْفَصِلُ عَنْهُ) أَيْ وَيَنْفَصِلُ الْمَاءُ عَنْ الثَّوْبِ
(قَوْلُهُ: لَا فَرْقَ عِنْدَنَا فِي وُرُودِ) أَيْ فِي حُصُولِ التَّطْهِيرِ بَيْنَ وُرُودِ إلَخْ
(قَوْلُهُ: كَأَنْ يَغْمِسَ الثَّوْبَ) أَيْ الْمُتَنَجِّسَ
(قَوْلُهُ: الثَّانِي) أَيْ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ مَحَلُّ اتِّفَاقٍ
(قَوْلُهُ: إنْ وَرَدَتْ) أَيْ إنْ وَرَدَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ قَدْرُ قُلَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ فَكَمَا قُلْنَاهُ
(قَوْلُهُ: بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَالْقُلَّتَانِ نَحْوُ أَرْبَعِمِائَةٍ وَسَبْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ رِطْلًا تَقْرِيبًا بِالْمِصْرِيِّ، وَبِالْبَغْدَادِيِّ خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ [فَصْلٌ بَيَان الْأَعْيَانَ الطَّاهِرَةَ وَالنَّجِسَةَ] (فَصْلٌ الطَّاهِرُ إلَخْ)
ص (وَوُرُودُ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ كَعَكْسِهِ) ش: يَعْنِي إذَا وَرَدَ الْمَاءُ عَلَى النَّجَاسَةِ فَكَذَلِكَ كَمَا لَوْ وَرَدَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى الْمَاءِ فَإِنْ تَغَيَّرَ الْمَاءُ بِالنَّجَاسَةِ الَّتِي وَرَدَ عَلَيْهَا صَارَ نَجِسًا وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ فَهُوَ طَهُورٌ لَكِنَّهُ إنْ كَانَ يَسِيرًا كُرِهَ اسْتِعْمَالُهُ وَإِلَّا فَلَا يُكْرَهُ قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَقَدْ نَصَّ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ وَاعْتَرَضَ الْبِسَاطِيُّ عَلَى ذَلِكَ بِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ تَحِلُّهُ النَّجَاسَةُ وَأَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي طَهُورِيَّةِ الْمَاءِ إذَا انْفَصَلَ عَلَى حَالِهِ كَمَا سَيَأْتِي.
(قُلْتُ) : وَقَدْ سَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُمْ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْغُسَالَةُ الْمُتَغَيِّرَةُ نَجِسَةٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْمَازِرِيُّ تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَشْهُورِ لَا عَلَى غَيْرِهِ فَتَأَمَّلْهُ.
[فَرْعٌ الِاغْتِرَاف مِنْ الْمَاء قَبْل التَّطَهُّر] (فَرْعٌ)
قَالَ فِي سَمَاعِ زَيْدٍ مِنْ كِتَابِ الْوُضُوءِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ حَوْضِ: الْحَمَّامِ وَهُوَ نَجِسٌ فَيَتَطَهَّرُ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ وَيُدْخِلُ يَدَيْهِ فِيهِ وَيُدَلِّكُ جَسَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَصُبَّ عَلَى يَدَيْهِ الْمَاءَ مِمَّا يَصِلُ إلَيْهِمَا مِنْ جَسَدِهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّ مَاءَ الْحَوْضِ لَيْسَتْ نَجَاسَتُهُ مُحَقَّقَةً كَالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ وَالدَّمِ وَإِنَّمَا هُوَ نَجِسٌ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْ حُصُولِ النَّجَاسَةِ فِيهِ لِكَثْرَةِ الْمُسْتَعْمَلِينَ فِيهِ وَقَدْ وَقَعَتْ قَطْرَةٌ مِنْ الْبَوْلِ فِي قَدْرِ مَا يَتَطَهَّرُ بِهِ الرَّجُلُ لَمَا تَنَجَّسَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ فَكَيْفَ بِرَدِّ يَدَيْهِ مِنْ هَذَا الْمَاءِ الْمَحْكُومِ بِنَجَاسَتِهِ هَذَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُبَالِيَ بِهِ وَأَنْ يَتَسَاهَلَ فِيهِ وَلَوْ نَجَّسَ طَهُورَهُ بِرَدِّ يَدَيْهِ لَوَجَبَ أَنْ يَنْجُسَ الْمَاءُ الَّذِي نَقَلَهُ إلَى جِسْمِهِ لِمُلَاقَاتِهِ إيَّاهُ انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمَاءَ الْيَسِيرَ إذَا حَلَّتْهُ نَجَاسَةٌ يَسِيرَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ أَنَّهُ نَجِسٌ وَعَلَى أَنَّ الْحَوْضَ مِنْ الْيَسِيرِ وَالْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِ هَذَا الْكَلَامِ إنَّمَا هُوَ بَيَانُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا إذَا أَصَابَ يَدَ الْمُغْتَسِلِ مِنْ بَدَنِهِ ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِي الْمَاءِ لَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِمَا انْتَضَحَ فِي إنَاءِ الْجُنُبِ مِنْ غُسْلِهِ وَنَقَلَ الْبُرْزُلِيُّ كَلَامَ ابْنِ الْقَاسِمِ
وَقَالَ بَعْدَهُ: وَمِثْلُهُ يَقَعُ فِيمَنْ يَكُونُ بِجَسَدِهِ نَجَاسَةٌ فَيَصُبُّ عَلَيْهَا مِنْ إنَاءٍ طَاهِرٍ وَيُدَلِّكُ يَدَيْهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ وُرُودَ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ وَهُوَ غَيْرُ الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَإِنْ كَانَ وَقَعَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مَا يُؤَيِّدُهُ انْتَهَى. وَمَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ ظَاهِرٌ.
(وَوُرُودُ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ كَعَكْسِهِ) الْمَازِرِيُّ: لَا فَرْقَ بَيْنَ وُرُودِ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ أَوْ وُرُودِهَا عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمُخَالَطَةَ حَصَلَتْ فِي الْحَالَتَيْنِ فَلَا اعْتِبَارَ بِتَقَدُّمِ أَحَدِ السَّبَبَيْنِ.
وَفِي الْقَبَسِ: الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ وَهِيَ بَدِيعَةٌ قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي حَدِيثِ الْأَمْرِ بِغَسْلِ الْيَدِ قَبْلَ دُخُولِهَا فِي الْإِنَاءِ فِيهِ: أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَهِيَ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَرِدَ الْمَاءُ عَلَى النَّجَاسَةِ أَوْ تَرِدَ النَّجَاسَةُ عَلَى الْمَاءِ. [بَاب فِي أَحْكَامِ النَّجَاسَاتِ][فَصَلِّ تَمْيِيز الْأَعْيَان الطَّاهِرَة عَنْ النَّجِسَة]
(ص) وَوُرُودُ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ كَعَكْسِهِ (ش) لَمَّا قَدَّمَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّ الْمُطْلَقَ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ أَحَدُ أَوْصَافِهِ فَمَا تَغَيَّرَ أَحَدُهَا مِنْهُ فَلَيْسَ بِمُطْلَقٍ فَكَأَنَّ قَائِلًا قَالَ لَهُ هَلْ الْعِبْرَةُ بِالْأَوْصَافِ سَوَاءٌ وَرَدَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى الْمَاءِ أَوْ وَرَدَ هُوَ عَلَيْهَا أَوْ هَذَا فِيمَا وَرَدَ عَلَى النَّجَاسَةِ
لَا إنْ وَرَدَتْ هِيَ فَقَالَ: لَا فَرْقَ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَنَا فِي التَّطْهِيرِ بَيْنَ أَنْ يُوضَعَ الثَّوْبُ الْمُتَنَجِّسُ فِي الْإِنَاءِ، ثُمَّ يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَيَنْفَصِلُ طَهُورًا أَوْ الْمَاءُ فِي الْإِنَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ الثَّوْبُ الْمُتَنَجِّسُ فِيهِ وَيَنْفَصِلُ الْمَاءُ طَهُورًا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ يُفَرِّقُ فِي ذَلِكَ وَيَقُولُونَ إنْ وَرَدَ الْمَاءُ عَلَى النَّجَاسَةِ طَهَّرَهَا،
وَإِنْ وَرَدَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى الْمَاءِ وَكَانَ دُونَ قُلَّتَيْنِ تَنَجَّسَ الْمَاءُ بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ،
وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ أَمَّا لَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قُلَّتَيْنِ فَلَا يُنَجَّسُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ وَالْقُلَّتَانِ بِالْبَغْدَادِيِّ خَمْسُمِائَةِ رَطْلٍ وَبِالْمِصْرِيِّ عَلَى مَا رَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ أَرْبَعُمِائَةِ رَطْلٍ وَوَاحِدٌ وَخَمْسُونَ رَطْلًا وَثُلُثُ رَطْلٍ وَثُلُثَا أُوقِيَّةٍ لَا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ أُوقِيَّةٍ،
وَأَمَّا عَلَى مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فَإِنَّهُمَا أَرْبَعُمِائَةٍ وَسِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ رَطْلًا وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ رَطْلٍ قَالَهُ فِي شَرْحِ الزُّبَدِ.
(فَصْلٌ) تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا وَوَجْهُ مُنَاسَبَةِ هَذَا لِمَا قَبْلَهُ هُوَ أَنَّهُ لَمَّا قَدَّمَ أَنَّ مَا تَغَيَّرَ مِنْ الْمِيَاهِ بِطَاهِرٍ طَاهِرٌ وَمَا تَغَيَّرَ بِنَجَسٍ مُتَنَجِّسٌ احْتَاجَ إلَى بَيَانِ الطَّاهِرِ وَالنَّجَسِ وَذَكَرَ فِيهِ أَشْيَاءَ لَا تَتَّصِفُ بِذَلِكَ كَقَوْلِهِ حَرُمَ اسْتِعْمَالُ ذَكَرٍ مُحَلًّى وَجَازَ لِلْمَرْأَةِ الْمَلْبُوسُ مُطْلَقًا لِكَوْنِهَا شَارَكَتْ مَا ذُكِرَ فِي الْحُرْمَةِ وَالْجَوَازِ، الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ بَيَانُ الْأَعْيَانِ الطَّاهِرَةِ مِنْ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ بَابِ الْمُبَاحِ الْآتِي بَيَانُ الْأَعْيَانِ الْمُبَاحَةِ مِنْ غَيْرِهَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الطَّهَارَةِ الْإِبَاحَةُ وَلَا مِنْ الْإِبَاحَةِ الطَّهَارَةُ فَلَا يَدْخُلُ أَحَدُ الْبَابَيْنِ تَحْتَ الْآخَرِ وَذَكَرَ الشَّارِحُ فِي بَابِ الْمُبَاحِ أَنَّ بَيْنَ الطَّاهِرِ وَالْمُبَاحِ عُمُومًا مُطْلَقًا وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ
(قَوْلُهُ وَوُرُودُ الْمَاءِ إلَخْ) أَيْ الْمَاءِ الْقَلِيلِ بِمَعْنَاهُ عِنْدَنَا،
فَإِنْ قِيلَ وُرُودُ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ هُوَ الْأَصْلُ وَعَكْسُهُ هُوَ الْفَرْعُ، وَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ وَعِبَارَةُ الْمُؤَلِّفِ تُفِيدُ عَكْسَ ذَلِكَ قُلْت جَوَابُهُ أَنَّ الْكَافَ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمُشَبَّهِ كَمَا هُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِهِمْ وَكَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا الصَّغِيرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى فَإِنَّ الْكَافَ الدَّاخِلَةَ عَلَى الْمُشَبَّهِ لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ تَتْمِيمِ الْحُكْمِ كَمَا لَوْ قَالَ وَوُرُودُ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ لَا يَضُرُّ كَعَكْسِهِ وَهُنَا لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَالِاعْتِرَاضُ بَاقٍ فَالْجَوَابُ الْأَحْسَنُ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ عَكْسِ التَّشْبِيهِ كَمَا فِي قَوْلِك الْأَسَدُ كَزَيْدٍ مُبَالَغَةً فِي التَّشْبِيهِ فَيَكُونُ قَصْدُ الْمُبَالَغَةِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُخَالِفِ.
(خَاتِمَةٌ) قَالَ فِي ك وَذِكْرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ؛ لِأَنَّهَا تُسْتَفَادُ مِمَّا تَقَدَّمَ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَهَا لِقَصْدِ التَّصْرِيحِ بِالرَّدِّ عَلَى الْمُخَالِفِ كَالشَّافِعِيِّ الْقَائِلِ بِأَنَّ وُرُودَ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمَاءِ تُنَجِّسُهُ حَيْثُ كَانَ قَلِيلًا اهـ.
[فَصَلِّ بَيَانِ الطَّاهِرِ وَالنَّجَسِ] (فَصْلٌ الطَّاهِرُ إلَخْ)
(قَوْلُهُ فَصْلٌ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ إلَخْ) لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذَلِكَ وَلَكِنْ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَكُونُ تَقَدَّمَ لَهُ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ مَا يُحِيلُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَنَّهُ فِي ذَلِكَ الشَّرْحِ حِينَ اخْتَصَرَهُ مِنْهُ يَذْكُرُ الْإِحَالَةَ وَلَا يَذْكُرُ الْمُحَالَ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّنَا نُتَمِّمُ الْفَائِدَةَ فَنَقُولُ الْفَصْلُ لُغَةً الْحَجْزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وَاصْطِلَاحًا اسْمٌ لِطَائِفَةٍ مِنْ الْمَسَائِلِ بِمَعْنَى الْقَضَايَا مِنْ مَسَائِلِ الْفَنِّ مُنْدَرِجَةٍ غَالِبًا تَحْتَ بَابٍ كَمَا هُنَا أَوْ كِتَابٍ وَالْمُنَاسَبَةُ ظَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ فَصْلٍ حَاجِزٌ بَيْنَ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ
(قَوْلُهُ وَذَكَرَ أَشْيَاءَ) الْمَذْكُورُ فِي ذَلِكَ هُوَ اسْتِعْمَالُ الذِّكْرِ الْمُحَلَّى وَلُبْسُ الْمَلْبُوسِ وَلَكِنْ الَّذِي يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ مَذْكُورًا الْحُرْمَةُ وَالْجَوَازُ لَا الِاسْتِعْمَالُ وَلَا لُبْسُ الْمَلْبُوسِ
(قَوْلُهُ وَجَازَ لِلْمَرْأَةِ الْمَلْبُوسُ) أَيْ لُبْسُ الْمَلْبُوسِ
(قَوْلُهُ أَنَّ بَيْنَ الطَّاهِرِ وَالْمُبَاحِ عُمُومًا وَخُصُوصًا مُطْلَقًا) أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُبَاحَ يَسْتَلْزِمُ الطَّهَارَةَ فَالْمَيْتَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُضْطَرِّ مُبَاحَةٌ وَطَاهِرَةٌ وَالسُّمُّ طَاهِرٌ لَا مُبَاحٌ فَالْأَعَمُّ هُوَ الطَّاهِرُ وَالْأَخَصُّ هُوَ الْمُبَاحُ وَقَوْلُهُ بَعْدُ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ إلَخْ أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِبَاحَةَ لَا تَسْتَلْزِمُ الطَّهَارَةَ فَالْمَيْتَةُ مُبَاحَةٌ وَلَيْسَتْ بِطَاهِرَةٍ، وَهُوَ الْحَقُّ
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي نَحْوِ رَغِيفٍ وَيَنْفَرِدُ الْمُبَاحُ بِالْمَيْتَةِ وَالطَّاهِرُ بِالسُّمِّ وَلَكِنْ الْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ وَالْحَقُّ بَدَلَ قَوْلِهِ وَيُمْكِنُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ
(الْمَاءِ) الطَّهُورِ الْمُطْلَقِ (عَلَى النَّجَاسَةِ) الْعَيْنِيَّةِ أَوْ الْحُكْمِيَّةِ (كَعَكْسِهِ) أَيْ وُرُودِ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمَاءِ، قَلِيلًا كَانَ، أَوْ كَثِيرًا فِي أَنَّهُ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْمَاءُ بِوَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِهَا فَالْغُسَالَةُ وَالْمَحَلُّ طَاهِرَانِ،
وَإِنْ تَغَيَّرَ بِهِ فَنَجِسَانِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " إنْ وَرَدَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ دُونَ قُلَّتَيْنِ تَنَجَّسَ بِمُجَرَّدِ وُرُودِهَا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَهُمَا خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيٍّ وَأَرْبَعُمِائَةٍ وَسَبْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ رِطْلًا مِصْرِيًّا تَقْرِيبًا وَشَبَّهَ وُرُودَ الْمَاءِ عَلَيْهَا الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ بِوُرُودِهَا عَلَيْهِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ،
وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى عَكْسَهُ مُبَالَغَةً فِي رَدِّ الْخِلَافِ وَلَا يُقَالُ: قَاعِدَةُ الْفُقَهَاءِ إدْخَالُ الْكَافِ عَلَى الْمُشَبَّهِ فَلَمْ يُخَالِفْ الْمُصَنِّفُ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّا نَقُولُ مَحَلُّهَا فِي التَّشْبِيهِ بَعْدَ الْحُكْمِ، وَالْحُكْمُ هُنَا مُتَوَقِّفٌ عَلَى التَّشْبِيهِ فَهِيَ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمُشَبَّهِ بِهِ هُنَا عَلَى قَاعِدَةِ الْبَيَانِيِّينَ وَهُوَ تَشْبِيهٌ مَعْكُوسٌ لِلْمُبَالَغَةِ كَقَوْلِهِ:
وَبَدَا الصَّبَاحُ كَأَنَّ غُرَّتَهُ ... وَجْهُ الْخَلِيفَةِ حِينَ يُمْتَدَحُ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عُلِمَتْ مِمَّا سَبَقَ وَذُكِرَتْ هُنَا لِمُجَرَّدِ الرَّدِّ عَلَى الْمُخَالِفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وورود الماء على النجاسة كعكسه يعني أن الماء المطلق يطهر المتنجس سواء ورد الماء على المتنجس بأن يوضع الثوب مثلا في شيء ويصب عليه الماء المطلق، أو يجعل الماء في إناء مثلا ويورد عليه الثوب المتنجس بأن يوضع فيه، وينفصل الماء في كلتا المسألتين طهورا أو طاهرا كما يفيده ما يأتي. ونص على هذا الخلاف الشافعي القائل: إن ورد الماء على النجاسة طهرها،
وإن وردت عليه وهو دون قلتين فإنه يتنجس بمجرد ملاقاتها وإن لم يتغير لا أكثر من قلتين فلا يتنجس بمجرد الملاقاة، والقلتان بالبغدادي خمسمائة رطل، وبالمصري أربعمائة رطل، وتزيد عند النووي ستة وأربعين رطلا وثلاثة أسباع رطل، وعند الرافعي إحدى وخمسين رطلا وثلث رطل وثلثا أوقية. وعبارة الأمير: وورود النجاسة على الماء كعكسه، ثم قال: شبهت المختلف فيه بالمتفق عليه وعكس الأصل مبالغة أو قصد مجرد التسوية،
وأما قولهم الكاف عند الفقهاء تدخل على المشبه فذاك بعد تمام الحكم فليتأمل انتهى. فصل: هو مصدر فصلت بين الشيئين إذا فرقت بينهما، ويقال في اللغة للحاجز بين الشيئين، وهو في الاصطلاح اسم الطائفة من مسائل الفن مندرجة غالبا تحت باب أو كتاب، ووجه مناسبة هذا الفصل لما قبله أنه تقدم أن الماء الذي تغير بطاهر طاهر، والماء الذي تغير بنجس نجس فاحتاج إلى بيان الأعيان الطاهرة من الأعيان النجسة، وبدأ بالكلام على الطاهر لأنه الأصل فقال
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.