وَلَا يَسْقُطُ فَرْضٌ مِنْ حَجٍّ عَنْهُ
الشروح عليها
(وَلَا يَسْقُطُ فَرْضُ مَنْ حُجَّ عَنْهُ) وَلَا يُكْتَبُ لَهُ نَافِلَةً أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَسْقُطُ فَرْضُ مَنْ حُجَّ عَنْهُ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا.
لا زيادة له على هذه المسألة.
ص (وَلَا يَسْقُطُ فَرْضُ مَنْ حَجَّ عَنْهُ، وَلَهُ أَجْرُ النَّفَقَةِ وَالدُّعَاءِ) ش قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ،
وَقَالَ يَتَطَوَّعُ عَنْهُ بِغَيْرِ هَذَا يُهْدِي عَنْهُ أَوْ يَتَصَدَّقُ أَوْ يُعْتِقُ قَالَ: لِأَنَّ ثَوَابَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ، وَثَوَابُ الْحَجِّ هُوَ لِلْحَاجِّ، وَإِنَّمَا لِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ بَرَكَةُ الدُّعَاءِ، وَثَوَابُ الْمُسَاعَدَةِ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ بِمَا يَصْرِفُ مِنْ مَالِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ انْتَهَى.
وَلَهُ نَحْوُ ذَلِكَ فِي مَنَاسِكِهِ،
وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا بَعْدَهُ: وَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ بِالْحَجِّ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَالشَّاذُّ لَا تَنْفُذُ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَهَلْ يَكُونُ الْحَجُّ عَلَى وَجْهِ النِّيَابَةِ عَنْ الْمَيِّتِ؟ وَعَلَيْهِ نَزَلَتْ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لَا يَحُجُّ عَنْهُ صَرُورَةً، وَلَا مَنْ فِيهِ عَقْدُ حُرِّيَّةٍ، فَاعْتِبَارُ الْمُبَاشَرَةِ لِلْحَجِّ يَدُلُّ أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ النِّيَابَةِ،
وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا لِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ أَجْرُ النَّفَقَةِ،
وَإِنْ تَطَوَّعَ عَنْهُ أَحَدٌ فَلَهُ أَجْرُ الدُّعَاءِ انْتَهَى.
وَيَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ ثَوَابَ الْحَجِّ لِلْحَاجِّ مَا قَالَهُ سَنَدٌ فِي شَرْحِ أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ بَابِ النِّيَابَةِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَلْزَمُ الْمَعْضُوبَ الْغَنِيَّ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ،
وَيَلْزَمُ الْأَجِيرَ أَنْ يَنْوِيَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ عَنْ الْمَعْضُوبِ ثُمَّ يَقَعُ الْحَجُّ لِلْأَجِيرِ تَطَوُّعًا دُونَ الْمَعْضُوبِ، وَإِنَّمَا لَهُ ثَوَابُ النَّفَقَةِ فِي إنْفَاقِ الْأَجِيرِ وَتَسْهِيلِ الطَّرِيقِ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ انْتَهَى.
وَإِنَّمَا قَالَ قَرِيبٌ؛ لِأَنَّ مَالِكًا لَا يَقُولُ: يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِئْجَارُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
، وَنَقَلَهُ عَنْهُ التَّادَلِيُّ فِي أَوَّلِ بَابِ النِّيَابَةِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَنَاسِكِهِ،
وَقَالَ سَنَدٌ بَعْدَ كَلَامِهِ السَّابِقِ بِنَحْوِ الْوَرَقَةِ: وَالْحَجُّ فِي الْحَقِيقَةِ مَنْفَعَةٌ لِفَاعِلِهِ؛ لِأَنَّهُ سَعْيُهُ،
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى}{وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى}{ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى} فَهُوَ يَرَى سَعْيَهُ وَيُجَازِيهِ أَوْفَى جَزَاءٍ، وَإِنَّمَا لِلْمُسْتَنِيبِ بِقَصْدِ اسْتِنَابَتِهِ وَإِعَانَتِهِ وَسَعْيِهِ فِي ذَلِكَ انْتَهَى.
، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْمَعْضُوبُ قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي مَنَاسِكِهِ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ مِنْ الْعَضْبِ، وَهُوَ الْقَطْعُ كَأَنَّهُ قَطَعَ عَنْ كَمَالِ الْحَرَكَةِ وَالتَّصَرُّفِ، وَيُقَالُ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ كَأَنَّهُ ضَرَبَ عَلَى عَصَبِهِ فَانْقَطَعَتْ أَعْضَاؤُهُ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ حَجَّ عَنْ مَيِّتٍ فَالنِّيَّةُ تُجْزِئُهُ،
وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لَبَّيْكَ عَنْ فُلَانٍ انْتَهَى.
قَالَ سَنَدٌ مَقْصُودُهُ أَنَّ الْحَجَّ يَنْعَقِدُ عَنْ الْغَيْرِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ كَمَا يَنْعَقِدُ عَنْ الْمُحْرِمِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ص) ، وَلَا يَسْقُطُ فَرْضُ مَنْ حَجَّ عَنْهُ (ش) يَعْنِي: أَنَّ الْحَجَّ الْفَرْضَ لَا يَسْقُطُ عَنْ صَاحِبِهِ بِحَجِّ الْغَيْرِ عَنْهُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْمَحْجُوجُ عَنْهُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا؛ لِأَنَّ الْحَجَّ لَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ عَلَى الْمَذْهَبِ وَقَالَ ق وَيَقَعُ نَفْلًا لِلْأَجِيرِ مَعَ أَنَّهُ بِلَا نِيَّةٍ فَهُوَ وَارِدٌ عَلَى قَوْلِهِ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» .
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَسْقُطُ فَرْضُ مَنْ حَجَّ عَنْهُ) ، بَلْ وَلَا نَفْلُ مَنْ حَجَّ عَنْهُ
(قَوْلُهُ: وَيَقَعُ نَفْلًا لِلْأَجِيرِ) قَدْ قُرِّرَ أَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ وَلَكِنَّ مَا قَالَهُ شَارِحُنَا ذَكَرَهُ الْحَطَّابُ فَقَالَ يَقَعُ الْحَجُّ تَطَوُّعًا عَنْ النَّائِبِ،
وَفِي شَرْحِ شب.
وَالظَّاهِرُ بَعْدَ تَسْلِيمِ أَنَّ الْحَجَّ لَا يَسْقُطُ إنَّ لِلْمَيِّتِ ثَوَابَهُ كَحَجِّ النَّفْلِ انْتَهَى فَانْظُرْ هَذَا فَإِنَّهُ رُبَّمَا عَارَضَ مَا قَالَهُ الْحَطَّابُ
(قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّهُ بِلَا نِيَّةٍ) أَيْ: لِلْأَجِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ الْأَجِيرُ أَيْ: يَنْوِي بِحَجِّهِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ حَيْثُ كَانَ صَرُورَةً وَأَنَّهُ يَقَعُ تَطَوُّعًا لِلْأَجِيرِ شَيْخُنَا عَبْدُ اللَّهِ
(قَوْلُهُ: فَهُوَ وَارِدٌ إلَخْ) الْمُنَاسِبُ الْعَكْسُ فَيَقُولُ فَالْحَدِيثُ وَارِدٌ عَلَيْهِ وَنُسْخَةُ الشَّيْخِ بِخَطِّهِ هَكَذَا
(وَلَا يَسْقُطُ فَرْضُ مَنْ) أَيْ الْمُسْتَنِيبِ الَّذِي (حُجَّ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مُثَقَّلًا (عَنْهُ) حَيًّا أَوْ مَيِّتًا وَلَا نَفْلُهُ أَيْضًا فَمَفْهُومُ فَرْضٍ مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ.
فَلَوْ قَالَ: وَلَا يُكْتَبُ لِمَنْ حُجَّ عَنْهُ غَيْرَ أَجْرِ النَّفَقَةِ وَالدُّعَاءِ لَشَمِلَهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ النِّيَابَةَ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَصَحَّتْ النِّيَابَةُ فِيهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ لِغَيْرِ الْمُسْتَطِيعِ وَنَفَذَتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ لِشَائِبَةِ الْمَالِ كَنِيَابَةِ إمَامِ الصَّلَاةِ مَنْ يُصَلِّي عَنْهُ فَلَا يَسْقُطُ فَرْضُ الْإِمَامِ بِفِعْلِ النَّائِبِ، وَصَحَّتْ لِلْمَالِ وَمُلَازَمَةُ الْمَحَلِّ الَّذِي صَلَّى فِيهِ وَيَكْتُبُ نَافِلَةً لِلْأَجِيرِ عَلَى مَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْحَطّ. هُنَا عَنْ سَنَدٍ وَابْنِ فَرْحُونٍ وَالْمَوَّاقِ عَنْ الْقَرَافِيِّ.
وَقَالَ الْحَطّ عِنْدَ قَوْلِهِ كَتَمَتُّعٍ بِقِرَانٍ
تَنْبِيهٌ صَرَّحَ صَاحِبُ الطِّرَازِ بِأَنَّ مَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى شَيْءٍ فَخَالَفَ مَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ،
وَإِنْ كَانَ نَوَاهُ عَنْ غَيْرِهِ وَاسْتَشْكَلَ بِأَنَّهُ لَا يُثَابُ الْإِنْسَانُ إلَّا عَلَى مَا نَوَى لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» . وَأُجِيبُ بِاسْتِثْنَاءِ هَذَا مِنْ الْحَدِيثِ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ. الْمِسْنَاوِيُّ الْحَقُّ أَنَّ نِيَّةَ الْحَجِّ هُنَا مَوْجُودَةٌ وَالْخَلَلُ إنَّمَا هُوَ فِي مُتَعَلِّقِهَا وَهُوَ كَوْنُهُ عَنْ فُلَانٍ، وَذَلِكَ لَا يَضُرُّ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ كَقَوْلِهِمْ فِي إخْرَاجِ بَعْضِ الْمُسْتَبَاحِ. وَلَهُ أَجْرُ النَّفَقَةِ وَالدُّعَاءِ.
وَرُكْنُهُمَا [منح الجليل]
ولا يسقط فرض من حُجَّ عنه؛ يعني أن من حج عنه لا يسقط عنه الفرض بذلك؛ لأن الحج لا يقبل النيابة على المذهب، وسواء كان المحجوج عنه حيا أو ميتا، وكما لا يسقط عنه الفرض فذلك لا يكتب له نافلة،
وَإذا لم يسقط الفرض عمن حج عنه فإنما لَهُ؛ أي من حج عنه أجر النفقة التي ينفقها الأجير في الحج من طعام وشراب ولباس وركوب وغير ذلك، وكما له أجر النفقة له أجر الدعاء؛ أي بركته،
وَأَمَّا قَولُ عبد الباقي ففي الإجارة من مال المحجوج عنه للمحجوج عنه أجر النفقة والدعاء معا،
وإن تطوع عنه أحد بالحج فله أجر الدعاء فقط، والمراد بأجر الدعاء في القسمين ثوابه،
ولو كان الدعاء لنفس الأجير بدنيوي فيحصل لمن حج عنه ثواب خضوعه وتضرعه لله عز وجل، كما في خبر: (الدعاء مخ العبادة (١) )، فَفِيهِ نَظَرٌ بل لا يصح على مذهبنا لأن الخضوع لا يقبل النيابة، وعبارة ابن فرحون على ما في الحطاب: وثواب الحج للحاج، وإنما للمحجوج عنه بركة الدعاء وثواب المساعدة. انتهى. قاله محمد بن الحسن. قوله: "ولا يسقط" الخ وخرج الباجي قولا بسقوط الفريضة. قاله الشارح. وتحصل مما مر أن ثواب الحج إنما يكون للحاج لا للمحجوج عنه فريضة أو نافلة، ولا يعترض على هذا بحديث: (إنما الأعمال بالنيات (٢) )؛
لأنه يجاب عن ذلك بأن نية الحج هنا موجودة، والخلل إنما وقع في متعلقها وهو كونها عن فلان، وذلك لا يضر في أصل النية كما قالوا في قوله: "أو أخرج بعض المستباح" وإذا كان المستنيب شافعيا مثلا عنده الوقوف الركني من الزوال والنائب مالكي عنده ساعة من ليلة النحر: فالظاهر أن المعتبر مذهب النائب لا غير ولو نوى النائب الحج عن نفسه لسقط عنه الفرض كما تقدم أنه الظاهر بمنزلة من غصب مالا وحج به.
وعلم مما مر أن للمحجوج عنه أجر النفقة وبركة الدعاء معا، فيما إذا استؤجر من ماله وله بركة الدعاء فقط فيما إذا تطوع عنه وقال الإمام أبو حنيفة: يلزم المعضوب الغني أن يستأجر من يحج عنه،
ويلزم الأجير أن ينوي حجة الإسلام عن المعضوب، ثم تقع الحجة للأجير تطوعا دون المعضوب، وإنما له ثواب النفقة في إنفاق الأجير وتسهيل الطريق، وهذا قريب من قول مالك. قاله سند. وإنما قال قريبا لأن مالكا لا يقول يجب عليه الاستئجار. والله أعلم. ثم قال سند: والحج في الحقيقة منفعته لفاعله لأنه سعيه،
قال الله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى}، فهو يرى سعيه ويجازاه أوفى جزاء، وإنما للمستنيب بقصد استنابته وإعانته وسعيه في ذلك. انتهى. والمعضوب بعين مهملة وضاد معجمة من العضب وهو القطع، كأنه قطع عن كمال الحركة والتصرف، ويقال بالصاد المهملة كأنه ضرب على عصبة فانقطعت أعضاؤه. قاله الحطاب. وقد مر أن من حج عن ميت بالنية يجزئه وإن لم يقل لبيك عن فلان قاله في المدونة.
سند: مقصوده أن الحج ينعقد عن الغير بمجرد النية.
تنبيه: إنما لم يسقط فرض من حج عنه لأن الحج من الأعمال البدنية التي لا تقبل النيابة كالصوم والصلاة، وصحت النيابة فيه مع الكراهة لغير المستطيع، ونفذت الوصية به مراعاة لما فيه من شائبة المال ففيه شائبتان،
فمن حيث كونه عبادة بدنية لم يسقط الفرض بفعل النائب،
ومن حيث كونه يصرف فيه مال صح عقد الإجارة عليه، كنيابة [إمام ] الصلاة شخصا يصلي عنه فالنيابة لا تسقط الفرض عن الأصل: وصحت النيابة مراعاة للمال وملازمة المحل الذي صلى فيه. وقوله: "وله أجر النفقة والدعاء" ، انظر هل يجري ما ذكره المصنف في الإجارة الممنوعة وفي النيابة الممنوعة؟ كمن استناب غيره في الفرض ولم يطلع عليه حتى فعل الأجير واستحق أجرة المثل، ولا يقال المعصية لا ثواب فيها لأنا نقول المعصية من جهة، والثواب من جهة كمن تنفل وعليه فريضة، كما قال ابن رشد.
أولا يجري ذلك فيها. قاله الشيخ علي الأجهوري. نقله عبد الباقي.
وفي الجامع الصغير: (إذا لقيت الحاج فسلم عليه وصافحه ومره أن يستغفر لك قبل أن يدخل بيته، فإنه مغفور له (١) ). رواه أحمد عن ابن عمر. قال شارحه: ضعيف رمز المصنف لحسنه، وفيه نظر، وظاهر الحديث أن طلب الاستغفار منه مؤقت بما قبل الدخول،
فإن دخل فات، لكن في الإحياء عن عمر أن ذلك يمتد بقية ذي الحجة والمحرم وصفر وعشرين من ربيع الأول. انتهى. وعليه فيتنزل الحديث على الأولوية. قاله الشبراخيتي.
وَلَّمَا فرغ المصنف من الكلام على حكم الحج والعمرة، وشرط صحتهما وشرط وجوب الحج، وما انجر إليه الكلام من بيان حكم الإجارة وأقسامها -وكان ذلك كله كالمقدمات- شرع يتكلم على المقاصد وهي الأركان،
وَلما شاركت العمرة الحج في أركان ثلاثة أتى بالضمير مثنى للاختصار، فقال وَرُكْنُهُمَا الإِحْرَامُ، الركن هو الجزء من الشيء الذي ينعدم بانعدامه، فهو داخل في ماهية الشيء،
بخلاف الشرط فإنه خارج عن ماهيته وإن كان ينعدم بانعدامه، ومعنى كلام المصنف أن للحج والعمرة أركانا منها الإحرام، فهو ركن في الحج وركن في العمرة، ويأتي قريبا تفسير الإحرام، والأركان التي ذكرها المصنف للحج أربعة، ثلاثة منها مجمع عليها وهي الإحرام والوقوف بعرفة والطواف، والرابع السعي بين الصفا والمروة،
والمشهور أنه ركن في الحج والعمرة، وروى ابن القصار أنه واجب ينجبر بالدم وليس بركن، وبه قال أبو حنيفة وزاد ابن الماجشون في الأركان: الوقوف بالمشعر ورمي العقبة،
والمشهور أنهما ليسا بركنين بل الأول مستحب والثاني واجب ينجبر بالدم، واختلف في اثنين خارج المذهب، وهما: النزول بمزدلفة والحلاق،
والمذهب عندنا أنهما واجبان يجبران بدم، وحكى ابن عبد البر قولا بركنية طواف القدوم وليس بمعروف، بل المذهب أنه واجب ينجبر بالدم؛ فهذه تسعة أركان بين مجمع عليه ومختلف فيه في المذهب وخارجه، والمختلف فيه منها خارج المذهب اثنان كما علمت: النزول بمزدلفة والحلاق. قال الحطاب: لكن ينبغي للإنسان إذا أتى بهذه الأشياء أن ينوي الركنية ليخرج من الخلاف، وليكثر الثواب. أشار له الشبيبي. انتهى. واعلم أن أفعال الحج ثلاثة أقسام: أركان وواجبات وسنن، فَالقِسْمُ الأَوَّلُ هو ما لابد من فعله ولا يجزئ عنه بدل لا دم ولا غيره وهو ما تقدم ذكره؛
وهو ثلاثة أقسام: قِسْمٌ يفوت الحج بتركه ولا يؤمر تاركه بشيء وهو الإحرام، وَقِسْمٌ يفوت الحج بفواته ويؤمر بالتحلل بعمرة والقضاء في قابل وهو الوقوف بعرفة، وقسم لا يتحلل من الإحرام إلا بفعله،
ولو صار إلى المشرق والمغرب رجع إلى مكة لفعله، وهو طواف الإفاضة والسعي. والقِسْمُ الثَّانِي وهو ما يطلب بالإتيان به،
فإن تركه لزم الدم كطواف القدوم والتلبية ورمي العقبة وغير ذلك، وجزم ابن الحاج بالتأثيم بتعمد تركه،
وكذا ابن فرحون، وتردد في ذلك الطرطوشي،
وقال ابن عبد السلام: من يقول بالوجوب يقول بالتأثيم،
ومن يقول بالسنية لا يقول بالتأثيم. وَالقِسْمُ الثَّالِثُ هو ما لا دم فيه ولا إثم بتعمد تركه، كغسل الإحرام وركوعه وغيرهما من المستحبات. والإحرام مصدر أحرم إذا دخل في الحرم أو في حرمة الحج أو العمرة أو الصلاة. وعرفه ابن عرفة بأنه: صفة حكمية توجب لموصوفها حرمة مقدمات الوطء مطلقا، وإلقاءِ التفث، والطيبِ، ولبسِ الذكور المحيطَ، والصيدِ لغير ضرورة لا تبطل بما تمنعه. انتهى. قوله: "مطلقا" ، أي في جميع الحالات ليلا ونهارا، سرا وجهرا، كان في أفعال الحج أو غيرها، وقوله: وإلقاء التفث، عطف على المضاف إليه والطيب كذلك، ولبس المحيط كذلك والصيد كذلك ومراده بالصيد الاصطياد لا ملك الصيد؛
لأنه إذا كان عنده صيد ثم أحرم ولم يكن حامله لا يسقط ملكه عنه،
ولما رأى أن الصيد المطلق لقب على صيد البر أطلق فيه، وقوله: لغير ضرورة، راجع للأربعة، وقوله: لا تبطل بما تمنعه، صفة لقوله: صفة أو حال، وزاد ذلك للفرق بين هذه الصفة وغيرها؛ لأن إحرام غيرها يبطل بممنوعه كإحرام الصلاة وإحرام الاعتكاف وإحرام الصوم، ومراده بالبطلان قطعها أي لا يجب قطعها بحصول ممنوعها وإن كان الممنوع مما يفسد الحج كالوطء، قال الحطاب: والظاهر أن حَدَّ ابن عرفة غيرُ جامع لخروج من حصل منه التحلل الأول فقط، مع أنه محرم كما صرح به صاحب الطراز وصاحب العلم وغيرهما،
ولو اقتصر على قوله: توجب حرمة مقدمات الوطء والصيد، لدخل ذلك. وعرفه غير ابن عرفة بأنه: الدخول بالنية في حرمة أحد النسكين أو كليهما مع القول أو الفعل المتعلقين به، قال: وتعريف الجماعة للإحرام الذي هو ركن بهذا [أولى ] من تعريفه بالصفة الناشئة عنه؛ لأنهم بصدد بيان الأركان التي يطلب المكلف بالإتيان بها. انتهى. واعلم أن أركان الحج على المشهور أربعة: الإحرام، والسعي، ووقوف عرفة، وطواف الإفاضة. وأركان العمرة ثلاثة: الإحرام، والطواف، والسعي بين الصفا والمروة.
واعلم أن من أرباب المذاهب من يعبر عن الأركان بالفروض، وعن الواجبات بالسنن، وعن السنن بالفضائل أو بالمستحبات، ومنهم من يعبر بغير ما مر، وقد مر أن الإحرام مصدر أحرم إذا دخل في الحرم، ومحرما في قول الشاعر: قتلوا ابن عفان الخليفة محرما … فدعا فلم أر مثله مظلوما أي داخلا في حرم المدينة أو الشهر الحرام، وهو ذو الحجة كما قال: ضحوا بعثمان في الشهر الحرام أضحى … فأي ذبح حرام ويحهم ذبحوا ولا خلاف في أن عثمان لم يكن محرما بنسك إذ ذاك، ويقال: أحرم إذا دخل في ذمة وحرمة لا تنتهك، والحرمة ما لا يحل انتهاكه وهي بضم الحاء وسكون الراء وفتحها، والأشهر الحرم أربعة: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، كانت العرب لا تستحل فيها القتال إلا حيان: خثعم وطيء، والحرمة بالكسر والسكون: الغلمة بالضم وهي شهوة الجماع،
وفي الحديث: (الذين تدركهم الساعة تبعث عليهم الحِرْمة ويسلبون الحياء) ، وقرئ: {وَحِرْمٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} ، بكسر الحاء وسكون الراء؛ أي واجب. قاله الحطاب.
ثُمَّ ذكر أن للإحرام بالحج ميقاتين: زماني ومكاني،
وكذا العمرة والميقات وإن كان مأخوذا من الوقت الذي هو الزمان، فإطلاقه على المكان إنما هو بالحقيقة الشرعية، لخبر: (وقت لأهل المدينة ذا الحليفة (١) ). الحديث.
وإن كان مأخوذا من التوقيت فهو بمعنى التحديد، فكل منهما حقيقة لغوية باقية على أصلها،
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.