فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبيرالدردير

(وَ) سَبِيلُ اللَّهِ (هُوَ الْجِهَادُ وَالرِّبَاطُ بِمَحَلٍّ خِيفَ) مِنْهُ الْعَدُوُّ

لا زيادة له على هذه المسألة.

حاشية الدسوقيالدسوقي، حاشية على الشرح الكبير

(قَوْلُهُ وَسَبِيلُ اللَّهِ) أَيْ الَّذِي يُدْفَعُ لَهُ ثُلُثُ مَالِ الْحَالِفِ أَوْ النَّاذِرِ الْمُتَقَدِّمِ هُوَ الْجِهَادُ وَقَوْلُهُ بِمَحَلٍّ خِيفَ إلَخْ هَذَا تَحْقِيقٌ لِلرِّبَاطِ لَا إنَّهُ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ لَا يُعْطَى مِنْهُ مُقْعَدٌ وَلَا أَعْمَى، وَلَا امْرَأَةٌ، وَلَا صَبِيٌّ، وَلَا قَاتِلٌ، وَلَا مَرِيضٌ مَيْئُوسٌ مِنْهُ، وَلَا مَفْلُوجٌ، وَلَا شَبَهُهُ، وَلَا أَقْطَعُ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ أَوْ الْيَدِ الْيُسْرَى اهـ وَالظَّاهِرُ أَوْلَوِيَّةُ الْيَمِينِ. اهـ. عَدَوِيٌّ

(قَوْلُهُ بِمَحَلٍّ خِيفَ مِنْهُ الْعَدُوُّ) ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْإِقَامَةَ بِمَحِلٍّ يُخَافُ فِيهِ مِنْ الْعَدُوِّ رِبَاطٌ وَلَوْ كَانَتْ الْإِقَامَةُ بِالْأَهْلِ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْبَاجِيَّ،

٤٬٨٣٧

وَقَالَ مَالِكٌ لَيْسَ بِرِبَاطٍ. اهـ. بْن

مواهب الجليلالحطاب

ص (وَهُوَ الْجِهَادُ وَالرِّبَاطُ بِمَحَلٍّ خِيفَ) ش

١٦٬٨٢١

قَالَ فِي كِتَابِ النُّذُورِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ إذَا جَعَلَ مَالَهُ أَوْ غَيْرَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَذَلِكَ الْجِهَادُ وَالرِّبَاطُ مِنْ السَّوَاحِلِ وَالثُّغُورِ، وَلَيْسَ جُدَّةُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا كَانَ الْخَوْفُ فِيهَا مَرَّةً، انْتَهَى.

١٦٬٨٢٢

وَقَالَ فِي كِتَابِ الْحَبْسِ: وَمَنْ حَبَسَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَرَسًا أَوْ مَتَاعًا، فَذَلِكَ فِي الْغَزْوِ،

١٦٬٨٢٣

وَيَجُوزُ أَنْ يُصْرَفَ فِي مَوَاحِيزِ الرِّبَاطِ كَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَنَحْوِهَا، وَأَمَرَ مَالِكٌ فِي مَالٍ جُعِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنْ يُفَرَّقَ فِي السَّوَاحِلِ مِنْ الشَّامِ وَمِصْرَ وَلَمْ يَرَ جُدَّةَ مِنْ ذَلِكَ، قِيلَ لَهُ: قَدْ نَزَلَ بِهَا الْعَدُوُّ، قَالَ: كَانَ ذَلِكَ أَمْرًا خَفِيفًا وَسَأَلَهُ قَوْمٌ أَيَّامَ كَانَ مِنْ دَهْلِك مَا كَانَ، وَقَدْ تَجَهَّزُوا يُرِيدُونَ الْغَزْوَ إلَى عَسْقَلَانَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّة وَبَعْضِ السَّوَاحِلِ، وَاسْتَشَارُوهُ أَنْ يَنْصَرِفُوا إلَى جُدَّةَ فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ،

١٦٬٨٢٤

وَقَالَ لَهُمْ: الْحَقُوا بِالسَّوَاحِلِ، انْتَهَى.

١٦٬٨٢٥

قَالَ فِي التَّوْضِيحِ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ مَالِكٍ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ حَالُهَا الْيَوْمَ كَحَالِهَا فِي الزَّمَنِ الْمُتَقَدِّمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الثَّغْرَ فِي الِاصْطِلَاحِ مَوْضُوعٌ لِلْمَكَانِ الْمَخُوفِ عَلَيْهِ الْعَدُوُّ فَكَمْ مِنْ رِبَاطٍ فِي الزَّمَانِ الْمُتَقَدِّمِ زَالَ عَنْهُ ذَلِكَ الْوَصْفُ فِي زَمَانِنَا وَبِالْعَكْسِ، انْتَهَى. وَأَصْلُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَزَادَ: فَيَجِبُ أَنْ لَا يَحْكُمَ عَلَى مَوْضِعٍ مَا أَبَدًا بِأَنَّهُ ثَغْرٌ كَمَا يَعْتَقِدُهُ بَعْضُ جَهَلَةِ زَمَانِنَا، انْتَهَى. .

١٦٬٨٢٦

وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْبَاجِيُّ إذَا ارْتَفَعَ الْخَوْفُ مِنْ الثَّغْرِ لِقُوَّةِ الْإِسْلَامِ بِهِ أَوْ بُعْدِهِ عَنْ الْعَدُوِّ زَالَ حُكْمُ الرِّبَاطِ عَنْهُ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ جَعَلَ شَيْئًا فِي السَّبِيلِ لَا يَجْعَلُهُ بِجُدَّةِ؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ الَّذِي كَانَ بِهَا قَدْ ذَهَبَ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ رَوَى إذَا نَزَلَ الْعَدُوُّ بِمَوْضِعٍ مَرَّةً فَهُوَ رِبَاطٌ أَرْبَعِينَ سَنَةً، انْتَهَى.

وَالْمَوَاحِيزُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ النَّوَاحِي جَمْعُ مَاحُوزٍ،

١٦٬٨٢٧

قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ: وَلَا بَأْسَ بِالطَّوَى مِنْ مَاحُوزٍ إلَى مَاحُوزٍ أَنْ يَقُولَ لِصَاحِبِهِ خُذْ بَعْثِي وَآخُذُ بَعْثَكَ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ: مَاحُوزٍ إلَى مَاحُوزٍ أَيْ مِنْ نَاحِيَةٍ إلَى نَاحِيَةٍ، قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ وَالطَّوِيُّ الْمُبَادَلَةُ، انْتَهَى.

وَجُدَّةُ هِيَ الْآنَ سَاحِلُ مَكَّةَ الْأَعْظَمُ، وَعُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَوَّلُ مَنْ جَعَلَهَا سَاحِلًا بَعْدَ أَنْ شَاوَرَ النَّاسَ فِي ذَلِكَ لَمَّا سُئِلَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَعِشْرِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ وَكَانَتْ الشُّعْبِيَّةُ سَاحِلَ مَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ، قَالَ الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ فِي تَارِيخِهِ عَنْ الْفَاكِهِيِّ بِسَنَدِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَكَّةُ رِبَاطٌ وَجُدَّةُ جِهَادٌ» وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ إنِّي لَأَرْجُوَ أَنْ يَكُونَ فَضْلُ رِبَاطِ جُدَّةَ عَلَى سَائِرِ الْمَرَابِطِ كَفَضْلِ مَكَّةَ عَلَى سَائِرِ الْبِلَادِ، وَعَنْ ضَوْءِ بْنِ فَخْرٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنَا فِي أَفْضَلِ الْمَجَالِسِ وَأَشْرَفِهَا، قَالَ: وَأَيْنَ أَنْتَ عَنْ جُدَّةَ الصَّلَاةُ فِيهَا بِسَبْعَةَ عَشْرَ أَلْفَ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَالدِّرْهَمُ فِيهَا بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَأَعْمَالُهَا بِقَدْرِ ذَلِكَ، يُغْفَرُ لِلنَّاظِرِ مَدَّ بَصَرِهِ،

١٦٬٨٢٨

قَالَ: قُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ مِمَّا يَلِي الْبَحْرَ، قَالَ: مِمَّا يَلِي الْبَحْرَ، وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَنَا فَرْقَدٌ السِّنْجِيُّ بِجُدَّةِ، فَقَالَ: إنِّي رَجُلٌ أَقْرَأُ هَذِهِ الْكُتُبَ، وَإِنِّي لَأَجِدُ فِيهَا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ كُتُبِهِ جُدَّةُ أَوْ جَدِيدَةُ يَكُونُ بِهَا قَتْلَى وَشُهَدَاءُ لَا شَهِيدَ يَوْمئِذٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَفْضَلُ مِنْهُمْ،

١٦٬٨٢٩

وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ: إنَّ الْحَبَشَةَ جَاءَتْ جُدَّةَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ فِي مَصْدَرِهَا فَوَقَعُوا بِأَهْلِ جُدَّةَ فَخَرَجَ النَّاسُ مِنْ مَكَّةَ إلَى جُدَّةَ وَأَمِيرُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ إبْرَاهِيمَ، فَخَرَجَ النَّاسُ غُزَاةً فِي الْبَحْرِ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا هُوَ أَخُو السَّفَّاحِ وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ وَلِيُّ مَكَّةَ لِلرَّشِيدِ بْنِ الْمَهْدِيِّ، وَعَلَى هَذَا فَسَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ الْمُشَارُ إلَيْهَا فِي هَذَا الْخَبَرِ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، انْتَهَى.

فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ النُّزُولَ الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ صَارَتْ جُدَّةُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ رِبَاطًا لِخَوْفِ نُزُولِ الْعَدُوِّ بِهَا خُصُوصًا فِي أَوَاخِرِ فَصْلِ الشِّتَاءِ وَأَوَائِلِ فَصْلِ الرَّبِيعِ عِنْدَ وُصُولِ مَرَاكِبِ الْهِنْدِ،

١٦٬٨٣٠

فَإِنَّ الْعَدُوَّ - خَذَلَهُمْ اللَّهُ - تَوَصَّلُوا إلَى بِلَادِ الْهِنْدِ فِي أَوَائِلِ هَذَا الْقَرْنِ وَأَوَاخِرِ الَّذِي قَبْلَهُ، ثُمَّ لَمْ يَزَالُوا يَسْتَوْلُونَ عَلَيْهِ حَتَّى اسْتَوْلَوْا عَلَى بِلَادٍ كَثِيرَةٍ مِنْهُ، ثُمَّ إنَّهُمْ خَذَلَهُمْ اللَّهُ قَصَدُوا إلَى جَدَّة فِي سَنَةِ تِسْعَةَ عَشْرَ وَتِسْعِمِائَةٍ وَوَصَلُوا إلَى سَاحِلٍ يُسَمَّى كَمَرَان مِنْ سَوَاحِلِ الْيَمَنِ بِالْقُرْبِ مِنْ جُدَّةَ وَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَنَزَلَ النَّاسُ إلَى جُدَّةَ، ثُمَّ إنَّهُمْ خَذَلَهُمْ اللَّهُ رَجَعُوا مِنْ كَمَرَان بَعْدَ أَنْ نَزَلُوا فِيهَا وَبَنَوْا بِهَا حِصْنًا لِوَخَمٍ أَرْسَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ جَاءُوا فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَنَزَلُوا بِسَاحِلِ جُدَّةَ فِي ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ قِطْعَةً بَيْنَ غُرَابٍ وَبُرْشَةٍ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي عَشِيَّةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَادِسَ عَشْرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، أَوْ خَامِسَ عِشْرِينِهِ، وَحَصَلَ لِلنَّاسِ وَجَلٌ عَظِيمٌ وَأَيْقَنُوا بِالْأَخْذِ، وَنَزَلَ النَّاسُ إلَى جِدَّةَ وَأَتَوْا إلَيْهَا مِنْ الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ وَغَيْرِهَا، لَكِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَمْ يُصَلُّوا إلَّا بَعْدَ أَنْ رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ، وَكَانَ اجْتَمَعَ بِجُدَّةِ قَبْلَ وُصُولِهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ؛

لِأَنَّ النَّاسَ سَمِعُوا بِهِمْ قَبْلَ وُصُولِهِمْ بِمُدَّةٍ وَحَصَّنَ النَّاسُ جُدَّةَ بِالْمَدَافِعِ

تعليق

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْقَى فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ وَحَبَسَهُمْ عَنْ النُّزُولِ إلَى الْبَرِّ بِمَا حَبَسَ بِهِ الْفِيلَ فَلَمْ يَنْزِلُوا وَلَمْ يُقَاتِلُوا وَأَقَامُوا نَحْوَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ إنَّهُمْ رَجَعُوا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ فَتَلَا النَّاسُ هَذِهِ الْآيَةَ كَأَنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} ثُمَّ إنَّهُمْ تَشَتَّتُوا وَتَفَرَّقُوا وَأَهْلَكَهُمْ اللَّهُ وَأَدْرَكَهُمْ الْأَمِيرُ سَلْمَانُ أَمِيرُ جُدَّةَ وَغَنِمَ مِنْهُمْ غُرَابًا وَأَخَذَهُ وَأَسَرَ مَنْ فِيهِ، وَاتَّفَقَ عِنْدَ رُجُوعِهِمْ مِنْ جُدَّةَ أَنْ تَأَخَّرَ مِنْهُمْ غُرَابٌ فَأَرَادَ الْأَمِيرُ سَلْمَانُ إدْرَاكَهُ فَنَزَلَ إلَيْهِ فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُ رَجَعَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ نَحْوُ عَشْرَةِ أَغْرِبَةٍ، فَقَصَدَهُمْ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ خَوْفَ أَنْ يَظْفَرُوا بِهِ، فَقَدَّرَ أَنَّهُمْ أَطْلَقُوا عَلَى الْكَفَرَةِ مِدْفَعًا فَرَجَعَ عَلَيْهِمْ وَأَحْرَقَ شِرَاعَهُمْ وَأَحْرَقَ بَعْضَهُمْ رَأَيْتُ مِنْهُمْ نَحْوَ الثَّلَاثَةِ مُحْرَقِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْأَمِيرُ ذَلِكَ رَجَعَ بِسُرْعَةٍ إلَى جُدَّةَ فَلَمْ يُدْرِكُوهُ، وَشَنَقَ الَّذِي أَطْلَقَ الْمِدْفَعَ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: إنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا؛

لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، وَيُقَالُ إنَّ إسْلَامَهُ فِي الظَّاهِرِ فَقَطْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

١٦٬٨٣١

وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ رَآهُمْ النَّاسُ مِنْ بَعْدُ قُرْبِ الْبَرِّ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ نَزَلُوا إلَى الْبَرِّ فَخَرَجُوا إلَيْهِمْ وَسَارُوا إلَى الْقُرْبِ مِنْهُمْ، فَلَمْ يَنْزِلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَخْذُلَهُمْ وَيَكُفَّ شَرَّهُمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ آمِينَ وَدَهْلَكُ الْمَذْكُورَةُ قَالَ عِيَاضٌ: بِفَتْحِ الدَّالِ اسْمُ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ السُّودَانِ وَبِهِ سُمِّيَ الْبَلَدُ، وَهُوَ جَزِيرَةُ سَاحِلِ الْبَحْرِ مِنْ جِهَةِ الْيَمِينِ، قَالَ وَتِلْكَ النَّاحِيَةُ أَقْصَى تِهَامَةِ الْيَمَنِ، قَالَ عِيَاضٌ: دَهْلَكٌ أَقْدَمُ مِنْ الزَّمَنِ الَّذِي تَكَلَّمَ فِيهِ مَالِكٌ، انْتَهَى.

وَلَمْ أَقِفْ عَلَى حَقِيقَةِ ذَلِكَ مَا هُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَعِشْرِينَ أَتَوْا إلَى قُرْبِ جُدَّةَ وَرَجَعُوا مَخْذُولِينَ، ثُمَّ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ أُشِيعَ أَنَّهُمْ وَاصِلُونَ إلَى جُدَّةَ، وَتَتَابَعَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ إلَى رَابِعِ جُمَادَى الْأَخِيرَةِ، فَجَاءَ الْخَبَرُ بِأَنَّهُ مَرَّ بَعْضُ الْجُلَّابِ عَلَى مَوَاضِعَ قَرِيبَةٍ مِنْ جُدَّةَ وَسَمِعَ مَدَافِعَ كَثِيرَةً فِيهِ فَمَا شَكَّ النَّاسُ أَنَّهُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ الْكَفَرَةُ وَأَنَّهُمْ وَاصِلُونَ فِي الْقُرْبِ، فَبَادَرَ النَّاسُ إلَى النُّزُولِ إلَى جُدَّةَ وَإِلَى تَحْصِينِهَا بِالْمَدَافِعِ وَالْآلَاتِ وَأَقَامُوا بِهَا مُدَّةً، ثُمَّ لَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ خَبَرٌ وَلَمْ يَأْتِ مِنْهُمْ أَحَدٌ بَعْدَ تِلْكَ السَّنَةِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، غَيْرَ أَنَّهُ فِي بَعْضِ السِّنِينَ يُذْكَرُ أَنَّ بَعْضَ مَرَاكِبَ مِنْهُمْ فِي الْبَحْرِ فِي طَرِيقِ عَدَنَ وَسَوَاحِلِ الْيَمَنِ إلَى سَنَةِ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ، فَجَاءَ مِنْهُمْ بَعْضُ أَغْرِبَةٍ فِي تِلْكَ السَّنَةِ إلَى أَنْ وَصَلُوا إلَى سَاحِلِ جُدَّةَ، وَأَخَذُوا بَعْضَ الْجُلَّابِ الْوَاصِلَةِ إلَى جُدَّةَ مِنْ الشَّامِ وَمَنْ الْيَمَنِ، وَفِيهَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْحُجَّاجِ فَكَّ اللَّهُ أَسْرَهُمْ وَنَصَرَ الْمُسْلِمِينَ وَأَلْهَمَهُمْ رُشْدَهُمْ وَخَذَلَ الْكَفَرَةَ وَرَدَّ كَيْدَهُمْ فِي نَحْرِهِمْ آمِينَ آمِينَ

التاج والإكليلالمواق

(وَهُوَ الْجِهَادُ وَالرِّبَاطُ بِمَحَلٍّ خَفِيفٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ جَعَلَ مَالًا أَوْ غَيْرَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَسُبُلُ اللَّهِ كَثِيرَةٌ وَلَكِنْ إنَّمَا يُعْطَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِ الْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ مِنْ السَّوَاحِلِ وَالثُّغُورِ، وَلَيْسَ جُدَّةُ مِنْ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ فِيهَا الْخَوْفُ وَنُزُولُ الْعَدُوِّ بِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَلَمْ يَرَهَا مِثْلَ السَّوَاحِلِ (وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ) ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ قَالَ: مَالِي هَدْيٌ قَالَ: يُهْدِي ثُلُثَهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ حَتَّى يُبَلِّغَهُ مِنْ غَيْرِ الثُّلُثِ.

٤٬٠٣١

وَقَالَ مَالِكٌ: فِيمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَدَقَةُ ثُلُثِ مَالِهِ وَهُوَ بِمَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ مَسَاكِينُ فَلْيُكْرِ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ.

٤٬٠٣٢

وَقِيلَ: إنَّ النَّفَقَةَ مِنْ الثُّلُثِ. ابْنُ يُونُسَ: وَجْهُ هَذَا الْقِيَاسُ عَلَى الزَّكَاةِ إذَا نُقِلَتْ النَّفَقَةُ عَلَيْهَا مِنْهَا.

شرح الخرشيالخرشي

كلامه على هذه المسألة مع المسألة ٤٬١٣٤ قبلها

حاشية العدويالعدوي، حاشية على شرح الخرشي

كلامه على هذه المسألة مع المسألة ٤٬١٣٤ قبلها

منح الجليلعليش

(وَهُوَ) أَيْ سَبِيلُ اللَّهِ (الْجِهَادُ) فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُعْطَى لِمَنْ فِي مَوْضِعِهِ. ابْنُ رُشْدٍ لَا يُعْطَى مِنْهُ مُقْعَدٌ، وَلَا أَعْمَى، وَلَا امْرَأَةٌ، وَلَا صَبِيٌّ وَلَوْ قَاتَلَ، وَلَا مَرِيضٌ مَيْئُوسٌ مِنْهُ، وَلَا مَفْلُوجٌ وَشِبْهُهُ، وَلَا أَقْطَعُ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ أَوْ الْيَدِ الْيُسْرَى. اهـ (وَالرِّبَاطُ) أَيْ الْحِرَاسَةُ

لا زيادة له على هذه المسألة.

لوامع الدرر في هتك أستار المختصرمحمد بن محمد سالم المجلسي

وهو الجهاد، هو تفسير لسبيل الله تعالى دون مدخول الكاف؛ يعني أن المراد بسبيل الله تعالى أمران، أحدهما الجهاد في سبيل الله تعالى فيعطى لمن في موضعه، ولا يعطى منه مقعد ولا أعمى ولا امرأة ولا صبي ولو قاتل ولا مريض مأيوس منه ولا مفلوج وشبهه ولا أقطع إحدى الرجلين أو اليد اليسرى والظاهر أولوية اليمنى. قاله الشيخ عبد الباقي.

تعليق

وأشار إلى الثاني بقوله: والرباط؛ يعني أن المراد بسبيل الله الجهاد، وسيأتي تعريفه إن شاء الله تعالى، والرباط وهو سد الثغور الخوفة والرباط والمرابطة ملازمة ثغر العدو، فقوله: بمحل، متعلق "بالرباط" خيف تحقيق للرباط لا أنه قِيد زائد عليه، والرباط لغة ما تشد به القربة والدابة وغيرهما، والجمع ربط. وقوله: "بمحلٍّ خيف" ، كدمياط وعسقلان وغيرهما من كل موضع مخوف،

٢٥٬٣٨١

وإذا ارتفع الخوف عن الثغر لقوة الإسلام به أو بعده عن العدو زال حكم الرباط عنه، وظاهر المص أن القام بمحل خيف رباط ولو كان مع أهله، وهو الذي اختاره الباجي،

٢٥٬٣٨٢

وقال مالك: ليس برباط، وليس جدة بضم الجيم برباط لأنها قد ارتفع عنها الخوف، والحمد لله.

٢٥٬٣٨٣

وفي الحديث: (مكة رباط وجدة جهاد (١) )،

٢٥٬٣٨٤

وقال ابن جريج: إني لأرجو فضل مرابطي جدة على سائر المرابطين كفضل مكة على سائر البلاد. وعق ضوء بن فخر قال: كنت جالسا مع عباد بن بشر في المسجد الحرام، فقلت، الحمد لله الذي جعلنا في أفضل المجالس وأشرفها، قال: وأين أنت عن جدة؟ الصلاة فيها بسبعة عشر ألف صلاة، والدرهم فيها مائة ألف، وأعمالها بقدر ذلك يغفر الله للناظر فيها مد بصره، قال: قلت رحمك الله تعالى مما يلي البحر،

٢٥٬٣٨٥

وقال فرقد السنجي: إني رجل أقرأ هذه الكتب وإني لأجد فيما أنزل الله عز وجل: جدة أو جديدة يكون بها قتلى وشهداء لا شهيد يومئذ على ظهر الأرض أفضل منهم، فالحمد لله على ما كان بعد ما كان. قاله الحطاب.

٢٥٬٣٨٦

وقال: قال في كتاب الحبس: ومن حبس في سبيل الله فرسا أو متاعا فذلك في الغزو يجوز أن يصرف في مواحيز الرباط كالاسكندرية ونحوها، وأمر مالك في مال جعل في السبيل أن يفرق في السواحل من الشام ومصر ولم ير جدة من ذلك، قيل له: قد نزل بها العدو؟ قال: كان ذلك أمرا خفيفا. انتهى. والمواحيز بالحاء المهملة: النواحي، جمع ماحوز. وقوله: وثلثه حين يمينه هذا هو المشهور،

٢٥٬٣٨٧

قال فيها: ومن قال علي أن أهدى مالي أو قال جميع مالي صدقة أو في سبيل الله تعالى، أو هدي أو حلف بذلك فحنث أجزأه من ذلك الثلث، وحجته في ذلك أن أبا لبابة حين تاب الله تعالى عليه؛ قال يا رسول الله: أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأجاورك وأنخلع من مالي صدقة لله ورسوله، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (يجزئك من ذلك الثلث (١) ) وهو يدل على أنه التزم الصدقة بجملة ماله؛

لأن الإجزاء فرع شغل الذمة،

٢٥٬٣٨٨

وقال سحنون: إنما يلزمه من ذلك ما لا يضر به إخراجه،

٢٥٬٣٨٩

وقال ابن وهب وابن حبيب: يخرج الثلث إن كان كثير اليسار، والرابع إن كان قليل المال، وكفارة يمين إن كان عديما. وعن ابن وهب أنه يلزمه إخراج جميع ماله، واستظهره بعض الأشياخ عملا بمقتضى اللفظ، ولأن التصدق بالجميع طاعة لإقراره صلى الله عليه وسلم أبا بكر على ذلك.

٢٥٬٣٩٠

وقيل للإمام مالك فيمن نذر إطعام مساكين: أيطعم كل مسكين خمس تمرات؟ قال: ما هذا وجه إطعامهم إلا أن ينوي ذلك فذلك له،

٢٥٬٣٩١

وإن لم ينوه فليطعم كل مسكين مدا بمد النبي -صلى الله عليه وسلم-، لقوله جل وعز: {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} ، فكان مدا لكل مسكين. ابن رشد: ليس هذا واجبا عند مالك وإنما ذلك استحسان منه، وسئل ابن أبي زيد عمن حلف بالصدقة وعليه دين، فأجاب: يؤدي دينه ومهر امرأته،

٢٥٬٣٩٢

فإن بقي شيء تصدق بثلثه،

٢٥٬٣٩٣

ومن قال داري صدقة على المساكين أو على رجل بعينه في يمين فحنث لم يقض عليه بشيء، ويلزمه فيما بينه وبين الله تعالى،

٢٥٬٣٩٤

وإن قال ذلك في غير يمين بتلا قضي عليه إن كان لرجل بعينه،

٢٥٬٣٩٥

ومن وجب عليه إخراج ثلثه أجبر عليه إن كان لمعين،

٢٥٬٣٩٦

وإن كان لغير معين لم يجبر عليه على المشهور.

٢٥٬٣٩٧

وقيل: يجبر عليه، ولو قال كل مال أملكه فإن كان ذلك على رجل بعينه لزمه إخراج جميع ماله ويترك له منه كما يترك للمفلس، فيترك له ما يعيش به هو وأهله الأيام. ابن المواز: يترك له كالشهر، ويجري مثل ذلك فيما إذا نذر شيئا معينا وكان ذلك جميع ماله،

٢٥٬٣٩٨

وإذا حلف بصدقة ما يفيده أو يكسبه أبدا فحنث فلا شيء عليه باتفاق المذهب،

٢٥٬٣٩٩

وأما إن نذر أن يتصدق بجميع ما يفيده أبدا فيلزمه أن يتصدق بثلث ذلك قولا واحدا،

٢٥٬٤٠٠

وإن نذر أن يتصدق بجميع ما يفيده إلى أجل كذا فيلزمه إخراج ذلك قولا واحدا، واختلف إذا حلف بصدقة ما يكسبه أو يفيده إلى مدة ما أو بلدة ما فحنث، فعند ابن القاسم وأصبغ: لا يلزمه شيء. وحكى ابن القاسم إخراج جميع ما يفيده. ابن رشد: وهو القياس،

٢٥٬٤٠١

وإذا قال: كل مال أملكه إلى كذا من الأجل صدقة إن فعلت كذا، فحنث. ابن القاسم وابن عبد الحكم: يلزمه إخراج ثلث ماله الساعة وجميع ما يملكه إلى ذلك الأجل. قاله الحطاب. وأنفق عليه من غيره؛ يعني أن المكلف إذا قال: مالي هدي أو صدقة أو في سبيل الله تعالى أو نحو ذلك، فإنه يلزمه إخراج الثلث كما علمت،

٢٥٬٤٠٢

وإذا احتاج الثلث المخرج إلى الإنفاق فإن ذلك الحالف أو الناذر ينفق على الثلث من ماله الخاص به الذي يبقى له لا من الثلث،

٢٥٬٤٠٣

وقيل: ينفق على الثلث المخرج منه أي من الثلث المخرج نفسه، فعلم من هذا أنه إذا احتاج إلى إرساله لمحل الجهاد ونحوه فإنه يلزمه أن ينفق عليه إلى ذلك المحل من غير الثلث،

تعليق

ولو قال ثلث مالي صدقة أو نحوه فإنه ينفق عليه من الثلث بلا خلاف؛ لأن الأصل في مالي إخراج الجميع، فلما رخص له في الثلث وجب عليه إخراج جميع الثلث،

٢٥٬٤٠٤

بخلاف ثلث مالي فإنه لا يلزمه غيره.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.