وَأَعْظَمَ مَالِكٌ أَنْ يُشْرِكَ مَعَهُمْ غَيْرَهُمْ لِأَنَّهَا ولاية منه صلى الله عليه وسلم
الشروح عليها
(وَأَعْظَمَ) أَيْ اسْتَعْظَمَ وَمَنَعَ (مَالِكٌ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (أَنْ يَشْرَكَ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ (مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّهَا) أَيْ خِدْمَةُ الْكَعْبَةِ (وِلَايَةٌ مِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَ) لَزِمَ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ أَنْ يَشْرَكَ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ) أَيْ فِي خِدْمَتِهَا وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحِهَا وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا وَالْحُكْمِ عَلَيْهَا،
وَأَمَّا نَزْعُهَا مِنْهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ فَقَدْ نَصَّ الْحَدِيثُ عَلَى مَنْعِهِ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا) أَيْ خِدْمَتَهُمْ إيَّاهَا وِلَايَةٌ أَيْ بِتَوْلِيَةٍ وَتَمْكِينٍ مِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَذَلِكَ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى مَفَاتِيحَهَا لِجَدِّهِمْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَلْحَةَ، وَقَالَ لَا يَنْزِعُ هَذَا الْمِفْتَاحَ مِنْكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ إلَّا ظَالِمٌ» وَنَصَّ الْإِمَامُ عَلَى مَنْعِ التَّشْرِيكِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمَمْنُوعَ إنَّمَا هُوَ نَزْعُهَا مِنْهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ.
(تَنْبِيهٌ) أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى حُرْمَةِ أَخْذِ خَدَمَةِ الْكَعْبَةِ أُجْرَةً عَلَى فَتْحِهَا لِدُخُولِ النَّاسِ خِلَافًا لِمَا يَعْتَقِدُهُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ مِنْ أَنَّهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ بِالْبَيْتِ مَا شَاءُوا قَالَهُ ح
(ص) وَأَعْظَمَ مَالِكٌ أَنْ يُشْرِكَ مَعَهُمْ غَيْرَهُمْ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - (ش) يَعْنِي أَنَّ مَالِكًا اسْتَعْظَمَ وَمَنَعَ أَنْ يُشْرَكَ مَعَ خِدْمَةِ الْكَعْبَةِ غَيْرُهُمْ فِي الْقِيَامِ بِمَصَالِحِهَا وَخِدْمَتِهَا وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا وَالْحُكْمِ عَلَيْهَا فَإِنَّ خَزَنَتَهَا هُمْ أَصْحَابُ عَقْدِهَا وَحِلِّهَا فَلَا يُشْرِكُهُمْ غَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ فَإِنَّ خَزَنَتَهَا إلَخْ) لَيْسَ هَذَا هُوَ تَعْلِيلُ الْمُصَنِّفِ الْمُنَاسِبُ لِتَعْلِيلِ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ يَعْنِي أَنَّ مَالِكًا اسْتَعْظَمَ وَمَنَعَ إلَخْ لِأَنَّ وِلَايَتَهُمْ لِخِدْمَةِ الْكَعْبَةِ وِلَايَةٌ مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَإِذَا امْتَنَعَ الشِّرْكُ فَأَوْلَى الِانْتِزَاعُ قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ هَذَا إذَا حَافَظُوا عَلَى حُرْمَتِهِ وَلَازَمُوا الْأَدَبَ فِي خِدْمَتِهِ وَإِلَّا جُعِلَ عَلَيْهِمْ مُشْرِفٌ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ النَّذْرِ وَإِنَّمَا أَتَى بِهَا اسْتِطْرَادًا وَكَأَنَّهُ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ وَتَقْدِيرُهُ هَلْ يَجُوزُ دَفْعُهُ لِغَيْرِ الْخَزَنَةِ فَإِنْ قُلْت حَيْثُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ قَالَ «هِيَ لَكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ خَالِدَةٌ تَالِدَةٌ لَا يَنْتَزِعُهَا مِنْكُمْ إلَّا ظَالِمٌ» فَكَانَ قَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنْ يُسْنَدَ الْإِعْظَامُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا لِلْإِمَامِ قُلْت النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا عَبَّرَ بِالِانْتِزَاعِ الظَّاهِرِ مِنْهُ الْأَخْذُ مِنْهُمْ وَإِخْرَاجُهُمْ فَأَفَادَهُ مَالِكٌ أَنَّ مِنْهُ أَوْ مِثْلُهُ الْإِشْرَاكُ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَأَعْظَمَ) أَيْ اسْتَعْظَمَ وَمَنَعَ الْإِمَامُ (مَالِكٌ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (أَنْ يُشْرَكَ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتَ وَالرَّاءِ (مَعَهُمْ) أَيْ خَزَنَةِ الْكَعْبَةِ (غَيْرُهُمْ) فِي خِدْمَةِ الْكَعْبَةِ (لِأَنَّهَا) أَيْ خِدْمَةَ الْكَعْبَةِ (وِلَايَةٌ) لَهُمْ (مِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -) قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ هَذَا إذَا حَافَظُوا عَلَى حُرْمَتِهِ، وَلَازَمُوا الْأَدَبَ فِي خِدْمَتِهِ، وَإِلَّا جُعِلَ عَلَيْهِمْ مَشْرِقٌ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَنْعِ أَخْذِهِمْ أُجْرَةً عَلَى فَتْحِ الْبَيْتِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا كَمَا يَعْتَقِدُهُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ مِنْ أَنَّهُ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ بِالْبَيْتِ مَا شَاءُوا قَالَهُ الْحَطّ.
وَنَسَبَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ التَّشْرِيكَ نَوْعٌ مِنْ الِانْتِزَاعِ الْوَارِدِ فِي خَبَرِ هِيَ لَكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ خَالِدَةً تَالِدَةً لَا يَنْتَزِعُهَا مِنْكُمْ إلَّا ظَالِمٌ. وَعَطَفَ عَلَى الْبَدَنَةِ مِنْ قَوْلِهِ وَلَزِمَ الْبَدَنَةُ فَقَالَ
لا زيادة له على هذه المسألة.
وأعظم مالك أن يشرك معهم غيرهم؛ يعني أن الإمام أعظم أي استعظم، ومنع أن يشترك مع بني شيبة غيرهم في خدمة البيت، ولذا لا يدفع الثمن المذكور لغيرهم. وقوله: "يشرك" ، بفتح المثناة التحتية والراء المهملة من باب تعب؛ لأنها ولاية منه عليه الصلاة والسلام؛ يعني أن الإمام استعظم الاشتراك المذكور ومنعه؛ لأن التشريك نوع من الانتزاع الوارد في خبر: (هي لكم يا بني عبد الدار خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم (١) )، قال العلماء: لا يجوز لأحد أن ينزعها منهم، قالوا: وهي ولاية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال المحب الطبري: ولا يبعد أن يقال هذا إذا حافظوا على حرمته ولازموا الأدب في خدمته، وإلا جعل عليهم مشرف يمنعهم من هتك حرمته.
قال الإمام الحطاب: وما ذكره المحب الطبري من أنهم يمنعون من هتك حرمته هو الحق الذي لا شك فيه، لا كما يعتقده بعض الجهلة من أنه لا ولاية لأحد عليهم، وأنهم يفعلون بالبيت الشريف ما شاءوا،
فإن هذا لا يقوله أحد من المسلمين، وإنما المحرم نزع المفتاح منهم،
وأما إجراء الأحكام الشرعية عليهم ومنعهم من كل ما فيه انتهاك لحرمة البيت أو قلة أدب فهذا واجب لا يخالف فيه أحد من المسلمين، وأجمع العلماء على حرمة أخذهم أجرة على فتح البيت لا كما يعتقده بعض الجهلة المعكوس الفهم تمسكا بقوله -صلى الله عليه وسلم-: (وكلوا بالمعروف (٢) )، فاستباح أخذ الأجرة على دخول البيت، فخرج عما أجمعت عليه الأمة، وهذه اللفظة إن صحت يستدل بها على إقامة الحرمة؛
لأن أخذ الأجرة ليس من المعروف، وإنما الإشارة -والله أعلم- إلى ما يقصدون به من البر والصلة على وجه التبرر فلهم أخذه، وذلك أكل بالمعروف لا محالة أو إلى ما يأخذونه من بيت المال على ما يتولونه من خدمته والقيام بمصالحه، فلا يحل لهم منه إلا قدر ما يستحقونه. والله سبحانه أعلم. ووجه تحريم أخذ الأجرة المذكور أن الأجرة إنما تجوز على ما يختص الإنسان بمنفعته، والبيت لا يختص به أحد دون أحد، فلا يجوز لهم أخذ الأجرة على فتحه، وإنما لهم الولاية على فتحه وإغلاقه في الأوقات التي جرت العادة بفتحه فيها،
ولا يجوز لهم إغلاقه ومنع الناس منه دائما. والله تعالى أعلم. والظاهر أن حكم فتح المقام وحكم أخذ الأجرة عليه كذلك، ولم أقف لأحد في ذلك على كلام. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب.
وقال أيضا: جرت عادة الشيبيين في زماننا وقبله بمدة طويلة بتقديم الأكبر منهم في السن فالأكبر في كون المفتاح عنده، بل الظاهر أن ذلك كان من أول الإسلام، والظاهر أنهم إذا اختلفوا يقضى بما جرت به عادتهم من تقديم الأكبر، وأنه إذا كان الأكبر غير مرضي الحال يجعل عليه مشرف. واعلم أن من زعم أن الحجبة قد انقرضوا فقد وهم وغلط، ورد الإمام الحطاب ذلك القول بما فيه مقنع من نصوص علماء مكة والمدينة الذين لا يخفى عليهم مثل ذلك لو وقع كما هو عادته في تحرير المسائل جزاه الله تعالى خيرا، ولله در القائل: جزى الله الرجال جزاء خير … على ما أظهروه لنا وأبدوا فقد عظمت كرامتهم علينا … بما للمومنين هدوا وأهدوا وقال العلماء: إن في الحديث المتقدم إشارة إلى بقاء عقبهم.
واعلم أنه لا يعترض على ما مر بإخدام سيدنا معاوية -رضي الله تعالى عنه- الكعبة عبيدا؛ لأن خدام الكعبة غير ولاة فتحها كما هو معلوم،
وقال الإمام الحطاب بعد جلب كثير من النقول الدالة على بطلان قول من زعم انقراض الشيبيين: وإنما نبهت على هذا وإن كان- والحمد لله- كالمقطوع به، خشية أن يقف من لا علم عنده على ما نقل عن الشريف النسابة من انقراضهم. انتهى. تنبيهات الأول: ذكر الفاكهاني أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما أخذ المفتاح من عثمان فتحها بيده، وقد كانوا يقولون: لا يفتح الكعبة إلا الحجبة. نقله الإمام الحطاب.
الثاني: ذكر الفاكهاني أيضا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما دفع المفتاح إلى عثمان كان مضطجعا عليه رداؤه ودفعه إليه من وراء الثوب،
وقال: غيبوه، قال الزهري: فلذلك يغيب المفتاح. انتهى. قاله الحطاب.
وقال: فلذلك -والله أعلم- يرخون ستر الباب حين فتحه وحين إغلاقه. الثالث: قال الفاكهاني أيضا: كان من سنة المكيين -وهم على ذلك إلى اليوم- إذا ثقل لسان الصبي وأبطأ كلامه عن وقته جاءوا به إلى حجبة الكعبة، فسألوهم أن يدخلوا مفتاح الكعبة في فمه فيأخذونه الحجبة فيدخلونه خزانة الكعبة ثم يغطون وجهه ثم يدخلون مفتاح الكعبة في فمه فيتكلم سريعا وينطلق لسانه بإذن الله تعالى، وذلك مجرب بمكة إلى يومنا هذا انتهى وقال بعض شيوخ شيوخنا: وإلى عصرنا هذا وهو سنة خمس وثمانمائة،
قلت: وإلى وقتنا هذا وهو سنة أربعين وتسع مائة، ولا يخصون بذلك من ثقل لسانه بل يفعلون ذلك بالصغار مطلقا تبركا بذلك، ورجاء أن يمن الله تعالى عليه بالحفظ والفهم، وقد فعل ذلك بنا آباؤنا وفعلناه بأولادنا. والحمد لله على ذلك. انتهى.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.