وَلَوْ فِي نَوْعٍ فَكَوَكِيلٍ مُفَوَّضٍ
الشروح عليها
(وَلَوْ) أَذِنَ لَهُ (فِي نَوْعٍ) خَاصٍّ كَالْبَزِّ (فَكَوَكِيلٍ مُفَوَّضٍ) فِيمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ بَاقِي الْأَنْوَاعِ؛ لِأَنَّهُ أَقْعَدَهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَدْرُونَ فِي أَيِّ الْأَنْوَاعِ أَقْعَدَهُ فَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ مَا قَبْلَهُ أَيْ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَلَوْ فِي نَوْعٍ فَكَوَكِيلٍ مُفَوَّضٍ فِي سَائِرِ الْأَنْوَاعِ ثُمَّ إنَّهُ إذَا أَذِنَ لَهُ فِي نَوْعٍ سَوَاءٌ مَنَعَهُ مِنْ غَيْرِهِ أَمْ لَا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّى مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ وَإِنْ مَضَى مَا فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ التَّعَدِّي وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ لَا يُفِيدُ مَنْعُهُ مِنْ التَّعَدِّي فِي غَيْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ
وَأَمَّا مُضِيُّهُ فَرُبَّمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ كَوَكِيلٍ مُفَوَّضٍ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ فِي نَوْعٍ خَاصٍّ) أَيْ هَذَا إذَا أَذِنَ لَهُ فِي نَوْعٍ بَلْ وَلَوْ فِي نَوْعٍ خَاصٍّ.
(قَوْلُهُ: فَكَوَكِيلٍ مُفَوَّضٍ فِيمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ)
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ هَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَشْتَهِرْ أَنَّ إذْنَهُ فِي النَّوْعِ الْفُلَانِيِّ خَاصَّةً وَأُعْلِنَ ذَلِكَ فَإِنْ أَشْهَرَ ذَلِكَ وَأَعْلَنَهُ اخْتَصَّ بِهِ قَالَ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ وَهُوَ خِلَافُ النَّقْلِ وَالنَّقْلُ الْإِطْلَاقُ.
(قَوْلُهُ: وَفِي غَيْرِهِ) أَيْ فَإِذَا تَصَرَّفَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ النَّوْعِ الَّذِي أَذِنَ فِيهِ كَانَ تَصَرُّفُهُ مَاضِيًا بَلْ وَجَائِزًا ابْتِدَاءً خِلَافًا لِمَا فِي عبق وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ مِنْ مُضِيِّهِ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ ابْتِدَاءً اهـ شَيْخُنَا عَدَوِيٌّ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي جَوَازِ الْقُدُومِ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي غَيْرِ مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ وَلَوْ اُشْتُهِرَ مَنْعُهُ مِنْهُ خِلَافًا
وَالْمُعْتَمَدُ الْجَوَازُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: فِي أَيِّ الْأَنْوَاعِ أَقْعَدَهُ)
فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى النَّوْعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ فَقَطْ كَانَ ذَلِكَ غَرَرًا لِلنَّاسِ.
ص (وَلَوْ فِي نَوْعٍ) ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَعَلَى الْمَشْهُورِ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا خَصَّهُ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ فَقَيَّدَ ذَلِكَ بَعْضُ الصَّقَلِّيِّينَ بِأَنْ لَا يُشْهِرَ ذَلِكَ وَلَا يُعْلِنَهُ،
وَأَمَّا إنْ أَشْهَرَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ اهـ.
وَنَقَلَهُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَنَصُّ كَلَامِهِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي كِتَابِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ:
وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَّجِرَ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التِّجَارَةِ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِيهَا جَازَ أَنْ يَتَّجِرَ بِالدَّيْنِ وَالنَّقْدِ،
وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي التِّجَارَةِ بِالدَّيْنِ وَلَزِمَهُ مَا دَايَنَ بِهِ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ التِّجَارَاتِ،
وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ إلَّا فِي نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ فِي التِّجَارَةِ بِالدَّيْنِ، أَوْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ فِي التِّجَارَةِ فِي نَوْعٍ مِنْ الْأَنْوَاعِ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ فِي التَّحْجِيرِ فِي الدَّيْنِ وَذَهَبَ سَحْنُونٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَّجِرَ بِالدَّيْنِ إذَا حَجَرَ عَلَيْهِ فِي التِّجَارَةِ بِهِ
وَكَذَلِكَ يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِ إذَا حَجَرَ عَلَيْهِ فِي التِّجَارَةِ فِي نَوْعٍ مِنْ الْأَنْوَاعِ إلَّا أَنْ يُشْهِرَ ذَلِكَ وَيُعْلِنَهُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا فَلَا يَلْزَمُهُ، قَالَهُ بَعْضُ شُيُوخِ صِقِلِّيَّةَ، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي الْمَعْنَى قَائِمٌ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ اهـ.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي النَّاسُ لِأَيِّ نَوْعِ التِّجَارَةِ أَقْعَدَهُ،
قَالَ فِي أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ التَّفْلِيسِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَصَبَهُ لِلنَّاسِ وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَعْلَمُونَ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ: دَلِيلُ قَوْلِ أَصْبَغَ كَالْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَوْ أَعْلَنَ، وَأَشْهَرَ بِقَصْرِ إذْنِهِ عَلَى شَيْءٍ، ثُمَّ اتَّجَرَ فِي غَيْرِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ فِي مَالِهِ مَا دَايَنَ بِهِ وَيَدْخُلُ فِيهِ اخْتِلَافٌ بِالْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّحْجِيرِ فَعَلَى قَوْلِهَا: لَا يَحْجُرُ عَلَى الْعَبْدِ إلَّا السُّلْطَانُ لَمْ يَنْفَعْهُ الْإِعْلَانُ بِقَصْرِ إذْنِهِ، وَيَأْتِي عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَحْجُرَ عَلَى عَبْدِهِ أَنَّ الْإِشْهَارَ يَنْفَعُهُ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ نَقْلِ مَا تَقَدَّمَ: يُرَدُّ تَخْرِيجُهُ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ لَغْوِ الْحَجْرِ عَلَى مَنْ ثَبَتَ الْإِذْنُ فِيهِ وَعَمِلَ بِهِ لِغَيْرِهِ الْإِذْنَ فِيمَا قَارَنَ إذْنَهُ قَبْلَ الْعَمَلِ فِيهِ قَالَ وَظَاهِرُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ حَجَرَ عَلَيْهِ الدَّيْنَ أَنَّ الْغُرَمَاءَ لَا حَقَّ لَهُمْ فِيمَا بِيَدِهِ مِنْ مَالٍ أُذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ بِهِ،
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا بِذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: قُلْت: فَفِي لُزُومِ تَخْصِيصِ السَّيِّدِ تَحْجِيرَ عَبْدِهِ بِنَوْعٍ وَلَغْوِهِ، فَيَعُمُّ ثَالِثُهَا إنْ أَعْلَمَ بِذَلِكَ لِسَحْنُونٍ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ وَتَخْرِيجِ ابْنِ رُشْدٍ وَالسَّمَاعِ الْمَذْكُورِ.
وَرَابِعُهَا لِلَّخْمِيِّ إنْ كَانَ الْعَبْدُ يَرَى أَنَّهُ لَا يُخَالِفُ مَا حُدَّ لَهُ بِهِ وَإِلَّا فَالثَّانِي اهـ. وَاحْتَجَّ سَحْنُونٌ فِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ لِمَا قَالَهُ بِمَا نَصُّهُ:" أَلَا تَرَى أَنَّ السَّيِّدَ لَوْ دَفَعَ لِلْعَبْدِ قِرَاضًا أَنَّهُ يَصِيرُ بِذَلِكَ مَأْذُونًا لَهُ وَحُكْمُ الْقِرَاضِ لَا يُبَاعُ بِالدَّيْنِ فِي الْأَحْرَارِ وَالْعَبِيدِ
وَكَذَلِكَ الَّذِي يَشْتَرِطُ عَلَى عَبْدِهِ، فَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ الْبَيْعِ بِالدَّيْنِ فَإِذَا بَاعَ بِهِ كَانَ مُتَعَدِّيًا وَلَا يَجُوزُ عَلَى مَوْلَاهُ عَدَاؤُهُ " قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَمَسْأَلَةُ الْقِرَاضِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا لَا تَلْزَمُ ابْنَ الْقَاسِمِ الْحُجَّةُ بِهَا إذْ يُخَالِفُهُ فِيهَا وَيَقُولُ إذَا دَفَعَ إلَى عَبْدِهِ قِرَاضًا فَدَايَنَ فِيهِ النَّاسَ يَكُونُ فِيهِ دُيُونُهُمْ إلَّا أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ قِرَاضٌ فَلَا يَكُونُ لَهُمْ
وَكَذَلِكَ الْحُرُّ إذَا عَلِمَ غُرَمَاؤُهُ الَّذِينَ عَامَلُوهُ بِالدَّيْنِ أَنَّهُ قِرَاضٌ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ وَاتَّبَعُوا ذِمَّتَهُ،
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا فَيَفْتَرِقُ الْحُرُّ مِنْ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْحُرَّ يَلْزَمُهُ ضَمَانُ الْمَالِ فَيَكُونُ لِصَاحِبِهِ مُحَاصَّةُ الْغُرَمَاءِ فِيهِ وَالْعَبْدُ لَا يَضْمَنُ لِسَيِّدِهِ فَيَنْفَرِدُ الْغُرَمَاءُ إذَا لَمْ يَعْلَمُوا بِجَمِيعِهِ؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ حِينَ لَمْ يُعْلِمْهُمْ اهـ. بِاخْتِصَارٍ.
(تَنْبِيهٌ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلِلْوَلِيِّ رَدُّ تَصَرُّفِ مُمَيِّزٍ فِي التَّنْبِيهِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ الرُّعَيْنِيِّ وَابْنِ فَرْحُونٍ أَنَّهُ لَوْ طُلِبَ مِنْ سَيِّدِ الْعَبْدِ الْيَمِينَ بِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَلَوْ فِي نَوْعٍ) اللَّخْمِيِّ: إذْنُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا بِمَالٍ وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَشْتَرِيَ إلَّا بِالنَّقْدِ فَدَايَنَ النَّاسَ أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِمَا فِي يَدَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هِيَ أَمْوَالُهُمْ بِعَيْنِهَا.
قَالَ أَصْبَغُ: لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ حِينَ أَطْلَقَهُ عَلَى الْبَعْضِ وَكَمَنْ أُذِنَ لَهُ أَنْ لَا يَتَّجِرَ إلَّا فِي الْبَزِّ فَتَجَرَ فِي غَيْرِهِ فَلَحِقَهُ دَيْنٌ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ نَصَبَهُ لِلنَّاسِ، وَلَيْسَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَعْلَمُوا مَا نَصَبَهُ لَهُ.
اللَّخْمِيِّ: وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا أَحْسَنُ لِأَنَّ سَيِّدَهُ غَرَّ النَّاسَ بِإِذْنِهِ. (فَكَوَكِيلٍ مُفَوَّضٍ)
وَلَهُ أَنْ يَضَعَ وَيُؤَخِّرَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا أَخَّرَ الْمَأْذُونُ غَرِيمًا لَهُ بِدَيْنٍ أَوْ حَطَّهُ نَظَرًا وَاسْتِئْلَافًا جَازَ ذَلِكَ وَقَالَهُ مَالِكٌ.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ الْمُفَوَّضُ إلَيْهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: بِهَذَا النَّصِّ يُرَدُّ تَعَقُّبُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ: " حُكْمُ الْمَأْذُونِ لَهُ حُكْمُ الْوَكِيلِ الْمُفَوَّضِ ". اُنْظُرْ مِنْ هَذَا أَخْذَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحُطَّ مُكْتَرِي الْأَحْبَاسِ لِمَنْ يَشْكُو عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِئْلَافِ،
وَكَذَا فِي أَوَاخِرِ نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ أَنَّ عَمَلَ الْقُضَاةِ بَعْدَ وُجُوبِ الْكِرَاءِ يَحُطُّ مِنْهُ لِتَشَكِّي الْمُكْتَرِي الْخَسَارَةَ مِمَّا لَيْسَ لِجَائِحَةٍ.
(وَلَوْ) كَانَ (فِي نَوْعٍ) مَخْصُوصٍ كَالْبَزِّ (فَ) هُوَ (كَوَكِيلٍ مُفَوَّضٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَالْوَاوِ مُثَقَّلًا فِي مُضِيِّ تَصَرُّفِهِ فِي جَمِيعِ الْأَنْوَاعِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّهُ أَقْعَدَهُ لِلتِّجَارَةِ مَعَ النَّاسِ وَلَمْ يَعْلَمُوا تَخْصِيصَهَا بِنَوْعٍ. وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ فِي نَوْعٍ أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي صَنْعَةٍ كَالْقِصَارَةِ لَا يَكُونُ إذْنًا فِي التِّجَارَةِ وَلَا فِي الْمُدَايَنَةِ. الْمُصَنِّفُ لَوْ قَالَ لَهُ: أَدِّ إلَيَّ الْغَلَّةَ فَلَيْسَ إذْنًا فِي التِّجَارَةِ، وَشَبَّهَهُ بِالْوَكِيلِ الْمُفَوَّضِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ فِيمَا تَقَدَّمَ اتِّكَالًا عَلَى شُهْرَةِ حُكْمِهِ الْآتِي. (تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: الْمَأْذُونُ لَهُ مَنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التَّجْرِ بِمَالِ نَفْسِهِ سَوَاءٌ كَانَ رِبْحُهُ لَهُ أَوْ لِسَيِّدِهِ أَوْ فِي مَالِ السَّيِّدِ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ لِلرَّقِيقِ،
فَإِنْ كَانَ لِلسَّيِّدِ فَوَكِيلٌ لَا مَأْذُونٌ أَفَادَهُ أَبُو الْحَسَنِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرَّابِعِ وَالثَّانِي مِلْكُ الْعَبْدِ الْمَالَ فِي الثَّانِي، وَشَرْطُ رِبْحِهِ لِسَيِّدِهِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْهُ،
وَإِنْ أُذِنَ لَهُ فِي التَّجْرِ بِمَالِ سَيِّدِهِ جَازَ لَهُ التَّجْرُ بِمَالِ نَفْسِهِ لَا الْعَكْسُ.
الثَّانِي: تَشْبِيهُهُ بِالْوَكِيلِ الْمُفَوَّضِ إنَّمَا هُوَ فِي مُضِيِّ تَصَرُّفِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ لَا فِي جَوَازِ قُدُومِهِ عَلَيْهِ لِمَنْعِ قُدُومِهِ عَلَى التَّجْرِ فِي غَيْرِ مَا عَيَّنَهُ لَهُ،
فَإِنْ صَرَّحَ لَهُ بِمَنْعِ غَيْرِهِ وَتَصَرَّفَ فِيهِ رُدَّ تَصَرُّفُهُ إنْ أَشْهَرَهُ وَإِلَّا فَلَا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] الثَّالِثُ: شَبَّهَهُ بِالْوَكِيلِ الْمُفَوَّضِ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ لَا تَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ " وَكَّلْتُكَ " حَتَّى يُخَصِّصَ أَوْ يُعَمِّمَ كَمَا يَأْتِي
بِخِلَافِ الْإِذْنِ لِلرَّقِيقِ فِي التِّجَارَةِ فَيَكْفِي فِيهِ الْإِذْنُ الْمُطْلَقُ.
الرَّابِعُ: فِي كِتَابِ الضَّحَايَا مِنْ الْمُدَوَّنَةِ يُصَدَّقُ الرَّقِيقُ فِي دَعْوَى إذْنِ سَيِّدِهِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، وَظَاهِرُ سَمَاعِ أَشْهَبَ فِي كِتَابِ الْمِدْيَانِ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ.
الْخَامِسُ: قَيَّدَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ الْمَشْهُورَ مِنْ أَنَّهُ إنْ خَصَّهُ بِنَوْعٍ مَضَى تَصَرُّفُهُ فِي جَمِيعِ الْأَنْوَاعِ بِأَنْ لَا يُشْهِرَهُ وَلَا يُعْلِنَهُ،
فَإِنْ أَشْهَرَهُ وَأَعْلَنَهُ فَلَا وَنَقَلَهُ عَنْ الْمُقَدِّمَاتِ،
وَنَصُّهَا: وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَّجِرَ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التِّجَارَةِ،
فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِيهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَّجِرَ بِالدَّيْنِ وَالنَّقْدِ،
وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي التِّجَارَةِ بِالدَّيْنِ لَزِمَهُ مَا دَايَنَ بِهِ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ التِّجَارَاتِ،
وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ إلَّا فِي نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ فِي التِّجَارَةِ بِالدَّيْنِ أَوْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ فِي التِّجَارَةِ فِي نَوْعٍ مِنْ الْأَنْوَاعِ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ فِي التَّحْجِيرِ فِي الدَّيْنِ.
وَذَهَبَ سَحْنُونٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَّجِرَ بِالدَّيْنِ إذَا حَجَرَ عَلَيْهِ فِي التِّجَارَةِ بِهِ،
وَكَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِ إذَا حَجَرَ عَلَيْهِ فِي التِّجَارَةِ فِي نَوْعٍ مِنْ الْأَنْوَاعِ إلَّا أَنْ يُشْهِرَ ذَلِكَ وَيُعْلِنَهُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا فَلَا يَلْزَمُهُ قَالَهُ بَعْضُ شُيُوخِ صِقِلِّيَّةَ، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي الْمَعْنَى قَائِمٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي النَّاسُ لِأَيِّ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ أَقْعَدَهُ.
وَفِي سَمَاعِ أَصْبَغَ لِأَنَّهُ قَدْ نَصَّهُ لِلنَّاسِ وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَعْلَمُونَ بَعْضًا دُونَ الْبَعْضِ. فِي الْبَيَانِ دَلِيلُ قَوْلِ أَصْبَغَ كَالْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَوْ أَعْلَنَ وَأَشْهَرَ بِقَصْرِ إذْنِهِ عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ تَجَرَ فِي غَيْرِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ فِي مَالِهِ مَا دَايَنَ بِهِ وَيَدْخُلُ فِيهِ اخْتِلَافٌ بِالْمَعْنَى لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّحْجِيرِ فَعَلَى قَوْلِهَا لَا يَحْجُرُ عَلَى الْعَبْدِ إلَّا السُّلْطَانُ لَا يَنْفَعُهُ الْإِعْلَانُ بِقَصْرِ إذْنِهِ، وَيَأْتِي عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ " لِلسَّيِّدِ أَنْ يَحْجُرَ عَلَى عَبْدِهِ " أَنَّ الْإِشْهَارَ يَنْفَعُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ يُرِيدُ تَخْرِيجَهُ الْأَوَّلَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ لَغْوِ الْحَجْرِ عَلَى مَنْ ثَبَتَ الْإِذْنُ لَهُ فِيهِ، وَعَمِلَ بِهِ لَغْوُهُ فِيمَا قَارَنَ إذْنَهُ قَبْلَ الْعَمَلِ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: فَفِي لُزُومِ تَخْصِيصِ السَّيِّدِ تَجْرَ عَبْدِهِ بِنَوْعٍ وَلَغْوِهِ فَيَعُمُّ. ثَالِثُهَا إنْ أَعْلَنَ بِهِ. وَرَابِعُهَا لِلَّخْمِيِّ إنْ كَانَ الْعَبْدُ يَرَى أَنَّهُ لَا يُخَالِفُ وَلَهُ أَنْ يَضَعَ وَيُؤَخِّرَ وَيُضَيِّفَ [منح الجليل] مَا حُدَّ لَهُ وَإِلَّا فَالثَّانِي أَنْظَرُ الْحَطّ.
ولو في نوع يعني أن السيد إذا أذن لعبده أن يتجر في نوع من الأنواع كالبز مثلا بأن قال له: اشتر البز فالبز هو المأخوذ عوضا عما في يده كما يأتي عن الرهوني ما يفيده، فإنه يكون مأذونا له أن يتجر في جميع الأنواع من بز وغيره لأنه أقعده للناس ولا يدرون لأي أنواع التجارة أقعده قاله ابن القاسم. وقول ابن القاسم هذا الذي مر عليه المص هو المشهور،
وقال اللخمي: هو أحسن لأن السيد غر الناس بإذنه. انتهى. يعني أحسن من مقابله المشار إليه بلو، وهو قول سحنون إنه يختص بذلك النوع. قال عبد الباقي معللا كونه مأذونا له في النوع الذي خصه وغيره لأنه أقعده للناس ولا يدرون لأي أنواع التجارة أقعده،
فإن صرح له بمنع غير النوع منع أيضًا أشهره أم لا، ورد غير ما ضينه له إن أشهره ومضى إن لم يشهره. انتهى المراد منه.
وقال الشارح: ولا خلاف أنه إذا أذن له في التجارة من غير تقييد بنوع أنه يكون كالوكيل الفوض.
وقال سحنون: ليس له أن يتجر بالدين إذا حجر عليه في التجارة به،
قال في المقدمات: وكذا يلزم من قوله إذا حجر عليه في نوع من الأنواع وعلى المشهور فقيد ذلك بعض شيوخ صقلية بأن لا يشهر ذلك ولا يعلنه،
وأما إن أشهره فلا يلزمه. ابن رشد: وهو الصحيح من جهة المعنى قائم من المدونة والعتبية. انتهى.
وقال الرهوني عند قول عبد الباقي ومضى إن لم يشهره به ما نصه: هذا مذهب ابن القاسم في المدونة والعتبية وهو قول أصبغ وصرح في التوضيح بتشهيره، ونصه: فالمشهور وهو مذهب المدونة أنه كذلك، وبه قال أصبغ. انتهى محل الحاجة منه بلفظه.
وَقال سحنون: لا يمضي واحتج بقول ابن القاسم في مسألة من دفع قراضا لغيره وشرط عليه أن يتجر في صوف فاتجر في غيره أنه متعد، ولا تتعلق تلك المعاملة بالمال الذي بيده.
وقال اللخمي، وقول ابن القاسم أحسن
ثم ذكر تفصيلا من عند نفسه، ثم قال ما نصه: وهذا مع الفوات
وأما مع القيام فلا خلاف لأن للسيد رد ذلك. انتهى منه بلفظه.
وقال الحطاب: قال في المقدمات: ولا يجوز له أن يتجر إلا أن يأذن له سيده في التجارة،
فإن أذن له فيها جاز أن يتجر بالدين والنقد وإن لم يأذن له في التجارة بالدين ولزمه ما داين به في جميع أنواع التجارات وإن لم يأذن له إلا في نوع واحد منها على مذهب ابن القاسم في المدونة؛ إذ لا فرق بين أن يحجر عليه في التجارة بالدين وأن يحجر عليه في نوع من الأنواع وهو قول أصبغ في التحجير في الدين، وذهب سحنون إلى أنه ليس له أن يتجر بالدين إذا حجر عليه في التجارة فيه،
وكذلك على قوله إذا حجر عليه التجارة في نوع من الأنواع إلا أن يشهر ذلك ويعلنه في الوجهين فلا يلزمه قاله بعض شيوخ صقلية. وهو صحيح في المعنى قائم من العتبية والمدونة. انتهى.
وقال اللخمي: إن كان العبد يرى أنه لا يخالف ما حد له خص بذلك النوع وإلا الغي فيعم. انتهى. وقوله: إلا أن يشهر ذلك لخ الاستثناء راجع لما قبل قوله: وذهب سحنون. واللَّه تعالى أعلم. فكوكيل مفوض
مرتب على قوله: "إلا بإذن" فيترتب على قوله: "ولو في نوع" أيضًا، وقوله: "فكوكيل" أي فهو كوكيل يعني أنه إذا أذن له في التجارة فإنه يمضي تصرفه إن اتجر في جميع الأشياء كالوكيل المفوض، ولا خلاف في ذلك حيث لم يخص نوعا من الأنواع،
وكذلك يكون كالوكيل المفوض فيمضي إن اتجر في جميع الأشياء، والحال أنه خصه بنوع كالتجر في البز مثلا فيمضي تصرفه إن اتجر في غير البز على المشهور كما يمضي تصرفه إن حجر عليه في الدين واتجر فيه.
وَالْحَاصِلُ أنه إذا حجر عليه في الدين أو في نوع يمضي تصرفه في كل شيء، ولزمه ما داين به في جميع التجارات خلافا لسحنون. واللَّه تعالى أعلم. قال عبد الباقي: وأراد بالتشبيه كما في أحمد أنه يمضي النظر إلا أن يقول: وغير نظر،
لا أنه يسوغ له الإقدام على غير ما عينه له لمنعه منه: فإن صرح له بمنع غير النوع منع أيضًا أشهره أم لا، ورد غير ما عينه له إن أشهره ومضى إن لم يشهره به. انتهى. قال مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: حاصل كلام عبد الباقي أنه لا يسوغ له الإقدام على غير ما عينه له، سواء صرح له بالمنع من غيره كلا تتجر إلا في البز مثلا، أو لم يصرح كاتجر في البز أشهره أم لا، ويرد غير المعين مع الإشهار ويمضي مع عدمه في الوجهين.
واللَّه تعالى أعلم. وَاعلم أن الوكالة لا تكون بمجرد وكلتك كما سيذكره المص،
بخلاف قوله لعبده: أذنتك فمأذون لأن الغالب في الإذن المطلق له أن يحمل على الإذن في التجارة.
وقال المواق عند قوله: "ولو في نوع" اللخمي: قال ابن القاسم: من استتجر عبده بمال وأمره أن لا يبيع ولا يشتري إلا بالنقد، فداين الناس إنهم أحق بما في يده وإن لم تكن هي أموالهم بعينها، قال أصبغ: لأنه مأذون له حين أطلقه على البعض، وكمن أذن له أن لا يتجر إلا في البز فَتَجَر في غيره فلحقه دين فإنه يلزمه لأنه نصبه للناس وليس على الناس أن يعلموا ما نصبه له.
اللخمي: وقول ابن القاسم هذا أحسن لأن السيد غر الناس بإذنه. انتهى.
وقال الحطاب: وهل يصدق فيما ادعاه من الإذن وهو الذي في كتاب الضحايا من المدونة، وظاهر سماع أشهب في كتاب المديان في رسم مسائل أنه لا يصدق. انتهى.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.