وَوَاحِدٍ فِي خُصُومَةٍ وَإِنْ كَرِهَ خَصْمَهُ:
الشروح عليها
(و) جَازَ تَوْكِيلُ (وَاحِدٍ) لَا أَكْثَرَ إلَّا بِرِضَا الْخَصْمِ (فِي خُصُومَةٍ، وَإِنْ كَرِهَ خَصْمُهُ) إلَّا لِعَدَاوَةٍ كَمَا سَيَأْتِي لَهُ
وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْخُصُومَةِ فَيَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ كَمَا يَأْتِي
(قَوْلُهُ، وَإِنْ كَرِهَ خَصْمُهُ) أَيْ تَوْكِيلَ ذَلِكَ الْوَاحِدِ
(قَوْلُهُ إلَّا لِعَدَاوَةٍ) أَيْ بَيْنَ الْوَكِيلِ وَالْخَصْمِ ابْنُ يُونُسَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلِلْحَاضِرِ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَطْلُبُ شُفْعَتَهُ أَوْ يُخَاصِمُ عَنْهُ خَصْمَهُ،
وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ الْخَصْمُ إلَّا أَنْ يُوَكِّلَ عَلَيْهِ عَدُوًّا لَهُ فَلَا يَجُوزُ اهـ.
(قَوْلُهُ كَمَا يَأْتِي) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَلِأَحَدِ الْوَكِيلَيْنِ الِاسْتِبْدَادُ أَيْ الِاسْتِقْلَالُ بِالْبَيْعِ أَوْ الشِّرَاءِ أَوْ الطَّلَاقِ إلَّا لِشَرْطِ عَدَمِ الِاسْتِبْدَادِ
ص (وَإِنْ كَرِهَ خَصْمُهُ) ش: قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ
وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ فِي الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارُ بِرِضَا الْخَصْمِ وَبِغَيْرِ رِضَاهُ فِي حُضُورِ الْمُسْتَحِقِّ وَفِي غَيْبَتِهِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: أَيْضًا، وَكَمَا لَا يُفْتَقَرُ إلَى حُضُورِ الْخَصْمِ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ لَا يُفْتَقَرُ إلَى حُضُورِهِ فِي إثْبَاتِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ انْتَهَى. بَلْ
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَلَوْ قَالَ وَكَّلْتُكَ لِمُخَاصَمَةِ خَصْمٍ جَازَ،
وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُخَاصَمَةَ لَا تُعْلَمُ غَايَتُهَا فَاعْتُبِرَ جِنْسُهَا خَاصَّةً انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: فِي تَبْصِرَتِهِ مَسْأَلَةً وَلَيْسَ فِي التَّوْكِيلِ أَعْذَارٌ وَلَا آجَالٌ وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ فِيمَنْ طَلَبَ أَنْ يُعْذَرَ إلَيْهِ فِي تَوْكِيلِ خَصْمِهِ قَالَ: لَمْ يَرَ أَحَدًا مِنْ الْقُضَاةِ وَمِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ السَّلَاطِينِ ضَرَبَ لِأَحَدِهِمْ أَجَلًا فِي تَوْكِيلٍ وَإِنَّمَا السِّيرَةُ عِنْدَ الْقُضَاةِ أَنْ يَثْبُتَ التَّوْكِيلُ عِنْدَهُمْ، ثُمَّ يَسْمَعَ مِنْ الطَّالِبِ، وَيَنْظُرَ فِيمَا جَاءَ بِهِ،
فَأَمَّا إذَا دَعَا إلَى أَنْ يُؤَجَّلَ فِي الدَّفْعِ أَجَّلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَنَحْوَهَا انْتَهَى. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصُّهُ فِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ فِيمَنْ طَلَبَ أَنْ يُعْذَرَ إلَيْهِ فِي تَوْكِيلِ خَصْمِهِ السِّيرَةُ أَنْ يُثْبِتَ الْوَكَالَةَ، ثُمَّ يَنْظُرَ فِي الْمَطْلَبِ انْتَهَى
[فَرْعٌ الْإِعْذَارُ إلَى الْمُوَكِّلِ] (فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: إثْرَ كَلَامِ ابْنِ زِيَادٍ الْمُتَقَدِّمِ وَقَالَ ابْنُ الْهِنْدِيُّ: فِي وَثَائِقِهِ وَالْإِعْذَارُ إلَى الْمُوَكِّلِ مِنْ تَمَامِ الْوَكَالَةِ وَإِنْ لَمْ يُعْذِرْ إلَيْهِ جَازَ قَالَ ابْنُ عَتَّابٍ: كَانَ الْإِعْذَارُ بِالشَّأْنِ الْقَدِيمِ، ثُمَّ تُرِكَ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ الْقَاضِي وَإِنَّمَا تَرَكَ الْإِعْذَارَ مَنْ تَرَكَهُ فِي الْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُعْذَرَ إلَيْهِ عِنْدَ إرَادَةِ الْحُكْمِ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ فِي آخِرِ الْأَمْرِ فَاسْتَغْنَى عَنْهُ أَوَّلًا قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَهَذِهِ نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ انْتَهَى.
وَإِنَّمَا أَوْجَبُوا الْإِعْذَارَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَشْهُودٌ عَلَيْهِ بِالتَّوْكِيلِ،
وَإِذَا ثَبَتَتْ الْوَكَالَةُ ثَبَتَ لِلْوَكِيلِ التَّصَرُّفُ فِي مَالِ الْمُوَكِّلِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ التَّصَرُّفِ انْتَهَى. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ أَيْضًا قَبْلَ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ وَنَصُّهُ الْمُتَيْطِيُّ عَنْ ابْنِ الْهِنْدِيِّ وَالْإِعْذَارُ إلَى الْمُوَكِّلِ مِنْ تَمَامِ التَّوْكِيلِ وَإِنْ لَمْ يُعْذِرْ إلَيْهِ جَازَ ابْنُ عَتَّابٍ كَانَ الشَّأْنُ فِي الْقَدِيمِ الْإِعْذَارُ، ثُمَّ تُرِكَ قَالَ وَيُعْذِرُ أَيْضًا فِي الْمَوْتِ وَالْوِرَاثَةِ ابْنُ مَالِكٍ وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِعْذَارِ لِلْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يُقِرُّ عَلَى مُوَكِّلِهِ وَيَلْزَمُهُ ابْنُ بَشِيرٍ إنَّمَا تُرِكَ الْإِعْذَارُ فِي الْمَوْتِ وَالْوَكَالَةِ؛
لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُعْذِرَ إلَيْهِ فِي آخِرِ الْأَمْرِ قَالَ أَبُو الْأَصْبَغِ هَذِهِ نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ إذْ لَا بُدَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ لِلْخَصْمَيْنِ أَبَقِيَتْ لَكُمَا حُجَّةٌ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي كِتَابِ الْمُقْنِعِ وَيُوَكِّلُ عَلَى الْخِصَامِ عِنْدَ الْقَاضِي إنْ شَاءَ وَحَيْثُمَا وَكَّلَ، فَهُوَ جَائِزٌ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَقَالَ حُسَيْنُ بْنُ عَاصِمٍ: عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الشُّهُودِ عَلَى الْوَكَالَةِ لَا يَكُونُونَ إلَّا عُدُولًا، وَيُحْتَاطُ فِيهِمْ بِمَا يُحْتَاطُ فِي الشُّهُودِ عَلَى غَيْرِ الْوَكَالَةِ، وَمَا سَمِعْت أَحَدًا أَرْخَصَ فِي ذَلِكَ انْتَهَى.
وَأَمَّا وَكَالَةُ الْفَاسِقِ فَتَصِحُّ كَمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ صَاحِبِ الذَّخِيرَةِ يَحْصُلُ الْإِبْرَاءُ بِالدَّفْعِ لِلْوَكِيلِ الْفَاسِقِ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ
وَلَوْ قَالَ غَيْرُ الْمُفَوَّضِ: قَبَضْت
(فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ: قَالَ ابْنُ زَرْبٍ: إذَا وَقَعَ التَّوْكِيلُ عِنْدَ حَاكِمٍ، وَصَرَّحَ الْمُوَكِّلُ فِي التَّوْكِيلِ بِاسْمِ الْحَاكِمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّكَلُّمُ عِنْدَ حَاكِمٍ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ التَّوْكِيلُ مُجْمَلًا، فَلَهُ أَنْ يُخَاصِمَهُ حَيْثُ شَاءَ انْتَهَى.
[فَرْعٌ عَزْل الْوَكِيل] (فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ: وَمَنْ عَزَلَ وَكِيلَهُ فَأَرَادَ الْوَكِيلُ أَنْ يَتَوَكَّلَ لِخَصْمِهِ فَأَبَى الْأَوَّلُ لِمَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ عَوْرَاتِهِ وَوُجُوهِ خُصُومَاتِهِ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ قَوْلُهُ، وَيَتَوَكَّلُ لَهُ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِغْنَاءِ انْتَهَى. زَادَ فِي شَرْحِهِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُمَكَّنَ مِنْ الْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَعَدُوِّهِ وَلَا يُوَكَّلُ عَدُوٌّ عَلَى عَدُوِّهِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ: وَلَا تَجُوزُ الْوَكَالَةُ عَلَى الْمُتَّهَمِ يَدَّعِي الْبَاطِلَ وَلَا الْمُجَادَلَةَ عَنْهُ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ: فِي قَوْله تَعَالَى {وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} إنَّ النِّيَابَةَ عَنْ الْمُبْطِلِ الْمُتَّهَمِ فِي الْخُصُومَةِ لَا تَجُوزُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} انْتَهَى.
وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ وَيَنْبَغِي لِلْوَكِيلِ عَلَى الْخُصُومَةِ أَنْ يَتَحَفَّظَ بِدِينِهِ وَأَنْ لَا يَتَوَكَّلَ إلَّا فِي مَطْلَبٍ يَقْبَلُ فِيهِ يَقِينُهُ أَنَّ مُوَكِّلَهُ فِيهِ عَلَى حَقٍّ فَقَدْ جَاءَ فِي جَامِعِ السُّنَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ وَمَنْ تَوَكَّلَ فِي خُصُومَةٍ لَا عِلْمَ لَهُ بِهَا لَمْ يَزَلْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ وَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ عَلَى الْخُصُومَةِ وَقَالَ إنَّ لِلْخُصُومَةِ قَحْمًا يَعْنِي اقْتِحَامَ الْمَهَالِكِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِمَا لَا يَصْلُحُ عِنْدَ شِدَّةِ الْخِصَامِ انْتَهَى.
[فَرْعٌ الْخُصُومَاتِ لِذِي الْهَيْئَاتِ] (فَرْعٌ) : قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَكَرِهَ مَالِكٌ لِذِي الْهَيْئَاتِ الْخُصُومَاتِ قَالَ مَالِكٌ: كَانَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ الْخُصُومَةَ وَيَتَنَزَّهُ عَنْهَا وَكَانَ إذَا نَازَعَهُ أَحَدٌ فِي شَيْءٍ قَالَ لَهُ: إنْ كَانَ هَذَا الشَّيْءُ لِي فَهُوَ لَكَ وَإِنْ كَانَ لَك فَلَا تَحْمَدْنِي عَلَيْهِ قَالَ: وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ شَيْءٌ لَمْ يُخَاصِمْهُ وَكَانَ يَقُولُ الْمَوْعِدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ عَلِمَ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُحَاسَبُ فِيهِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَيَعْلَمُ أَنَّ النَّاسَ يُوَفَّوْنَ حُقُوقَهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلْيَطِبْ بِذَلِكَ نَفْسًا فَإِنَّ الْأَمْرَ أَسْرَعُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا بَيْنَك وَبَيْنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إلَّا خُرُوجَ رُوحِكَ حَتَّى تَنْسَى ذَلِكَ كُلَّهُ حَتَّى كَأَنَّك مَا كُنْتَ فِيهِ وَلَا عَرَفْتُهُ
قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: وَقَالَ مَالِكٌ: الْمُخَاصِمُ رَجُلُ سُوءٍ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كَفَى بِك ظَالِمًا أَنْ لَا تَزَالَ مُخَاصِمًا وَقَالَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَبْغَضُ الرِّجَالِ إلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ» انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ: قَالَ فِي وَثَائِقِ ابْنِ الْعَطَّارِ: وَلَا يَصْلُحُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَكِّلَ أَبَاهُ لِيَطْلُبَ لَهُ حَقَّهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِهَانَةٌ بِالْأَبِ
(أَوْ وَاحِدٍ فِي خُصُومَةٍ) الْمُتَيْطِيُّ: لَا يَجُوزُ لِرَجُلٍ وَلَا لِامْرَأَةٍ أَنْ يُوَكِّلَا فِي الْخِصَامِ أَكْثَرَ مِنْ وَكِيلٍ وَاحِدٍ وَلَا يَجُوزُ تَوْكِيلُ وَكِيلَيْنِ. (وَإِنْ كَرِهَ خَصْمُهُ) الْمُتَيْطِيُّ: إذَا أَرَادَ الرَّجُلُ التَّوْكِيلَ جَازَ لَهُ طَالِبًا كَانَ أَوْ مَطْلُوبًا. هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَشْهُورُ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(ص) وَوَاحِدٍ فِي خُصُومَةٍ وَإِنْ كَرِهَ خَصْمَهُ لَا أَنْ قَاعَدَ خَصْمَهُ كَثَلَاثٍ إلَّا لِعُذْرٍ وَحَلِفٍ فِي كَسَفَرٍ (ش) أَيْ لَا يَجُوزُ لِلشَّخْصِ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الْخُصُومَةِ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ إلَّا بِرِضَا الْخَصْمِ
وَأَمَّا تَوْكِيلُ أَكْثَرِ مِنْ وَاحِدٍ فِي غَيْرِ خُصُومَةٍ فَيَجُوزُ وَلَيْسَتْ التَّاءُ فِي خُصُومَةٍ لِلْوَحْدَةِ كَمَا قِيلَ فَيَصِحُّ أَنْ يُوَكِّلَ الْوَاحِدَ فِي خُصُومَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ
وَيَجُوزُ لِلشَّخْصِ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الْخُصُومَةِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا وَإِنْ كَرِهَ خَصْمَهُ أَوْ الْقَاضِيَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي التَّوْكِيلِ لِلْمُوَكِّلِ فِي حُضُورِ الْخَصْمِ أَوْ غَيْبَتِهِ إلَّا أَنْ يُقَاعِدَ الْمُوَكِّلُ خَصْمَهُ ثَلَاثَ مَجَالِسَ وَلَوْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَتَنْعَقِدُ الْمَقَالَاتُ بَيْنَهُمَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يُخَاصِمُ عَنْهُ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ لِلْمُوَكِّلِ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ وَنَحْوِهِمَا فَلَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يُخَاصِمُ عَنْهُ وَإِذَا ادَّعَى إرَادَةَ سَفَرٍ حَلَفَ أَنَّهُ مَا قَصَدَهُ لِيُوَكِّلَهُ
وَمِثْلُهُ دَعْوَى أَنَّ بِبَاطِنِهِ مَرَضًا
وَمِثْلُهُ دَعْوَى أَنَّهُ كَانَ نَذَرَ اعْتِكَافًا وَدَخَلَ وَقْتُهُ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ وَهَلْ مِنْ الْعُذْرِ حَلِفُهُ أَنْ لَا يُخَاصِمَهُ قَدْ تَعَرَّضَ لَهُ تت فَقَالَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُخَاصِمَ خَصْمَهُ لِأَنَّهُ أَحْرَجَهُ وَشَاتَمَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ وَإِنْ حَلَفَ لَا لِمُوجِبٍ فَلَا وَيُمْكِنُ دُخُولُ هَذَا تَحْتَ الْكَافِ فَيَحْلِفُ أَنَّهُ إنَّمَا وُكِّلَ لِذَلِكَ اهـ. أَيْ لِإِحْرَاجِهِ وَمُشَاتَمَتِهِ لَهُ
(قَوْلُهُ وَإِنْ كَرِهَ خَصْمَهُ) أَيْ إلَّا لِعَدَاوَةٍ
(قَوْلُهُ كَثَلَاثٍ) فِي ك وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكَافَ اسْتِقْصَائِيَّةٌ إذْ إدْخَالُ مَا فَوْقَ الثَّلَاثَةِ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ ثَلَاثًا بِالْأُولَى وَمَا دُونَهَا لَيْسَ حُكْمُهُ حُكْمَهَا
(قَوْلُهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ) أَيْ وَبَعْدَ الشُّرُوعِ لِقَوْلِهِ لَا أَنْ قَاعَدَ
(قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُقَاعِدَ الْمُوَكِّلُ خَصْمَهُ) أَيْ عِنْدَ الْحَاكِمِ دُونَ غَيْرِهِ
(قَوْلُهُ وَتَنْعَقِدُ الْمَقَالَاتُ) الْمُرَادُ تَحَكَّمَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَهُمَا بِحَيْثُ لَا يُرْجَى رُجُوعُ أَحَدِهِمَا عَمَّا كَانَ بِصَدَدِهِ
(قَوْلُهُ وَنَحْوِهِمَا) وَانْظُرْ هَلْ مِنْ الْعُذْرِ مَا إذَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّ الْخُصُومَةَ تَطُولُ وَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إلَى خَرْمِ مُرُوءَتِهِ
(قَوْلُهُ وَمِثْلُهُ دَعْوَى إلَخْ) أَيْ فَيَحْلِفُ فَإِنْ نَكَلَ فِي ذَلِكَ فَلَا يُوَكَّلُ
(قَوْلُهُ أَحْرَجَهُ) أَيْ ضَيَّقَ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ وَشَاتَمَهُ أَيْ شَتَمَهُ فَالْمُفَاعَلَةُ لَيْسَتْ مُرَادَةً
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَ) صَحَّ تَوْكِيلُ شَخْصٍ (وَاحِدٍ) فَقَطْ (فِي خُصُومَةٍ) بَيْنَ الْمُوَكِّلِ وَغَيْرِهِ لَا أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ، سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - إنْ ادَّعَى شَرِيكَانِ مَعًا عَلَى رَجُلٍ حَقًّا وَقَالَا لِلْقَاضِي مَنْ حَضَرَ مِنَّا يُخَاصِمُهُ فَلَيْسَ لَهُمَا ذَلِكَ، لِقَوْلِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَنْ قَاعَدَ خَصْمَهُ عِنْدَ الْقَاضِي ثَلَاثًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ إلَّا مِنْ عِلَّةٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ ادَّعَوْا مَنْزِلًا بِيَدِ رَجُلٍ فَلَا يُخَاصِمُهُ كُلُّ وَاحِدٍ لِنَفْسِهِ، بَلْ يُقِيمُونَ رَجُلًا يُخَاصِمُهُ ابْنُ رُشْدٍ كَمَا لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلَيْنِ يُخَاصِمَانِ عَنْهُ لَا يَجُوزُ إنْ غَابَ عَنْهُ أَحَدُهُمَا خَاصَمَ لَهُ الْآخَرُ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ فِي خُصُومَةٍ جَوَازُ تَوْكِيلِ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ فِي غَيْرِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ. الْمُتَيْطِيُّ لَا يَجُوزُ لِرَجُلٍ وَلَا امْرَأَةٍ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الْخِصَامِ أَكْثَرَ مِنْ وَكِيلٍ وَاحِدٍ اهـ.
وَلِلشَّخْصِ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الْخُصُومَةِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا إنْ رَضِيَ خَصْمُهُ، بَلْ (وَإِنْ كَرِهَ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ (خَصْمُهُ) تَوْكِيلَهُ. الْمُتَيْطِيُّ إنْ أَرَادَ شَخْصٌ التَّوْكِيلَ عَلَى الْخِصَامِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ طَالِبًا كَانَ أَوْ مَطْلُوبًا، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ. فِي الْجَوَاهِرِ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ فِي الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ بِرِضَا خَصْمِهِ وَبِغَيْرِ رِضًا فِي حُضُورِ الْمُسْتَحِقِّ وَغَيْبَتِهِ، وَلَا يَفْتَقِرُ إثْبَاتُهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ إلَى حُضُورِهِ أَيْضًا.
وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يُعْذَرَ إلَيْهِ فِي تَوْكِيلِ خَصْمِهِ، قَالَ لَمْ نَرَ أَحَدًا مِنْ الْقُضَاةِ وَلَا غَيْرِهِمْ مِنْ السَّلَاطِينِ ضَرَبَ لِأَحَدٍ أَجَلًا فِي تَوْكِيلٍ، وَإِنَّمَا السِّيرَةُ عِنْدَ الْقُضَاةِ أَنْ يَثْبُتَ التَّوْكِيلُ عِنْدَهُمْ ثُمَّ يَسْمَعُ مِنْ
لَا إنْ قَاعَدَ خَصْمَهُ: كَثَلَاثٍ، إلَّا لِعُذْرٍ وَحَلَفَ فِي: كَسَفَرٍ، وَلَيْسَ لَهُ حِينَئِذٍ: عَزْلُهُ وَلَا لَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ وَلَا الْإِقْرَارُ، إنْ لَمْ يُفَوِّضْ لَهُ، [منح الجليل] الطَّالِبِ وَيَنْظُرُ فِيمَا جَاءَ بِهِ. ابْنُ الْهِنْدِيِّ الْإِعْذَارُ إلَى الْمُوَكَّلِ عَلَيْهِ مِنْ تَمَامِ الْوَكَالَةِ،
فَإِنْ لَمْ يَعْذِرْ إلَيْهِ جَازَ ابْنُ عَتَّابٍ كَانَ الْإِعْذَارُ مِنْ الشَّأْنِ الْقَدِيمِ ثُمَّ تُرِكَ ابْنُ بَشِيرٍ تُرِكَ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَعْذِرَ إلَيْهِ عِنْدَ إرَادَةِ الْحُكْمِ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ فِي آخِرِ الْأَمْرِ، فَاسْتَغْنَى عَنْهُ أَوَّلًا ابْنُ سَهْلٍ هَذِهِ نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ.
وواحد في خصومة يعني أنه يصح التوكيل في الخصومة بأن يوكل من يخاصم عنه، وإنما يوكل واحدا لا أكثر إلا برضى الخصم، قال هذا الشارح معطوف على محذوف أي فيجوز توكيل واحد وأكثر في قابلها غير الخصومة وواحد في خصومة. واللَّه تعالى أعلم. قال عبد الباقي وواحد لا أكثر إلا برضى الخصم في جنس خصومة أو خصومات قبل الشروع فيها، فالتاء للتأنيث لا للوحدة،
ويجوز توكيل أكثر من واحد في غير خصومة كما يأتي في قوله: "ولأحد الوكيلين الاستبداد" .
تنبيه: قال عبد الباقي: إذا كان على شخص حق مشترك بين جماعة وطلب أحدهم الدعوى بحصة فقط، فيمكن منها خلافا لظاهر ابن المناصف ويقضى له بحظه فقط،
فإن طلبها جميعهم فإما ادعوا جميعا أو وكلوا في الدعوى واحدا منهم أو من غيرهم، وليس للجميع أن يدعوا واحدا بعد واحد إلا برضى الخصم،
فإن طلبها متعدد منهم دون جميعهم فليس للمدعى عليه طلب من لم يقم أن يدعي خلافا لظاهر ابن المناصف، والحق المتعدد المكتوب بكتاب كالمشترك بناء على أن الكتب يجمع ما كان مفترقا،
وأما على مقابله فلكل واحد أن يوكل وحلف المدعى عليه لبعض الشركاء حلف لباقيهم، فليس لمن يقوم بعده ولو غائبا أو صغيرا بلغ أن يحلفه إن كان حلف عند الحاكم، وإلا أعيدت لطالبها هذا هو الذي جرى به العمل واقتصر عليه في مختصر البرزلي،
وإذا أقام غير من أحلفه بينة عمل بها في حظه فقط ولو كان عالما بها حيث حلف القاضي المدعى عليه لغير مقيمها وعلم بذلك؛ لأن من حجته أن يقول لم أقم بحقي وقت الحلف ولم يكن طلب الحلف مني،
هذا هو الذي يدل عليه ما يأتي في القضاء من قوله: "وإن نفاها واستحلفه" لخ مع كلام من تكلم عليه. انتهى قول عبد الباقي؛ وطلب أحدهم الدعوى بحصته فيمكن منها خلافا لظاهر ابن المناصف، في الرهوني ما يفيد أن ابن المناصف جوابه كجواب الإمام في المسألة، فما اعترضه به غير واحد لا يرد عليه. واللَّه أعلم. وقول المص: "وواحد في خصومة" قال البناني: أي واحد معين فإذا كان الحق لاثنين فقالا: من حضر منا خاصم فليس لهما ذلك لأنه كتوكيل أكثر من واحد،
ومن وكل ابتداء ضررا بخصمه لم يمكن من ذلك، وكل من ظهر عند القاضي لدده فلا يجوز له قبوله في خصومة،
وإذا خاصم الوكيل في قضية ثم انقضت وأراد الدخول في أخرى والوكالة مبهمة فله ذلك بالقرب، وليس له ذلك في ما طال نحو الستة أشهر،
وأما إذا اتصل الخصام فيها فله التكلم عنه وإن طال الأمر. قاله ابن الناظم. وذكر بعضهم أن التحديد المذكور غير معول عليه،
وإن تأخر الخصام فيما وكل فيه سنتين ثم قام الوكيل بُعِثَ إلى الموكل وسئل هل هو على وكالته؟ قال الحطاب: وليس في الوكالة إعذار بل إذا ثبتت عمل بها
وقيل لابد منه، ولا تجوز الوكالة على المبطل المتهم، قال تعالى: {وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} ، وكره مالك لذوي الهيئات الخصومات،
وفي تبصرة ابن فرحون عن وثائق ابن العطار: ولا يصلح للرجل أن يوكل أباه ليطلب له حقه؛ لأن ذلك استهانة للأب. اهـ. انظر الحطاب في هذه الفروع كلها. تنبيهات: الأول: قال الحطاب عن ابن فرحون: لا يسمع القاضي من أحد دعوى الوكالة حتى يثبت عنده ذلك بشاهدين أو بشاهد ويمين على قول مالك وابن القاسم، ولابد أن يشهد الشهود على معرفة عين الموكل والموكل
إما بالشاهدين الأولين أو بغيرهما،
وإذا حضر الوكيل والخصم وتقارا على صحة الوكالة فلا يحكم بينهما بمجرد قولهما لأنه حق لغيرهما يتهمان على التواطؤ،
ولو صدق الخصم الوكيل في الدعوى واعترف بالمدعى به لم يجبره الحاكم على دفعه على المشهور حتى يثبت عنده صحة الوكالة اهـ ومقابل المشهور ذكره ابن فرحون في تبصرته أيضا،
فإنه قال: وإذا قام رجل على رجل في مهر امرأته أو دين رجل وادعى وكالة صاحب ذلك فأقر المطلوب بالدين أو المهر واعترف بصحة الوكالة فإنه يلزمه دفع ذلك إليه،
فإن قام صاحب الحق على المطلوب يطلبه بذلك قضي له به؛ لأنه إنما يقضى عليه أولا بإقراره والمصيبة منه. انتهى. فصرح بأنه يقضى عليه، وحكى ابن حبيب عن سحنون فيمن قال لرجل: وكلني فلان على قبض دينه منك وعدده كذا فصدقه في الوكالة وأقر بالدين أنه يلزمه الدفع إليه،
فإن قدم فلان وأنكر التوكيل غرم الحق؛ لأن الحكم كان بإقراره. انتهى. والأول الذي هو المشهور. قال مقيده عفا اللَّه عنه: هو الموافق لقول المص فيما يأتي: "ولك قبض سلمه لك إن ثبت ببينة" . الثاني. قال الحطاب: قال ابن سلمون: إذا شهد شاهدان بمعرفة الوكالة ولم يبينا في شهادتهما أن الموكل أشهدهما فشهادتهما ساقطة ولا يعمل بها. الثالث: قال الحطاب: قال ابن فرحون: إذا وكله على الخصام في قضية فخاصم عنه وانقضت تلك القضية وأراد الوكيل أن يخاصم عنه في غيرها،
فإن كان بقرب الخصام الأول كان له ذلك إذا كانت الوكالة مبهمة لم يذكر فيها أنه وكله على مخاصمة فلان أو في أمر كذا،
وكذا إذا اتصل بعض ذلك ببعض أو كان بينهما أيام وإن تطاول ذلك سنين والموكل غائب لم يحتج إلى تجديد التوكيل إذا لم يقصره على مطلب سماه كما قدمناه،
فأما إذا قصره على مطلب معين وكان بين المطلبين الأشهر فليس له أن يخاصم إلا فيما وكله، ويستحسن في مثل هذا أن يحدد له التوكيل ثم يتكلم عنه. اهـ.
وقال ابن فرحون: قال ابن سهل: وسئل سحنون عمن وكل رجلا على مخاصمة رجل فلم يقم الوكيل بذلك إلا بعد سنتين وقد أنشبت الخصومة بمثل ذلك ثم أتى بالبينة، أو لم ينشب الخصومة ولم يتعرض في شيء حتى مرت السنتان ثم قام بعدهما يطلب بتلك الوكالة القديمة أله ذلك أم يجدد الوكالة؟ قال سحنون: يبعث الحاكم إلى الموكل يسأله أهو على وكالته أو خلعه عنها؟ إن كان حاضرا وإن كان غائبا فالوكيل على وكالته، قال ابن سهل: رأيت بعض شيوخنا يستكثر إمساك الوكالة ستة أشهر ويرى تجديد الوكالة إن أراد الخصومة،
قال ابن المناصف: أما إذا خاصم واتصل خصامه وطال سنين فهو على وكالته الأولى. اهـ كلامه.
وقال ابن عرفة في الانعزال بطول مدة التوكيل ستة أشهر وبقائه، قول ابن سهل: رأيت بعض شيوخنا يستكثر إمساك الوكالة على الخصومة ستة أشهر أو نحوها ويرى تجديد التوكيل مع قول المتيطى في الوكالة على الإنكاح إن سقط من رسمه لفظ دائمة مستمرة وطال أمد التوكيل ستة أشهر سقطت إلا بتوكيل ثان، ونقل ابن سهل عن سحنون: من قام بتوكيل على خصومة بعد سنين وقد أنشب الخصومة قبل ذلك أو لم ينشبها ولم يقم إلا بعد سنتين، سأل الحاكم هل هو باق على توكيله أو عزله؟
فإن كان غائبا فهو على وكالته. ابن فتوح: إن خاصم واتصل خصامه سنين لم يحتج لتجديد التوكيل. انتهى.
الرابع: قد مر قول عبد الباقي: وطلب أحدهم الدعوى بحصته إلى أن قال: فإن طلب متعدد منهم دون جميعهم فليس للمدعى عليه طلب من لم يقم أن يدعي لخ، قال الرهوني: ظاهره أنه ليس له ذلك مع حضورهم بالبلد وهو ظاهر كلام ابن عرفة أيضا، قال أبو حفص: في تفصيله هذا نظر لاقتضائه أن المطلوب لا يوقفهم للدعوى وإن كانو حضورا في البلد ما لم يكونوا حضورا معه كلهم أو بعضهم وليس كذلك.
انتهى. قلت: بحثه ظاهر ويشهد لما قاله من أنهم إذا حضروا في البلد فمن حجة المطلوب أن يوقفهم وإن لم يقوموا كلام أبي الحسن وابن غازي في تكميله،
ففي كتاب الولاء من المدونة ما نصه: ومن أقام بينة في دار أنها لأبيه وقد ترك أبوه ورثة سواه غيبا فإنه يمكن من الخصومة في الدار،
فإن استحق حقا لم يقض له إلا بحصته منها ولا ينزع باقيها من يد المقضي عليه؛ إذ لعل الغيب يقرون بها للمحكوم عليه بأمر جهله هذا المدعي،
فإذا قدموا فادعوا كدعوى الحاضر كان ذلك القضاء لهم نافذا،
وإن قدموا قبل القضاء وبعد أن عجز الأول عن منافعه كانوا على حجتهم إن كانت لهم حجة غير ما أتى به الأول،
وقال أشهب: ينزع الحق كله فيعطى لهذا حقه ويوقف حق الغائب،
وكذلك كتب مالك إلى ابن غانم ورواه ابن نافع عن مالك. انتهى منها بلفظها. قال أبو الحسن ما نصه: يمكن من الخصومة ويكلف إثبات غيبتهم وإثبات الملك للميت واستمراره والحيازة. اهـ. قال ابن غازي عقب نقله ما نصه: وإنما يكلف إثبات الغيبة لأنهم لو حضروا لكان من حق المدعى عليه أن يمتنع من خصام الجميع إلا إذا وكلوا واحدا. انتهى. الرهوني: حاصل مسألة تعدد ذوي الحق أنه
إما أن يقوموا كلهم أو بعضهم،
فإن قاموا كلهم فلا خلاف أنهم مأمورون بأن يوكلوا واحدا أو يحضروا جميعا لمخاصمته ولا يتعاورونه واحدا بعد واحد، وهذا إن طلبه المدعى عليه،
قال أبو حفص الفاسي: فإن طلب أجيب وليس لازما للحاكم أن يفعله،
وإن قام بعضهم وغيره غائب مكن القائم من الدعوى وذلك مصرح به في المدونة، ولا كلام للمطلوب إن قال: لا أجيب حتى يحضروا
ثم إن كان الحاضر القائم واحدا فالأمر واضح،
وإن كان أكثر فلابد من توكيل واحد فقط أو الحضور كما إذا قام جميعهم ولم أر من ذكر في هذا خلافا،
وإن كان غير القائم حاضرا فمن حق المطلوب أن يقول لا أخاصم حتى يوقف الحاضرون،
فإما أن يسلموا لي وإما أن يوكلوا واحدا أو يحضروا جميعا،
فإن طلب ذلك أجابه الحاكم إليه وكلفهم بإحضارهم لذلك ولا يجب ذلك على الحاكم إن لم يطلبه المدعى عليه. واللَّه أعلم. اهـ كلام الرهوني.
وقال الوانوغي ما نصه: قوله لم يقض إلا بحقه، قال شيخنا: ظاهر المدونة أن قول ابن القاسم وأشهب في المعينات وعندي أن ما في الذمة أشهب فيه كابن القاسم، ويتأكد الأمر إذا كان مليا. انتهى. يعني مسألة المدونة المارة في أول هذا التنبيه الرابع. واللَّه تعالى أعلم. الخامس: قال الحطاب: قال ابن فرحون في تبصرته قال ابن زرب: إذا وقع التوكيل عند حاكم وصرح الموكل في التوكيل باسم الحاكم لم يكن له التكلم عند حاكم غيره،
وإن كان التوكيل مجملا فله أن يخاصمه حيث شاء. اهـ.
وقال ابن بطال في كتاب المقنع: ويوكل على الخصام عند القاضي إن شاء، وحيث ما وكل فهو جائز إذا ثبت ذلك عند الحاكم،
وقال حسين بن عاصم عن ابن القاسم في الشهود على الوكالة: لا يكونون إلا عدولا ويحتاط فيهم بما يحتاط في الشهود على غير الوكالة وما سمعت أحدا أرخص في ذلك. انتهى.
وأما وكالة الفاسق فتصح كما يؤخذ ذلك من قول صاحب الذخيرة: يحصل الإبراء بالدفع للوكيل الفاسق. السادس: قال ابن فرحون في تبصرته: ولا تجوز الوكالة على المتهم يدعي الباطل ولا المجادلة عنه، قال ابن العربي في أحكام القرآن في قوله تعالى: {وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} : إن النيابة عن المبطل المتهم في الخصومة لا تجوز، بدليل قوله تعالى لرسوله صلى اللَّه عليه وسلم: {وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا}.
انتهى. قوله: على المتهم يدعي الباطل، على بمعنى: عن. واللَّه تعالى أعلم. قاله مقيده عفا اللَّه تعالى عنه.
السابع: قال الحطاب: قال ابن فرحون في تبصرته: ومن عزل وكيله فأراد الوكيل أن يتوكل لخصمه فأبى الأول لما اطلع عليه من عوراته ووجوه خصوماته فلا يقبل منه قوله ويتوكل له،
وفي المتيطية: وينبغي للوكيل على الخصومة أن يتحفظ بدينه وأن لا يتوكل إلا في مطلب يقبل فيه يقينه أن موكله فيه على حق، فقد جاء في جامع السنن عن عبد اللَّه بن عمر أنه قال: من حالت شفاعته دون حد من حدود اللَّه فقد ضاد اللَّه في أمره،
ومن توكل في خصومة لا علم له بها لم يزل في معصية اللَّه حتى ينزع.
الثامن: قال الحطاب: قال في المتيطية: وكره مالك لذوي الهيئات الخصومات، قال مالك: كان القاسم بن محمد يكره الخصومة لنفسه ويتنزه عنها، وكان إذا نازعه أحد في شيء قال له: إن كان هذا الشيء لي فهو لك وإن كان لك فلا تحمدني عليه، قال: وكان سعيد بن المسيب إذا كان بينه وبين رجل شيء لم يخاصمه، وكان يقول: الموعد يوم القيامة، قال مالك: من علم أن يوم القيامة يحاسب فيه على الصغير والكبير ويعلم أن الناس يوفون حقوقهم وأن اللَّه عز وجل لا يخفى عليه شيء فليطب بذلك نفسا فإن الأمر أسرع من ذلك، وما بينك وبين الدنيا وما فيها إلا خروج روحك حتى تنسى ذلك كله حتى كأنك ما كنت [فيه] ولا عرفته.
قال ابن شعبان: وقال مالك: المخاصم رجل سوء،
وقال ابن مسعود: كفى بك ظالما أن لا تزال مخاصما. وقاله أبو الدرداء. وقالت عائشة رضي اللَّه عنها: قال النبي عليه السلام: (أبغض الرجال إلى اللَّه الألد الخصم) . انتهى. وإن كره خصمه يعني أنه يجوز لك أن توكل من يخاصم عنك وإن كان خصمك يكره ذلك ويريد منك أن تخاصمه أنت بنفسك أو غير ذلك الخصم إلا أن يكون الموكل بالفتح عدوا للموكل عليه كما يأتي، قال المواق: المتيطى: إذا أراد الرجل التوكيل جاز له طالبا أو مطلوبا.
هذا هو القول المشهور الذي جرى به العمل. انتهى.
وقال البناني: ابن يونس من المدونة: قال ابن القاسم: وللحاضر أن يوكل من يطلب شفعة أو يخاصم عنه خصماء له،
وإن لم يرض بذلك الخصم إلا أن يوكل عليه عدوا له فلا يجوز. انتهى.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.