وسكنى فوقه
الشروح عليها
(وَ) كُرِهَ (سُكْنَى) بِأَهْلِهِ (فَوْقَهُ) أَيْ الْمَسْجِدِ إنْ بَنَى الْمَسْكَنَ قَبْلَ وَقْفِهِ لَا بَعْدَهُ فَيَحْرُمُ كَمَا يَأْتِي لَهُ فِي الْمَوَاتِ فِي قَوْلِهِ، وَمُنِعَ عَكْسُهُ فَلَا مُعَارَضَةَ ،
وَأَشَارَ لِلرُّكْنِ الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: بِأَهْلِهِ) الْمُرَادُ بِالْأَهْلِ الزَّوْجَةُ وَالْأَمَةُ وَعِلَّةُ الْكَرَاهَةِ إذْلَالُ الْمَسْجِدِ بِوَطْءِ أَهْلِهِ فَوْقَهُ
(قَوْلُهُ: فَوْقَهُ) أَيْ الْمَسْجِدِ يَعْنِي الْمُعَدَّ لِلْكِرَاءِ؛ لِأَنَّهُ الْمُحْدَثُ عَنْهُ وَأَوْلَى مَا بُنِيَ لِلصَّلَاةِ فَقَطْ، وَمَفْهُومٌ بِالْأَهْلِ أَنَّ السُّكْنَى فَوْقَهُ بِغَيْرِ الْأَهْلِ جَائِزَةٌ بِالْأَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ مِنْ جَوَازِ سُكْنَى الرَّجُلِ الْمُتَجَرِّدِ لِلْعِبَادَةِ فِيهِ، وَمَفْهُومُ فَوْقِهِ إنَّ السُّكْنَى تَحْتَهُ جَائِزَةٌ مُطْلَقًا بِالْأَهْلِ وَغَيْرِهِ بَنَى الْمَسْجِدَ لِلْكِرَاءِ أَوْ لِغَيْرِهِ
(قَوْلُهُ: إنْ بَنَى إلَخْ) وَذَلِكَ بِأَنْ نَوَى حَالَةَ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ أَوْ قَبْلَهُ بِنَاءَ مَحَلٍّ فَوْقَهُ لِلسُّكْنَى بِالْأَهْلِ أَوْ بَنَى عُلُوًّا وَسُفْلًا لِنَفْسِهِ ثُمَّ جَعَلَ السُّفْلَ مَسْجِدًا لِلَّهِ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَأَبْقَى الْأَعْلَى سَكَنًا بِالْأَهْلِ
(قَوْلُهُ: فَلَا مُعَارَضَةَ) قَالَ بْن أَصْلُ الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَارْتَضَاهُ ح، وَأَيَّدَهُ بِنُقُولٍ. اهـ.
وَقَالَ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ الْكَرَاهَةُ هُنَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمَنْعِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَسْجِدُ بُنِيَ لِلصَّلَاةِ أَوْ لِلْكِرَاءِ كَانَ التَّحْبِيسُ سَابِقًا عَلَى السُّكْنَى أَوْ كَانَ مُتَأَخِّرًا عَنْهَا وَبِهَذَا الْحَمْلِ يَحْصُلُ التَّوَافُقُ بَيْنَ مَا هُنَا، وَمَا يَأْتِي فِي الْمَوَاتِ وَذَكَرَ خش جَوَابًا عَنْ الْمُعَارَضَةِ بِحَمْلِ مَا هُنَا مِنْ الْكَرَاهَةِ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمَسْجِدُ مُتَّخَذًا لِلْكِرَاءِ، وَمَا يَأْتِي مِنْ الْمَنْعِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ غَيْرَ مُتَّخَذٍ لِلْكِرَاءِ؛ لِأَنَّ لَهُ حُرْمَةً عَلَى الْمُتَّخَذِ لِلْكِرَاءِ، وَلَا فَرْقَ فِيهِمَا بَيْنَ كَوْنِ السُّكْنَى بَعْدَ التَّحْبِيسِ أَوْ قَبْلَهُ فَهَذِهِ أَجْوِبَةٌ ثَلَاثَةٌ عَنْ الْمُعَارَضَةِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُوَافِقَ لِلنَّقْلِ مَا قَالَهُ شَارِحُنَا.
ص (وَسُكْنَى فَوْقَهُ) ش هَذَا الْكَلَامُ مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ مَا فِي الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلِظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ وَمُخَالِفٌ لِظَاهِرِ مَا يَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَلِظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ هُنَاكَ أَيْضًا وَلِتَابِعِيهِ الْقَرَافِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ
أَمَّا الْمُدَوَّنَةِ فَفِي التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَةِ الْإِجَارَةِ عَلَى الْقِصَاصِ وَكَرِهَ مَالِكٌ السُّكْنَى بِالْأَهْلِ فَوْقَ ظَهْرِ الْمَسْجِدِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْكَبِيرِ: وَنَقَلَهَا ابْنُ يُونُسَ، وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَبْنِيَ الرَّجُلُ مَسْجِدًا، ثُمَّ يَبْنِيَ فَوْقَهُ بَيْتًا يَسْكُنُهُ بِأَهْلِهِ ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ؛ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ مَعَهُ صَارَ يَطَؤُهَا عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ، وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَذَكَرَ مَالِكٌ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يَبِيتُ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ بِالْمَدِينَةِ فِي الصَّيْفِ فَكَانَ لَا يَقْرَبُ فِيهِ امْرَأَةً انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ: وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ جَعْلُ عُلُوِّ مَسْكَنِهِ مَسْجِدًا،
وَلَا يَجُوزُ جَعْلُ عُلُوِّ سُفْلِهِ مَسْجِدًا، وَيَسْكُنُ الْعُلُوَّ؛ لِأَنَّ لَهُ حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ، وَنَحْوُهُ فِي الذَّخِيرَةِ،
وَفِي الْجَوَاهِرِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: نَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ وَالْوَاضِحَةِ،
وَفِي كِتَابِ الْجُعْلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَكَرِهَ مَالِكٌ السُّكْنَى إلَى آخِرِهِ،
قَالَ: فَإِنْ قُلْت، فَقَدْ صَرَّحَ بِالْكَرَاهَةِ هُنَا خِلَافُ مَا فِي الْوَاضِحَةِ قِيلَ: الظَّاهِر حَمْلُهَا عَلَى الْمَنْعِ تَوْفِيقًا بَيْنَ النَّقْلَيْنِ انْتَهَى كَلَامُهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَمَا نَسَبَهُ لِلْوَاضِحَةِ هُوَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ مِنْهَا
قَالَ فِي مُخْتَصَرِهَا: وَأَجَازَ مَالِكٌ لِلرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ سُفْلٌ وَعُلُوٌّ أَنْ يَجْعَلَ الْعُلُوَّ مَسْجِدًا، وَيَسْكُنُ السُّفْلَ، أَوْ لَمْ يُجِزْ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ السُّفْلَ مَسْجِدًا، وَيَسْكُنَ الْعُلُوَّ، وَفَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا جَعَلَ السُّفْلَ مَسْجِدًا، وَقَدْ صَارَ لِمَا فَوْقَهُ حُرْمَةُ الْمَسْجِدِ انْتَهَى.
وَأَمَّا مَا نَسَبَهُ لِلْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِيمَا قَالَهُ
قَالَ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ مِنْ التَّهْذِيبِ: وَلَا يَبْنِي فَوْقَ الْمَسْجِدِ بَيْتًا لِيَسْكُنَ فِيهِ انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْأُمَّهَاتِ لَا يُعْجِبُنِي انْتَهَى.
عَلَى أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنْ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ مَحْمُولٌ عِنْدَهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَنَصُّهُ: فِي أَوَاخِرِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَفِيهَا الْمَسْجِدُ حَبْسٌ لَا يُورَثُ إذَا كَانَ صَاحِبُهُ أَبَاحَهُ لِلنَّاسِ وَأَكْرَهُ بَيْتًا لِلسُّكْنَى فَوْقَهُ لَا تَحْتَهُ انْتَهَى.
نَعَمْ حَمَلَهُ ابْنُ نَاجِي عَلَى التَّحْرِيمِ كَالْمُصَنِّفِ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ، وَتَحْقِيقُ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الْمَسْجِدَ لِلَّهِ إذَا بَنَاهُ الشَّخْصُ لَهُ وَحِيزَ عَنْهُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْبِنَاءُ فَوْقَهُ، فَقَدْ قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الثَّانِي عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ: اعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ الْأَهْوِيَةِ تَابِعٌ لِحُكْمِ الْأَبْنِيَةِ فَهَوَاءُ الْوَقْفِ وَقْفٌ، وَهَوَاءُ الطَّلْقِ طَلْقٌ، وَهَوَاءُ الْمَوَاتِ مَوَاتٌ، وَهَوَاءُ الْمِلْكِ مِلْكٌ، وَهَوَاءُ الْمَسْجِدِ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ لَا يَقْرَبُهُ الْجُنُبُ، وَمُقْتَضَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ: أَنْ يُمْنَعَ هَوَاءُ الْمَسْجِدِ وَالْأَوْقَافِ إلَى عَنَانِ السَّمَاءِ لِمَنْ أَرَادَ غَرْزَ خَشَبٍ حَوْلَهَا وَبَنَى عَلَى رُءُوسِ الْخَشَبِ سَقْفًا عَلَيْهِ بُنْيَانٌ، وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ إلَّا
فَرْعٌ: وَهُوَ إخْرَاجُ الرَّوَاشِنِ وَالْأَجْنِحَةِ عَلَى الْحِيطَانِ، ثُمَّ أَخَذَ يُبَيِّنُ وَجْهَ خُرُوجِهِ إلَى آخِرِ الْفَرْقِ انْتَهَى بِاللَّفْظِ، وَنَحْوُهُ فِي الذَّخِيرَةِ،
وَمِثْلُهُ فِي قَوَاعِدِ الْمُقِرِّي (قَاعِدَةٌ:) حُكْمُ الْأَهْوِيَةِ حُكْمُ مَا تَحْتَهَا فَهَوَاءُ الْوَقْفِ وَقْفٌ فَلَا يُبَاعُ هَوَاءُ الْمَسْجِدِ لِمَنْ أَرَادَ غَرْسَ الْخَشَبِ حَوْلَهَا، وَبِنَاءَ الْهَوَاءِ سَقْفًا وَبُنْيَانًا انْتَهَى.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ فِي تَرْجَمَةِ إجَارَةِ الْمَسْجِدِ، أَوْ الدَّارِ وَمَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ أُحِيزَ عَنْهُ، وَأَحَبَّ أَنْ يَبْنِيَ فَوْقَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ انْتَهَى بِالْمَعْنَى.
، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ لَهُ دَارٌ لَهَا عُلُوٌّ وَسُفْلٌ، فَأَرَادَ أَنْ يَحْبِسَ السُّفْلَ مَسْجِدًا، وَيُبْقِيَ الْعُلُوَّ عَلَى مِلْكِهِ، فَظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ لِلْوَاضِحَةِ، وَمَا تَقَدَّمَ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَتَابِعِيهِ، وَمَا يَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ وَصَرَّحَ اللَّخْمِيُّ بِجَوَازِهِ
قَالَ إثْرَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ: وَإِنْ قَالَ: أَنَا أَبْنِيهِ لِلَّهِ، وَأَبْنِي فَوْقَهُ مَسْكَنًا، وَعَلَى هَذَا أَبْنِي جَازَ،
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ الدَّارُ عُلْوًا وَسُفْلًا فَأَرَادَ أَنْ يَحْبِسَ السُّفْلَ مَسْجِدًا، وَيُبْقِيَ الْعُلُوَّ عَلَى مِلْكِهِ جَازَ انْتَهَى.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُوَفَّقَ بَيْنَ هَذِهِ النُّقُولِ، وَيُجْعَلَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لَا يُعْجِبُنِي، أَوْ لَا يَبْنِي لَا يَجُوزُ وَيُحْمَلُ هُوَ، وَمَا فِي الْوَاضِحَةِ، وَمَا لِابْنِ شَاسٍ وَتَابِعِيهِ الْقَرَافِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَمَا يَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ عَلَى الشِّقِّ الْأَوَّلِ الَّذِي تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ وَيُحْمَلُ مَا فِي الْجُعْلِ مِنْهَا، وَكَلَامُ اللَّخْمِيِّ الْأَخِيرُ، وَمَا لِلْمُصَنِّفِ هُنَا عَلَى الشِّقِّ الثَّانِي،
وَإِنْ كَانَ لَفْظُ اللَّخْمِيِّ الْجَوَازَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي الْكَرَاهَةَ، وَيُسَاعِدُ هَذَا التَّوْفِيقَ كَلَامُ ابْنِ نَاجِي، وَنَصُّهُ: عَلَى قَوْلِهِ فِي الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ مِنْ التَّهْذِيبِ، وَلَا يَبْنِي إلَى آخِرِهِ
قَالَ فِي الْأُمِّ لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَسْكَنًا يُجَامَعُ فِيهِ، وَذَلِكَ كَالنَّصِّ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَذَكَرَ أَبُو عِمْرَانَ النَّظَائِرَ الْمَعْلُومَةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْخِلَافِ هَلْ ظَاهِرُ الْمَسْجِدِ كَبَاطِنِهِ أَمْ لَا؟ ، وَذَلِكَ يُوهِمُ جَوَازَ الْبِنَاءِ عَلَيْهِ عَلَى قَوْلٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْأُمِّ مَعَ أَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَسْجِدَ سَبَقَ فَهُوَ تَغْيِيرُ الْحَبْسِ بَلْ ظَاهِرُهَا أَنَّ مَنْ عِنْدَهُ عُلُوٌّ وَسُفْلٌ فَحَبَسَ الْعُلُوَّ مَسْجِدًا فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَنَصَّ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ فِي الْجُعْلِ انْتَهَى.
وَقَالَ عَلَى قَوْلِهَا فِي الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ: وَكَرِهَ الْمُتَقَدِّمَ يُرِيدُ يَكُونُ تَحْبِيسُ الْمَسْجِدِ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلِهَذَا لَمَّا أَنْ حَمَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَاَلَّذِي فِي الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى ظَاهِرِهِ قَالَ مَا نَصُّهُ: ذَكَرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مِثْلَ مَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ السُّكْنَى عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ أَوْ تَحْتَهُ، وَلَمْ يَقُلْ؛ لِأَنَّ لَهُ حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ أَيْ: لَا عَلَى الْمَسْجِدِ حُرْمَتُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالْبَيِّنِ، وَلَا سِيَّمَا، وَالْكَلَامُ فِيمَا إذَا حَبَسَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ نَعَمْ لَيْسَ مِنْ الْأَدَبِ الِاعْتِلَاءُ عَلَى رُءُوسِ الْمُصَلِّينَ الْفُضَلَاءِ وَأَهْلِ الْخَيْرِ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا أَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَكَنَ بَيْتًا عِنْدَهُ، وَسَكَنَ أَبُو أَيُّوبَ غَرْفَةً عَلَيْهَا، وَانْهَرَقَتْ جَرَّةٌ فِي الْغَرْفَةِ فَخَشِيَ أَنْ يَنْزِلَ مِنْهَا شَيْءٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَدَّ الْكُوَّةَ الَّتِي هُنَاكَ بِقَطِيفَةٍ عِنْدَهُ، وَنَقَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْغَرْفَةِ وَنَزَلَ هُوَ وَأَهْلُهُ إلَى الْبَيْتِ وَاحْتَجَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِمَا ذَكَرَهُ بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يَبِيتُ بِالْمَدِينَةِ فَوْقَ ظَهْرِ الْمَسْجِدِ إذْ كَانَ أَمِيرًا فَلَا تَقْرَبُهُ امْرَأَةٌ، وَلَيْسَ فِي هَذَا دَلِيلٌ؛
لِأَنَّ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ سَبَقَ تَحْبِيسُهُ عَلَى أَيَّامِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالسُّكْنَى بِالْأَهْلِ، أَوْ الْمَبِيتُ بِهِمْ عَلَى ظَهْرِهِ مُخَالِفٌ لِمُقْتَضَى مَا بُنِيَ لَهُ ذَلِكَ الْمَسْجِدُ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيمَنْ أَرَادَ إنْشَاءَ تَحْبِيسِ مَسْجِدٍ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ انْتَهَى.
وَرَأَيْت لِبَعْضِ عُلَمَاءِ الْأَنْدَلُسِ كَلَامًا أَجَابَ بِهِ حِينَ سُئِلَ عَنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا،
وَفِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَذَكَرَ فِي الْجَوَابِ نَحْوَ مَا ذَكَرْنَاهُ إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَبِنَاءُ مَسْجِدٍ لِلْكِرَاءِ وَسُكْنَى فَوْقَهُ مَسْأَلَةً وَاحِدَةً، وَهِيَ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا لِيُكْرِيَهُ وَيَتَّخِذَ فَوْقَهُ بَيْتًا قَالَ: وَكَلَامُهُ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ فِي اتِّخَاذِ مَنْزِلٍ فَوْقَ مَسْجِدٍ مُحَبَّسٍ مُبَاحٍ لِعُمُومِ النَّاسِ انْتَهَى.
وَفِي جَعْلِهِ الْفَرْعَيْنِ فَرْعًا وَاحِدًا اُنْظُرْ، وَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ، وَبَعْضُ عُلَمَاءِ الْأَنْدَلُسِ الْمُشَارُ إلَيْهِ هُوَ الشَّيْخُ الْعَلَامَةُ مُفْتِي غَرْنَاطَةَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْجَعْدَالِيُّ الْغَرْنَاطِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) تُكْرَهُ (سُكْنَى) الرَّجُلِ (فَوْقَهُ) أَيْ الْمَسْجِدِ بِأَهْلِهِ، قَالَهُ الشَّارِحُ.
وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ مُطْلَقًا بِأَهْلِهِ أَوْ وَحْدَهُ. (تَنْكِيتٌ) سَيَأْتِي فِي الْإِحْيَاءِ مَنْعُ سُكْنَى فَوْقَهُ. وَمَفْهُومُ فَوْقَهُ جَوَازُهَا تَحْتَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ فِيهَا، وَسَيَأْتِي فِي الْإِحْيَاءِ جَوَازُ السُّكْنَى فِيهِ لِرَجُلٍ تَجَرَّدَ لِلْعِبَادَةِ قَالَهُ تت. طفي تَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْبِيرِهِ بِالْكَرَاهِيَةِ هُنَا لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ،
وَفِي تَعْبِيرِهِ بِالْمَنْعِ فِي الْإِحْيَاءِ. ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَعَارَضَهُ فِي تَوْضِيحِهِ بِنَصِّهَا. وَأَجَابَ بِحَمْلِهِ عَلَى الْمَنْعِ فَيُقَالُ كَذَا فِي كَلَامَيْهِ هُنَا. فِيهَا كَرِهَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ يَبْنِيَ الرَّجُلُ مَسْجِدًا ثُمَّ يَبْنِيَ فَوْقَهُ بَيْتًا يَسْكُنُهُ بِأَهْلِهِ، أَرَادَ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ مَعَهُ يَطَؤُهَا عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ. الْحَطّ هَذَا مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ مَا فِي جُعْلِهَا وَإِجَارَتِهَا، وَلِظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ، وَمُخَالِفٌ لِظَاهِرِ مَا يَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي الْإِحْيَاءِ، وَلِظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ هُنَاكَ وَالْقَرَافِيِّ وَابْنُ الْحَاجِبِ، فَفِي التَّهْذِيبِ كَرِهَ مَالِكٌ السُّكْنَى بِالْأَهْلِ فَوْقَ ظَهْرِ الْمَسْجِدِ.
ابْنُ يُونُسَ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَبْنِيَ الرَّجُلُ مَسْجِدًا ثُمَّ يَبْنِيَ فَوْقَهُ بَيْتًا يَسْكُنُهُ بِأَهْلِهِ، لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ مَعَهُ يَطَؤُهَا عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ. وَذَكَرَ مَالِكٌ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ يَبِيتُ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ فِي الصَّيْفِ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَكَانَ لَا يَقْرَبُ فِيهِ امْرَأَةً. ابْنُ الْحَاجِبِ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ جَعْلُ عُلْوِ مَسْكَنِهِ مَسْجِدًا وَلَا يَجُوزُ جَعْلُ سُفْلِهِ مَسْجِدًا، وَيُمْكِنُ الْعُلْوُ لِأَنَّ لَهُ حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ وَنَحْوُهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْجَوَاهِرِ .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] فِي التَّوْضِيحِ، وَنَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْوَاضِحَةِ.
وَفِي جَعْلُ الْمُدَوَّنَةِ كَرِهَ مَالِكٌ السُّكْنَى فَوْقَهُ.
فَإِنْ قُلْت قَدْ صَرَّحَ بِالْكَرَاهَةِ هُنَا خِلَافُ مَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَالْوَاضِحَةِ. فَفِي مُخْتَصَرِهَا أَجَازَ مَالِكٌ لِمَنْ لَهُ سُفْلٌ وَعُلْوٌ أَنْ يَجْعَلَ الْعُلْوَ مَسْجِدًا وَيَسْكُنَ السُّفْلَ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ السُّفْلَ مَسْجِدًا وَيَسْكُنَ الْعُلْوَ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إذَا جَعَلَ السُّفْلَ مَسْجِدًا صَارَ لِمَا فَوْقَهُ حُرْمَةُ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ قَالَ الْحَطّ وَتَحْقِيقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَسْجِدَ إذَا بُنِيَ لِلَّهِ تَعَالَى وَحِيزَ عَنْ بَانِيهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ فَوْقَهُ، فَقَدْ قَالَ الْقَرَافِيُّ حُكْمُ الْأَهْوِيَةِ تَابِعٌ لِحُكْمِ الْأَبْنِيَةِ، فَهَوَاءُ الْوَقْفِ وَقْفٌ، وَهَوَاءُ الطَّلْقِ طَلْقٌ، وَهَوَاءُ الْمَوَاتِ مَوَاتٌ، وَهَوَاءُ الْمِلْكِ مِلْكٌ، وَهَوَاءُ الْمَسْجِدِ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ لَا يَقَرُّ فِيهِ الْجُنُبُ.
وَمُقْتَضَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنْ يُمْنَعَ هَوَاءُ الْمَسْجِدِ وَالْأَوْقَاتُ إلَى عَنَانِ السَّمَاءِ لِمَنْ أَرَادَ غَرْسَ خَشَبٍ حَوْلَهَا، وَيُبْنَى عَلَى رُءُوسِ الْخَشَبِ سَقْفًا عَلَيْهِ بُنْيَانٌ، وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ إلَّا
فَرْعٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ إخْرَاجُ الرَّوَاشِنِ وَالْأَجْنِحَةِ عَنْ الْحِيطَانِ، ثُمَّ أَخَذَ يُبَيِّنُ وَجْهَ خُرُوجِهِ فَانْظُرْهُ وَنَحْوُهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَقَوَاعِدِ الْمُقْرِي.
وَفِي تَبْصِرَةِ اللَّخْمِيِّ مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَحِيزَ عَنْهُ وَأَحَبَّ أَنْ يَبْنِيَ فَوْقَهُ فَلَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ لَهُ دَارٌ لَهَا عُلْوٌ وَسُفْلٌ وَأَرَادَ أَنْ يُحْبَسَ السُّفْلُ مَسْجِدًا وَيَبْقَى الْعُلْوُ عَلَى مِلْكِهِ، فَظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ لِلْوَاضِحَةِ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَتَابِعِيهِ وَمَا يَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَلَكِنْ صَرَّحَ اللَّخْمِيُّ بِجَوَازِهِ، فَقَالَ إثْرَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ وَإِنْ قَالَ أَنَا أَبْنِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَبْنِي فَوْقَهُ مَسْكَنًا، وَعَلَى هَذَا أَبْنِي جَازَ،
وَكَذَا لَوْ كَانَتْ دَارٌ لَهَا عُلْوٌ وَسُفْلٌ فَأَرَادَ أَنْ يَحْبِسَ السُّفْلَ مَسْجِدًا وَيَبْقَى الْعُلْوُ عَلَى مِلْكِهِ جَازَ اهـ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُوَفِّقَ بَيْنَ هَذِهِ النُّقُولِ، وَيَجْعَلَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يُعْجِبُنِي أَوْ لَا يَنْبَغِي لَا يَجُوزُ. وَيُحْمَلُ هُوَ وَمَا فِي الْوَاضِحَةِ وَابْنِ شَاسٍ وَالْقَرَافِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَالْآتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي الْإِحْيَاءِ عَلَى الشِّقِّ الْأَوَّلِ الَّذِي تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي مَنْعِهِ، وَيُحْمَلُ مَا فِي جُعْلِهَا وَكَلَامُ اللَّخْمِيِّ الْأَخِيرُ وَمَا لِلْمُصَنِّفِ هُنَا عَلَى الشِّقِّ الثَّانِي وَإِنْ كَانَ لَفْظُ اللَّخْمِيِّ وَبِمَنْفَعَةٍ تَتَقَوَّمُ.
قُدِرَ عَلَى تَسْلِيمِهَا [منح الجليل] الْجَوَازَ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي الْكَرَاهَةَ، وَيُسَاعِدُ هَذَا التَّوْفِيقُ كَلَامَ ابْنِ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ، وَنَصُّهُ عَلَى قَوْلِ التَّهْذِيبِ وَلَا يَبْنِي إلَخْ،
قَالَ فِي الْأُمِّ لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَسْكَنًا يُجَامِعُ فِيهِ، وَذَلِكَ كَالنَّصِّ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَلَمْ أَعْلَمْ فِيهِ خِلَافًا. وَذَكَرَ أَبُو عُمْرَانَ الْمَظَاهِرَ الْمَعْلُومَةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْخِلَافِ، هَلْ ظَاهِرُ الْمَسْجِدِ كَبَاطِنِهِ أَمْ لَا؟ وَذَلِكَ يُوهِمُ جَوَازَ الْبِنَاءِ عَلَيْهِ عَلَى قَوْلٍ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْأُمِّ، مَعَ أَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي سَبْقَ الْمَسْجِدِ فَهُوَ تَغْيِيرٌ لِلْحَبْسِ، بَلْ ظَاهِرُهَا أَنَّ مَنْ عِنْدَهُ عُلْوٌ وَسُفْلٌ فَحَبَسَ الْعُلْوَ مَسْجِدًا فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَنَصَّ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ، وَعَلَى قَوْلِهَا الْمُتَقَدِّمِ وَكُرِهَ يُرِيدُ يَكُونُ تَحْبِيسُ الْمَسْجِدِ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ اهـ. (وَ) تَصِحُّ الْإِجَارَةُ
وسكنى فوقه؛ يعني أنه يكره السكنى بالأهل فوق المسجد الذي بنيَ للكراء،
وأما السكنى قوق ظهر المسجد بغير أهل فإنها جائزة بني للكراء أولا،
وأما السكنى فوق ظهر المسجد الذي بني للعبادة بالأهل فممنوعة حيث بني فوقه بعد تحبيسه. والله تعالى أعلم.
وقال عبد الباقي: وكره سكنى بأهله فوقه أي المسجد الذي بني للكراء إذ هو أقرب مذكور، وأولى ما بني للعبادة فقط حيث بني محل السكنى بالأهل فوقه قبل تحبيسه مسجدا بأن يكون نوى حالة بناء المسجد بناء محلٍّ فوقه للسكنى بالأهل، أو بني علوا وسفلا لنفسه ثم جعل السفل مسجدًا لله على التأبيد، وأبقى الأعلى للسكنى بالأهل
وأما ما بني فوقه بعد تحبيسه فحرام، كما أفاده في الموات بقوله: ومنع عكسه، فلا معارضة بين ما هنا وبين ما يأتي في الإحياء إذ ما هنا فيما بني للكراء وما يأتي فيما بني لغيره، وهذا الجمع بين الموضعين أصله لابن عبد السلام وهو الذي ارتضاه الحطاب وأيده بنقول، وحمل الناصر اللقاني الكراهة هنا على التحريم ليوافق ما يأتي والأول أولى، وقوله: وسكنى فوقه،
وأما السكنى تحته فيجوز بالأهل وغيره بني للكراء أم لا. قال عبد الباقي: وانظر لو جهل فعل الواقف في المبيت فوقه بالأهل هل هو قبل تحبيسه أو بعده؟ اهـ. وذكر ملك أن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه كان يبيت على ظهر المسجد بالصيف فكان لا يقرب فيه امرأة، وما ذكره المص هنا من الكراهة موافق لظاهر ما في الجعل من المدونة،
قال في التهذيب: وكره مالك السكنى بالأهل فوق ظهر المسجد، قال أبو الحسن في الكبير: ونقلها ابن يونس، وكره مالك أن يبنى الرجل مسجدا ثم يبني فوقه يبتا يسكنه بأهله. ابن يونس: يريد لأنها إذا كانت معه صار يطؤها على ظهر المسجد وذلك مكروه. انتهى. قاله الحطاب. ثم قال: وتحقيق هذه المسألة أن المسجد إذا بناه الشخص لله وحيز عنه فلا ينبغي أن يختلف في أنه لا يجوز له البناء فوقه، فقد قال القرافي في الفرق الثاني عشر بعد المأتين: اعلم أن حكم الأهوية تابع لحكم الأبنية فهواء الوقف وقف وهواء الطلق طلق وهواء الموات موات وهواء الملك ملك وهواء المسجد له حكم المسجد، لا يقر فيه الجنب، ومقتضى هذه القاعدة أن يمنع هواء المسجد والأوقاف إلى عنان السماء لمن أراد غرز خشب حولها، ويبني على رؤوس الخشب سقفا عليه بنيان، ولم يخرج عن هذه القاعدة إلا
فرع وهو إخراج الرواشن والأجنحة على الحيطان،
ومثله في قواعد المقري. اهـ.
وقال الشبراخيتي: وأما ما بني للسكنى بعد تحبيسه فحرام وإن كان قبل حوزه عنه. اهـ. قال مقيده عفا الله عنه: يعني والله تعالى أعلم إذا لم يحصل مبطل. بمنفعة، متعلق بقوله: صحة الإجارة، والباء للسببية أو للآلة. والله تعالى أعلم يعني أن الإجارة إنما تصح فيما له منفعة وما لا منفعة فيه لا تصح إجارته. تتقوم؛ يعني أن من شروط هذه المنفعة أن تكون متقومة، ومعنى المتقومة أن تكون لها قيمة، قال المواق: قال ابن شأس: الركن الثالث من أركان الإجارة المنفعة،
ومن شروطها أن تكون متقومة. ابن عرفة: فسروا متقومة بما لها قيمة وهو قول الغزالي، فلا يصح استئجار تفاحة للشم والطعام لتزيين الحوانيت فإنه لا قيمة له. انتهى.
وقال الخرشي: قال القرافي: معنى المتقوم الذي له قيمة احترز عما لو استأجر تفاحة للشم أو استأجر الطعام لتزيين الحوانيت فإنه لا يصح إذ لا قيمة له، وما لا يعرف بعينه فإنه لا يجوز استيجاره خشية السلف بزيادة الأجرة. انتهى.
وقال التتائي عند قوله: تتقوم أي تدخل تحت التقويم احترازا من التافه الحقير الذي لا تجوز مقابلته بالمال في نظر الشرع كالدنانير لتزيين الحوانيت، وكل ما لا يعرف بعينه خشية السلف بزيادة الأجرة، وأجازه القاضي أبو بكر وغيره إذا كان ربها حاضرا معها. اهـ.
وفي الشبراخيتي: تتقوم بخلاف ما لا قيمة له كرائحة التفاحة مثلا فإنه لا يجوز استيجارها للشم والفرجة على الرياض ونحوها،
وكذا لا يجوز استئجار الدراهم والدنانير لتزيين الحوانيت، ولا السراج للاستصباح ولا الجدار للاستظلال، وتتقوم مضارع تَقَوَّمَ أي قبل التقويم وهو فعل لازم. اهـ.
وقال الحطاب: تتقوم في كثير من النسخ بضم التاء الأولى والظاهر فتحهما معا، والمعنى أن لها قيمة واحترز به من التافه الحقير الذي لا يجوز مقابلته بالمال في نظر الشرع. البساطي: كاستيجار نار ليوقد منها سراجا، وقد اختلف في جواز الإجارة في فروع نظرا إلى كون المنفعة فيها متقومة أم لا. منها إجارة المصحف للقراءة فيه، وإجارة الأشجار لتجفيف الثياب. اهـ.
وقال الخرشي وعبد الباقي: والظاهر أن استئجار مسك وزباد لشم كاستيجار تفاحة له. اهـ. زاد الخرشي ومثل هذا والله أعلم كراء الشمع للمشي بها في الزقاق كما عندنا بمصر. انتهى والله تعالى أعلم. تنبيهات: الأول: قال ابن عرفة: المنفعة ما لا يمكن الإشارة إليه حسا دون إضافة يمكن استيفاؤه غير جزء مما أضيف إليه، فتخرج الأعيان ونحو العلم والقدرة، ونحو نصف العبد ونصف الدابة مشاعا، وهي ركن لأنها المشتراة. انتهى.
قال شارحه: قوله: ما لا يمكن؛ أي الشيء الذي لا يمكن الإشارة إليه وهو عام جنس للمنفعة، وقوله: حسا، احترز به مما يمكن الإشارة إليه حسا من الأعيان بنفسه كالثوب والدابة فليسا بمنفعة. وقوله: دون إضافة، معمول الإشارة وهو قيد فيها: ومعناه ما لا يشار إليه حسا إلا بقيد الإضافة كمثل ركوب الدابة ولبس الثوب،
بخلاف الثوب والدابة فإنهما تمكن الإشارة إليهما حسا من غير إضافة، فركوب الدابة منفعة والدابة ليست كذلك، وقوله: يمكن استيفاؤه، خرج به العلم والقدرة لأنهما لا يمكن استيفاؤهما ولا يمكن الإشارة إليهما حسا إلا بإضافتهما هذا علم زيد. وقوله: غير جزء مما أضيف إليه، أخرج نصف نفس العبد ونصف الدار مشاعا لأنه يصدق عليه وهو مشاع لا يمكن الإشارة إليه إلا مضافا، ويمكن أخذ المنفعة منه لكنه جزء مما أضيف إليه، وليس ركوب الدابة وفي شابهه كذلك فقوله: يمكن، صفة لما لا يمكن.
اهـ. الثاني: قال الخرشي: نسخة المواق: وبمنفعة، وهي ظاهرة لتكون الأركان متعاطفة فهي عطف على قوله: بعاقد وأجر. الثالث: وقع في كلام غير واحد أن معنى تتقوم بأن تكون الذات بحيث تتأثر باستيفائها من حيث استيفائها تأثرا شرعيا يقع في مقابلة الأجرة التي هي كالقيمة،
وأما تأثر التفاحة ونحوها بالشم فإنما هو من مرور الزمن وليس ناشئا عن الاستيفاء من حيث إنه استيفاء. اهـ. قال مقيده عفا الله عنه: والظاهر ما قدمته عن غير واحد،
وأما هذا وهو أنه إذا أتلف المنفعة واستوفاها تنقص الذات فتقع الأجرة في مقابلة ذلك النقص فإنما يظهر في الدابة ونحوها لا في سكنى الدار ونحو ذلك. والله تعالى أعلم. الرابع: قال ابن رشد: كل ما للرجل أن ينتفع به يجوز له أن يكريه ابن عرفة: هذه الكلية غير صادقة ولا يجوز أن يكرَى جلد الأضحية ولا بيت المدرسة. اهـ. قوله: جلد الأضحية، أجاز سحنون إجارة الأضحية واقتصر عليه الشيخ وابن يونس والباجي.
قال مقيده عفا الله عنه: هذا يدل على جواز إجارة جلد الميتة والكلب. والله تعالى أعلم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.