ولا يأخذ هبته وإن قائمة
الشروح عليها
(وَلَا يَأْخُذُ) الْوَاهِبُ لِلْقَادِمِ (هِبَتَهُ) حَيْثُ لَمْ يُصَدَّقْ (وَإِنْ) كَانَتْ (قَائِمَةً) وَتَضِيعُ مَجَّانًا عَلَى صَاحِبِهَا وَقَيَّدَهُ الْحَطَّابُ بِمَا إذَا كَانَتْ الْهَدِيَّةُ لَطِيفَةً كَالْفَوَاكِهِ وَالثَّمَرِ
بِخِلَافِ نَحْوِ الثِّيَابِ وَالْقَمْحِ وَالْغَنَمِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَأْخُذُ الْوَاهِبُ لِلْقَادِمِ هِبَتَهُ) أَيْ وَلَوْ كَانَ فَقِيرًا.
(قَوْلُهُ: وَقَيَّدَهُ ح إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْهِبَةَ لِلْقَادِمِ لَا يُصَدَّقُ وَاهِبُهَا فِي دَعْوَاهُ قَصْدَ الثَّوَابِ وَتَضِيعُ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَتْ قَائِمَةً مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَتْ تِلْكَ الْهِبَةُ لَطِيفَةً كَالْفَاكِهَةِ وَنَحْوِهَا
وَأَمَّا الثِّيَابُ وَالْقَمْحُ وَالْغَنَمُ وَالدَّجَاجُ وَشِبْهُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَاهِبِ فِي دَعْوَاهُ قَصْدَ الثَّوَابِ فَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً وَلَمْ يُشَبِّهْ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَلَيْهَا كَانَ لِلْوَاهِبِ أَخْذُهَا وَإِنْ فَاتَتْ لَزِمَ الْمَوْهُوبَ لَهُ دَفْعُ قِيمَتِهَا.
(تَنْبِيهٌ) ذَكَرَ عِيَاضٌ فِي الْمَدَارِكِ عَنْ سَعْدٍ الْمَعَافِرِيِّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْفَقِيهَ لَا يَلْزَمُهُ ضِيَافَةٌ لِمَنْ ضَافَهُ وَلَا مُكَافَأَةٌ لِمَنْ أَهْدَى لَهُ وَلَا أَدَاءُ شَهَادَةٍ تَحَمَّلَهَا اهـ وَالْمُرَادُ بِالْفَقِيهِ مَا يَشْمَلُ مَنْ شَغَلَ أَوْقَاتَهُ بِالْمُطَالَعَةِ وَالتَّعْلِيمِ وَالْفَتْوَى وَإِنْ اقْتَصَرَ عَنْ الِاجْتِهَادِ كَمَا فِي بْن لَا خُصُوصُ الْمُجْتَهِدِ كَمَا فِي عبق وَمَحَلُّ عَدَمِ لُزُومِ الشَّهَادَةِ لَهُ مَا لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ وَإِلَّا لَزِمَهُ أَدَاؤُهَا كَمَا قَالَ شَيْخُنَا وَيُؤْخَذُ مِنْ نَقْلِ تت أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ لُزُومِ مُكَافَأَتِهِ مَا لَمْ يَجْرِ عُرْفٌ بِمُكَافَأَتِهِ، أَوْ يَكُونُ الَّذِي أَهْدَاهُ فَقِيهًا مِثْلَهُ وَإِلَّا لَزِمَتْهُ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(ص) وَلَا يَأْخُذُ هِبَتَهُ وَإِنْ قَائِمَةً (ش) عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَيَّدْنَا كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ بِالْفَوَاكِهِ وَشَبَهِهَا تَبَعًا لِلْحَطَّابِ،
وَأَمَّا الْخِرَافُ وَالدَّجَاجُ وَالْقَمْحُ وَشَبَهُهَا فَالْقَوْلُ لِلْمُهْدِي فِي الثَّوَابِ إنْ ادَّعَاهُ.
(قَوْلُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ إلَخْ) مُقَابِلُهُ مَا قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ مِنْ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا يَرَى أَنَّ لَهُ أَخْذَهَا مَا لَمْ تَفُتْ انْتَهَى
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَلَا يَأْخُذُ الْفَقِيرُ) الْمُهْدِي لِلْغَنِيِّ عِنْدَ قُدُومِهِ (هَدِيَّتَهُ) أَيْ الْفَقِيرِ مِنْ الْغَنِيِّ الْمُهْدَى لَهُ إنْ كَانَتْ فَاتَتْ بِيَدِ الْغَنِيِّ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَتْ (قَائِمَةً) بِعَيْنِهَا بِيَدِ الْغَنِيِّ.
فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا قَدِمَ غَنِيٌّ مِنْ سَفَرٍ فَأَهْدَى لَهُ جَارُهُ الْفَقِيرُ الْفَوَاكِهَ وَالرُّطَبَ وَشَبَهَهُمَا، ثُمَّ قَامَ وَطَلَبَ الثَّوَابَ،
وَقَالَ إنَّمَا أَهْدَيْت إلَيْهِ رَجَاءَ أَنْ يَكْسُوَنِي أَوْ يَصْنَعَ بِي خَيْرًا فَلَا شَيْءَ فِيهِ لِغَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ. ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَا لَهُ أَخْذُ هَدِيَّتِهِ وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا. الْحَطّ أَطْلَقَ فِيهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ مُقَيَّدٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا بِمَا يُهْدَى مِنْ الطَّعَامِ وَالْفَاكِهَةِ وَنَحْوِهِمَا. ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا لَا ثَوَابَ فِي هَدِيَّةِ فَقِيرٍ لِغَنِيٍّ الْفَاكِهَةَ وَالرُّطَبَ لِقُدُومِهِ مِنْ سَفَرٍ. ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَا لَهُ أَخْذُ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ قَائِمًا. الصِّقِلِّيُّ عَنْ الشَّيْخِ وَلَزِمَ وَاهِبَهَا لَا الْمَوْهُوبَ لَهُ الْقِيمَةُ، إلَّا لِفَوْتٍ بِزَيْدٍ أَوْ نَقْصٍ؛
وَلَهُ مَنْعُهَا حَتَّى يَقْبِضَهُ [منح الجليل] لِابْنِ اللَّبَّادِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا لَهُ أَخْذُهُ إنْ كَانَ قَائِمًا، قَالَ
وَأَمَّا الْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ يُوهَبُ لِلْقَادِمِ فَفِيهِ الثَّوَابُ.
اللَّخْمِيُّ اُخْتُلِفَ فِي الْهِبَةِ لِلْقَادِمِ مِنْ السَّفَرِ الْفَاكِهَةَ وَالطَّعَامَ وَشَبَهَهُمَا فَقَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا ثَوَابَ فِيهَا وَلِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي مُخْتَصَرِ حَمْدِيسٍ لَهُ. فِيهَا الثَّوَابُ وَهُوَ أَبْيَنُ وَالشَّأْنُ رَجَاؤُهُ مِمَّا يَقْدُمُ بِهِ الْمُسَافِرُ. قُلْت مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَقْدُمْ بِشَيْءٍ فَلَا ثَوَابَ عَلَيْهِ.
ولا يأخذ هبته وإن قائمة، يعني أن الهبة للقادم عند قدومه لا ثواب فيها كما علمت إلا لشرط أو عرف، وحيث كانت لا ثواب فيها فليس للواهب أن يأخذ هبته التي أهداها للقادم ولو كانت عند القادم قائمة بعينها. قال ابن القاسم: وليس له أخذ هديته وإن كانت قائمة بعينها. اهـ.
وقال التتائي: ولا يصدق في دعوى الثواب من أهدى لقادم عند قدومه من سفر حج أو غيره وإن فقيرا لغني، وهذا من قول ملك،
وقال ابن القاسم: لا يأخذ الفقير هبته وإن قائمة وهو المشهور، وأطلق المص اعتمادا على العرف فلا ينافيه ما قيد في المدونة بالفواكه والرطب وشبهه،
ولذا قال محمد: أما القمح والشعير ففيه الثواب. اهـ. وعلى هذا فالثياب ونحوها أولى. اهـ. ولابن غازي رحمه الله تعالى في الهبة للفقيه: ليس على الفقيه من ضيافه … ولا شهادة ولا مكافه ذكر ذا القاضي لدى المدارك … عن سعد المعافري عن ملك قال عبد الباقي: وحيث كان ذلك عن ملك فلعله أراد بالفقيه من هو مثله في الاجتهاد واستنباط الأحكام من الأدلة لشغله بذلك عما ذكر، فلا يشمل مجرد نقل كلام الغير، ويؤخذ من نقل التتائي أنه ليس على الفقيه مكافأة إلا أن يكون غنيا أو يجري العرف بمكافأته أو يكون المهدي فقيها مثله.
اهـ. قال بناني: مقتضى ما نقله ابن غازي في التكميل عن شيخه القوري خلاف ذلك وهو ظاهر،
فإن من شغل أوقاته بالمطالعة والتعليم والفتوى جدير بذلك وإن قصر عن الاجتهاد. وسعد المعافري هو سعد بن عبد الله بن سعد المعافري من كبار أصحاب ملك المصريين، سمع منه ابن القاسم وأشهب وابن وهب وغيرهم، وبه تفقه ابن وهب وابن القاسم، توفي بالأسكندرية سنة ثلاث وسبعين ومائة، والمعافري بفتح الميم وكسر الفاء نسبة إلى معافر بن يعفر بن ملك بن النضر. اهـ. وقوى الرهوني أنه ليس على الفقيه مكافأة الهدية ولو أهدى إليه فقيه.
فائدة: قال الرهوني: سعد المعافري هذا من كبار أصحاب ملك، سمع منه ابن القاسم وأشهب وابن وهب وغيرهم، وهو ثقة، وكان سعد فاضلا حتى إن الليث الذي هو من نظراء ملك قال: لو كان أهل الإسلام في ناحية وسعد في ناحية كنت قرينا له، يعني لسعد، ويذكر أن سعدا أوصى بابنته لابن القاسم وابن وهب فطلبها رجل بعد موته ذا يسار وليس هو بذلك الدين وطلبها آخر فقير ذا دين، فمال ابن القاسم إلى ذي الدين، ومال ابن وهب إلى ذي اليسار، فتناظرا فيه، فقال ابن القاسم: أرأيت لو كان سعدٌ حيا لمن يعطيها؟
أليس يقدم ذا الدين؟ فقال ابن وهب: نعم فقال له ابن القاسم: ونحن في موضع سعد نفعل ما كان يفعل، فسلم له ابن وهب فهو شيخ ابن القاسم وابن وهب وبه تفقها. اهـ. مسألة: في حكم هبة الطعام للثواب،
قال الحطاب: قال في المدخل في آخر فصل آداب الأكل: وينبغي له أن يتحفظ من هذه العادة المذمومة التي أحدثت وهو أن يهدي أحد الأقارب أو الجيران طعاما فلا يمكن المهدى إليه أن يرد الوعاء فارغا، وقد وُجِدَ على فاعل ذلك فكان سببا لترك المهاداة، ولسانُ العلم يمنع من ذلك كله لأنه يدخله بيع الطعام بالطعام غير يد بيد، ويدخله أيضا بيع الطعام بالطعام متفاضلا، ويدخله الجهالة،
فإن قيل: ليس هذا من باب البياعات إنما هو من باب الهدايا وقد سومح فيها، فالجواب: هو مسلم لو مشوا فيه على مقتضى الهدايا بالشريعة، لكنهم يفعلون ضد ذلك لطلبهم العوض،
فإن الدافع يتشوف له والمدفوع إليه يحرص على المكأفاة، فخرج بالمشاحة من باب الهدايا إلى باب البياعات،
وإذا كان كذلك فيعتبر فيه ما تقدم ذكره. اهـ. وقول أبي علي إنه ترك هذا النقل لأنه لا يعلم ما فيه مما نقله. قال فيه الرهوني: الظاهر أن النقول تدل على صحته فراجعه متأملا. والله تعالى أعلم.
وقال في التوضيح: قوله: ولقادم عند قدومه لخ، خلافا لابن عبد الحكم. اللخمي: وهو أبين إلا أن الناس على ضربين، من لا يتكلم على ذلك إن لم يكاف فهذا لا شيء له إن وقعت بينهما مقابحة على الهبة،
ومن يتكلم على الثواب فيقضى له. اهـ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.