وأجرة عليه أو مع صلاة
الشروح عليها
(وَ) جَازَ لِلْمُؤَذِّنِ (أُجْرَةٌ) أَيْ أَخْذُهَا (عَلَيْهِ) وَحْدَهُ (أَوْ مَعَ صَلَاةٍ) صَفْقَةً وَاحِدَةً
وَكَذَا عَلَى إقَامَةٍ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ صَلَاةٍ وَأَوْلَى أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ كَانَتْ الْأُجْرَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ مِنْ آحَادِ النَّاسِ
(قَوْلُهُ: وَأَوْلَى أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ) بَلْ
وَيَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الثَّلَاثَةِ إذَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهَا صَفْقَةً وَاحِدَةً
ص (وَأُجْرَةٌ عَلَيْهِ أَوْ مَعَ صَلَاةٍ وَكُرِهَ عَلَيْهَا)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي {بَابِ الْأَذَانِ} وَتَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى الْأَذَانِ وَعَلَى الْأَذَانِ وَالصَّلَاةِ جَمِيعًا،
وَقَالَ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ وَكَرِهَ مَالِكٌ الْإِجَارَةَ فِي الْحَجِّ وَعَلَى الْإِمَامَةِ فِي الْفَرْضِ وَالنَّافِلَةِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ،
وَمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا عَلَى أَنْ يُؤَذِّنَ لَهُمْ وَيُقِيمَ وَيُصَلِّي بِهِمْ جَازَ وَكَانَ الْأَجْرُ إنَّمَا وَقَعَ عَلَى الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْقِيَامِ بِالْمَسْجِدِ لَا عَلَى الصَّلَاةِ انْتَهَى.
وَهَذَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى الْأَذَانِ وَعَلَى الْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ وَأَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِيهِمَا فَيَتَحَصَّلُ فِي الْإِجَارَةِ عَلَى الْأَذَانِ قَوْلَانِ بِالْمَنْعِ وَالْجَوَازِ وَفِي الْإِجَارَةِ عَلَى الْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ ثَلَاثَةُ: أَقْوَالٍ بِالْجَوَازِ، وَالْمَنْعِ،
وَالثَّالِثُ يَجُوزُ إنْ كَانَتْ تَبَعًا،
وَيُكْرَهُ عَلَى الْإِمَامَةِ بِانْفِرَادِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ الْمَنْعَ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ وَذَكَرَ بَعْدَهَا عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ، قَالَ بَكْرٌ الْقَاضِي رَوَى عَنْ عَلِيٍّ: لَا بَأْسَ بِهَا عَلَى الْفَرْضِ لَا النَّفْلِ، ابْنُ رُشْدٍ لِعَدَمِ لُزُومِهِ وَلُزُومِ الْفَرْضِ زَادَ ابْنُ نَاجِي، فَقَالَ فَكَانَ الْعِوَضُ لَيْسَ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ: وَنَقَلَ شَيْخُنَا عَنْ الْمَازِرِيَّ أَنَّهُ حَكَى قَوْلًا بِجَوَازِ الْإِجَارَةِ لِمَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ لَا لِمَنْ قَرُبَتْ، وَمَا ذَكَرَهُ نَحْوَ قَوْلِ ابْنِ بَشِيرٍ هُوَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ خِلَافٌ فِي حَالٍ فَإِنْ كَانَ يَتَكَلَّفُ فِي مُلَازَمَةِ الصَّلَاةِ فِي مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، وَالْقَصْدُ إلَيْهِ يَشُقُّ صَحَّتْ الْإِجَارَةُ،
وَإِنْ كَانَ لَا مَشَقَّةَ فِي ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ، وَيَأْتِي لِعَبْدِ الْحَقِّ أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ لَا أَنَّهَا لَا تَجُوزُ كَمَا تَقَدَّمَ لِابْنِ حَبِيبٍ فَيَتَحَصَّلُ فِي حُكْمِهَا فِي الْفَرْضِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ: الْجَوَازُ، وَالْكَرَاهَةُ، وَالتَّحْرِيمُ، وَقَوْلُ التَّهْذِيبِ يَعْنِي تَجُوزُ تَبَعًا، وَرِوَايَةُ عَلِيٍّ، وَنَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ،
وَفِي النَّفْلِ الْجَوَازُ وَالْكَرَاهَةُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ كَرَاهَةُ الْإِجَارَةِ عَلَى الْإِمَامَةِ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ كَمَا تَقَدَّمَ فَيُحْمَلُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَكُرِهَ عَلَيْهَا عَلَى عُمُومِهِ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ لَكِنْ قَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَهُوَ عِنْدِي فِي الْمَكْتُوبَةِ أَشَدُّ كَرَاهَةٍ انْتَهَى. وَعَزَاهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الصَّلَاةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ لِلْمُدَوَّنَةِ وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ الْفَرِيضَةَ،
وَإِنْ كَانَتْ لَا تَلْزَمُهُ فِي مَسْجِدٍ بِعَيْنِهِ لَا يَلْزَمُهُ مِنْ مُرَاعَاةِ أَوْقَاتِهَا وَحُدُودِهَا مَا يَخْشَى أَنْ يَكُونَ لَوْلَا الْأُجْرَةُ لَقَصَّرَ فِي بَعْضِهَا، وَالنَّافِلَةُ لَا تَلْزَمُهُ أَصْلًا فَكَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا أَخَفَّ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَلَى فِعْلِ مَا لَا يَلْزَمُ الْأَجِيرَ جَائِزَةٌ،
وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ قُرْبَةٌ أَصْلُ ذَلِكَ الْأَذَانُ وَبِنَاءُ الْمَسْجِدِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ فَتُّوحٍ رَوَى أَشْهَبُ: الِاسْتِئْجَارُ لِقِيَامِ رَمَضَانَ مُبَاحٌ،
وَإِنْ كَانَ بَأْسٌ فَعَلَى الْإِمَامِ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: مَكْرُوهٌ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ.
(قُلْتُ) وَمُقْتَضَاهُ الْحُكْمُ بِالْإِجَارَةِ إنْ فَاتَ الْعَمَلُ وَأُخْبِرْتُ أَنَّهَا نَزَلَتْ بِأَبِي إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الرَّفِيعِ فَلَمْ يَحْكُمْ لِلْإِمَامِ بِشَيْءٍ انْتَهَى. وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ بِلَفْظِ "
وَمُقْتَضَاهُ الْحُكْمُ بِالْإِجَارَةِ " وَزَادَ فِي آخِرِهِ وَاعْتَلَّ بِأَنَّ الْمَكْرُوهَ لَا يَحْكُمُ بِهِ الْقَاضِي انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَهَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ عَلَى الْحَجِّ مَكْرُوهَةٌ فَإِذَا وَقَعَتْ صَحَّتْ وَحُكِمَ بِهَا كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ عَبْدِ الْحَقِّ أَنَّهُ إذَا عُقِدَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى الْإِمَامَةِ كُرِهَ ذَلِكَ وَصَحَّ.
(الثَّانِي) فُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ جَوَازُ الْإِجَارَةِ عَلَى الْإِمَامَةِ،
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ السَّابِقَ: فَجَوَازُ الْإِجَارَةِ عَلَى الْإِمَامَةِ يُضْعِفُ مَنْعَ ذَلِكَ عَلَى الصَّلَوَاتِ انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) إذَا جَوَّزْنَا الْإِجَارَةَ عَلَى الْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ مَعًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ فَتَخَلَّفَ الْمُؤَذِّنُ عَنْ الصَّلَاةِ خَاصَّةً مِنْ سَلَسِ بَوْلٍ وَنَحْوِهِ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ: اخْتَلَفَ فُقَهَاؤُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ فَقِيلَ: لَا يَسْقُطُ مِنْ الْإِجَارَةِ حِصَّةُ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا تَبَعُ كَمَالِ الْعَبْدِ، وَثَمَرَةُ النَّخْلِ الَّذِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الِانْفِرَادِ
وَيَجُوزُ إذَا جُمِعَ وَقِيلَ: بَلْ تَسْقُطُ حِصَّةُ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَلَى الصَّلَاةِ إنَّمَا هِيَ مَكْرُوهَةٌ فَإِذَا نَزَلَتْ مَضَتْ أَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ يُجِيزُ الْإِجَارَةَ عَلَيْهَا، وَمَالُ الْعَبْدِ وَثَمَرَةُ النَّخْلِ لَا يَجُوزُ إذَا انْفَرَدَ بِإِجْمَاعٍ انْتَهَى. وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ الْقَوْلَيْنِ وَعَزَا الْأَوَّلَ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَاحْتَجُّوا لَهُ بِأَنَّ مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا لَهُ مَالٌ أَوْ شَجَرًا مُثْمِرًا فَاسْتَحَقَّ مَالَ الْعَبْدِ مِنْ يَدِهِ وَأُجِيحَتْ الثَّمَرَةُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ حَطًّا مِنْ الثَّمَنِ، وَعَزَا الْقَوْلَ الثَّانِيَ لِعَبْدِ الْحَقِّ وَابْنِ مُحْرِزٍ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ حِلْيَةَ السَّيْفِ إذَا كَانَتْ تَبَعًا لَهُ وَخِلْفَةَ الزَّرْعِ الْقَصِيلِ الْمُشْتَرَطَةَ تَبَعًا لَهُ فَاسْتُحِقَّتْ الْحِلْيَةُ أَوْ نَقَصَ بَعْضُ الْخِلْفَةِ أَوْ تَخَلَّفَ فَإِنَّهُ يَحُطُّ لَهُمَا مِنْ الثَّمَنِ وَأَجَابُوا عَنْ الْأَوَّلَيْنِ بِأَنَّ اشْتِرَاطَ مَالِ الْعَبْدِ لَهُ لَا لِلْمُبْتَاعِ، فَالْمُعَاوَضَةُ وَقَعَتْ عَلَى أَنْ يُقِرَّ مَالَ الْعَبْدِ بِيَدِهِ، وَهَذَا قَدْ فَعَلَهُ الْبَائِعُ وَلَمْ يَبْطُلْ
وَأَمَّا الثَّمَرَةُ فَلِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ بِالْقَبْضِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْبَائِعِ سَقْيٌ فَصَارَ ذَلِكَ كَبَيْعِهَا يَابِسَةً، فَلِذَلِكَ سَقَطَتْ بِهِ الْجَائِحَةُ لَا لِلتَّبَعِيَّةِ، وَاحْتَجَّ عَبْدُ الْحَقِّ بِأَنَّهُ لَوْ عَقَدَ عَلَى الْإِمَامَةِ مُفْرَدَةً صَحَّ، وَذَكَرَهُ
بِخِلَافِ الثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا انْتَهَى. بِالْمَعْنَى مَبْسُوطًا وَنَقَلَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ جَمِيعَ ذَلِكَ وَزَادَ فِي مَسْأَلَةِ مَالِ الْعَبْدِ: وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْأَحْسَنُ الْحَطِيطَةُ بِقَدْرِ مَا يُعْلَمُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ زَادَهُ لِأَجْلِ الْمَالِ قِيَاسًا عَلَى مَا إذَا تَعَذَّرَ عَلَى الْمَرْأَةِ شَوَارُهَا فَإِنَّهُ يَسْقُطُ مِنْ الصَّدَاقِ قَدْرَ مَا يُعْلَمُ أَنَّ الزَّوْجَ زَادَهُ لِأَجْلِهِ مَعَ أَنَّ الزَّوْجَ لَا يَمْلِكُ انْتِزَاعَهُ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ كَوْنَ الِاتِّبَاعِ مَقْصُودَةً بِالْأَعْرَاضِ أَمْرٌ مَقْطُوعٌ، بَلْ نَقُولُ التَّبَعُ قَدْ يَرْتَفِعُ عَنْهُ التَّحْرِيمُ الثَّابِتُ لَهُ مُنْفَرِدًا كَحِلْيَةِ السَّيْفِ التَّابِعَةِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ بَيْعُهَا مُفْرَدَةً بِجِنْسِهَا،
وَيَجُوزُ تَبَعًا انْتَهَى.
(الرَّابِعُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ ابْنُ شَاسٍ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَلَى الْأَذَانِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَاخْتَلَفُوا فِي إجَارَةِ غَيْرِهِ،
وَقَالَ سَنَدٌ: اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الرِّزْقِ، وَفَعَلَهُ عُمَرُ،
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَرْزَاقُ الْقُضَاةِ وَالْوُلَاةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ مِنْ الطَّعَامِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّهَا أُجْرَةٌ لَهُمْ عَلَى عَمَلِهِمْ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ خِلَافُ قَوْلِ ابْنُ حَبِيبٍ تُمْنَعُ الْإِجَارَةُ عَلَى الْأَذَانِ إنَّمَا كَانَ إعْطَاءُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ مَالِ اللَّهِ كَإِجْرَائِهِ لِلْقُضَاةِ وَالْوُلَاةِ رِزْقًا وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ مِنْ مَالِ مَنْ حَكَمُوا لَهُ بِالْحَقِّ انْتَهَى.
(قُلْتُ) الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ حَبِيبٍ؛ لِأَنَّ مُرَادَ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ أَشْبَهَ الْإِجَارَةَ لِكَوْنِهِ أُخِذَ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلٍ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ: وَمَا يَأْخُذهُ الْقُضَاةُ وَالْمُؤَذِّنُونَ، وَصَاحِبُ السُّوقِ مِنْ الطَّعَامِ مِنْ بَابِ الْمُعَاوَضَةِ فَيُمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ انْتَهَى. فَتَأَمَّلْهُ مُنْصِفًا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) إذَا لَمْ يَجِدْ أَهْلُ الْمِصْرِ مَنْ يُؤَذِّنُ إلَّا بِأُجْرَةٍ فَإِنَّهُمْ يَسْتَأْجِرُونَ مَنْ يُؤَذِّنُ لَهُمْ، قَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: وَتَكُونُ أُجْرَتُهُ عَلَى أَهْلِ الْمَوْضِعِ كُلِّهِمْ،
وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ خَارِجًا مِنْهُ وَلَهُ رِبَاعٌ أَوْ عَقَارٌ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَهَذَا
بِخِلَافِ إجَارَةِ التَّعْلِيمِ فَإِنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى مَنْ لَهُ صَبِيٌّ انْتَهَى.
(السَّادِسُ) اخْتَلَفُوا فِي الْأَحْبَاسِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى مَنْ يُؤَذِّنُ أَوْ يُصَلِّي فَقِيلَ: إنَّهَا إجَارَةٌ وَهَذَا هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَقْوَالِ الْمُوَثَّقِينَ،
وَقِيلَ: إنَّهَا إعَانَةٌ وَلَا يَدْخُلُهَا الْخِلَافُ فِي الْإِجَارَةِ عَلَى الْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ شُيُوخِ شُيُوخِنَا، ثُمَّ رَدَّ عَلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: قُلْتُ إنَّمَا أَقْوَالُ الْمُوَثَّقِينَ فِي اسْتِئْجَارِ النَّاظِرِ فِي أَحْبَاسِ الْمَسَاجِدِ مَنْ يُؤَذِّنُ وَيَؤُمُّ وَيَقُومُ بِمُؤْنَةِ الْمَسْجِدِ فَلَعَلَّهُ فِيمَا حَبَسَ لِيَسْتَأْجِرَ مِنْ غَلَّتِهِ لِذَلِكَ، وَأَحْبَاسُ زَمَانِنَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ إنَّمَا هِيَ عَطِيَّةٌ لِمَنْ قَامَ بِتِلْكَ الْمُؤْنَةِ، وَهَذَا كَاخْتِلَافِهِمْ فِي امْرَأَةِ إمَامِ مَسْجِدٍ لَهُ دَارٌ حَبَسَتْ عَلَيْهِ مَاتَ إمَامُهُ، فَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُوَثَّقِينَ لِجِيرَانِ الْمَسْجِدِ: إخْرَاجُهَا قَبْلَ تَمَامِ الْعِدَّةِ الْمُتَيْطِيُّ أَنْكَرَهُ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ،
وَقَالَ: لَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجَةِ الْأَمِيرِ،
وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا لَوْ كَانَتْ أَحْبَاسُ الْمَسَاجِدِ عَلَى وَجْهِ الْإِجَارَةِ لَافْتَقَرَتْ لِضَرْبِ الْأَجَلِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لِلْمُخَالِفِ نَفْيُ مَنْعِ اللُّزُومِ انْتَهَى. كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ، وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ،
وَقَالَ بَعْدَهُ: وَاسْتَمَرَّتْ الْفَتْوَى مِنْ كُلِّ أَشْيَاخِي الْقَرَوِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ بِجَوَازِ أَخْذِ مَنْ يُصَلِّي أَوْ يُؤَذِّنُ مِنْ الْأَحْبَاسِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ لِمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهَا إعَانَةٌ أَوْ لِضَرُورَةِ الْأَخْذِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَتَعَطَّلَتْ الْمَسَاجِدُ، وَقَدْ وَرَدَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الدَّكَّالِيُّ عَلَى تُونِسَ فَلَمْ يُصَلِّ خَلْفَ بَعْضِ شُيُوخِنَا وَلَا الْجُمُعَةَ، يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ قَالَ وَكَانَ إمَامًا بِجَامِعِ الزَّيْتُونِ وَلَا خَلْفَ غَيْرِهِ لِأَخْذِهِمْ عَلَى الصَّلَاةِ وَرَأَى وُجُودَ الْخِلَافِ شُبْهَةً، وَكَانَ كُلُّ بَلَدٍ يَرِدُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِهِ لِلْمَشْرِقِ لَا يُصَلِّي إلَّا خَلْفَ مَنْ لَا يَأْخُذُ شَيْئًا إنْ وَجَدَ نَفَعَنَا اللَّهُ بِبَرَكَتِهِ آمِينَ وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ أَنَّهُ لَمَّا تَخَلَّفَ عَنْ الصَّلَاةِ خَلْفَ ابْنِ عَرَفَةَ أَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ وَعَرَّضَ بِهِ فِي أَبْيَاتٍ، قَالَ: وَقُلْتُ لَهُ: نَجْتَمِعُ بِهِ وَنُنَاظِرُهُ فَمَنَعَنِي مِنْ ذَلِكَ،
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ: ثُمَّ اجْتَمَعَتْ بِهِ لَمَّا حُجِجْتُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَقُلْتُ لَهُ: أَنَا أَخَذْتُ مُرَتَّبَ الْإِمَامَةِ وَمُرَتَّبَ التَّدْرِيسِ وَأَعْتَقِدُ أَنَّهُ حِلٌّ لِي مِنْ أَخْذِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إذَا كَانَ عَلَى وَضْعِهِ مِنْ دُخُولِ الْحَلَالِ فِيهِ لِأَنِّي لَا أَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مِنْهُ إلَّا لِكَوْنِي مُسْلِمًا فَيُدْرِكُنِي الْأَخْذُ بِظَاهِرِ الْعُمُومِ لِكَوْنِي وَاحِدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَمَتَى كَثُرَتْ أَفْرَادُ الْعَامِ ضَعُفَ الظَّاهِرُ، وَأَخْذُ مُرَتَّبِ الْإِمَامَةِ وَالتَّدْرِيسِ مُبَاحٌ بِمَا يُعْرَفُ مِنْ النَّصِّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ بِهِ مِنْ وَاضِعِهِ، وَهُوَ إعَانَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ لَا عَلَى مَعْنَى الْأَجْرِ، وَقَدْ أَجْرَى السَّلَفُ أَرْزَاقَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ الْمُؤَذِّنِينَ وَالْعُمَّالِ وَغَيْرِهِمْ وَلَنْ يَأْتِيَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِأَهْدَى مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَوَّلُهَا فَلَمْ يَكُنْ لَهُ جَوَابٌ إلَّا أَنَّ هَذَا حَسَنٌ لَكِنْ لَا يَزِيدُ لَكَ هَذِهِ الشَّخْشَخَةَ انْتَهَى.
وَالْأَبْيَاتُ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا الْبُرْزُلِيُّ ذَكَرَهَا فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ فَإِنَّهُ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى أَخْذِهِ الْأُجْرَةَ عَلَى الْفَتْوَى اسْتَطْرَدَ إلَى ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ،
ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ شَنَّعَ عَلَى الدَّكَّالِيِّ حِينَ وَرَدَ عَلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَجَرَى عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ حَتَّى ذَكَرَ فِيهَا أَبْيَاتًا أَنْشَدَنِيهَا حِينَ اجْتَمَعْنَا بِهِ بصفاقص وَخَرَجْنَا لِلْغَايَةِ،
ثُمَّ ذَكَرَ الْأَبْيَاتَ وَرَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِهِمْ أَنَّ الشَّيْخَ الْإِمَامَ ابْنَ عَرَفَةَ بَعَثَ بِالْأَبْيَاتِ إلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي حُدُودِ التِّسْعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، وَهِيَ هَذِهِ يَا أَهْلَ مِصْرَ وَمَنْ فِي الدِّينِ شَارَكَهُمْ ... تَنَبَّهُوا لِسُؤَالٍ مُعْضِلٍ نَزَلَا لُزُومُ فِسْقِكُمْ أَوْ فِسْقِ مَنْ زَعَمَتْ ... أَقْوَالُهُ أَنَّهُ بِالْحَقِّ قَدْ عَدَلَا فِي تَرْكِهِ الْجُمَعَ وَالْجُمُعَاتِ خَلْفَكُمْ ... وَشَرْطُ إيجَابِ حُكْمِ الْكُلِّ قَدْ حَصَلَا إنْ كَانَ شَأْنُكُمْ التَّقْوَى فَغَيْرُكُمْ ... قَدْ بَاءَ بِالْفِسْقِ حَقًّا عَنْهُ مَا عَدَلَا وَإِنْ يَكُنْ عَكْسُهُ فَالْأَمْرُ مُنْعَكِسٌ ...
فَاحْكُمْ بِحَقٍّ وَكُنْ بِالْحَقِّ مُعْتَدِلَا وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ وَكُنْ بِالْهَدْيِ مُعْتَدِلَا فَأَجَابَ بَعْضُ الْمِصْرِيِّينَ مَا كَانَ مِنْ شِيَمِ الْأَبْرَارِ أَنْ يَسِمُوا ... بِالْفِسْقِ شَيْخًا عَلَى الْخَيْرَاتِ قَدْ جُبِلَا لَا لَا وَلَكِنْ إذَا مَا أَبْصَرُوا خَلَلًا ... كَسَوْهُ مِنْ حُسْنِ تَأْوِيلَاتِهِمْ حُلَلًا أَلَيْسَ قَدْ
قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ صَاحِبُهُ ... يَسُوغُ ذَاكَ لِمَنْ قَدْ يَخْتَشِي خَلَلَا كَذَا الْفَقِيهُ أَبُو عِمْرَانَ سَوَّغَهُ ... لِمَنْ تَخَيَّلَ خَوْفًا وَاقْتَنَى عَمَلَا وَقَالَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ إذَا ثَبَتَتْ ... عَدَالَةُ الْمَرْءِ فَلْيُتْرَكْ وَمَا عَمِلَا وَقَدْ رَوَيْتُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الْعُتَقِيِّ ... فِيمَا اخْتَصَرْت كَلَامًا أَوْضَحَ السُّبَلَا مَا إنْ تُرَدَّ شَهَادَاتٌ لِتَارِكِهَا ... إنْ كَانَ بِالْعِلْمِ وَالتَّقْوَى قَدْ احْتَفَلَا نَعَمْ وَقَدْ كَانَ فِي الْأَعْلَيْنَ مَنْزِلَةً ... مَنْ جَانَبَ الْجَمْعَ وَالْجَمَعَاتِ مُعْتَزِلَا كَمَالِكَ غَيْرُ مُبْدٍ فِيهِ مَعْذِرَةً ...
إلَى الْمَمَاتِ وَلَمْ يَثْلَمْ وَمَا عَمِلَا هَذَا وَإِنَّ الَّذِي أَبْدَاهُ مُتَّضِحٌ ... أَخَذَ الْأَئِمَّةُ أَجْرًا مَنْعُهُ نَقْلَا وَهَبْكَ أَنَّكَ رَاءٍ حِلَّهُ نَظَرًا ... فَمَا اجْتِهَادُكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ وَلَا انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ: وَعِنْدِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حَكَمَ بِمَا يَقْتَضِيهِ حَالُهُ فَإِنَّ الدَّكَّالِيَّ كَانَ بَعِيدًا مِنْ الدُّنْيَا وَزَاهِدًا فِيهَا فَالْمُتَلَبِّسُ بِهَا عِنْدَهُ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ عَنْ الْآخِرَةِ وَكَانَ شَيْخُنَا يَرَى أَنَّ الدُّنْيَا مَطِيَّةُ الْآخِرَةِ، وَأَنَّهَا نِعْمَ الْعَوْنُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا فِي مُسْلِمٍ فَاكْتَسَبَ مِنْهَا جُمْلَةً كَثِيرَةً، وَأَخْرَجَ جُلَّهَا لِلْأَخِرَةِ نَفَعَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (السَّابِعُ) الصَّلَاةُ خَلْفَ مَنْ يَأْخُذُ الْأُجْرَةَ عَلَى الْإِمَامَةِ جَائِزَةٌ،
قَالَ فِي رَسْمِ الصَّلَاةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ: وَسُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ يُسْتَأْجَرُ لِقِيَامِ رَمَضَانَ يَؤُمُّ النَّاسَ؟ فَقَالَ: لَا يَكُونُ بِذَلِكَ بَأْسٌ إنْ كَانَ بَأْسٌ فَعَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِقِيَامِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَيْسَتْ عَلَيْهِ حَرَامًا فَتَكُونُ جُرْحَةً فِيهِ تَقْدَحُ فِي إمَامَتِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ لَهُ مَكْرُوهَةٌ فَتَرْكُهَا أَفْضَلُ، وَلَا تُكْرَهُ إمَامَةُ مَنْ فَعَلَ مَا تَرْكُهُ أَفْضَلُ، كَمَا لَا يُكْرَهُ إمَامَةُ مَنْ تَرَكَ مَا فِعْلُهُ أَفْضَلُ مِنْ النَّوَافِلِ.
(وَأُجْرَةٌ عَلَيْهِ، أَوْ مَعَ صَلَاةٍ وَكُرِهَ عَلَيْهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ مَالِكٌ: تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى الْأَذَانِ وَعَلَى الْأَذَانِ وَالصَّلَاةِ جَمِيعًا، وَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى الصَّلَاةِ خَاصَّةً قَالَ مَالِكٌ: يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ فِي سُوقِ الْإِبِلِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا لِلَّهِ بِإِجَارَةٍ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: لَأَنْ أَطْلُبَ الدُّنْيَا بِالدُّفِّ وَالْمِزْمَارِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَطْلُبَهَا بِالدِّينِ.
وَعَنْ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ يَتَّخِذُ الْمِهْنَةَ يَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ النَّاسِ، وَيُبْغِضُ الْعَبْدَ يَتَّخِذُ الدِّينَ مِهْنَةً. قَالَ السَّيِّدُ مُفْتِي تُونُسَ الْبُرْزُلِيِّ: اُخْتُلِفَ فِيمَا يَأْخُذُهُ مِمَّا حُبِسَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْإِمَامَةِ، هَلْ هُوَ كَالْإِجَارَةِ أَوْ إعَانَةٌ؟ .
الْأَوَّلُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُوَثِّقِينَ، وَالثَّانِي للبوذري وَغَيْرِهِ مِنْ شُيُوخِ شُيُوخِ شُيُوخِنَا اهـ وَانْظُرْ أَيْضًا - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ - أَنَّ مِنْ الْوَرَعِ الْخُرُوجَ عَنْ الْخِلَافِ يَبْقَى النَّظَرُ عِنْدَ تَشَاحِّ الْأَئِمَّةِ. فَعَلَى الْكَرَاهَةِ حَبْسُهُ فِي مَكْرُوهٍ وَلَا يُحْكَمُ بِهِ قَالَ السَّيِّدُ مُفْتِي تُونُسَ: الْمَذْكُورُ مَا نَصَّهُ ابْنُ فَرْحُونٍ: الِاسْتِئْجَارُ لِقِيَامِ رَمَضَانَ مُبَاحٌ،
وَإِنْ كَانَ بَأْسٌ فَعَلَى الْإِمَامِ. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ مَكْرُوهٌ، وَمُقْتَضَى هَذَا الْكَلَامِ الْقَضَاءُ بِالْأُجْرَةِ، وَنَقَلَ شَيْخُنَا بِسَنَدٍ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّفِيعِ أَنَّهُ لَمْ يُحْكَمْ بِهَا حِينَ نَزَلَتْ انْتَهَى وَهَذَا الْمَأْخَذُ أَنَا آخُذُ بِهِ فِي فَتْوَايَ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَأَقُولُ مَا نَصُّهُ: قَدْ وَرَدَ الْخَبَرُ: «مَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُحِقٌّ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ» وَبِحَمْدِ اللَّهِ هَذِهِ نَازِلَةٌ لَيْسَتْ بِرِبَوِيَّةٍ، وَلَا حُرَّ فِيهَا يُسْتَعْبَدُ وَلَا فَرْجَ يُسْتَبَاحُ بِحَرَامٍ،
وَمَنْ تَرَكَ حَقَّهُ فِيهَا لِلَّهِ كَانَ لَهُ هَذَا الثَّوَابُ فِي الْآخِرَةِ، وَهَذَا أَعْوَدُ عَلَيْهِ نَفْعًا مِنْ وُصُولِهِ لِحَقِّهِ فِي الدُّنْيَا، وَقَدْ وَرَدَ الْخَبَرُ:«مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ» فَأَرْجُو مِثْلَ هَذَا الْأَجْرِ بِفَتْوَايَ لِأَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ بِتَرْكِ الْمِرَاءِ وَالشَّرِّ وَمِنْ نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ إذَا اتَّفَقَ الْجِيرَانُ عَلَى حَرْسِ حَوَانِيتِهِمْ، أَوْ كُرُومِهِمْ، أَوْ جَنَّاتِهِمْ فَأَبَى بَعْضُهُمْ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا يَنُوبُهُ وَيُجْبَرُ. قَالَ: وَهَذَا
بِخِلَافِ الْأُجْرَةِ عَلَى الصَّلَاةِ لِلْإِمَامِ، مَنْ أَبَاهَا لَا يُجْبَرُ وَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهَا لِأَنَّهَا فِي أَصْلِهَا مَكْرُوهَةٌ، انْتَهَى وَسُئِلَ الْأُسْتَاذُ السَّرَقُسْطِيُّ عَنْ إمَامٍ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ، هَلْ لَهُ مِنْ غَلَّةِ الزَّيْتُونِ شَيْءٌ.؟ .
فَأَجَابَ مَا يَأْخُذُهُ عَلَى الْإِمَامَةِ مِنْ أَحْبَاسِهِ، أَوْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إجَارَةٌ لَهُ عَلَى عَمَلِهِ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُهَا ثَمَرَةً لَمْ تُخْلَقْ، أَوْ خُلِقَتْ وَلَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا،
فَإِنْ وَقَعَ عَقْدُهُ عَلَى ذَلِكَ فُسِخَ،
وَإِنْ لَمْ يَعْثُرْ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الْعَمَلِ فَيَرُدُّ قِيمَةَ مَا أَخَذَ، أَوْ مِثْلَهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا. وَذَكَرَ لَهُ أَنَّ مَسْجِدَ مِصْدَعِ بْنِ دَحْمُونٍ اسْتَحَقَّ أَهْلُهُ كَرْمًا حَبْسًا عَلَى إمَامِهِ مُنْذُ سِنِينَ، وَوَجَبَ فِيهِ غُرْمُ غَلَّاتِ السِّنِينَ كُلِّهَا فَأَفْتَيْتُ أَنَا وَعِنْدِي أَنَّهَا مُعَيَّنَةٌ لِلْإِمَامِ فَتُفَضُّ عَلَى الْأَئِمَّةِ الَّذِي أَمُّوا بِالْمَسْجِدِ تِلْكَ السِّنِينَ. وَأَفْتَى هُوَ أَنْ لَيْسَ لِلْأَئِمَّةِ فِيهَا حَقٌّ، وَأَمَرَ بِإِضَافَتِهَا لِنَظَرِ الْمُقَدَّمِ يَسْتَأْجِرُ مِنْهَا لِمَا يَأْتِي مِنْهَا.
وَقَالَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا نَصُّهُ: تُقْسَمُ غَلَّةُ الزَّيْتُونِ عَلَى الْعَامِ نَفْسِهِ، وَيَأْخُذُ كُلُّ إمَامٍ بِقَدْرِ مَا خَدَمَ، وَلَا شَيْءَ لِلْإِمَامِ فِي الْعَامِ قَبْلُ ابْنُ يُونُسَ: جَازَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى الْأَذَانِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْإِتْيَانُ بِهِ وَهُوَ عَمَلٌ بِكُلْفَةٍ،
فَإِذَا جَمَعَ مَعَ ذَلِكَ الصَّلَاةَ فَإِنَّمَا الْأَجْرُ عَلَى الْأَذَانِ خَاصَّةً، وَأَجَازَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْإِجَارَةَ عَلَى الصَّلَاةِ، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّهُ تَكَلَّفَ الصَّلَاةَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَالْإِتْيَانَ إلَيْهِ وَالِاهْتِمَامَ بِهِ فَلَهُ أُجْرَةٌ فِي ذَلِكَ،
فَإِذَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَى الْأَذَانِ وَالصَّلَاةِ جَمِيعًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ فَتَخَلَّفَ عَنْ الصَّلَاةِ خَاصَّةً لِعُذْرٍ مِنْ سَلَسٍ وَنَحْوِهِ فَقِيلَ: لَا يَسْقُطُ مِنْ الْإِجَارَةِ حِصَّةُ الصَّلَاةِ كَمَالِ الْعَبْدِ وَثَمَرِ النَّخْلِ الَّذِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ، لَا يَجُوزُ عَلَى الِانْفِرَادِ
وَيَجُوزُ إذَا جَمَعَ. وَقِيلَ: بَلْ تَسْقُطُ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَلَى الصَّلَاةِ إنَّمَا هِيَ مَكْرُوهَةٌ فَإِذَا نَزَلَتْ مَضَتْ، وَمَالُ الْعَبْدِ وَثَمَرُ النَّخْلِ لَا يَجُوزُ إذَا انْفَرَدَ بِإِجْمَاعٍ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ اشْتَرَى نَخْلًا وَفِيهَا ثَمَرٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ فَرَدَّهَا بِعَيْبٍ بَعْدَ هَلَاكِ الثَّمَرَةِ؛ فَابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ: يَرُدُّ النَّخْلَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيمَا هَلَكَ مِنْ الثَّمَرَةِ،
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُؤَذِّنِ يَلْزَمُهُ إذَا تَعَطَّلَ عَنْ الصَّلَاةِ أَنْ لَا يُحَاصَّ بِشَيْءٍ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْأَذَانِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَقُولُ: لَا يَرُدُّ الْأُصُولَ حَتَّى يَرُدَّ مَعَهُ مَا يَخُصُّ الثَّمَرَةَ فَيَجِبُ عَلَى هَذَا: أَنْ يُحَاصَّ الْمُؤَذِّنُ بِحِصَّةِ الصَّلَاةِ عَبْدُ الْحَقِّ: الْإِجَارَةُ عَلَى الصَّلَاةِ وَحْدَهَا مَكْرُوهَةٌ لَا مُحَرَّمَةٌ. عِيَاضٌ: نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْإِجَارَةَ عَلَى إمَامَةِ الْفَرْضِ لَا تَجُوزُ. وَحَمَلَهَا الْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا تَجُوزُ تَبَعًا لِلْأَذَانِ. ابْنُ فَتُّوحٍ: إنْ غَابَ الْإِمَامُ، أَوْ الْمُؤَدِّبُ فِي حَاجَتِهِ الْجُمُعَةَ وَنَحْوَهَا فَلَا بَأْسَ،
وَإِنْ طَالَ مَغِيبُهُ فَلِأَهْلِ الْمَسْجِدِ تَوْقِيفُ الْإِمَامِ وَالْمُعَلِّمِ بِمَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يُحَطُّ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ شَيْءٌ،
وَكَذَا إنْ مَرِضَ الْأَيَّامَ الْيَسِيرَةَ،
وَلَوْ طَالَ مَرَضُهُ، أَوْ مَغِيبُهُ سَقَطَ مِنْ أَجْرِهِ مَنَابُ ذَلِكَ. ابْنُ عَرَفَةَ: يُرِيدُ بِالطُّولِ أَوَّلًا ابْتِدَاءً وَثَانِيًا تَمَامَهُ، وَلَا تَنَاقُضَ وَرَوَى أَشْهَبُ: الِاسْتِئْجَارُ لِقِيَامِ رَمَضَانَ مُبَاحٌ،
وَإِنْ كَانَ بَأْسٌ فَعَلَى الْإِمَامِ. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ مَكْرُوهٌ. وَرَوَى عَلِيٌّ: لَا بَأْسَ بِالْإِجَارَةِ عَلَى الْفَرْضِ لَا النَّفْلِ. ابْنُ رُشْدٍ: لِعَدَمِ لُزُومِهِ وَلُزُومِ الْفَرْضِ فَكَأَنَّ الْعِوَضَ لَيْسَ عَنْهُ ابْنُ شَاسٍ: اخْتَلَفُوا فِي الْإِجَارَةِ عَلَى غَيْرِ الْأَذَانِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ سَنَدٌ: اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الرِّزْقِ. ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ مِنْ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، إنَّهَا أُجْرَةٌ، خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِجَارَةٍ، وَاخْتُلِفَ فِي كَوْنِ الْأَحْبَاسِ عَلَيْهَا إجَارَةً أَوْ إعَانَةً؟
.
وَفُهِمَ كَوْنُهَا إجَارَةً مِنْ قَوْلِ الْمُوَثِّقِينَ فِي اسْتِئْجَارِ النَّاظِرِ فَلَعَلَّهُ فِيمَا حُبِسَ يَسْتَأْجِرُ مِنْ غَلَّتِهِ، وَأَحْبَاسُ زَمَنِنَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ إنَّمَا هِيَ عَطِيَّةٌ لِمَنْ قَامَ بِتِلْكَ الْمُؤْنَةِ، انْتَهَى اُنْظُرْ أَحْبَاسَ بَلَدِنَا قَطُّ مَا هُوَ يَحْبِسُ الْمُحْبِسُ الْأَعْلَى مَنْ يُقَوِّمُ تِلْكَ الْمُؤْنَةَ لَا لِيَسْتَأْجِرَ مِنْ فَائِدِ الْحَبْسِ بِمَا يُقَدَّرُ وَيُسْتَفْضَلُ مِنْهُ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحُكْمُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الْخَامِسَ عَشَرَ وَالْمِائَةِ وَقَدْ سَبَقَهُ بِهَذَا عِزُّ الدِّينِ قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِيبَ بِبَعْضِ الْمُرَتَّبِ وَيُمْسِكَ بَاقِيَهُ قَالَ: وَالْقَائِمُ بِالْوَظِيفِ لَيْسَ بِنَائِبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَقِلٌّ يَجِبُ لَهُ مِنْ الْوَظِيفِ مَا يَخُصُّ زَمَنَ قِيَامِهِ بِالْوَظِيفِ إلَّا أَنَّ الْقَرَافِيَّ قَالَ: إنْ اسْتَنَابَ فِي أَيَّامِ الْأَعْذَارِ جَازَ أَنْ يُطْلِقَ لِنَائِبِهِ مَا أَحَبَّ مِنْ الْمُرَتَّبِ، فَكَذَلِكَ كَانَ بَعْضُ شُيُوخِي الْمُفْتِينَ يُفْتِي فِي ثَمَرِ الشَّجَرِ الَّتِي لَا تُؤْتِي أُكُلَهَا إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي عَامَيْنِ، أَنَّ ذَلِكَ الْفَائِدَ يُوَزَّعُ عَلَى الْعَامَيْنِ مَعًا، وَيَقْسِمُهُ الْقَائِمُونَ بِالْوَظِيفِ عَلَى حَسَبِ أَزْمِنَةِ قِيَامِهِمْ، وَتَقَدَّمَ فَتْوَى سَيِّدِي ابْنِ سِرَاجٍ: لَا شَيْءَ لِلْإِمَامِ فِي الْعَامِ قَبْلُ.
وَانْظُرْ بَعْدَ هَذَا فِي الْحَبْسِ عِنْدَ قَوْلِهِ:" وَلَا يُقْسَمُ إلَّا مَاضٍ زَمَنُهُ "
(ص) وَأُجْرَةٌ عَلَيْهِ أَوْ مَعَ صَلَاةِ (ش) أَيْ يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْأَذَانِ وَحْدَهُ أَوْ عَلَى الْإِقَامَةِ وَحْدَهَا أَوْ عَلَى أَحَدِهِمَا مَعَ الصَّلَاةِ فَرِيضَةً أَوْ نَافِلَةً وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْأُجْرَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ أَوْ مِنْ آحَادِ النَّاسِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَمَنَعَهَا ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ آحَادِ النَّاسِ عَلَى الْأَذَانِ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ أَوْ عَلَى الْإِقَامَةِ وَحْدَهَا) أَيْ أَوْ عَلَيْهِمَا مَعًا فَإِنَّهُ جَائِزٌ.
(قَوْلُهُ أَوْ عَلَى أَحَدِهِمَا مَعَ الصَّلَاةِ) أَيْ أَوْ هُمَا مَعًا مَعَ الصَّلَاةِ أَيْ وَكَانَ الْأَجْرُ إنَّمَا وَقَعَ عَلَى الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْقِيَامِ بِالْمَسْجِدِ لَا عَلَى الصَّلَاةِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَ) جَازَ لِلْمُؤَذِّنِ (أُجْرَةٌ عَلَيْهِ) أَيْ أَخْذُهَا عَلَى الْأَذَانِ وَحْدَهُ (أَوْ مَعَ صَلَاةٍ) إمَامًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ
وَكَذَا عَلَى إقَامَةٍ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ صَلَاةٍ أَوْ مَعَ أَذَانٍ مَعَ إقَامَةٍ أَوْ عَلَى الثَّلَاثَةِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ سَوَاءٌ كَانَتْ الْأُجْرَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ رِيعِ الْوَقْفِ أَوْ مِنْ النَّاسِ الْمُصَلِّينَ
وأجرة عليه يعني أنَّه يجوز أخذ الأجرة على الأذان. المازري: المشهور جواز الإجارة على الأذان، ومنعها ابن حبيب. الشيخ: عنه إنما كان إعطاء عمر عليه من مال الله كإجرائه للقضاة والولاة رزقا لهم. انتهى. وقوله: "وأجرة عليه" ،
وكذا الأجرة على الإقامة وحدها،
وكذا الأجرة على الأذان والإقامة معا،
فإن ذلك جائز. كما قاله الشيخ عبد الباقي. أو مع صلاة يعني أنَّه يجوز أخذ الأجرة على الأذان مع الإمامة،
وكذا يجوز أخذ الأجرة على الإقامة مع الإمامة،
وكذا يجوز أخذ الأجرة على الإقامة والأذان مع الإمامة. كما نص عليه الشيخ إبراهيم. وقوله: "أو مع صلاة" ؛ أي إمامة صلاة فرضا أو نفلا صفقة واحدة، وإنما جازت على الصلاة مع ما ذكر لأنها تبع له. فتأمل تلك الأقسام الستة الحسان. وما تقدم من شمول المصنف للفرض والنفل هو ظاهره، وهو قول ابن القاسم خلافا لتقييد التتائي بالمفروضة تبعًا لابن رشد وسواء كانت الأجرة من بيت المال كما فعل عمر، أو من آحاد الناس على المشهور،
ولو غاب إمام الصلاة، أو المودب الجمعةَ أو مرضها لم يسقط من أجره شيء،
وإن طال المغيب أو المرض سقط منابه من الأجر، ولأهل المسجد توقيفهما ابتداء، ومنعهما من المغيب الطويل. قاله ابن فتوح. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "أو المودب" لعله تصحيف من الناسخ للمؤذن. والله أعلم.
وإذا لم يجد أهل المصر من يؤذن إلا بأجرة، فإنهم يستأجرون من يؤذن لهم. قال الشيخ يوسف بن عمر: وتكون أجرته على أهل الموضع كلهم،
وكذلك من كان خارجا عنه وله رباع أو عقار بذلك الموضع. وهذا
بخلاف إجارة التعليم فإنها لا تجب إلا على من له صبي. انتهى. قاله الإمام الحطاب. ابن فتوح: روى أشهب الاستيجار لقيام رمضان مباح،
وإن كان بأس فعلى الإمام. وروى ابن القاسم: مكروه،
قال ابن عرفة: ومقتضاه الحكم بالأجرة إن فات العمل. وأخبرت أنها نزلت بأبي إسحاق بن عبد الرفيع، فلم يحكم للإمام بشيء. وروى علي: لا بأس بها على الفرض لا النفل. ابن رشد: لعدم لزومه ولزوم الفرض، فكأن العوض ليس عنه. ابن شأس: للإمام أن يستأجر على الأذان من بيت المال، واختلف في إجارة غيره. سند: اتفقوا على جواز الرزق، وفعله عمر. ابن رشد: أرزاق القضاة والولاة والمؤذنين من الطعام لا يجوز بيعها قبل قبضها؛
لأنها أجرة لهم على عملهم.
قلت: ظاهره خلاف ما تقدم لابن حبيب أن ذلك ليس بإجارة. انتهى. كلام ابن عرفة.
وقال الحطاب: الذي يظهر أنَّه لا معارضة بين كلام ابن رشد وابن حبيب؛ يعني حيث قال: تمنع الإجارة على الأذان إنما كان إعطاء عمر عليه من مال الله كإجرائه للقضاة والولاة رزقا،
ولا يجوز لهم من مال من حكموا له بالحق. انتهى. قال الحطاب معللا عدم المعارضة: لأنَّ مراد ابن رشد أنَّه أشبه الإجارة لكونه أخذ في مقابلة عمل، وقد قال ابن حبيب في الواضحة: وما يأخذه القضاة والمؤذنون وصاحب السوق من الطعام من باب المعاوضة فيمنع من بيعه قبل قبضه. انتهى. فتأمله منصفا. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.