إلَّا الشَّاهِدَ بِمَا فِي الْمَجْلِسِ وَمُوَجِّهَهُ وَمُزَكِّيَ السِّرِّ وَالْمُبَرِّزَ بِغَيْرِ عَدَاوَةٍ وَمَنْ يُخْشَى مِنْهُ
الشروح عليها
(إلَّا الشَّاهِدَ بِمَا) أَيْ بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ (فِي الْمَجْلِسِ) أَيْ مَجْلِسِ الْقَاضِي لِمُشَارَكَتِهِ لَهُمْ فِي سَمَاعِ الْإِقْرَارِ فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إعْذَارٍ فِي الشُّهُودِ الْحَاضِرِينَ إذْ لَوْ أَعْذَرَ فِيهِمْ لَلَزِمَ الْإِعْذَارُ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ لَا يُعْذِرُ فِي نَفْسِهِ. (و) إلَّا شَاهِدًا أَيْ جِنْسَهُ (مُوَجِّهَهُ) الْقَاضِي لِسَمَاعِ دَعْوَى أَوْ لِتَحْلِيفٍ أَوْ حِيَازَةٍ فَلَا إعْذَارَ فِيهِمْ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُمْ مَقَامَ نَفْسِهِ وَهُوَ لَا يُعْذِرُ فِي نَفْسِهِ. (وَ) إلَّا (مُزَكِّيَ السِّرِّ) أَيْ مُخْبِرَ الْقَاضِي سِرًّا بِعَدَالَةِ الشُّهُودِ فَلَا إعْذَارَ فِيهِ
وَكَذَا مُجَرِّحُهُمْ وَلَيْسَ عَلَى الْحَاكِمِ تَسْمِيَتُهُ وَلَوْ سُئِلَ عَمَّنْ عَدَّلَ أَوْ جَرَّحَ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ. (وَ) إلَّا (الْمُبَرِّزَ) أَيْ الْفَائِقُ فِي الْعَدَالَةِ لَا إعْذَارَ فِيهِ (بِغَيْرِ عَدَاوَةٍ) لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَيْ أَوْ قَرَابَةٍ لِلْمَشْهُودِ لَهُ
وَأَمَّا بِهِمَا فَيُعْذِرُ. (وَ) إلَّا مَنْ يُخْشَى (مِنْهُ) الضَّرَرُ عَلَى بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ عَلَيْهِ، أَوْ جُرِّحَتْ بَيِّنَتُهُ فَلَا إعْذَارَ إلَيْهِ فِيهَا بَلْ لَا تُسَمَّى لَهُ
(قَوْلُهُ: إلَّا الشَّاهِدَ إلَخْ) أَيْ فَإِذَا أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِحَقِّ الْمُدَّعِي فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَحْكُمُ بِلُزُومِ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِ إعْذَارٍ فِي الشُّهُودِ الشَّاهِدِينَ عَلَى الْإِقْرَارِ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ.
(قَوْلُهُ: لِمُشَارَكَتِهِ) أَيْ الْقَاضِي لَهُمْ أَيْ الشُّهُودِ فِي سَمَاعِ الْإِقْرَارِ وَهُوَ عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ فَلَا إعْذَارَ فِيهِمْ لِمُشَارَكَتِهِ لَهُمْ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: أَيْ جِنْسَهُ) أَيْ الصَّادِقَ بِاثْنَيْنِ.
(قَوْلُهُ: لِسَمَاعِ دَعْوَى) أَيْ فَإِذَا وَجَّهَهُمَا الْقَاضِي لِسَمَاعِ دَعْوَى مِنْ مَرِيضٍ، أَوْ مِنْ امْرَأَةٍ فَإِنَّهُ لَا يُعْذِرُ فِيهِمَا.
(قَوْلُهُ: أَوْ لِتَحْلِيفٍ) أَيْ تَحْلِيفِ امْرَأَةٍ، أَوْ مَرِيضٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْذِرَ لِطَالِبِ الْيَمِينِ فِي الشَّاهِدَيْنِ الْمُوَجَّهَيْنِ لَهُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ حِيَازَةٍ) أَيْ إنْ أَرْسَلَهُمَا الْقَاضِي لِحِيَازَةِ دَارٍ أُرِيدَ بَيْعُهَا عَلَى غَائِبٍ.
(قَوْلُهُ: أَيْ مُخْبِرَ الْقَاضِي سِرًّا بِعَدَالَةِ الشُّهُودِ) أَيْ الْمُلَازِمِينَ لَهُ لِسَمَاعِ إقْرَارِ الْخُصُومِ وَالشُّهُودِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عِنْدَهُ فِي الْوَقَائِعِ،
ثُمَّ إنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ " مُزَكِّيَ " فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يُقْرَأُ بِكَسْرِ الْكَافِ
وَيَصِحُّ قِرَاءَتُهُ بِفَتْحِهَا أَيْ الشَّاهِدَ الْمُزَكَّى سِرًّا وَعَلَى كِلَيْهِمَا فَالْإِضَافَةُ عَلَى مَعْنَى فِي وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَوْلَى؛ لِأَنَّ عَدَالَةَ الْمُزَكِّي بِالْكَسْرِ ثَابِتَةٌ بِعِلْمِ الْقَاضِي وَعَدَالَةَ الْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ ثَابِتَةٌ بِعِلْمِ الْمُزَكِّي لَا بِعِلْمِ الْقَاضِي وَحِينَئِذٍ فَعَدَالَةُ الْمُزَكِّي بِالْكَسْرِ أَقْوَى فَإِذَا لَمْ يُعْذِرْ فِي الْأَضْعَفِ لَا يُعْذِرُ فِي الْأَقْوَى مِنْ بَابِ أَوْلَى وَحِينَئِذٍ فَالْفَتْحُ يُفِيدُ عَدَمَ الْإِعْذَارِ فِي الْمُزَكِّي بِالْكَسْرِ
وَأَمَّا قِرَاءَتُهُ بِالْكَسْرِ فَلَا تُفِيدُ عَدَمَ الْإِعْذَارِ فِيمَنْ زَكَّاهُ قَالَهُ الْمِسْنَاوِيُّ اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا مُجَرِّحُهُمْ) أَيْ لَا إعْذَارَ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ سُئِلَ عَمَّنْ عَدَّلَ إلَخْ) يَعْنِي لَوْ سَأَلَ الْمَطْلُوبُ الْقَاضِيَ عَمَّنْ زَكَّى بَيِّنَةَ الطَّالِبِ وَعَدَّلَهَا، أَوْ سَأَلَ الطَّالِبُ عَمَّنْ جَرَّحَ بَيِّنَتَهُ وَالْحَالُ أَنَّ الْمُزَكِّيَ لِلْأُولَى وَالْمُجَرِّحَ لِلثَّانِيَةِ مُزَكِّي السِّرِّ فَلَا يَلْزَمُ الْقَاضِيَ أَنْ يُسَمِّيَهُ لَهُ وَلَا يَلْتَفِتَ لِسُؤَالِ ذَلِكَ السَّائِلِ بِذِكْرِ الْمُعَدِّلِ أَوْ الْمُجَرِّحِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يُقِيمُ لِذَلِكَ إلَّا مَنْ يَثِقُ بِهِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْفَائِقَ) أَيْ لِأَقْرَانِهِ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا بِهِمَا فَيُعْذِرُ) أَيْ بِأَنْ يُقَالَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَلَك مَطْعَنٌ فِيهِ بِعَدَاوَةٍ لَك، أَوْ بِقَرَابَةٍ لِلْمُدَّعِي فَإِنْ قَدَحَ فِيهِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا قُبِلَ قَدَحُهُ وَإِنْ قَدَحَ فِيهِ بِغَيْرِهِمَا كَأَكْلٍ فِي سُوقٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يُقْبَلْ قَدَحُهُ وَلَوْ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُبَرِّزَ لَا يُسْمَعُ الْقَدَحُ فِيهِ إلَّا بِالْعَدَاوَةِ، أَوْ الْقَرَابَةِ
وَأَمَّا بِغَيْرِهِمَا فَلَا يُسْمَعُ الْقَدَحُ بِهِ فِيهِ
وَأَمَّا مَا قَبْلَ الْمُبَرِّزِ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ لَا يُقْبَلُ الْقَدَحُ فِيهِ بِأَيِّ قَادِحٍ كَانَ وَلَوْ بِعَدَاوَةٍ، أَوْ قَرَابَةٍ.
(قَوْلُهُ: فَلَا إعْذَارَ إلَيْهِ فِيهَا بَلْ لَا تُسَمَّى لَهُ) مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ عَدَمِ الْإِعْذَارِ هُوَ قَوْلُ الْقَاضِي ابْنِ بَشِيرٍ أَحَدِ تَلَامِذَةِ الْإِمَامِ وَهُوَ غَيْرُ ابْنِ بَشِيرٍ تِلْمِيذِ الْمَازِرِيِّ وَلَفْظُ ابْنِ يُونُسَ صَرِيحٌ فِي خِلَافِهِ وَنَصُّهُ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَشْهَدُ الشُّهُودُ عِنْدَ الْقَاضِي سِرًّا وَإِنْ خَافُوا مِنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَهُمْ؛ إذْ لَا بُدَّ أَنْ يُعَرِّفَهُ بِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَيُعْذِرَ إلَيْهِمْ فِيهِمْ فَلَعَلَّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ حُجَّةٌ وَمِثْلُ مَا لِابْنِ يُونُسَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ بَشِيرٍ هَذَا خِلَافُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُصَنِّفُ أَتَى بِهِ جَمْعًا لِلنَّظَائِرِ فَقَطْ اُنْظُرْ طفى وبن وَقَدْ يُجَابُ عَنْ تَضْعِيفِهِمْ قَوْلَ ابْنِ بَشِيرٍ بِأَنَّهُ وَإِنْ قَالَ بِعَدَمِ الْإِعْذَارِ لِمَنْ يُخْشَى مِنْهُ عَلَى الْبَيِّنَةِ لَكِنَّهُ يَقُولُ إنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ لَا يُهْمِلَ حَقَّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ مِنْ التَّفْتِيشِ عَنْ حَالِ الشُّهُودِ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ يَتَنَزَّلُ فِي السُّؤَالِ عَنْهُمْ مَنْزِلَةَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَحِينَئِذٍ فَالْمَقْصُودُ مِنْ الْإِعْذَارِ إلَيْهِ حَاصِلٌ بِغَيْرِهِ مَعَ الْأَمْنِ عَلَى الْبَيِّنَةِ.
ص (وَمُوَجِّهِهِ) ش: وَكَذَا لَا إعْذَارَ فِيمَنْ يُوَجِّهُهُ الْقَاضِي فِي الْإِعْذَارِ إلَى شَخْصٍ أَوْ غَيْرِهِ،
قَالَ فِي تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ:(مَسْأَلَةٌ) قَالَ أَبُو إبْرَاهِيمَ وَلَا يُعْذِرُ الْقَاضِي فِيمَنْ أَعْذَرَ بِهِ إلَى مَشْهُودٍ عَلَيْهِ مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ مَرِيضٍ لَا يَخْرُجَانِ (مَسْأَلَةٌ) وَلَا يُعْذِرُ فِي الشَّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ يُوَجِّهُهُمَا لِحُضُورِ حِيَازَةِ الشُّهُودِ لِمَا شَهِدُوا فِيهِ مِنْ دَارٍ أَوْ عَقَارٍ وَقَالَ ابْنُ سَرَّى: سَأَلْت ابْنَ عَتَّابٍ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَا إعْذَارَ فِيمَنْ وُجِّهَ لِلْإِعْذَارِ
وَأَمَّا الْمُوَجَّهَانِ لِلْحِيَازَةِ فَيُعْذَرُ فِيهِمَا وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِمَا.
(مَسْأَلَةٌ) وَكَذَلِكَ الشَّاهِدَانِ الْمُوَجَّهَانِ لِحُضُورِ الْيَمِينِ لَا يُحْتَاجُ إلَى تَسْمِيَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا إعْذَارَ فِيهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْقَوْلِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ أَقَامَهُمَا مَقَامَ نَفْسِهِ
وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ الْإِعْذَارِ فِيهِمَا. (مَسْأَلَةٌ)
وَكَذَلِكَ الشُّهُودُ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ تَطْلِيقَ الْمَرْأَةِ وَأَخْذَهَا بِشَرْطِهَا فِي مَسَائِلِ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ لَا يُحْتَاجُ إلَى تَسْمِيَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا إعْذَارَ فِيهِمْ، انْتَهَى. قَالَ وَالِدِي - حَفِظَهُ اللَّهُ - وَلَعَلَّ الْمُؤَلِّفَ أَشَارَ إلَى جَمِيعِ ذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَهُ بِقَوْلِهِ: وَمُوَجِّهُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(إلَّا لِشَاهِدٍ بِمَا فِي الْمَجْلِسِ وَمُوَجِّهُهُ وَمُزَكِّي السِّرِّ وَالْمُبْرِزِ بِغَيْرِ عَدَاوَةٍ وَمَنْ يُخْشَى مِنْهُ)
أَمَّا الْفَرْعُ الْأَوَّلُ فَقَالَ ابْنُ سَهْلٍ: مَا انْعَقَدَ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي بِمَا أَقَرَّ لَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ لَا إعْذَارَ فِيهِ.
وَقَدْ أَسْقَطَ مَالِكٌ الْإِعْذَارَ فِيمَنْ عَدَلَ عِنْدَ الْقَاضِي، فَكَيْفَ بِهِ فِيمَنْ هُوَ عِنْدَهُ عَدْلٌ وَشَهِدَ عِنْدَهُ بِمَا سَمِعَ فِي مَجْلِسِهِ.
وَأَمَّا أَنَّهُ لَا إعْذَارَ فِي الْفَرْعِ الثَّانِي فَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ: لَا إعْذَارَ فِيمَنْ يُوَجِّهُهُ الْحَاكِمُ قِبَلَ نَفْسِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَاتٍ: لَا إعْذَارَ فِيمَنْ يُوَجِّهُهُ الْحَاكِمُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَاتٍ: لَا إعْذَارَ فِيمَنْ وُجِّهَ لِلْإِعْذَارِ.
قَالَ أَبُو إبْرَاهِيمَ: لَا إعْذَارَ فِيمَنْ أَعْذَرَ بِهِ إلَى مَشْهُودٍ عَلَيْهِ مِنْ امْرَأَةٍ لَا تَخْرُجُ أَوْ مَرِيضٍ كَذَلِكَ،
وَأَمَّا أَنَّهُ لَا إعْذَارَ فِي مُزَكِّي السِّرِّ فَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ تَعْدِيلُ السِّرِّ يَفْتَرِقُ مِنْ الْعَلَانِيَةِ أَنَّهُ لَا إعْذَارَ فِيهِ،
وَأَمَّا أَنَّهُ لَا إعْذَارَ فِي الْمُبْرِزِ فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: يُسْمَعُ الْجَرْحُ فِي الْمُتَوَسِّطِ الْعَدَالَةِ مُطْلَقًا.
وَفِي الْمُبْرِزِ: تَجْرِيحُ الْعَدَاوَةِ أَوْ الْقَرَابَةِ وَشَبَهِهَا.
وَأَمَّا أَنَّهُ لَا إعْذَارَ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يُخْشَى مِنْهُ فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: مِنْ حَقِّ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ لَهُ أَنْ يَعْلَمَا بِالْجَرْحِ إذْ قَدْ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ قَرَابَةٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ التَّجْرِيحَ وَيَخْتَلِفُ إنْ كَانَ الشَّاهِدُ وَالْمَشْهُودُ لَهُ مِمَّنْ يَتَّقِي شَرَّهُ.
(ص) إلَّا الشَّاهِدَ بِمَا فِي الْمَجْلِسِ وَمُوَجِّهَهُ وَمُزَكِّيَ السِّرِّ وَالْمُبَرِّزَ بِغَيْرِ عَدَاوَةٍ وَمَنْ يُخْشَى مِنْهُ (ش) هَذِهِ مَسَائِلُ خَمْسٌ مُسْتَثْنَاةٌ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الْإِعْذَارُ مِنْهَا إذَا أَقَرَّ الْخَصْمُ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي بِحَقٍّ لِخَصْمِهِ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ فَإِنَّهُ يَقْضِي عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ وَلَا يُعْذَرُ إلَيْهِ فِي الشُّهُودِ الَّذِينَ سَمِعُوا إقْرَارَهُ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي لِمُشَارَكَةِ الْقَاضِي لِلْبَيِّنَةِ فِي الْعِلْمِ
فَلَوْ أَعْذَرَ فِي ذَلِكَ لَكَانَ إعْذَارًا فِي نَفْسِهِ وَهُوَ لَا يُعْذَرُ فِي نَفْسِهِ وَيُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِ الْحَطَّابِ أَنَّ مَنْ لَا إعْذَارَ لَهُ فِيهِ لَا يَلْزَمُ الْقَاضِيَ تَسْمِيَتُهُ فَإِنَّهُ قَالَ مَسْأَلَةٌ
وَكَذَلِكَ الشَّاهِدَانِ الْمُوَجَّهَانِ لِحُضُورِ الْيَمِينِ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَسْمِيَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا إعْذَارَ فِيهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ أَقَامَهُمَا مَقَامَ نَفْسِهِ وَمِنْهَا مُزَكِّي السِّرِّ وَهُوَ مَنْ يُخْبِرُ الْقَاضِيَ فِي السِّرِّ بِحَالِ الشُّهُودِ مِنْ عَدَالَةٍ أَوْ جَرْحٍ لَا يُعْذَرُ فِيهِ وَلَوْ سَأَلَ الطَّالِبُ الْمُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَمَّنْ جَرَحَهَا لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ،
وَكَذَلِكَ لَوْ سَأَلَ الْمَطْلُوبُ عَمَّنْ زَكَّى بَيِّنَةَ الطَّالِبِ فَإِنَّهُ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقِيمُ لِذَلِكَ إلَّا مَنْ يَثِقُ بِهِ فَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَ الْقَاضِي فَلَا يُعْذَرُ فِي نَفْسِهِ فَمُزَكِّي بِكَسْرِ الْكَافِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْمُزَكِّي هُوَ الشَّاهِدُ وَاقْتَصَرَ الْبِسَاطِيُّ عَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يُعْذَرُ فِيمَنْ زَكَّاهُ الْمُزَكِّي الْمَذْكُورُ أَيْضًا،
وَأَمَّا قِرَاءَتُهُ بِالْفَتْحِ فَيُفِيدُ أَنَّ مَنْ زَكَّاهُ مُزَكِّي السِّرِّ لَا يُعْذَرُ فِيهِ وَلَا يُفِيدُ أَنَّ مَنْ يُزَكِّي غَيْرَهُ سِرًّا لَا يُعْذَرُ فِيهِ وَجَعَلَ الزَّرْقَانِيُّ الْمُزَكِّيَ شَامِلًا لِمَنْ يُخْبِرُهُ بِالْجَرْحِ إخْرَاجٌ لِلَّفْظِ عَنْ مَوْضُوعِهِ وَمِنْهَا أَنَّ الشَّاهِدَ الْمُبَرِّزَ فِي الْعَدَالَةِ أَيْ الْفَائِقُ أَقْرَانِهِ فِيهَا لَا يُعْذَرُ فِيهِ لِغَيْرِ الْعَدَاوَةِ وَيُعْذَرُ فِيهِ فِيهَا،
وَمِثْلُهَا الْقَرَابَةُ وَمِنْهَا أَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ يُخْشَى مِنْهُ عَلَى مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يُعْذَرُ إلَيْهِ فِيمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ، فَقَوْلُهُ وَمَنْ يُخْشَى مِنْهُ أَيْ وَشَاهِدُ مَنْ يُخْشَى مِنْهُ وَبِعِبَارَةٍ أَيْ وَالشَّاهِدُ عَلَى مَنْ يُخْشَى مِنْهُ لَا يُسَمِّي لَهُ
(قَوْلُهُ: إلَّا الشَّاهِدَ بِمَا فِي الْمَجْلِسِ) ابْنُ مَرْزُوقٍ وَصَوَابُ الْعِبَارَةِ بِمَا فِي عِلْمِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَجْلِسِ.
(قَوْلُهُ: لِحُضُورِ الْيَمِينِ) أَيْ مَثَلًا أَيْ أَوْ لِحِيَازَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوَجِّهُ إلَّا مَنْ يَعْلَمُ عَدَالَتَهُ
بِخِلَافِ الشُّهُودِ الَّذِينَ يُحْضِرُهُمْ الْمُدَّعِي غَيْرُ الْمُلَازِمِينَ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِعْذَارِ فِيهِمْ.
(قَوْلُهُ: لَا يَحْتَاجُ إلَى تَسْمِيَتِهَا) أَيْ لِلْمُدَّعِي.
(قَوْلُهُ: بِحَالِ الشُّهُودِ) أَيْ الْمُلَازِمِينَ لَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ: لَا يُعْذَرُ فِيهِ) أَيْ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْمُزَكَّى بِفَتْحِ الْكَافِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يُقِيمُ لِذَلِكَ) أَيْ لِلتَّزْكِيَةِ سِرًّا.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُفِيدُ أَنَّ مَنْ يُزَكِّي غَيْرَهُ) وَهُوَ الْمُزَكِّي بِكَسْرِ الْكَافِ،
وَالْحَاصِلُ أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَتْحِ لَا تُفِيدُ إلَّا عَدَمَ الْإِعْذَارِ فِي الْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ فَقَطْ وَلَا يَلْزَمُ عَدَمُ الْإِعْذَارِ فِي الْمُزَكِّي بِالْكَسْرِ
بِخِلَافِ قِرَاءَةِ الْكَسْرِ فَإِنَّهَا تُفِيدُ الْأَمْرَيْنِ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ وَبَعْدَ هَذَا كُلِّهِ فَأَقُولُ فِي كَلَامِهِ نَظَرٌ بَلْ يُفِيدُ؛ لِأَنَّ عَدَالَةَ مُزَكِّي السِّرِّ بِالْكَسْرِ ثَابِتَةٌ بِعِلْمِ الْقَاضِي فَهِيَ قَوِيَّةٌ وَعَدَالَةُ الْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ لَيْسَتْ ثَابِتَةً بِعِلْمِ الْقَاضِي بَلْ بِعِلْمِ مَنْ زَكَّاهُ الْقَاضِي فَهِيَ ضَعِيفَةٌ فَإِذَا كَانَ لَا يُعْذَرُ إلَيْهِ فِي الضَّعِيفِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يُعْذَرَ إلَيْهِ فِي الْقَوِيِّ قَوْلُهُ: إخْرَاجُ اللَّفْظِ عَنْ مَوْضُوعِهِ) أَيْ لِأَنَّ الْمَوْضُوعَ فِي التَّزْكِيَةِ فَكَيْفَ يَشْمَلُ التَّجْرِيحَ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إنَّهُ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ لَا مِنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ.
(قَوْلُهُ: وَمِثْلُهَا الْقَرَابَةُ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِعْذَارَ بِالْعَدَاوَةِ وَالْقَرَابَةِ قَاصِرٌ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُبَرِّزِ،
وَأَمَّا مَا قَبْلَهُ فَلَا يُعْذَرُ فِيهِ لَا بِعَدَاوَةٍ وَلَا بِقَرَابَةٍ وَلَا بِغَيْرِهِمَا.
(قَوْلُهُ: لَا يُعْذَرُ إلَيْهِ فِيمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ) أَيْ بِحَقٍّ
وَكَذَا بِبَيِّنَةٍ شَهِدَتْ بِتَجْرِيحِ بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ لَهُ لَا يُعْذَرُ لَهُ فِيهَا.
(قَوْلُهُ: لَا يُسَمَّى لَهُ فِيهَا) أَيْ حَيْثُ لَا تُسَمَّى فَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُهْمِلَ حَقَّهُ فِي تَفْتِيشِ حَالِ الشُّهُودِ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِي السُّؤَالِ لَهُمْ وَلَوْ قِيلَ بِتَحْلِيفِ الْمَشْهُودِ لَهُ مَعَ بَيِّنَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الدَّعْوَى عَلَى صَغِيرٍ وَغَائِبٍ لَكَانَ حَسَنًا .
(إلَّا الشَّاهِدَ بِمَا) حَصَلَ (فِي الْمَجْلِسِ) لِلْقَضَاءِ مِنْ إقْرَارٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يُعْذَرُ فِيهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَمُوَجِّهَهُ، وَمُزَكَّى السِّرِّ، وَالْمُبَرِّزَ بِغَيْرِ عَدَاوَةٍ وَمَنْ يُخْشَى مِنْهُ [منح الجليل] لِمُشَارَكَةِ الْقَاضِي لَهُ فِي الْعِلْمِ،
فَلَوْ أَعْذَرَ فِيهِ لَا عُذْرَ فِي نَفْسِهِ وَبِهِ مَضَى أَهْلُ الْعَمَلِ. ابْنُ سَهْلٍ مَا حَصَلَ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي مِنْ الْإِقْرَارِ بَيْنَ يَدَيْهِ لَا إعْذَارَ فِي الشَّاهِدِ بِهِ، وَقَدْ أَسْقَطَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْإِعْذَارَ فِيمَنْ عَدَلَ عِنْدَ الْقَاضِي فَكَيْفَ بِهِ فِيمَنْ عَدَلَ عِنْدَهُ، وَشَهِدَ عِنْدَهُ بِمَا سَمِعَهُ فِي مَجْلِسِهِ. (وَ) إلَّا (مُوَجَّهَهُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَالْجِيمِ مُثَقَّلًا، أَيْ الشَّاهِدَ الَّذِي وَجَّهَهُ وَأَرْسَلَهُ الْقَاضِي لِسَمَاعِ دَعْوًى أَوْ جَوَابِ مُخَدَّرَةٍ أَوْ مَرِيضٍ أَوْ حِيَازَةِ عَقَارٍ.
الْمُتَيْطِيُّ أَبُو إبْرَاهِيمَ لَا إعْذَارَ فِيمَنْ أَعْذَرَ بِهِ إلَى مَشْهُودٍ عَلَيْهِ مِنْ امْرَأَةٍ لَا تَخْرُجُ أَوْ مَرِيضٍ، كَذَلِكَ ابْنُ سَهْلٍ سَأَلْت ابْنَ عَتَّابٍ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَا إعْذَارَ فِيمَنْ وَجَّهَ لِلْإِعْذَارِ (وَ) إلَّا (مُزَكَّى) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَالْكَافِ مُثَقَّلَةً، أَيْ الشَّاهِدَ الَّذِي زَكَّاهُ عِنْدَ الْقَاضِي الْعُدُولُ فِي (السِّرِّ) فَلَا يُعْذَرُ فِيهِ. وَتَقْرِيرُ الْبِسَاطِيِّ يُفِيدُ أَنَّهُ بِكَسْرِ الْكَافِ أَيْ الْعَدْلَ الَّذِي اتَّخَذَهُ الْقَاضِي لِلتَّزْكِيَةِ فِي لِلسِّرِّ.
ابْنُ رُشْدٍ تَعْدِيلُ السِّرِّ يَفْتَرِقُ مِنْ تَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ فِي أَنَّهُ لَا إعْذَارَ فِيهِ. فِي الْخَرَشِيِّ وعب أَنَّ كَسْرَ الْكَافِ أَوْلَى مِنْ فَتْحِهَا لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ الْكَسْرِ عَدَمُ الْإِعْذَارِ فِي مُزَكَّاهُ،
بِخِلَافِ الْفَتْحِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ عَدَمُ الْإِعْذَارِ فِي الْمُزَكِّي بِالْكَسْرِ. الْمِسْنَاوِيُّ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الظَّاهِرُ الْعَكْسُ فَالْفَتْحُ أَوْلَى لِأَنَّ عَدَالَةَ الْمُزَكِّي بِالْكَسْرِ هِيَ بِعِلْمِ الْقَاضِي وَعَدَالَةَ مُزَكَّاهُ بِالْفَتْحِ هِيَ بِعِلْمِ الْمُزَكِّي لَا بِعِلْمِ الْقَاضِي، فَعَدَالَةُ الْمُزَكِّي بِالْكَسْرِ أَقْوَى،
فَإِذَا لَمْ يُعْذَرْ فِي الْأَضْعَفِ فَلَا يُعْذَرُ فِي الْأَقْوَى بِالْأَوْلَى. (وَ) إلَّا الشَّاهِدَ (الْمُبَرِّزَ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، أَيْ الزَّائِدَ عَلَى أَقْرَانِهِ فِي الْعَدَالَةِ فَلَا يُعْذَرُ فِيهِ (بِغَيْرِ عَدَاوَةٍ) لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَقَرَابَةٍ لِلْمَشْهُودِ لَهُ، وَمَفْهُومُهُ الْإِعْذَارُ فِي الْمُبَرِّزِ بِالْعَدَاوَةِ وَالْعَرَابَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ. اللَّخْمِيُّ يُسْمَعُ الْجُرْحُ فِي الْمُتَوَسِّطِ فِي الْعَدَالَةِ مُطْلَقًا.
وَفِي الْمُبَرِّزِ تَجْرِيحُ الْعَدَاوَةِ وَالْقَرَابَةِ وَشَبَهِهِمَا (وَ) إلَّا الشَّاهِدَ عَلَى (مَنْ) أَيْ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ (يُخْشَى) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ (مِنْهُ) أَيْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ضَرَرٌ لِلشَّاهِدِ عَلَيْهِ فَلَا يُعْذَرُ لَهُ فِيهِ وَأَنْظَرَهُ لَهَا بِاجْتِهَادِهِ، [منح الجليل] وَلَا يَذْكُرُ لَهُ اسْمَهُ. قَالَ الْقَاضِي ابْنُ بَشِيرٍ لَمَّا سَأَلَهُ الْوَزِيرُ عَمَّنْ شَهِدَ عَلَيْهِ مِثْلُك لَا يُخْبِرُ بِذَلِكَ. اللَّخْمِيُّ يُسْتَحَبُّ كَوْنُ التَّجْرِيحِ سِرًّا إلَّا إنْ كَانَ الشَّاهِدُ أَوْ الْمَشْهُودُ لَهُ مِمَّنْ يُتَّقَى شَرُّهُ. طفي لَمَّا تَكَلَّمَ فِي التَّوْضِيحِ عَلَى الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا إعْذَارَ فِيهَا قَالَ وَتُزَادُ سَادِسَةٌ، نُقِلَتْ عَنْ ابْنِ بَشِيرٍ الْقَاضِي وَذَكَرَ حِكَايَتَهُ، ثُمَّ قَالَ وَإِنْ كَانَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُخْبِرُهُ بِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَبِالشَّهَادَةِ فَلَعَلَّ عِنْدَهُ حُجَّةٌ وَإِلَّا حَكَمَ عَلَيْهِ.
اهـ. فَقَدْ اعْتَرَفَ كَمَا تَرَى أَنَّ قَضِيَّةَ ابْنِ بَشِيرٍ الْقَاضِي خِلَافُ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَنَّهُ إنَّمَا أَتَى بِهَا جَمْعًا لِلنَّظَائِرِ فَقَطْ، فَالدَّرَكُ عَلَيْهِ حَيْثُ اعْتَمَدَ فِي مُخْتَصَرِهِ الَّذِي جَعَلَهُ مُبَيِّنًا لِمَا بِهِ الْفَتْوَى خِلَافَ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَابْنُ بَشِيرٍ الْقَاضِي أَدْرَكَ مَالِكًا فَلَيْسَ هُوَ ابْنَ بَشِيرٍ تِلْمِيذَ الْمَازِرِيِّ. الْبُنَانِيُّ وَلَفْظُ ابْنِ يُونُسَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُ مَا لِابْنِ بَشِيرٍ، وَنَصُّهُ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَلَا يَشْهَدُ الشُّهُودُ عِنْدَ الْقَاضِي سِرًّا وَإِنْ خَافُوا مِنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَهُمْ، إذْ لَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَهُ الْقَاضِي بِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَيَعْذُرَ إلَيْهِ فِيهِ.
قَالَ وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي بَعَثَ مَنْ يَسْأَلُ عَنْهُمْ سِرًّا يُعْذَرُ فِيمَنْ عَدَّلَهُمْ.
إلا الشاهد بما في المجلس، هذا مستثنى من قوله: وأعذر بأبقيت لك حجة، يعني أن الشاهد بما في المجلس أي مجلس القاضي من إقرار وغيره لا يعذر فيه القاضي لمشاركته للشهود في العلم،
ولو أعذر فيهم لأعذر في حكم نفسه، بل نص ابن سهل على أن العدلين عند القاضي لا إعذار فيهما حتى في غير مجلسه. قاله عبد الباقي. وقوله: بل نص ابن سهل على أن العدلين لخ، قال بناني: المراد بالعدلين مزكَّى السر بالفتح وهو الآتي عند المص،
وفي التتائي: أن الشاهد بما في المجلس لا تشترط عدالته. وموجَّهَهُ، يعني أن من وجهه القاضي لتحليف أو إعذار، أو لحيازة ما شهد به عنده، أو للنظر في خراب موضع أو عمارته، أو تعديل بينة أو تجريحها، أو عيب، أو للشهادة على امرأة مخدرة، أو مريض لا يخرجان، أو نحو ذلك، فإنه لا إعذار فيه. قال عبد الباقي والشبراخيتي: ومما لا إعذار فيه شهود الإعذار ليلا يتسَلْسَل كما في العاصمية، قال بناني: قول الزرقاني: ومما لا إعذار فيه شهود الإعذار لخ، هذا داخل في كلام المص لأن المعذر إليه إن كان حاضرا عند القاضي فذلك من قبيل الشاهد بما في المجلس،
وإن كان غائبا وسمع الدعوى عليه لسجن ونحوه دخل تحت قوله: وموجَّهَه. انظر شرح الشيخ ميارة، وبيت العاصمية هو قولها: وشاهد الإعذار غير معمل … في شأنه الإعذار للتسلسل يعني أنه إذا شهد شاهد بأن المحكوم عليه قد أعذر إليه فأنكر المحكوم عليه الإعذار فإنه لا يعذر في ذلك الشاهد الذي أثبت أن المحكوم عليه أعذر إليه، لأن ذلك يؤدي إلى أنه لا يحكم عليه أبدا. والله سبحانه أعلم. قال الشبراخيتي: ومما لا إعذار فيه من شهد بوكالة في شيء كما ذكره الحطاب أول باب الوكالة،
وكذا من شهد بجرحة القاضي كما في مختصر البرزلي نقلا عن ابن الحاج،
وكذا الشهود الذين يحضرون تطليق المرأة وأخذها بشرطها في مسائل الشروط في النكاح. انتهى. وعُلِّل شهودُ جرحة القاضي بأن طلب الإعذار طلب لخطَّة القضاء أو إرادة لها وحرص عليها وذلك جرحة. ومزكَّى السر، بفتح الكاف، يعني أن من زكاه مزكِّي السر لا إعذار فيه، وفهم منه بالأولى أنه لا إعذار في مزكِّي السر بكسر الكاف لأن عدالة المزكي بالكسر هي بعلم القاضي، وعدالة مزكاه بالفتح هي بعلم المزكي لا بعلم القاضي، فعدالةُ المزكي بالكسر أقوى،
فإذا لم يعذر في الأضعف لا يعذر في الأقوى من باب أولى. قاله بناني عن السناوي. ومزكِّي السر هو الذي يخبر القاضي سرا بعدالة الشهود،
ومثله من يخبره سرا بتجريح الشهود لا إعذار فيهم، ولا يشمله كلام المص. وقوله: مزكي السر، الإضافة بمعنى في، فتح الكاف أو كسر. والمبرِّز بغير عدواة، يعني أن الشاهد إذا كان مبرزا وهو الذي فاق أقرانه في العدالة لا يعذر فيه إلا بالعداوة أي والقرابة،
ولو قدح فيه بغير ذلك لم يسمعه القاضي ولو كان له بينة، كما ذكره الزرقاني عند قوله "وقدح في المتوسط بكل" وفي كلام ابن فرحون وغيره ما يفيده. قاله الشبراخيتي. وقد علمت أنه يقدح في المبرز بالعداوة والقرابة، وذكر ابن مرزوق عن اللخمي أنه لا يقدح في المبرز بأكل بسوق ونحوه، وقوله: والمبرز هو بكسر الراء المشددة اسم فاعل من برَّز بالتشديد فاق أقرانه. ومن يخشى منه، يعني أن الشهود على من يخشى منه بأن شهدوا بحق عليه أو بتجريح بينة شاهدة له لا إعذار فيهم.
قال الشبراخيتي: ذكر الشارح والتتائي أنه لا تسمى له البينة.
وفي الحطاب: أن كل من لا إعذار فيه لا يلزم القاضيَ تسميته. انتهى.
وقال عبد الباقي: وحكي عن القاضي ابن بشير أنه قال للوزير لما سأله عمن شهد وحكم عليه وهو غائب: مثلك لا يخبر بذلك، وعدم الإعذار فيما تقدم هو باعتبار الشاهد، وهذه باعتبار المشهود عليه،
وإن قدر الشاهد على من يخشى منه كان على نسق ما قبله، وحيث لا يعذر له فلا ينبغي للقاضي أن يهمل حقه في تفتيش حال الشهود بالكلية، بل يتنزل في السؤال عنهم منزلة المشهود عليه،
ولو قيل بتحليف المشهود له مع بينته كما تقدم في الدعوى على صغير أو غائب لكان حسنا. انتهى. قال بناني: قول الزرقاني: كما حكي عن القاضي ابن بشير لخ: ابنُ بشير هذا أدرك ملكا، وليس هو أبا الطاهر بن بشير تلميذ المازري،
ولما ذكر في التوضيح هذه المسألة قال: ونص المدونة أنه يخبر من يشهد عليه بالشهادة، فلعل عنده حجة وإلا حكم عليه. اهـ. فأفاد أن قول ابن بشير خلاف مذهب المدونة، وأنه إنما أتى به جمعا للنظائر فقط. انظر مصطفى. ولفظ ابن يونس صريح في خلاف ما لابن بشير، ونصه: قال ملك: ولا يشهد الشهود عند القاضي سرا وإن خافوا من المشهود عليه أن يقتلهم، إذ لا بد أن يعرِّفه القاضي بمن يشهد عليه ويعذر إليه فيهم.
انتهى. قال: وإن كان القاضي بعث من يسأل عنهم سرا لم يُعذِر فيمن عَدّلهم. انتهى. ونظم هذه المسائل الخمس الإمام التتائي بقوله: وخمس حسان ليس يعذر حاكم … لآت بها فاحفظ وقيت من الزلل موجَّه او في السر زكَّى مُبرِّز … ومن يخشى أو في مجلس الحكم للعمل قال: ثم وقفت عليها منظومة مع زيادة التوسم، وهي: ودونك ستا ليس يعذر حاكم … بها فاحفظ الأشياء فهما كما تُنشا موجه او في السر زكى مبرّز … توسم او في مجلس الحكم أو يخشى قوله: توسم، زادها ابن بشير سادسة، وهي من قبلت شهادته للتوسم.
ابن فرحون: أي توسم العدالة فيه تجوز شهادته بغير تزكية فيما يقع بين المسافرين في السفر من العاملات على مذهب ابن حبيب،
ولا يجوز فيما سوى ذلك دون تزكية، وهذا هو مجهول الحال،
ولما كانت شهادته بغير تزكية مقصورة على ما ذكر لم يذكره المصنف، وقولُ الشارح في الكبير كأن الشيخ لم يذكره، لأنه شبيه بمن وجهه من قبل نفسه، إذِ استواؤهما عند القاضي فيما يظنه فيهما متحد غيرُ ظاهر. انتهى.
ولابن عاصم رحمه الله: ومن عليه وسم خير قد ظهر … زكي إلا في ضرورة السفر
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.