وَغُلِّظَتْ فِي رُبُعِ دِينَارٍ بِجَامِعٍ:
الشروح عليها
(وَغُلِّظَتْ) الْيَمِينُ وُجُوبًا (فِي رُبْعِ دِينَارٍ) فَأَكْثَرَ أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَوْ مَا يُسَاوِي ذَلِكَ (بِجَامِعِ) الْبَاءِ لِلْآلَةِ فَإِنْ امْتَنَعَ عُدَّ نَاكِلًا
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ وَغُلِّظَتْ الْيَمِينُ وُجُوبًا) أَيْ إنْ طَلَبَ الْمُحَلِّفُ التَّغْلِيظَ بِمَا ذُكِرَ لِأَنَّ التَّغْلِيظَ فِي الْيَمِينِ وَالتَّشْدِيدَ فِيهَا مِنْ حَقِّهِ فَإِنْ أَبَى مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ مِمَّا طَلَبَهُ الْمُحَلِّفُ مِنْ التَّغْلِيظِ عُدَّ نَاكِلًا وَقَوْلُهُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ إلَخْ أَيْ فَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَا تُغَلَّظُ فِيهِ
ثُمَّ إنَّ هَذَا إذَا كَانَ مَا ذُكِرَ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ وَلَوْ عَلَى اثْنَيْنِ مُتَضَامِنَيْنِ لِأَنَّ كُلًّا كَفِيلٌ عَنْ الْآخَرِ يَلْزَمُهُ أَدَاءُ الْجَمِيعِ
لَا إنْ كَانَ مَا ذُكِرَ لِشَخْصَيْنِ عَلَى وَاحِدٍ وَلَوْ مُتَفَاوِضَيْنِ لِأَنَّ التَّغْلِيظَ لَا يَكُونُ فِي أَقَلَّ مِنْ الْقَدْرِ الْمَذْكُورِ
(قَوْلُهُ الْبَاءُ لِلْآلَةِ) أَيْ لَا لِلظَّرْفِيَّةِ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْيَمِينَ إذَا وَقَعَتْ فِي الْجَامِعِ تُغَلَّظُ بِصِفَاتٍ أُخْرَى زَائِدَةٍ عَنْ الْوَصْفِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ كَوْنِهَا بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ الْيَمِينُ وَاحِدَةٌ فِي الْجَامِعِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ فِي رُبْعِ دِينَارٍ تُغَلَّظُ بِوُقُوعِهَا فِي الْجَامِعِ وَالْمُرَادُ بِالْجَامِعِ الْجَامِعُ الْأَعْظَمُ وَهُوَ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ فَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ لَا جَامِعَ لَهُمْ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ يَحْلِفُونَ حَيْثُ هُمْ وَلَا يُجْلَبُونَ إلَى الْجَامِعِ وَقَالَ التازغدري يُجْلَبُونَ لِلْجَامِعِ بِقَدْرِ مَسَافَةِ وُجُوبِ السَّعْيِ لِلْجُمُعَةِ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ وَثُلُثٌ وَقَالَ بِنَحْوِ الْعَشَرَةِ أَيَّامٍ وَإِلَّا حَلَفُوا بِمَوْضِعِهِمْ نَقَلَهُ فِي الْمِعْيَارِ وَأَقْوَاهَا أَوْسَطُهَا فَإِنْ زَعَمَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْخُرُوجِ مِنْ مَحَلِّهِ لِمَرَضٍ فَقَالَ ابْنُ بَقِيٍّ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ إنْ ثَبَتَ عَجْزُهُ بِبَيِّنَةٍ حَلَفَ بِبَيِّنَتِهِ وَإِلَّا أُخْرِجَ لِلْمَسْجِدِ قَهْرًا وَقَالَ ابْنُ حَارِثٍ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ لَا رَاجِلًا وَلَا رَاكِبًا وَخُيِّرَ الْمُدَّعِي فِي تَحْلِيفِهِ فِي بَيْتِهِ وَتَأْخِيرِهِ لِصِحَّتِهِ فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ الْخُرُوجُ أَوْ رَدُّ الْيَمِينِ وَقَالَ ابْنُ لُبَابَةَ إنْ ثَبَتَ مَرَضُهُ حَلَفَ فِي بَيْتِهِ عَلَى الْمُصْحَفِ وَإِلَّا حَلَفَ عَلَى عَجْزِهِ وَخُيِّرَ الْمُدَّعِي فِي الْأَمْرَيْنِ اهـ بْن.
ص (وَغُلِّظَتْ فِي رُبْعِ دِينَارٍ بِجَامِعٍ) ش تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ وَمِنْ التَّبْصِرَةِ
وَأَمَّا التَّغْلِيظُ بِالتَّحْلِيفِ عَلَى الْمُصْحَفِ فَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ هُوَ بِدْعَةٌ لَمْ يَرِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَقَدْ أَجَازَهُ الشَّافِعِيَّةُ اُنْظُرْ الْأَحْكَامَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ انْتَهَى
[فَرْعٌ ادَّعَى أَحَدُ الْمُتَفَاوِضِينَ عَلَى شَخْصٍ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمِ] (فَرْعٌ) قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِ الدَّعَاوَى عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ إذَا ادَّعَى أَحَدُ الْمُتَفَاوِضِينَ عَلَى شَخْصٍ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُحَلِّفَهُ فِي الْجَامِعِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ إنَّمَا يَجِبُ لَهُ دِرْهَمٌ وَنِصْفُ وَلَوْ ادَّعَى عَلَيْهِمَا بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمِ حَلَّفَهُمَا فِي الْجَامِعِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَنِصْفُهُ وَهُوَ كَفِيلٌ بِالثَّانِي فَالثَّلَاثَةُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا انْتَهَى بَعْضُهُ بِاللَّفْظِ وَبَعْضُهُ بِالْمَعْنَى.
[فَرْعٌ لَا يَحْلِفُ الْعَلِيلُ فِي بَيْتِهِ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ أَنَّ بِهِ عِلَّةٌ] (فَرْعٌ) لَا يَحْلِفُ الْعَلِيلُ فِي بَيْتِهِ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ أَنَّ بِهِ عِلَّةٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ مَعَهَا لَا رَاجِلًا وَلَا رَاكِبًا. وَالْمَسْأَلَةُ مُطَوَّلَةٌ فِي الْبُرْزُلِيِّ نَقَلَهَا الْمُتَيْطِيُّ قَبْلَ الْكَلَامِ عَلَى حَرِيمِ الْبِئْرِ
وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ وَمِنْ التَّبْصِرَةِ كَانَ ابْنُ لُبَابَةَ يُفْتِي فِي الْمَرِيضَةِ تَجِبُ عَلَيْهَا الْيَمِينُ فِي مَقْطَعِ الْحَقِّ أَنَّهَا تَحْلِفُ فِي بَيْتِهَا عَلَى الْحَقِّ انْتَهَى.
[فَرْعٌ تَغْلِيظِ الْيَمِينِ بِالزَّمَانِ فِي اللِّعَان وَالْقَسَامَةِ] (فَرْعٌ)
وَأَمَّا التَّغْلِيظُ بِالزَّمَانِ فَانْظُرْ كَلَامَهُ فِي التَّوْضِيحِ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَتَّفِقُ عَلَى تَغْلِيظِ الْيَمِينِ بِالزَّمَانِ فِي اللِّعَان وَالْقَسَامَةِ وَجَعَلَ التَّغْلِيظَ بِالزَّمَانِ فِي مُخْتَصَرِهِ فِي بَابِ اللِّعَان مُسْتَحَبًّا فَتَأَمَّلْهُ وَانْظُرْ ابْنَ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيُّ وَهَلْ تَغْلُظُ بِالزَّمَانِ؟ رَوَى ابْنُ كِنَانَةَ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ يَتَحَرَّى بِأَيْمَانِهِمْ فِي الْمَالِ الْعَظِيمِ وَالدِّمَاءِ وَاللِّعَانِ وَقْتًا يَحْضُرُ النَّاسُ فِيهِ الْمَسَاجِدَ وَيَجْتَمِعُونَ لِلصَّلَاةِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ مَالٍ وَحَقٍّ فَفِي كُلِّ حِينٍ وَلِابْنِ حَبِيبٍ عَنْ الْأَخَوَيْنِ لَا يَحْلِفُ حِينَ الصَّلَاةِ إلَّا فِي الدِّمَاءِ وَاللِّعَانِ
وَأَمَّا فِي الْحُقُوقِ فَفِي أَيِّ وَقْتٍ حَضَرَ الْإِمَامُ اسْتَحْلَفَهُ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ انْتَهَى.
(وَغُلِّظَتْ فِي رُبْعِ دِينَارٍ بِجَامِعٍ) اُنْظُرْ حَيْثُ يَكُونُ الْحَلِفُ بِالْجَامِعِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَعْرُوفُ الْمَذْهَبِ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالْجَامِعِ الْأَعْظَمِ.
قَالَ اللَّخْمِيِّ: قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ: يَحْلِفُ فِي مَكَانِهِ إنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ،
وَإِنْ كَانَتْ فِي أَكْثَرَ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ أَوْ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَفِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ حَيْثُ يُعَظَّمُ مِنْهُ.
اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " بِالِاسْتِقْبَالِ "
(ص) وَغُلِّظَتْ فِي رُبُعِ دِينَارٍ بِجَامِعٍ كَالْكَنِيسَةِ وَبَيْتِ النَّارِ وَبِالْقِيَامِ لَا بِالِاسْتِقْبَالِ وَبِمِنْبَرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (ش) يَعْنِي أَنَّ الْيَمِينَ تَتَوَجَّهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ جَلِيلٍ أَوْ حَقِيرٍ لَكِنْ لَا تُغَلَّظُ عَلَى الْحَالِفِ إلَّا فِي الْحَقِّ الَّذِي لَهُ قَدْرٌ وَبَالٌ وَأَقَلُّهُ رُبُعُ دِينَارٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ عَرْضٍ أَوْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ فَأَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ لَا تَغْلِيظَ عَلَيْهِ فِيهِ وَالتَّغْلِيظُ وَاجِبٌ فَمَنْ امْتَنَعَ مِنْهُ عُدَّ نَاكِلًا، وَهُوَ مِنْ حَقِّ الْخَصْمِ وَيَكُونُ التَّغْلِيظُ فِي الْجَامِعِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَيَكُونُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ
فَلَوْ اتَّفَقَ أَنَّ الْمِنْبَرَ وَسَطُ الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عِنْدَ الْمِحْرَابِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ يُقْتَدَى بِهِ، وَهُوَ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْ غَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَسْجِدِ
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَعْرِفُ مَالِكٌ الْيَمِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ إلَّا مِنْبَرَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَأَكْثَرَ وَفِي الْكَنِيسَةِ فِي حَقِّ النَّصْرَانِيِّ - وَفِي الْبِيعَةِ فِي حَقِّ الْيَهُودِيِّ وَفِي بَيْتِ النَّارِ فِي حَقِّ الْمَجُوسِيِّ وَيُغَلَّظُ أَيْضًا بِالْقِيَامِ لَا بِالِاسْتِقْبَالِ لِلْقِبْلَةِ،
وَإِنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ فَيَحْلِفُ عِنْدَ مِنْبَرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوْ عَلَى مِنْبَرِهِ، وَلَا تُغَلَّظُ بِالزَّمَانِ كَكَوْنِهِ بَعْدَ الْعَصْرِ.
(قَوْلُهُ: وَغُلِّظَتْ) أَيْ ثَقُلَتْ
(قَوْلُهُ: فِي رُبُعِ دِينَارٍ) وَالْمُرَادُ بِالدِّينَارِ هُنَا دِينَارُ الدَّمِ، وَهُوَ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ مُلْحَقَةٌ بِالْحُدُودِ فَهِيَ مُلْحَقَةٌ بِالسَّرِقَةِ لَا دِينَارُ الزَّكَاةِ، وَهُوَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ
(قَوْلُهُ: بِجَامِعٍ) الْبَاءُ لِلْآلَةِ لَا لِلظَّرْفِيَّةِ خِلَافًا لِمَا أَفَادَهُ شَارِحُنَا بِقَوْلِهِ: وَيَكُونُ التَّغْلِيظُ فِي الْجَامِعِ؛ إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ تَغْلِيظَ زِيَادَةٍ عَلَى الْكَوْنِ فِي الْجَامِعِ
(قَوْلُهُ: فَأَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ إلَخْ) أَيْ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ وَلَوْ عَلَى اثْنَيْنِ مُتَضَامِنَيْنِ فِيهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا وَكِيلٌ عَنْ الْآخَرِ لَا لِشَخْصٍ،
وَلَوْ مُتَفَاوِضَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ فِي أَقَلَّ مِنْهُ،
وَلَوْ وَجَبَ دَفْعُهُ وَكَانَ تَافِهًا وَادَّعَى بِهِ وَتَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ فِيهِ بِدُونِ تَغْلِيظٍ
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عِنْدَ الْمِحْرَابِ) أَيْ لَا عِنْدَ الْمِنْبَرِ لِأَنَّ الْمِنْبَرَ إذَا كَانَ وَسَطَ الْمَسْجِدِ كَانَ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِيهِ فَيَرْجِعُ لِمَا يَعْتَقِدُ أَنَّ حُرْمَتَهُ، وَهُوَ الْمِحْرَابُ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مَحَلٌّ يُقْتَدَى بِهِ) كَذَا فِي عج يُقْتَدَى بِهِ مِنْ الِاقْتِدَاءِ أَيْ يُقْتَدَى بِالْحَالِّ فِيهِ، وَهُوَ الْإِمَامُ أَيْ فَصَارَ لَهُ حُرْمَةٌ بِذَلِكَ وَفِي نُسْخَةِ بَعْضِ الشُّيُوخِ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ أَيْ يَعْتَقِدُ أَنَّ حُرْمَتَهُ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ عَامَّةٌ مَعَ أَنَّهُ خَصَّصَ مِنْبَرَ مَسْجِدِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -
(قَوْلُهُ: إلَّا مِنْبَرَ النَّبِيِّ إلَخْ) أَيْ فَقَوْلُهُ: فِيمَا تَقَدَّمَ وَيَكُونُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ أَيْ مِنْبَرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا مُطْلَقَ مِنْبَرٍ
(قَوْلُهُ: وَفِي الْكَنِيسَةِ فِي حَقِّ النَّصْرَانِيِّ) أَيْ فَلِلْمُسْلِمِ الذَّهَابُ لِتَحْلِيفِهِمْ بِتِلْكَ الْمَوَاضِعِ،
وَإِنْ كَانَتْ حَقِيرَةً فِي نَظَرِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ صَرْفُهُ عَنْ الْإِقْدَامِ عَلَى الْبَاطِلِ فَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى جَوَازُ تَحْلِيفِ الْمُسْلِمِ عَلَى بَرَاءَةٍ أَوْ الْمُصْحَفِ أَوْ أَضْرِحَةِ الْمَشَايِخِ أَوْ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ حَيْثُ لَا يَنْكَفُّ عَنْ الْبَاطِلِ إلَّا بِذَلِكَ فَإِذَا حَلَفَ خَصْمُهُ بِطَلَاقٍ ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ إلَى تَحْلِيفِهِ الْيَمِينَ الشَّرْعِيَّ فَلَهُ ذَلِكَ بِالْقُرْبِ لَا بِالْبُعْدِ
فَلَوْ حَلَفَ لَهُ بِأَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ فَلَهُ تَحْلِيفُهُ الْيَمِينَ الشَّرْعِيَّ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إفْرَادِ الْيَمِينِ الشَّرْعِيِّ عَنْ ابْنِ سَهْلٍ وَفِي عب أَنَّ الْكَنِيسَةَ لِلْيَهُودِيِّ وَالْبِيعَةَ لِلنَّصْرَانِيِّ وَالصَّوَابُ مَا فِي شَارِحِنَا كَمَا نَقَلَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا عَنْ ابْنِهِ
(قَوْلُهُ: فَيَحْلِفُ عِنْدَ مِنْبَرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَوْ عَلَى مِنْبَرِهِ إلَخْ) أَوْ لِحِكَايَةِ الْخِلَافِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ
(قَوْلُهُ: وَلَا تَغْلِيظَ بِالزَّمَانِ) أَيْ فِي الْأَمْوَالِ
بِخِلَافِ اللِّعَانِ وَالدِّمَاءِ فَتُغَلَّظُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَقَوْلُهُ كَكَوْنِهِ بَعْدَ الْعَصْرِ أَيْ لِكَوْنِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْأَعْمَالَ يَنْزِلُونَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّهُمْ يَنْزِلُونَ عِنْدَ الصُّبْحِ فَلَعَلَّ تَخْصِيصَ وَقْتِ الْعَصْرِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الصُّبْحِ وَقْتُ نَوْمٍ وَاشْتِغَالٍ.
(وَغُلِّظَتْ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ مُثَقَّلَةً وَإِعْجَامِ الظَّاءِ الْيَمِينُ عَلَى الْحَالِفِ (فِي رُبْعِ دِينَارٍ) شَرْعِيٍّ أَوْ مَا يُسَاوِيه مِنْ فِضَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا لَا فِي أَقَلَّ مِنْهُ وَتَغْلِيظُهَا (بِ) حَلِفِهَا (بِجَامِعٍ) لِلْجُمُعَةِ فَلَا يَكْفِي حَلِفُهَا بِغَيْرِهِ وَلَوْ مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ وَلَا يَتَعَيَّنُ مَكَانٌ مِنْ الْجَامِعِ وَقَالَ الْمِسْنَاوِيُّ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ عِنْدَنَا أَنَّهُ يَحْلِفُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ فِي غَيْرِ مَدِينَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْضًا،
وَظَاهِرُهُ وُجُوبُ التَّغْلِيطِ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ الْخَصْمُ، وَنَصَّ الْقَرَافِيِّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّهُ حَقُّ مَنْ تَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ لِأَجْلِهِ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ، وَتَظْهَرُ
فَائِدَةُ الْخِلَافِ إذَا حَلَفَ عَلَى عَدَمِهِ، فَعَلَى وُجُوبِهِ يَحْنَثُ، وَعَلَى نَدْبِهِ لَا، وَأَيْضًا عَلَى وُجُوبِهِ تُعَادُ الْيَمِينُ لَهُ وَعَلَى نَدْبِهِ لَا، وَأَيْضًا عَلَى وُجُوبِهِ بَعْدَ الْمُمْتَنِعِ مِنْهُ نَاكِلًا وَعَلَى نَدْبِهِ لَا. وَشَبَّهَ فِي الْجَامِعِ فِي التَّغْلِيظِ بِهِ فَقَالَ
وغلظت في ربع دينار بجامع يعني أن اليمين تغلظ أي تثقل في ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو عرض يساوي أحدهما، وتغليظها يكون بالجامع الأعظم الذي فيه الخطبة كما في ابن مرزوق، لا بمسجد ولو مسجد جماعة. قال الشبراخيتي: الباء معدية لا ظرفية والجامع آلة التغليظ، وذلك لأنها لو كانت ظرفية لكان المعنى أن التغليظ يكون في الجامع، ولا يدرى ما الذي يغلظ به. اهـ. وفيما قاله نظر،
فإن باء الآلة ليست للتعدية وإنما التي للتعدية هي العاقبة للهمزة، نحو: ذهبت بزيد أي أذهبته ولا يصح في كلامه هنا إرادة التعدية العامة لأنها لا فرق فيها بين التي للظرفية والتي للآلة وغيرهما. والله تعالى أعلم. وغلظت يمين الحالف أي ثقلت من الغلظ الذي هو مقابل الرقة في ربع دينار فصاعدا لا دونه بم إذ هو أقل مال له بال. انتهى. وقد علمت أن مثل ربع الدينار ثلاثة دراهم وعرض يساوي أحدهما، قال عبد الباقي: وغلظت وجوبا لحق الطالب فمن امتنع منه عد ناكلا لا لحق الله في ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو عرض يساوي أحدهما لشخص واحد ولو على اثنين متضامنين.
انتهى. أي لأن كلا منهما كفيل عن الآخر يلزمه أداء الجميع، وعبارة القرافي كما إذا ادعى أحد المتفاوضين على شخص بثلاثة دراهم، فليس عليه أن يحلف بالجامع لأن كل واحد إنما يجب له درحم ونصف،
ولو ادعى عليهما بثلاثة دراهم حلفهما في الجامع لأن كل واحد عليه درهم ونصف وهو كفيل بالباقي، فالثلاثة على كل واحد منهما،
وأما ما هو أقل من ربع دينار من المذهب أو أقل من ثلاثة دراهم من الفضة أو عرض لا يساوي أحد الأمرين فلا تغلظ فيه اليمين ولو وجب دفعه وكان تافها وادعى به فتتوجه فيه اليمين، بدون تغليظ. قاله عبد الباقي.
وقال: والتغليظ يكون بجامع أي الحلف فيه نفسه تغليظ، فالباء للآلة لا للظرفية إذ ليس المراد تغليظ زيادة على ما تقدم في الجامع،
فإن امتنع من الحلف فيه كان كالنكول. اهـ. يعني أن كونها للظرفية يقتضي أن المراد اليمين إذا وقعت في الجامع تغلظ بصفات أخر زائدة على الوصف، بالله الذي لا إله إلا هو وليس كذلك، بل اليمين واحدة في الجامع وغيره، لكن في ربع دينار تغلظ بوقوعها في الجامع. قاله البناني. فروع: الأول: سئل أبو الحسن عن قوم لا جامع لهم؟ فأجاب: يحلفون حيث هم، ولا يجلبون إلى الجامع. اهـ.
وقال التازغدري: يجلبون إلى الجامع بمقدار مسافة الجمعة،
وقيل بنحو عشرة أميال وإلا حلفوا بموضعهم. نقله في المعيار. قاله البناني. الثاني: إذا زعم من وجب حلفه عجزه عن الخروج لمرض، ففي نوازل الشعبي أربعة أقوال، قال ابن بقي: إن ثبت ذلك ببينة حلف ببيته وإلا أخرج،
وقال ابن حارث: وإلا حلف لا يقدر على الخروج أو رد اليمين،
وقال ابن لبابة: إن ثبت مرضه حلف ببيته في المصحف وإلا حلف على عجزه وخير المدعي في الأمرين،
وقال ابن زرب: يختبره القاضي ببَعثِهِ له شاهدين، وأنكر هذا القول محمد بن ميسور. اهـ نقله ابن عرفة. قاله البناني.
الثالث: قال الرهوني: قال في المدونة: وكل شيء له بال فإنه يحلف فيه في جامع بلده في أعظم مواضعه. ابن ناجي: يعني ربع دينار أو ثلاثة دراهم شرعية وما ذكره في حلفه في الجامع الأعظم، قال المازري: هو المعروف،
وفي المذهب ما يشير إلى مساواة مساجد الجماعات والقبائل للجامع الأعظم، وأصله لشيخه ابن عرفة. الرابع: قال الرهوني: ظاهر كلام المدونة وغيرها كالمص أنه يحلف في المسجد الجامع مطلقا، لكن قال ابن ناجي: ويريد في الكتاب ما لم تكن بلدة يعظمون مسجدا من مساجد بلدهم غير جامعهم فإنهم يحلفون به، وبه حكمت ببلد سبتة لما وجدت ذلك بها،
وكذلك الحكم ببلد قفصة لما كان ذلك بها، ونقله أبو علي بحاشية التحفة،
وقال عقبه: واحتججنا بهذا حين ولينا القضاء بالمدينة البيضاء: فاس الجديد. وقد وجدنا جل أهلها يعظمون جامع مسجد الحجر، وكنت إذا رأيت الدعوى قريبة وطلب رب الحق التحليف بهذا المسجد مكنته من التحليف به بعد أن أعلمه أن الجامع الأعظم هو الذي تجب له اليمين [به] ، وإنما سقنا هذا تقوية للتحليف على المصحف لمن طلبه، إذ بمثل كلام ابن ناجي نعرف أن الدار في الأيمان هو المحل الذي يرهب به الحالف.
اهـ. الخامس: قوله: "بجامع" يعني إذا كان الحالف مسلما، قال التتائي: بجامع من مسلم،
وقال الخرشي: ويكون التغليظ في حق المسلم بالجامع. اهـ.
وقال ابن مرزوق: وهذا التغليظ يكون بمكان اليمين كالمسجد الجامع الذي فيه الخطبة إن كان الحالف مسلما. السادس: قال المتيطي إذا ادعى رجل على رجل حقوقا وزعم أنه لا بينة له في بعضها وأن له بينة على بعضها وذهب إلى استحلاف المدعى عليه فيما لا بينة له فيه،
وأن يبقى على إقامة البينة فيما له فيه بينة، فإنه إن التزم إن لم تقم له بينة على ما زعم أن له فيه بينة أن لا يكون له يمين على المدعى عليه، كان له أن يستحلفه فيما لا بينة له فيه،
فإن أقام بينة على ما زعم من دعاويه عمل بها وإلا فلا يمين له عليه،
وإن لم يلتزم ذلك لم يكن له أن يستعجل يمينه فيما لا بينة له عليه، ويؤخر ذلك حتى تقوم البينة التي زعمها على البعض،
فإن أتى بها وإلا جمع دعاويه كلها وحلف له على الجميع كما نقله الناصر اللقاني.
قوله: وإن لم يلتزم ذلك، محله ما لم يرض المدعى عليه بالحلف فله ذلك.
السابع: قال الخرشي: ويجوز للقاضي أن يحلف الخصم بالطلاق إذا علم أنه لا يصدق بالله، كما نص على ذلك. ابن عاصم: أخذه من قول عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. اهـ.
وقال الرهوني: في المواق والعيار وغيرهما عن ابن وضاح أن ابن عاصم كان يُحَلِّفُ بالطلاق، وابن عاصم من رواة ابن القاسم وروى عن أشهب أيضا وكان محتسبا بالأندلس. اهـ. ومع هذا فذلك غير مرتضى فإن سحنون لم يرتض قول ابن عاصم، وقد بحث فيه الشيخ ميارة في شرح التحفة وقد جزم أبو علي بعدم الجواز، فقال بعد أنقال: قال كاتبه عفا الله عنه: التحليف بالطارق لا يحل ولا يجوز أصلا، وربما كان هذا الطلاق هو آخر الثلاث ويصعب عليه مفارقة زوجته فيبقى معها على حرام وذلك هو الداهية العظمى.
اهـ. قال الرهوني: وهذا هو الحق الذي لا محيد عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم قد بين كيفية اليمين، (وأخبر أن الحالف ظلما يلقى الله وهو عليه غضبان) ، وأنزل الله تعالى مصداق ذلك في كتابه فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} . الآية. وعمل بذلك الخلفاء الراشدون فمن بعدهم من أئمة المسلمين، فكيف يعدل عن الحكم بما بينه وضمل به وأجمع على العمل به أصحابه فمن بعدهم إلى الحكم بما نهى عنه عليه الصلاة والسلام ومن لم تصلحه السنة لا أصلحه الله؟
وفي نوازل الشهادات من المعيار يحكى أن بعض الملوك المتأخرين كتب إلى فقيه من الفقهاء أن الناس فسدوا فاكتب لي أن أحكم بينهم بما يليق بهم فإني استوفيت لهم الطالب الشرعية فأكل الناس بعضهم بعضا، فأجابه: لو علم الله مصلحة لهذه الأمة غير الشريعة التي اختارها على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم لاختارها لهم، فلا حكم إلا بما جاء به الشرع والسلام. قال مالك بن أنس: لمن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها،
وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: لست بمبتدع ولكني متبع. اهـ.
الثامن: قال الشبراخيتي عند قوله: "وغلظت في ربع دينار" : وظاهره وجوب التغليظ وإن لم يطلبه مستحق اليمين، لكن نص القرافي وغيره على أنه من حق من توجهت اليمين من أجله، واختلف في ذلك هل هو واجب أو أولى، وتظهر
فائدة الخلاف فيما إذا حلف على عدم التغليظ هل يُحَنَّث أو لا؟ فعلى الوجوب يُحَنَّث وعلى عدمه فلا يُحَنّثُ، وأيضا على الوجوب تعاد يمينه وعلى عدمة لا تعاد: وأيضا على الوجوب يكون ناكلا بامتناعه وعلى مقابله لا يكون ناكلا بذلك،
ولو كان الرفع لشخصين ولو متفاوضين على شخص واحد فإنها لا تغلظ،
وإن كان المدعى عليه شخصين متفاوضين والمدعى به ربع دينار لواحد فإنه تغلظ اليمين على كل واحد، والمراد بالدينار هنا دينار الدم الذي هو اثنا عشر درهما، لأن اليمين ملحقة بالحدود فهي ملحقة بالسرقة لا دينار الزكاة وهو عشرة دراهم. اهـ.
وقال الخرشي: والتغليظ واجب ومن امتنع منه عد ناكلا، وظاهر كلامهم أنه من حق الخصم فله أن يرضى بتحليف من توجهت عليه اليمين في مجلس الشرع لا من حق الله. وقوله: "في ربع دينار" أو ما يتضمنه كالنكاح والطلاق لأن النكاح لا يصح إلا بربع دينار والطلاق فرعه والعتق والدماء. اهـ. كالكنيسة يعني أن التغليظ يكون في الجامع في حق المسلم، ويكون في حق اليهودي بالكنيسة، ويكون في حق النصراني بالبيعة، والكنيسة: مسجد اليهود، والبيعة: مسجد النصارى، ويكون التغليظ للكافر المجوسي ببيت النار، قال عبد الباقي: كالكنيسة لليهودي والبيعة للنصراني وبيت النار للمجوسي وحيث يعظمون، وللمسلم الذهاب لتحليفهم بتلك الواضع وإن كانت حقيرة في نظر الشرع، لأن المقصد صرفهم عن الإقدام على الباطل ويؤخذ من ذلك بالأولى جواز حلف المسلم على المصحف أو براءة أو أضرحة المشايخ أو بالطلاق الثلاث أو نحو ذلك حيث لا ينفك عن الباطل إلا بذلك، ويدل على الجواز أيضا أن من قواعد الشرع ارتكاب أخف الضررين وهو تحليفه على ما ذكر دون ضياع الحق، ويوافقه قول الرسالة عن عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور: وتقدم عن ابن فرحون أن للقاضي أن يحلف الشاهد بالطلاق إن اتهمه.
اهـ كلام عبد الباقي. قوله: ويؤخذ من ذلك جواز تحليف المسلم على المصحف يعني يحلف بالله ويضع يده على المصحف، وقوله: أو براءة يعني السورة المعلومة، وقوله: أو أضرحة المشايخ أي يحلف بالله عندها لا أنه يحلف بصاحب القبر كما يفعله كثير من الجهلة، وما ذكره في المصحف تقدم في كلام أبي علي تقويته،
وقال ابن ناجي عند قول المدونة: ويحلفون في كنائسهم وحيث يعظمون: أخذ شيخنا أبو محمد عبد الله الشبيبي على ما بلغني من هنا أن الأعراب الذين يعظمون الحلف بالمصحف يحلفون به بجامع التعظيم، فكما قالوا: يحلف الكفار حيث يعظمون، فكذلك الحلف بالمصحف ولم يرتض فتواه بذلك بعض شيوخنا لظاهر نصوصهم، وسمعت شيخنا حفظه الله يفتي بالثاني ثم رجع إلى الأول. اهـ. وقوله: أو بالطلاق الثلاث، انظر من زاد الثلاث فإن الذي في المواق والمعيار وغيرهما عن ابن وضاح أن ابن عاصم كان يُحَلِّفُ بالطلاق، وكلام هؤلاء الأئمة ليس فيه ذكر الثلاث، ومع هذا فهو غير مرتضى فلم يرتضه سحنون أي لم يرتض قول ابن عاصم: إنه يحلف بالطلاق، وقد بحث فيه الشيخ ميارة، وقد جزم أبو علي بعدم الجواز إلى آخر ما مر عن الرهوني وقد مر عن الرهوني، أن عدم جواز التحليف بالطلاق هو الحق الذي لا محيد عنه،
قال: وأما توجيه سيدي يعيش بأنه أرتكاب أخف الضررين وتسيلم ابن قاسم له ففيه نظر؛ لأن ضرر الحلف بالطلاق محقق وضرر أكل أموال الناس غير محقق. والله تعالى أعلم. وبالقيام يعني أن التغليظ يكون بالقيام أي يحلف قائما، قال التتائي: وغلظت بالقيام في ربع دينار لا جالسا. ابن هشام: وبه القضاء ونحوه في الرسالة. اهـ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.