وَكَالْإِمْسَاكِ لِلْقَتْلِ
الشروح عليها
(وَكَالْإِمْسَاكِ لِلْقَتْلِ) أَيْ أَمْسَكَ شَخْصًا لِيَقْتُلَهُ غَيْرُ الْمُمْسِكِ وَلَوْلَا إمْسَاكُهُ لَهُ مَا أَدْرَكَهُ الْقَاتِلُ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ قَاصِدٌ قَتْلَهُ فَقَتَلَهُ الطَّالِبُ فَيُقْتَصُّ مِنْهُ لِتَسَبُّبِهِ كَمَا يُقْتَصُّ مِنْ الْقَاتِلِ لِمُبَاشَرَتِهِ،
وَكَذَا الدَّالُّ الَّذِي لَوْلَا دَلَالَتُهُ مَا قُتِلَ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ قِيَاسًا عَلَى الْمُمْسِكِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْلَا إمْسَاكُهُ لَهُ مَا أَدْرَكَهُ) أَيْ وَكَانَ فِي الْوَاقِعِ لَوْلَا إمْسَاكُهُ لَهُ مَا أَدْرَكَهُ سَوَاءٌ عَلِمَ الْمُمْسَكُ بِذَلِكَ أَمْ لَا
(قَوْلُهُ: مَعَ عِلْمِهِ) أَيْ: الْمُمْسِكِ بِأَنَّ الطَّالِبَ قَاصِدٌ قَتْلَهُ
(قَوْلُهُ: فَيُقْتَصُّ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُمْسِكِ لِتَسَبُّبِهِ كَمَا يُقْتَصُّ مِنْ الْقَاتِلِ إلَخْ حَاصِلُهُ أَنَّهُمَا يُقْتَلَانِ جَمِيعًا بِقُيُودٍ ثَلَاثَةٍ مُعْتَبَرَةٍ فِي الْمُمْسِكِ، وَهِيَ أَنْ يَمْسِكَهُ لِأَجْلِ الْقَتْلِ،
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الطَّالِبَ قَاصِدٌ قَتْلَهُ لِرُؤْيَتِهِ آلَةَ الْقَتْلِ بِيَدِهِ وَأَنْ يَكُونَ لَوْلَا إمْسَاكُهُ مَا أَدْرَكَهُ الْقَاتِلُ فَإِنْ أَمْسَكَهُ لِأَجْلِ أَنْ يَضْرِبَهُ ضَرْبًا مُعْتَادًا، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يَقْصِدُ قَتْلَهُ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ آلَةَ الْقَتْلِ مَعَهُ، أَوْ كَانَ قَتْلُهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إمْسَاكِهِ لَهُ قَتْلُ الْمُبَاشِرِ وَحْدَهُ وَضَرْبُ الْآخَرِ وَحَبْسُ سَنَةٍ
وَقِيلَ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ وَقِيلَ يُجْلَدُ مِائَةً فَقَطْ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا الدَّالُّ) أَيْ وَكَذَا يُقْتَلُ الدَّالُّ إذَا عَلِمَ أَنَّ طَالِبَهُ يَقْتُلُهُ وَكَانَ لَوْلَا دَلَالَتُهُ مَا قُتِلَ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ.
(تَنْبِيهٌ) يُقْتَصُّ مِنْ الْعَائِنِ الْقَاتِلِ عَمْدًا بِعَيْنِهِ إذَا عُلِمَ ذَلِكَ مِنْهُ وَتَكَرَّرَ
وَأَمَّا مَنْ قَتَلَ شَخْصًا بِالْحَالِ فَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَفِي عبق وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ إذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ وَثَبَتَ قِيَاسًا عَلَى الْعَائِنِ الْمُجَرِّبِ وَاسْتَبْعَدَ ذَلِكَ بْن
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وَكَالْإِمْسَاكِ لِلْقَتْلِ) مِنْ الْمُوَطَّأِ: مَنْ أَمْسَكَ رَجُلًا لِآخَرَ لِيَضْرِبَهُ فَضَرَبَهُ فَمَاتَ إنْ أَمْسَكَهُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَهُ قُتِلَا مَعًا،
وَإِنْ كَانَ يَرَى أَنَّهُ لَا يَقْتُلُهُ قُتِلَ الْقَاتِلُ فَقَطْ وَعُوقِبَ الْمُمْسِكُ أَشَدَّ عُقُوبَةٍ وَسُجِنَ سَنَةً.
[قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ]
(لِلْقَتْلِ) مِنْ شَخْصٍ آخَرَ فَقَتَلَهُ فَيُقْتَلُ الْمُمْسِكُ لِتَسَبُّبِهِ وَالْقَاتِلُ لِمُبَاشَرَتِهِ. ابْنُ شَاسٍ شَرَطَ الْقَاضِي ابْنُ هَارُونَ الْبَصْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْمُمْسِكِ شَرْطًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَوْلَا الْإِمْسَاكُ لَمْ يَقْدِرْ الْقَاتِلُ عَلَى قَتْلِهِ. اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَزَادَ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ إذَا حُمِلَ عَلَى ظَهْرِ آخَرَ شَيْئًا فِي الْحِرْزِ فَخَرَجَ بِهِ الْحَامِلُ فَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إخْرَاجِهِ إلَّا بِحَمْلِ الْحَامِلِ عَلَيْهِ قُطِعَا مَعًا،
وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى حَمْلِهِ دُونَهُ قُطِعَ الْخَارِجُ فَقَطْ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ مُقَابِلٌ لِلْمَشْهُورِ، وَأَقَرَّهُ الْمُوَضِّحُ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إطْلَاقُ ابْنِ الْحَاجِبِ إيجَابَ الْإِمْسَاكِ الْقَوَدَ بِلَا قَيْدٍ مُتَعَقَّبٌ. اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْمُوَطَّإِ مَنْ أَمْسَكَ رَجُلًا لِيَضْرِبَهُ آخَرُ فَضَرَبَهُ فَمَاتَ فَإِنْ أَمْسَكَهُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَهُ قُتِلَا مَعًا،
وَإِنْ كَانَ رَأَى أَنَّهُ لَا يَقْتُلُهُ قُتِلَ الْقَاتِلُ فَقَطْ وَعُوقِبَ الْمُمْسِكُ أَشَدَّ عُقُوبَةٍ وَسُجِنَ سَنَةً. الْبَاجِيَّ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ دَلِيلُ حُبِّهِ لِلْقَتْلِ أَنْ يَرَى الْقَاتِلَ يَطْلُبُهُ وَبِيَدِهِ سَيْفٌ أَوْ رُمْحٌ وَإِنْ لَمْ يَرَ مَعَهُ ذَلِكَ فَلَا يُقْتَلُ الْحَابِسُ وَيُجْلَدُ بِقَدْرِ مَا يَرَى السُّلْطَانُ.
وَقَالَ عِيسَى يُجْلَدُ مِائَةً فَقَطْ ابْنُ مُزَيْنٍ الْقَوْلُ مَا قَالَ ابْنُ نَافِعٍ. ابْنُ الْقَصَّارِ إنَّمَا يُقْتَلُ الْمُمْسِكُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ ظُلْمًا
وكالإمساك للقتل يعني أن من أمسك إنسانا لأجل أن يقتل فقتل فإنه يقتص منه بشرط أن يعلم أنه لولا المسك لم يقدر على قتله، قال الشبراخيتي: وكالإمساك للقتل أي أن من أمسلا شخصا لمن يرى أنه يقتله فقتله فإنه يقتل كل منهما، وبقي قيد آخر تركه المصنف وهو: أن يعلم أنه لولا المسك لم يقدر على قتله وارتضاه ابن عرفة: والظاهر أن الدال الذي لولا دلالته ما قتل المدلول عليه كالممسك للقتل لتوافقهما معنى واللام للتعليل،
وإن أمسكه وهو يرى أنه إنما يريد ضربه بما يضرب به الناس لا يرى أنه عمد لقتله، فإنما يقتل القاتل ويعاقب الممسك أشد العقوبة ويسجن سنة. انتهى. وقولي: بشرط أن يعلم أنه لولا المسك الخ اعلم أنه ليس المراد علم الممسك؛ لأن الذي في عبارة ابن شأس ومن تبعه أن يعلم بالبناء للمجهول. وعلم مما قررت أن اللام في قول المصنف: "للقتل" للتعليل وهو الصواب، خلافا لجعل ابن عبد السلام اللام للانتهاء فإنه معترض، ويستدل على أن الممسك أمسكه للقتل بأن يرى الممسك القاتل وبيده سيف أو رمح يطلبه به،
وقال ابن مرزوق: ومفهوم العلة في قوله: "للقتل" يقتضي أنه لو أمسكه لغير القتل لم يقتل ماسكه وهو كذلك، ونص المسألة منطوقا ومفهوما آخر كتاب الديات من ابن يونس، قال ابن القاسم: من أمسك رجلا لآخر فقتله،
فإن أمسكه وهو يرى أنه يريد قتله قتلا به، قال ابن يونس: كمحرم أمسك صيدًا لمحرم فقتله فعليهما جزاؤه،
وقال ابن القاسم: وإن لم يظن ذلك وظن أنه يضربه كضرب الناس قتل القاتل وبولغ في عقوبة الممسك وسجن ولم يقتل. انتهى.
ومثله في الموطإ لمالك سواء وقال: يسجن سنة لأنه أمسكه ولا يكون عليه القتل،
وقال ابن نافع: يجلد بقدر ما يرى من ريبته وناحية صاحبه القاتل،
وقال عيسى بن دينار: يجلد مائة فقط،
وقال ابن مزين: القول ما قال ابن نافع. انتهى.
وفي المدنية: يستدل على قصده القتل بالإمساك أن يطلبه القاتل وبيده سيف أو رمح فهنا يقتلان معا،
وإن لم يكن ذلك فلا قتل على الحابس، وروى الدارقطني أنه صلى الله عليه وسلم، قال: يقتل القاتل ويحبس الممسك.
وقال علي رضي الله عنه للمسك: أنا أمسكك السجن حتى تموت. ويقتل الجميع بواحد يعني أنه إذا قتل جماعة إنسانا فإنهم يقتلون به أجمعون أي قتلوه من غير تمالؤ بدليل ما بعده. قال عبد الباقي: ويقتل الجميع غير المتمالئين - بدليل ما بعده - بواحد قتلوه مجتمعين عمدا عدوانا ومات مكانه أو رفع مغمورًا أو منفوذ القاتل ولم تتميز جنايات كل أو تميزت واستوت، كأن اختلفت وكان في بعضها ما ينشأ عنه الموت ولم يعلم،
فإن علم صاحبه قدم الأقوى فيقتل واقتص من الباقي مثل فعله كما يأتي فإن تأخر موته غير منفوذ مقتل وغير مغمور قتل واحد فقط بقسامة،
وإن علم من نشأ الموت عن فعله قتل فقط. والمتمالئون يعني أن المتمالئين على القتل أو الضرب بأن قصدوا جميعا وحضروا، بحيث يكون الذي لم يضرب لو احتيج له لضرب فيقتص منهم حيث مات فورا. قاله عبد الباقي وغيره. سواء قصدوا قتله أو ضربه أو اختلفوا وهذا هو المشهور كما مر للمصنف، حيث قال: إن قصد ضرب فلا فرق بين الواحد والجمع،
وفي كلام الأجهوري نظر حيث قال: ويقتل الجميع بواحد إن قصد كل قتله، كما أن قوله: "والمتمالئون" أي المتفقون على قتله إلى آخر كلامه فيه نظر فإنه هو الشاذ، وخلاف المشهور وخلاف مذهب المدونة والموطإ وغيرهما، وكتب أهل المذهب المعتبرة كالموازية والمجموعة والواضحة وغيرها،
والثاني رواه العراقيون عن مالك وقالوا به كما في المنتقى وغيره. انظر الرهوني.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.