وإن كان لعراة ثوب صلوا أفذاذا
الشروح عليها
(وَإِنْ كَانَ لِعُرَاةٍ ثَوْبٌ) يَمْلِكُونَ ذَاتَه أَوْ مَنْفَعَتَهُ بِإِجَارَةٍ أَوْ إعَارَةٍ (صَلَّوْا أَفْذَاذًا) بِهِ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ الْقُرْعَةُ كَمَا لَوْ تَنَازَعُوا فِي التَّقَدُّمِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ لِعُرَاةٍ ثَوْبٌ) أَيْ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مَا يُوَارِي الْعَوْرَةَ غَيْرُهُ
(قَوْلُهُ: يَمْلِكُونَهُ ذَاتَه أَوْ مَنْفَعَتَهُ) أَيْ
وَأَمَّا لَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَمْلِكُ ذَاتَه وَبَعْضُهُمْ يَمْلِكُ مَنْفَعَتَهُ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ صَاحِبُ الْمَنْفَعَةِ وَلَا يَقَعُ النِّزَاعُ فِي هَذِهِ كَمَا فِي بْن
(قَوْلُهُ: صَلَّوْا أَفْذَاذًا بِهِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ) أَيْ لِأَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى السَّتْرِ وَلَا يَجُوزُ لِلْقَادِرِ أَنْ يُصَلِّيَ عُرْيَانًا
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ الْقُرْعَةُ) أَيْ وَإِلَّا يَتَّسِعُ الْوَقْتُ بَلْ كَانَ ضَيِّقًا فَالظَّاهِرُ الْقُرْعَةُ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يُسَلِّمَ لِغَيْرِهِ بِدُونِ قُرْعَةٍ كَمَا لَوْ قَالُوا فِي مَاءِ الْمُتَيَمِّمِينَ فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ الْقُرْعَةِ فَالظَّاهِرُ تَرْكُهَا وَيُصَلُّونَ عُرَاةً
(قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ تَنَازَعُوا فِي التَّقَدُّمِ) أَيْ كَمَا لَوْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَتَنَازَعُوا فِي التَّقَدُّمِ أَيْ فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وَإِنْ كَانَ لِعُرَاةٍ ثَوْبٌ صَلَّوْا أَفْذَاذًا) ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ وَجَدُوا ثَوْبًا صَلَّوْا بِهِ أَفْذَاذًا لَا يَؤُمُّهُمْ بِهِ أَحَدٌ فَلَا.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(ص) وَإِنْ كَانَ لِعُرَاةٍ ثَوْبٌ صَلَّوْا أَفْذَاذًا (ش) يَعْنِي أَنَّهُ إذَا كَانَ لِعُرَاةٍ ثَوْبٌ يَمْلِكُونَ ذَاتَه أَوْ مَنْفَعَتَهُ أَوْ بَعْضٌ يَمْلِكُ ذَاتَه وَبَعْضٌ يَمْلِكُ مَنْفَعَتَهُ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مَا يُوَارِي الْعَوْرَةَ غَيْرُهُ فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ أَفْذَاذًا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ؛ لِأَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى السَّتْرِ وَلَا يَجُوزُ لِلْقَادِرِ أَنْ يُصَلِّيَ عُرْيَانًا فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ فَالظَّاهِرُ الْقُرْعَةُ كَمَا لَوْ تَنَازَعُوا فِي التَّقَدُّمِ وَانْظُرْ لَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ الْقُرْعَةِ فِي هَذَا أَوْ فِي غَيْرِهِ مِمَّا تُطْلَبُ فِيهِ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ فَالظَّاهِرُ الْقُرْعَةُ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ تَنَازُعٌ.
(قَوْلُهُ كَمَا لَوْ تَنَازَعُوا فِي التَّقَدُّمِ) أَيْ بِدُونِ ضِيقٍ.
(قَوْلُهُ وَانْظُرْ إذَا ضَاقَ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ عِنْدَ عَدَمِ التَّشَاحُحِ لَا نَظَرَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَةِ الطِّرَازِ إذْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّسْلِيمُ لِغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ يُصَلِّي عُرْيَانًا؛ لِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ لَا بُدَّ مِنْ صَلَاةٍ بِدُونِ سِتْرٍ وَعِنْدَهُ يَتْرُكُونَ وَيُصَلُّونَ؛ لِأَنَّهُ بِمَثَابَةِ فَقْدِهِ كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلُ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَإِنْ كَانَ لِ) جَمَاعَةٍ (عُرَاةٍ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ عَارٍ بِمَعْنَى عُرْيَانَ (ثَوْبٌ) وَاحِدٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ ذَاتًا أَوْ مَنْفَعَةً بِإِجَارَةٍ أَوْ إعَارَةً (صَلَّوْا) بِفَتْحِ اللَّامِ مُثَقَّلًا مُسْتَتِرِينَ بِهِ وُجُوبًا شَرْطًا حَالَ كَوْنِهِمْ (أَفْذَاذًا) مُتَعَاقِبِينَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ فَإِنْ ضَاقَ أَوْ تَنَازَعُوا فِي التَّقَدُّمِ اقْتَرَعُوا وَلَا يَجُوزُ التَّسْلِيمُ لِلْغَيْرِ بِدُونِهَا إنْ وَسِعَهَا وَإِلَّا صَلَّوْا عُرَاةً.
لا زيادة له على هذه المسألة.
وإن كان لعراة ثوب صلوا أفذاذا؛ يعني أنه إذا اجتمع عراة وأرادوا الصلاة وليس لهم ما يواري العورة إلا ثوب واحد يملكون ذاته أو منفعته، فإنهم يصلون أفذاذا؛ أي يستتر به أحدهم ويصلي، ثم واحد بعد واحد كذلك، وهذا إن اتسع الوقت،
فإن ضاق فالظاهر القرعة، كما لو تنازعوا في التقدم. قاله البساطي.
ولو ضاق الوقت عن القرعة مع المشاحة صلوا عراة. قاله الشيخ الأمير.
وفي الطراز: إذا كان ثوب لشخص وأعاره لجماعة وضاق الوقت المختار، فإنه يصلي من لم يَصِلْ إليه عريانا، ويعيد إذا وصل إليه في الوقت الموسع. انتهى، أي الضروري كما لبناني، ولم يذكر قرعة. وقد يحمل هذا على حالة الرضى، إذ مع التشاح لا يمكن إلا القرعة. قاله الشيخ عبد الباقي -وهو ظاهر- والله سبحانه أعلم.
وقوله: "وإن كان لعراة"، أي يملكون ذاته أو منفعته كما مر قال الشيخ عبد الباقي، أو بعضهم يملك ذاته وبعضهم يملك منفعته. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، بل يقدم في هذه صاحب المنفعة. أو لأحدهم ندب له إعارتهم؛ يعني أنه إذا اجتمع عراة وأرادوا الصلاة، ولم يكن لهم ما يواري العورة إلا واحدا منهم له ثوب، فإنه يندب له بعد أن يصلي به أن يعيره لهم يصلون به، ويجلس عريانا حتى يصلوا.
هذا إن لم يكن فيه فضل، وإلا ففي جبره على إعارة الفضل واستحبابه له قولا ابن رشد، واللخمي. وكلام ابن عرفة يفيد ترجيح ما لابن رشد. قاله الشيخ إبراهيم. والقاعدة أيضا أنه إذا تعارض كلام ابن رشد واللخمي، قدم الأول؛ أي ابن رشد
فائدة: نقل ابن زكري عن المنذري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فنادى بصوت رفيع فقال: (يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإن من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته، يفضحه ولو في جوف رحله (١) ). انتهى.
ولفظ النصيحة: وقال عليه السلام: (من تتبع عورات أخيه تتبع الله عورته فيفضحه ولو في جوف بيته (٢) ). انتهى. ونقل ابن زكري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر أحدهما سر صاحبه (٣) ). انتهى.
ولفظ النصيحة: ويحرم ذكر حال الزوجة في فراشها، إذ هي أمانة عند الرجل، وقد عظم النبي صلى الله عليه وسلم أمر ذلك،
ولا يجوز إفشاء السر بل يحرم،
وضابط السر الذي لا يجوز إفشاؤه كل ما حدثت به مما تظن إفرادك به لما فيه من الضرر؛ إذ الضرر حاصل مهمى فهم قصد المحدث لكتمه، ففي الحديث: (المجالس بالأمانات (٤) )، وفيه: (إذا حدثك الرجل والتفت فهي أمانة (٥) ). انتهى. قوله: فهي أمانة؛ أي فالكلمة التي حدثك بها أمانة عند المحدَّث أودعه إياها،
فإن حدث بها غيره فقد خالف أمر الله حيث أدى الأمانة إلى غير أهلها فيكون من الظالمين، فيجب عليه حفظها؛ إذ التفاته بمنزلة استكتامه، وهذا من جوامع الكلم لما في هذا اللفظ الوجيز من الحمل على آداب العشرة، وحسن الصحبة، وكتم السر، وحفظ الود، والتحذير من النميمة بين الإخوان المؤدية للشنآن. وقد مر أن ضابط السر الذي لا يجوز إفشاؤه كل ما الخ، فكل لتعميم الجزئيات أي سواء تعلق المحدث به بحال المحدث أو غيره، كان في مسألة دينية أو دنيوية مما شأنه أن يكتم عند الناس، أو لا صرح المحدث بكتمه، أو فهم ذلك من حاله إلى غير ذلك من الاعتبارات.
ولا يتوقف الإفشاء على ذكر جميع الحديث؛ لأن الإذاية كما تحصل بذكر الجميع تحصل بذكر البعض. الماوردي: كما يجب للرجل أن يخفي عيوب نفسه وأسراره، يجب أن يخفي عيوب أخيه المسلم وأسراره،
وإن احتاج إلى الكذب في ذلك فله أن يفعل في حق أخيه،
فإن أخاه نازل منزلته، وهما كشخص واحد فليس الصدق واجبا في كل مقام. انتهى من ابن زكري.
ولما أنهى الكلام على الشروط الثلاثة، أتبعه بالكلام على الشرط الرابع فقال: فصل في الاستقبال، والأصل فيه قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} ، أي جهته، نزلت بعد أن صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا فكانت ناسخة لذلك (١) )، وكان صلى الله عليه وسلم يعجبه أن تكون قبلته قِبَلَ البيت، وأنه أول صلاة صلاها إليها صلاة العصر، وصلى معه قومه، فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الكعبة، فدَارُوا كما هم قِبَل البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم؛
إذ كان يصلي قبل بيت المقدس فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك فنزل: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} ، فقال السفهاء وهم اليهود: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} ، فرد عليهم بقوله: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ،
ولما وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا: (يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس (٣) )، فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} ، وما مر من أن أول صلاة صليت إلى بيت الله تعالى: العصر، لا ينافي أنها حولت إلى بيت الله تعالى في الركعة الثالثة من الظهر، فجمع فيها بين القبلتين؛ لأن المراد أول صلاة تامة. ووقع في البخاري: (فحولت في ركوع العصر (٤) ).
قاله الشيخ الخرشي. وأخرج الطبري عن ابن جريج قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم (أول ما صلى إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة فصلى ثلاث حجج، ثم هاجر فصلى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا، ثم وجهه الله إلى الكعبة (٥) ). نقله محمد بن عبد الباقي. وسميت القبلة قبلة لأن المصلي يقابلها. واعلم أن الكعبة هي بيت الله الحرام، وهو أول بيت وضع للناس، قال جل من قائل: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ}،
وفي الصحيح من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي مسجد وضع أول؟ فقال له: (المسجد الحرام،
قال: قلت: ثم أي، قال: ثم المسجد الأقصى: قلت كم بينهما؟ قال: أربعون عاما (١) ). وذكر الزبير بن أبي بكر بإسناده إلى جعفر الصادق رضي الله عنه قال: (جاء رجل أبيض الرأس واللحية، جليل العظام، بعيد ما بين المنكبين، عريض الصدر، عليه ثوبان غليظان في هيئة المحرم: فجلس إلى جنب أبي -وكان يصلي- فخفف الصلاة فسلم، ثم أقبل عليه فقال له الرجل: أخبرني عن بدء هذا البيت كيف كان؟
ثم قال له أبي: بدء خلق هذا البيت أن الله تبارك وتعالى قال للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} ، فردوا عليه: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} ، الآية فغضب عليهم، فعاذوا بالعرش فطافوا حوله سبعة أطواف يسترضون ربهم، فرضي عنهم، فقال لهم: ابنوا لي في الأرض بيتا فيعوذ به من سخطت عليه من بني آدم، ويطوفون حوله كما فعلتم بعرشي، فأرضى عنهم، فبنوا له هذا البيت، فقال له الرجل: يا أبا جعفر فما بدء خلق هذا الركن؟
فقال: إن الله تبارك وتعالى لما خلق الخلق، قال لبني آدم: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} ، وأقروا، وأجرى نهرا أحلى من العسل، وألذ من الزبد، ثم أمر القلم فاستمد من ذلك النهر، فكتب إقرارهم وما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم ألقم ذلك الكتاب هذا الحجر، فهذا الاستلام الذي ترى إنما هو بيعة على إقرارهم بالذي كانوا أقروا به، فقام الرجل وذهب، فقال لي أبي: ذلك الخضر (٢) )،
وفي حديث الترمذي: (نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بني آدم (٣) )،
وفي حديث: (إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما ولو لم يطمس نورهما لأضاءا ما بين المشرق والمغرب (٤) وفي الخبر عنه صلى الله عليه وسلم أنه
قال في الحَجَرِ: (والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد على من استلمه بحق )،
وفي حديث عطاء وقتادة أن آدم عليه السلام لما أهبطه الله تعالى من الجنة، وفقد ما كان يسمعه ويأنس إليه من أصوات الملائكة وتسبيحهم استوحش حتى شكا ذلك إلى الله تعالى في دعائه وصلاته: فوجهه إلى مكة، وأنزل الله تعالى ياقوتة من ياقوت الجنة فكانت على موضع البيت الآن،
وقال الله له: يا آدم إني قد أهبطت لك بيتا تطوف به كما يطاف حول عرشي، وتصلي عنده كما يصلى عند عرشي، فانطلق إليه آدم فطاف به هو ومن بعده من الأنبياء إلى أن كان الطوفان، فرفعت تلك الياقوتة حتى أمر الله إبراهيم عليه السلام ببناء البيت، فبناه، فذلك قوله تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} الآية وفي حديث ابن عباس: (إن البيت بني من خمسة أجبل: من طور سيناء، وطور [زيتا (٢) ]،
ومن لبنان، والجودي، وبنى قواعده من حراء. وروي أن آدم حج من الهند أربعين حجة على رجليه. وذكر الواقدي عن أبي جهم أن آدم عليه السلام أمر بأساس البيت فبناه هو وحواء أسساه بصخر أمثال الخلفات يعني النوق التي في بطونها أجنة واحدتها خلفة، أذن الله عز وجل للصخر أن تطيعهما، ثم أنزل البيت من السماء من ذهب أحمر وكل به من الملائكة سبعون ألف ملك فوضعوه على أس آدم عليه السلام.
ونزل الركن وهو يومئذ درة بيضاء، ووضع موضعه اليوم من البيت، وطاف به آدم وصلى فيه، فلما مات آدم عليه السلام وليه بعده ابنه شئث، فكان كذلك حتى حجه نوح عليه السلام، فلما كان الغرق؛ يعني الطوفان بعث الله جل ثناؤه سبعين ألف ملك، فرفعوه إلى السماء كي لا يصيبه الماء النجس، وبقيت قواعده: وجاءت السفينة فدارت به [سبعا ]، ثم دثر البيت فلم يحجه من بين نوح وإبراهيم أحد من الأنبياء على جميعهم السلام.
وفي الخبر أن موضعها كان غثاء على الماء قبل أن يخلق الله سبحانه السماوات والأرض، فلما بدأ الله بخلق الأشياء خلق التربة قبل السماء، فلما خلق السماء وقضاهن سبع سماوات دحى الأرض: أي بسطها. وإنما دحاها من تحت الكعبة فلذلك سميت مكةُ: أم القرى. وذكر ابن هشام أن الماء لم [يعل ]، الكعبة حين الطوفان، ولكنه قام حولها، وبقيت هي في هواء إلى السماء. قال جامعه عفا الله تعالى عنه: أي لم يمسها الماء هي وما فوقها إلى السماء.
والله سبحانه أعلم. وأن نوحا قال لأهل السفينة وهي تطوف بالبيت: إنكم في حرم الله وحول بيته، فأحرموا لله ولا يمس أحد امرأة، وجعل بينهم وبين النساء حاجزا، فتعدى حام، فدعا عليه نوح بأن يسود الله لون بنيه، فأجابه الله تعالى على وفق ما دعاه، واسود كوش بن حام وولده إلى يوم القيامة. وقد قيل في سبب دعوته عليه غير هذا. والله أعلم. ويروى أنه لما نضب ماء الطوفان بقي مكان البيت ربوة من مدرة، فحج إليه بعد ذلك هود وصالح ومن آمن معهما،
وأن يعرب قال لهود عليه السلام: ألا تبنيه؟ قال: إنما يبنيه نبي كريم يأتي من بعد يتخذه الرحمن خليلا.
ولما أراد الله عز وجل أن يُبَوئَ إبراهيمَ مكان البيت وأعلامه، أوحى الله إليه يأمره بالمسير إلى بلده الحرام، فركب إبراهيم البراق، وحمل إسماعيل أمامه؛ وهو ابن سنتين، وهاجر خلفه ومعه جبريل يدله على موضع البيت ومعالم الحرم، فكان لا يمر بقرية إلا قال له إبراهيم: بهذه أمرت يا جبريل؟ فيقول جبريل: لا حتى قدم به مكة؛ وهي إذ ذاك عِضَاهٌ وَسَلَمٌ وسَمُر، والعماليق يومئذ حول الحرم. وهم أول من نزل مكة، ويكونون بعرفة، وكانت المياه يومئذ قليلة، وكان موضع البيت قد دثر؛
وهو ربوة حمراء [مدرة ] يشرف على ما حوله، فقال له جبريل حين دخل من كداء وهو الجبل الذي يطلعك على الحجون والمقبرة: بهذه أمرت؟ قال إبراهيم: بهذه أمرتَ، قال: نعم، فانتهى إلى موضع البيت، فعمد إبراهيم إلى موضع الحِجْرِ فئاوى فيه هاجر وإسماعيل، وأمر هاجر أن في تتخذ فيه عريشا، فلما أراد إبراهيم أن يخرج ورأت أم إسماعيل أنه ليس بحضرتها أحد من الناس ولا ماء ظاهر، تركت ابنها في مكانها وتبعت إبراهيم، فقالت: يا إبراهيم إلى من تدعنا؟
فسكت عنها حتى إذا دنا من كداء. قال: إلى الله عز وجل أدعكم، قالت: فالله عز وجل أمرك بهذا؟ قال: نعم قالت: فحسبي، تركتنا إلى كاف، وانصرفت هاجر إلى ابنها [وخرج إبراهيم ]، حتى وقف على كداء ولا بناء ولا ظل ولا شيء يحول دون ابنه، فنظر إليه فأدركه ما يدرك الوالد من الرحمة لولده، فقال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} ثم انصرف إبراهيم راجعا إلى الشام، وعمدت هاجر فجعلت عريشا في موضع الحِجْر من سمر وثمام ألقته [عليها ]، ومعها شن فيه شيء من ماء، فلما نفد الماء عطش إسماعيل وعطشت أمه، فانقطع لبنُها، فأخذ إسماعيل كهيئة الموت فظنت أنه ميت، فجزعت وخرجت جزعا أن تراه على تلك الحال، وقالت: يموت وأنا غائبة عنه أهون علي، وعسى الله أن يجعل لي في ممشاي خيرا، فانطلقتْ فنظرتْ إلى جبل الصفا فأشرفتْ عليه تستغيث ربها عز وجل وتدعوه، ثم انحدرت إلى المروة فلما كانت بالوادي خبت حتى انتهت إلى المروة، فعلت ذلك سبع مرات؛
كلما أشرفت على الصفا نظرت إلى ابنها فتراه على حاله،
وإذا أشرفت على المروة فمثل ذلك. فكان ذلك أول ما سعي بين الصفا والمروة، [وكان من قبلها يطوفون بالبيت ولا يسعون بين الصفا والمروة ] ولا يقفون المواقف حتى كان إبراهيم، فلما كان الشوط السابع ويئست، سمعت صوتا فاستمعت فلم تسمع إلا الأول، فظنت أنه شيء عرض لسمعها من الظمإ والجهد، فنظرت إلى ابنها فإذا هو يتحرك فأقامت على المروة مليا، ثم سمعت الصوت الأول، فقالت: إني سمعت صوتك فأعجبني،
فإن كان عندك خير فأغثني فإني قد هلكت وهلك ما عندي، فخرج الصوت [يصوت ] بين يديها، وخرجت تتلوه قد قويت نفسها حتى انتهى الصوت عند رأس إسماعيل، ثم بدا لها جبريل فانطلق بها حتى وقف على موضع زمزم، فضرب بعقبه مكان البير، فظهر الماء فوق الأرض حين فحص بعقبه، وفارت بالرِّوَى، فجعلت أم إسماعيل تحظر الماء بالتراب خشية أن يفوتها قبل أن تأتي بشنتها، فاستقت، وبادرت إلى ابنها فسقته، وشربت فجعل ثدياها يتفطران لبنا، فكان ذلك الماء طعاما وشرابا لإسماعيل، وكانت تجتزئ بماء زمزم، فقال لها الملك لا تخافي أن ينفد هذا الماء، وأبشري فإن ابنك سيشب ويأتي أبوه من الشام فيبنون هنا بيتا تأتيه عباد الله من أقطار الأرض مُلَبِّين لله جل ثناؤه شعثا غبرا، فيطوفون به ويكون هذا الماء شرابا لضيفان الله عز وجل الذين يزورون بيته، فقالت: بشرك الله بخير، وطابت نفسها وحمدت الله عز وجل.
ولما بلغ إسماعيل ثلاثين سنة وإبراهيم يومئذ ابن مائة سنة، أوحى الله جل ثناؤه إلى إبراهيم: أن ابن لي بيتا، فقال إبراهيم: أي رب أين أبنيه؟ فأوحى الله إليه أن اتبع السكينة، وهي ريح لها وجه وجناحان، ومع إبراهيم الملك والصرد فانتهوا بإبراهيم إلى مكة، فنزل إسماعيل إلى الموضع الذي بوأه الله عز وجل إبراهيم، وموضع البيت ربوة حمراء مدرة مشرفة على ما حولها، فحفر إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وليس معهما غيرهما أساس البيت، يريدان أساس آدم الأول فحفرا عن ربض البيت، يعني حوله، فوجدا صخرة لا يطيقها إلا ثلاثون رجلا، وحفرا حتى بلغا أساس آدم، ثم بنى عليه وحلقت السكينة كأنها سحابة على موضع البيت، فقالت: ابن علي، فلذلك لا يطوف بالبيت أحد أبدا كافر ولا جبار إلا ريئت عليه السكينة، فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت فجعلا طوله في السماء: تسعة أذرع، وعرضه في الأرض: ثلاثين ذراعا، وطوله في الأرض: اثنين وعشرين ذراعا، وأدخل الحِجْرُ في البيت، وكان قبل ذلك زربا لغنم إسماعيل، وإنما بناه بحجارة بعضها على بعض، ولم يجعل له سقفا، وجعل له بابا، وحفر له بيرا عند بابه خزانة للبيت، يلقى فيها ما أهدي للبيت، وجعل الركن علما للناس، فذهب إسماعيل إلى الوادي يطلب حجرا، ونزل جبريل بالحجر الأسود، وكان قد رفع إلى السماء حين غرقت الأرض كما رفع البيت، فنزل به جبريل، فوضعه إبراهيم موضع الركن، وجاء إسماعيل بالحجر من الوادي فوجد إبراهيم قد وضع الحجر، فقال: من أين هذا، من جاءك به؟
قال إبراهيم: من لم يكلني إليك ولا إلى حجرك، وأمر إبراهيم بعد فراغه من البناء أن يؤذن في الناس بالحج، فقال: يا رب، وما يبلغ صوتي؟ قال الله جل ثناؤه: أذن، وعلي البلاغ: فارتفع على المقام؛ وهو يومئذ ملصق بالبيت، فارتفع به المقام حتى كان أطول من الجبال، فنادى وأدخل إصبعيه في أذنيه، وأقبل بوجهه شرقا وغربا يقول: أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فأجيبوا ربكم عز وجل، فأجابه من تحت البحور السبعة ومن بين المشرق والمغرب إلى منقطع التراب من أطراف الأرض كلها: لبيك اللهم لبيك، أفلا تراهم يأتون يلبون؟
فمن حج من يومئذ إلى يوم القيامة فهو ممن استجاب لله عز وجل .
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.