وأثم مار له مندوحة
الشروح عليها
(وَأَثِمَ) (مَارٌّ) بَيْنَ يَدَيْهِ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ
وَكَذَا مُنَاوِلٌ آخَرَ شَيْئًا أَوْ يُكَلِّمُ آخَرَ إنْ كَانَ الْمَارُّ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِ (لَهُ مَنْدُوحَةٌ) أَيْ سَعَةٌ فِي تَرْكِ ذَلِكَ صَلَّى لِسُتْرَةٍ أَوْ لَا إلَّا طَائِفًا بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِلَّا مُصَلِّيًا مَرَّ لِسُتْرَةٍ أَوْ فُرْجَةٍ فِي صَفٍّ أَوْ لِرُعَافٍ
(قَوْلُهُ: وَأَثِمَ مَارٌّ بَيْنَ يَدَيْهِ) أَيْ إمَامِهِ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ أَيْ وَهُوَ حَرِيمُهُ الْمُتَقَدِّمُ تَحْدِيدُهُ وَلِلْمُصَلِّي دَفْعُ ذَلِكَ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ دَفْعًا خَفِيفًا لَا يَشْغَلُهُ فَإِنْ كَثُرَ أَبْطَلَ صَلَاتَهُ وَلَوْ دَفَعَ فَأَتْلَفَ لَهُ شَيْئًا كَمَا لَوْ خَرَقَ ثَوْبَهُ أَوْ سَقَطَ مِنْهُ مَالٌ ضَمِنَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَلَوْ دَفَعَهُ دَفْعًا مَأْذُونًا فِيهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَلَوْ دَفَعَهُ فَمَاتَ كَانَتْ دِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ دَافِعِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ صَارَ كَالْخَطَأِ فَلِذَا لَمْ يَقْتُلْ فِيهِ وَكَانَتْ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ
وَقِيلَ يَكُونُ هَدَرًا وَقِيلَ الدِّيَةُ فِي مَالِ الدَّافِعِ اُنْظُرْ ح
(قَوْلُهُ: وَكَذَا مُنَاوِلٌ آخَرَ شَيْئًا) أَيْ
وَكَذَا يَأْثَمُ مُنَاوِلٌ آخَرَ شَيْئًا بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي وَقَوْلُهُ أَوْ يُكَلِّمُ آخَرَ أَيْ بِأَنْ يُكَلِّمَ مَنْ عَلَى أَحَدِ جَانِبَيْ الْمُصَلِّي شَخْصًا بِجَانِبِهِ الْآخَرِ
(قَوْلُهُ: إنْ كَانَ الْمَارُّ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِ لَهُ مَنْدُوحَةٌ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا كَانَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَإِنْ كَانَ لِلْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ مَنْدُوحَةٌ حَرُمَ عَلَيْهِ الْمُرُورُ صَلَّى الْمُصَلِّي لِسُتْرَةٍ أَمْ لَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْدُوحَةٌ فَلَا يَحْرُمُ الْمُرُورُ صَلَّى الْمُصَلِّي لِسُتْرَةٍ أَمْ لَا وَإِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ حَرُمَ الْمُرُورُ إنْ كَانَ لَهُ مَنْدُوحَةٌ وَصَلَّى لِسُتْرَةٍ وَإِلَّا جَازَ الْمُرُورُ هَذَا إذَا كَانَ الْمَارُّ غَيْرَ طَائِفٍ
وَأَمَّا هُوَ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ كَانَ لِلْمُصَلِّي سُتْرَةٌ أَمْ لَا، نَعَمْ إنْ كَانَ لَهُ سُتْرَةٌ كُرِهَ
(قَوْلُهُ: إلَّا طَائِفًا بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أَيْ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي لَوْ صَلَّى لِسُتْرَةٍ
وَكَذَا يُقَالُ فِيمَنْ بَعْدَهُ وَهُوَ الْمُصَلِّي يَمُرُّ لِسُتْرَةٍ أَوْ فُرْجَةٍ وَالْمُضْطَرُّ لِلْمُرُورِ لِكَرِعَافٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِمَا فِي الْمُرُورِ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ وَلَوْ كَانَ لِلْمُصَلِّي الَّذِي حَصَلَ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ
ص (وَأَثِمَ مَارٌّ لَهُ مَنْدُوحَةٌ)
ش: قَالَ فِي الْكَافِي وَالْكَرَاهَةُ شَدِيدَةٌ فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي وَفَاعِلُ ذَلِكَ عَامِدًا آثِمٌ،
وَمَنْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَخَفَّ بِهِ كَانَتْ فِيهِ جُرْحَةٌ انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَإِنْ قُلْتَ: كَوْنُ الْمُصَلِّي يَأْثَمُ مُنَافٍ لِمَا قَدَّمْت أَنَّ السُّتْرَةَ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا إذْ لَا يَأْثَمُ إلَّا فِي الْوَاجِبِ قِيلَ: مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْإِثْمُ غَيْرُ مَا هُوَ مَنْدُوبٌ إذْ النَّدْبُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ السُّتْرَةِ وَالْإِثْمُ بِالتَّعَرُّضِ وَهُمَا مُتَغَايِرَانِ انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَأَخَذَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ التَّأْثِيمِ وُجُوبُ السُّتْرَةِ يُرَدُّ بِأَنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى تَعْلِيقِهِ بِالْمُرُورِ نَصٌّ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ وَإِلَّا لَزِمَ دُونَ مُرُورٍ انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ هَذَا فِي نَقْلِ ابْنِ نَاجِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَسُتْرَةٌ، وَهُوَ مَعْنَى مَا
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ مَوْقِفُ الْمُصَلِّي] (فَرْعٌ) وَأَمَّا مَوْقِفُ الْمُصَلِّي فَيَنْبَغِي أَنْ يَدْنُوَ مِنْ سُتْرَتِهِ وَاخْتُلِفَ فِي قَدْرِ الدُّنُوِّ مِنْهَا فَقِيلَ: يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا قَدْرُ شِبْرٍ فَإِذَا رَكَعَ تَأَخَّرَ
وَقِيلَ: قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي الْمُسْتَحَبِّ مِنْ قُرْبِهَا ثُلُثٌ، رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ مِنْ الصَّوَابِ قَدْرُ صَفَّيْنِ اللَّخْمِيُّ قَيْدَ شِبْرٍ
وَقِيلَ: ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ وَكَانَ شَيْخُنَا أَبُو الطَّيِّبِ يَدْنُو قَائِمًا شِبْرًا فَإِذَا رَكَعَ تَأَخَّرَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الزَّاهِي: وَيُصَلِّي الْمُصَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ قَدْرُ مَمَرِّ الشَّاةِ، انْتَهَى.
[تَنْبِيهٌ قَدْرُ حَرِيمِ الْمُصَلِّي] (تَنْبِيهٌ)
وَأَمَّا قَدْرُ حَرِيمِ الْمُصَلِّي فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَقَوْلُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ: مَنْ صَلَّى لِغَيْرِ سُتْرَةٍ قِيلَ: لَا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ بِقَدْرِ رَمْيَةِ حَجَرٍ
وَقِيلَ: سَهْمٌ وَقِيلَ: رُمْحٌ وَقِيلَ: قَدْرُ مُضَارَبَةِ السَّيْفِ، وَالْكُلُّ غَلَطٌ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ قَدْرُ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ خِلَافُ تَلَقِّيهِمْ قَوْلَ أَشْهَبَ فِي الْإِشَارَةِ بِالْقَبُولِ انْتَهَى. وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ نَحْوُهُ فِي الطِّرَازِ.
[فَرْعٌ مُدَافَعَةِ الْمَارِّ وَهُوَ يُصَلِّي] (فَرْعٌ)
وَأَمَّا حُكْمُ مُدَافَعَةِ الْمَارِّ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَدْفَعُهُ دَفْعًا خَفِيفًا لَمْ يَشْغَلْهُ عَنْ الصَّلَاةِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَدَرْءُ الْمَارِّ جَهْدُهُ وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ بِالْمَعْرُوفِ أَشْهَبُ إنْ بَعُدَ أَشَارَ إلَيْهِ فَإِنْ مَشَى أَوْ نَازَعَهُ لَمْ تَبْطُلْ فَأَطْلَقَهُ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ إنْ كَثُرَتْ بَطَلَتْ انْتَهَى قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ: فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ الثَّانِي فِي قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: وَيَدْرَأُ مَا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ دَفَعَهُ فَسَقَطَ لِلْمَارِّ دِينَارٌ ضَمِنَهُ الدَّافِعُ وَلَوْ دَفَعَهُ دَفْعًا مَأْذُونًا فِيهِ كَقَوْلِهَا فِي مَسْأَلَةِ الْبَابِ وَالْقِلَالِ.
(قُلْت) فِي تَعْلِيقَةِ الْقَابِسِيُّ عَنْ ابْنِ شَعْبَانَ لَوْ دَفَعَهُ فَخَرَقَ ثَوْبَهُ ضَمِنَهُ وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ إنْ لَمْ يُعَنِّفْ فِي الدَّفْعِ لَمْ يَضْمَنْ.
(قُلْت) صَوَابٌ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ جَلَسَ فِي صَلَاتِهِ عَلَى طَرَفِ ثَوْبِ صَاحِبِهِ فَقَامَ فَانْخَرَقَ انْتَهَى.
وَلَفْظُ ابْنِ عَرَفَةَ فَلَوْ دَرَأَهُ فَمَاتَ فَابْنُ شَعْبَانَ خَطَأً أَبُو عُمَرَ دِيَتُهُ فِي مَالِهِ الْمَازِرِيُّ خَرَّجَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي سُقُوطِ سِنِّ الْعَاضِّ وَسِنِّ الْمَعْضُوضِ أَبُو عُمَرَ
وَقِيلَ: دَمُهُ هَدَرٌ. انْتَهَى وَفِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ لِلْأَقْفَهْسِيِّ وَلَوْ دَفَعَ الْمَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَمَاتَ كَانَتْ دِيَتُهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَأَجْرَى عَبْدُ الْحَقِّ هَذَا الْخِلَافَ فِيمَنْ عَضَّ إنْسَانًا فَأَخْرَجَ الْمَعْضُوضُ يَدَهُ فَكَسَرَ سِنَّ الْعَاضِّ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ مَحِلُّ وَضْعِ السُّتْرَةِ فِي الصَّلَاة] (فَرْعٌ)
وَأَمَّا مَحِلُّ وَضْعِ السُّتْرَةِ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: اللَّخْمِيُّ يَجْعَلُ مِثْلَ الْحَرْبَةِ إلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ أَبُو عُمَرَ أَوْ الْأَيْسَرِ قَالُوا: لَا يُصْمَدُ لَهُ صَمْدًا، انْتَهَى.
[فَرْعٌ مَرَّ الْهِرّ بالمصلي] (فَرْعٌ)
فَلَوْ مَرَّ بِهِ كَالْهِرِّ رَدَّهُ بِرِجْلِهِ أَوْ يَلْصَقُ بِالسُّتْرَةِ حَتَّى يَمُرَّ مِنْ خَلْفِهِ،
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَزَلْ يَدْرَأُ بَهِيمَةً أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى لَصَقَ بَطْنَهُ بِالْجِدَارِ وَجَاءَ أَنَّهُ حَبَسَ هِرًّا بِرِجْلِهِ أَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، انْتَهَى مِنْ ابْنِ فَرْحُونٍ.
[فَرْعٌ تَشَوَّشَ الْمُصَلِّي مِنْ شَيْءٍ أَمَامَهُ يَمْنَعُهُ مِنْ السُّجُودِ] (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا لَا يُنَاوِلُ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ مَنْ عَلَى يَسَارِهِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يُكَلِّمُهُ، انْتَهَى.
وَفِي مَسَائِلِ ابْنِ قَدَّاحٍ: وَإِذَا تَشَوَّشَ الْمُصَلِّي مِنْ شَيْءٍ أَمَامَهُ يَمْنَعُهُ مِنْ السُّجُودِ أَزَالَهُ فَإِنْ كَانَ عَنْ يَمِينِهِ أَبْعَدَهُ وَلَا يَرُدُّ عَنْ يَسَارِهِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ الْمُرُورُ بَيْنَ الصُّفُوفِ فِي الصَّلَاة] (فَرْعٌ)
وَأَمَّا الْمُرُورُ بَيْنَ الصُّفُوفِ فَجَائِزٌ قَالَ مَالِكٌ: لَا أَكْرَهُ الْمُرُورَ بَيْنَ الصُّفُوفِ وَالْإِمَامُ يُصَلِّي قَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَهُوَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا وَلَا بَأْسَ بِالْمُرُورِ بَيْنَ الصُّفُوفِ مَالِكٌ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ سُتْرَةٌ لَهُمْ الْقَاضِي سُتْرَتُهُ سُتْرَةٌ لَهُمْ فَخَرَّجَ عَلَيْهَا مَنْعَ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ وَبَيْنَهُمْ وَجَوَّزَهُ ابْنُ بَشِيرٍ فَقِيلَ: مُتَرَادِفَانِ أَبُو إبْرَاهِيمَ تَعْلِيلُ مَالِكٍ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ سُتْرَةً لَهُمْ امْتَنَعَ الْمُرُورُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ وَيُجَابُ بِأَنَّ مُرَادَهُ سُتْرَةٌ لِمَنْ يَلِيهِ حِسًّا وَحُكْمًا وَلِغَيْرِهِ حُكْمًا فَقَطْ وَالْمَمْنُوعُ فِيهِ الْمُرُورُ الْأَوَّلُ فَقَطْ وَبِهِ يَتِمُّ التَّخْرِيجُ،
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَحَرَكَةُ مُصَلٍّ آخَرَ وَمُرُورُهُ لَا يَضُرُّ وَلَا خِلَافَ أَنَّ مُرُورَ الطَّائِفِينَ لَا يُقْدَحُ وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِمَدِينَةِ فَاسَ إذَا رَأَى فُرْجَةً فِي مَوْضِعِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مُصَلٍّ آخَرَ مَشَى إلَيْهِ، انْتَهَى.
[فَائِدَة الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ] (فَائِدَةٌ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فِي إعْلَامِ السَّاجِدِ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ: مَذْهَبُ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَأَنَّ الصَّلَاةَ لَا يَقْطَعُهَا بِمَكَّةَ شَيْءٌ،
وَلَوْ كَانَ الْمَارُّ امْرَأَةً بِخِلَافِ غَيْرِهَا، حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ انْتَهَى وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ مَالِكٍ فَإِنْ عَنَى بِهِ كَوْنَ الصَّلَاةِ لَا يَقْطَعُهَا شَيْءٌ فَهُوَ مَذْهَبُهُ لَكِنَّهُ لَيْسَ خَاصًّا بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بَلْ فِي سَائِرِ الْأَمَاكِنِ،
وَإِنْ عَنَى بِهِ جَوَازَ الْمُرُورِ فَيُنْظَرُ فِي ذَلِكَ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ فِي آخِرِ رَسْمِ الْمُحْرِمِ يَتَّخِذُ الْخِرْقَةَ لِفَرْجِهِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ الْأَوَّلِ وَنَصُّهُ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ مَكَّةَ وَالْمُرُورِ بِهَا بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ أَتَرَى أَنْ يَمْنَعَ مِنْهَا بِمِثْلِ مَا يَمْنَعَ مِنْ غَيْرِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ إنِّي لَأَرَى ذَلِكَ إذَا كَانَ يُصَلِّي إلَى عَمُودٍ أَوْ سُتْرَةٍ وَلَا أَدْرَى مَا الطَّوَافُ كَأَنَّهُ يُخَفِّفُهُ إنْ صَلَّى إلَى الطَّائِفِينَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ فِي قَوْلِهِ: إذَا كَانَ يُصَلِّي إلَى عَمُودٍ أَوْ سُتْرَةٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ فَالْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ جَائِزٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْرَأَ مَنْ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ
بِخِلَافِ الْمُصَلِّي فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ وَالْإِثْمُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ دُونَ الْمَارِّينَ
بِخِلَافِ صَلَاتِهِ إلَى الطَّائِفِينَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الطَّائِفِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْمَارِّينَ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي إجَازَةِ الصَّلَاةِ إلَيْهِمْ أَنَّ الطَّائِفِينَ مُصَلُّونَ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ وَإِنْ جَازَ فِيهِ الْكَلَامُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى طَهَارَةٍ وَالصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى سُتْرَةٍ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مِنْ غَيْرِ الطَّائِفِينَ وَأَنَّ مَنْ مَرَّ كَانَ لَهُ أَنْ يَدْرَأَهُ عَنْ ذَلِكَ
وَأَمَّا الطَّائِفُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَمُرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ بُدًّا مِنْ ذَلِكَ مِنْ زِحَامٍ فَلْيَمُرَّ وَلَا يَدْرَؤُهُ الْمُصَلِّي عَنْ الْمُرُورِ،
وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ وَإِنْ مَرَّ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الطَّوَافِ وَغَيْرِهِ وَلَا إثْمَ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهِمْ وَأَنَّ مَكَّةَ مَخْصُوصَةٌ بِجَوَازِ الْمُرُورِ فِيهَا بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِمَّا يَلِي بَابَ بَنِي سَهْمٍ وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ وَقَالَ بَعْضُ الرُّوَاةِ: لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّوَافِ سُتْرَةٌ.
قَالَ فَمِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي يُصَلِّي مُحَاذِيًا إلَى الْكَعْبَةِ يَسْتَقْبِلُ فِي صَلَاتِهِ وُجُوهَ بَعْضِ الْمُصَلِّينَ إلَيْهَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا فَإِذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ وُجُوهَهُمْ جَازَ لَهُ أَنْ يَمُرُّوا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقْبِلُ بِذَلِكَ إلَّا خُدُودَهُمْ فَهُوَ أَخَفُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ، انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ.
(وَأَثِمَ مَارٌّ لَهُ مَنْدُوحَةٌ وَمُصَلٍّ تَعَرَّضَ) اللَّخْمِيِّ: إنْ مَرَّ غَيْرَ مُضْطَرٍّ بَيْنَ يَدَيْ تَارِكِهَا حَيْثُ الْمُرُورُ أَثِمَا، وَعَكْسُهُمَا لَا يَأْثَمَانِ، وَبَيْنَ يَدَيْ تَارِكِهَا حَيْثُ أَمِنَ الْمُرُورَ أَثِمَ الْمَارُّ وَعَكْسُهُ الْمُصَلِّي. وَأَخَذَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ التَّأْثِيمِ وُجُوبَ السُّتْرَةِ ابْنُ عَرَفَةَ: وَيُرَدُّ بِأَنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى تَعْلِيقِ التَّأْثِيمِ بِالْمُرُورِ نَصٌّ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ وَالْإِلْزَامِ دُونَ مُرُورٍ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(ص) وَأَثِمَ مَارٌّ لَهُ مَنْدُوحَةٌ وَمُصَلٍّ تَعَرَّضَ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْمَارَّ إذَا كَانَ لَهُ سِعَةٌ فِي تَرْكِ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي وَمَرَّ فَإِنَّهُ يَأْثَمُ كَانَ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي سُتْرَةٌ أَمْ لَا تَعَرَّضَ الْمُصَلِّي أَمْ لَا فَإِنْ كَانَ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ وَالْمُصَلِّي هُوَ الَّذِي تَعَرَّضَ لِلْمُرُورِ بِأَنْ صَلَّى لِغَيْرِ سُتْرَةٍ بِمَحَلٍّ يُخْشَى بِهِ الْمُرُورُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى الِانْحِيَازِ إلَى شَيْءٍ فَلَا إثْمَ عَلَى الْمَارِّ وَيَأْثَمُ الْمُصَلِّي فَقَطْ حَيْثُ حَصَلَ الْمُرُورُ لَهُ فِي الْمَحَلِّ الْمَذْكُورِ كَمَا لَا إثْمَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمُرُورِ مَنْ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ وَلَا تَعَرُّضَ فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ يَأْثَمَانِ وَعَكْسُهُ يَأْثَمُ الْمَارُّ لَا الْمُصَلِّي وَعَكْسُهُ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَوْنِ السُّتْرَةِ مَنْدُوبَةً وَبَيْنَ الْإِثْمِ بِتَرْكِهَا إذْ النَّدْبُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِهَا وَالْإِثْمُ بِالْمُرُورِ وَهُمَا مُتَغَايِرَانِ قَوْلُهُ وَأَثِمَ مَا رَأَى غَيْرَ مُصَلٍّ وَطَائِفٍ؛
لِأَنَّ مُرُورَ الطَّائِفِينَ وَحَرَكَةَ مُصَلٍّ آخَرَ وَمُرُورَهُ لَا تَضُرُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي لِسُتْرَةٍ وَلِغَيْرِهَا إنْ كَانَ الْمَارُّ مُصَلِّيًا وَلَوْ كَانَ لَهُ مَنْدُوحَةٌ
وَيُكْرَهُ إنْ كَانَ الْمَارُّ طَائِفًا وَلَهُ مَنْدُوحَةٌ
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَارُّ غَيْرَ مُصَلٍّ وَلَا طَائِفٍ فَيَحْرُمُ مُرُورُهُ إنْ كَانَ لَهُ مَنْدُوحَةٌ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي بِغَيْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مُطْلَقًا وَبِهِ إنْ صَلَّى لِسُتْرَةٍ فَإِنْ صَلَّى لِغَيْرِ سُتْرَةٍ لَمْ يَحْرُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَإِنْ كَانَ لِلْمَارِّ مَنْدُوحَةٌ فَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ وَأَثِمَ مَارًّا إلَخْ أَيْ مَارٌّ غَيْرُ مُصَلٍّ وَلَا طَائِفٍ، وَهَذَا مَا لَمْ يُمْكِنْ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْ مُصَلٍّ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ غَيْرِ سُتْرَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ كَانَ لِلْمَارِّ مَنْدُوحَةٌ.
(قَوْلُهُ وَأَثِمَ مَارٌّ إلَخْ) وَكَذَا مُنَاوِلٌ آخَرَ شَيْئًا وَمُكَلِّمٌ آخَرَ بَيْنَ يَدَيْ مُصَلٍّ.
(قَوْلُهُ تَعَرَّضَ الْمُصَلِّي إلَخْ) بِأَنْ صَلَّى بِمَوْضِعٍ يَخْشَى فِيهِ الْمُرُورَ بِدُونِ سُتْرَةٍ وَقَوْلُهُ أَمْ لَا أَيْ لَمْ يَتَعَرَّضْ أَيْ بِأَنْ صَلَّى بِمَوْضِعٍ لَا يَخْشَى فِيهِ الْمُرُورَ أَوْ بِمَوْضِعٍ يَخْشَى فِيهِ الْمُرُورَ وَصَلَّى لِسُتْرَةٍ وَلَا يَخْفَى أَنَّ أَحَدَ التَّعْمِيمَيْنِ يَكْفِي
فَلَوْ يَقْتَصِرُ عَلَى أَحَدِهِمَا لَكَفَاهُ بَلْ لِرُبَّمَا أَوْهَمَ أَنَّ التَّعَرُّضَ يَتَحَقَّقُ وَلَوْ مَعَ السُّتْرَةِ فَيُنَافِي مَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى لِغَيْرِ سُتْرَةٍ تَفْسِيرًا لِلتَّعَرُّضِ.
(قَوْلُهُ وَبَيْنَ الْإِثْمِ بِتَرْكِهَا) أَيْ مَعَ تَرْكِهَا فَلَيْسَتْ الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ لِأَنَّ التَّرْكَ لَيْسَ سَبَبًا فِي الْإِثْمِ بَلْ السَّبَبُ فِي الْإِثْمِ الْمُرُورُ مُصَاحِبًا لِتَرْكِهَا
(قَوْلُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي إلَخْ) هَذِهِ صُوَرٌ أَرْبَعٌ
(قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ إنْ كَانَ الْمَارُّ طَائِفًا) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْمُصَلِّيَ صَلَّى لِسُتْرَةٍ أَيْ
وَأَمَّا بِغَيْرِ سُتْرَةٍ فَيَجُوزُ وَلَوْ كَانَ لِلطَّائِفِ مَنْدُوحَةٌ وَلَا حُرْمَةَ عَلَى ذَلِكَ الْمُصَلِّي وَصُوَرُهُ أَرْبَعٌ، وَحَاصِلُهَا أَنَّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ مَنْدُوحَةٌ فَيَجُوزُ مُطْلَقًا صَلَّى لِسُتْرَةٍ أَمْ لَا،
وَأَمَّا إذَا كَانَ لَهُ مَنْدُوحَةٌ فَيُكْرَهُ إذَا صَلَّى لِسُتْرَةٍ،
وَأَمَّا إذَا صَلَّى لِغَيْرِ سُتْرَةٍ فَيَجُوزُ.
(قَوْلُهُ لَمْ يَحْرُمْ الْمُرُورُ) بَلْ يَجُوزُ الْمُرُورُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْحُرْمَةِ الْجَوَازُ مَعَ أَنَّهُ الْمَقْصُودُ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمُصَلِّي؛ لِأَنَّهُ صَلَّى لِغَيْرِ سُتْرَةٍ وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا صَلَّى لِغَيْرِ سُتْرَةٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَلَا يَحْرُمُ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ بَلْ يَجُوزُ كَانَ الْمَارُّ طَائِفًا أَوْ غَيْرَهُ وَلَيْسَ لِلْمُصَلِّي الدَّرْءُ فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى الْمُصَلِّي إنْ كَانَ الْمَارُّ غَيْرَ طَائِفٍ
لَا إنْ كَانَ طَائِفًا وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ كَانَ لِغَيْرِ سُتْرَةٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الطَّائِفِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْمَارِّينَ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي إجَازَةِ الصَّلَاةِ إلَيْهِمْ أَنَّ الطَّائِفِينَ مُصَلُّونَ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ وَإِنْ جَازَ فِيهِ الْكَلَامُ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى طَهَارَةٍ
وَأَمَّا إذَا صَلَّى لِسُتْرَةٍ أَيْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ الطَّائِفِينَ وَعَلَى غَيْرِ الْمُصَلِّينَ الْمُرُورُ
وَيُكْرَهُ لِلطَّائِفِ إنْ كَانَ لَهُ مَنْدُوحَةٌ
وَيَجُوزُ لِلْمُصَلِّي فَإِنْ قُلْت فِي صُورَةِ كَرَاهَةِ مُرُورِ الطَّائِفِ هَلْ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَدْرَأَهُ أَوْ لَا قُلْت الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ يَدْرَؤُهُ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصُّوَرَ اثْنَا عَشَرَ: أَرْبَعَةٌ فِي الْمَارِّ الطَّائِفِ، وَأَرْبَعَةٌ فِي الْمَارِّ الْمُصَلِّي، وَأَرْبَعَةٌ فِي الْمَارِّ غَيْرِ الْمُصَلِّي وَالطَّائِفِ وَأَنَّهُ مَتَى كَانَ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ فَيَجُوزُ مُطْلَقًا
وَكَذَا لَهُ مَنْدُوحَةٌ وَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَصَلَّى لِغَيْرِ سُتْرَةٍ وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يَكُنْ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَصَلَّى فَيَحْرُمُ مُطْلَقًا كَمَا إذَا كَانَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَصَلَّى لِسُتْرَةٍ.
(قَوْلُهُ وَهَذَا) الْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَأَثِمَ مَارٌّ إلَخْ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْ مُصَلٍّ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْ مُصَلٍّ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْحَالُ أَنَّهُ صَلَّى لِغَيْرِ سُتْرَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ كَانَ الْمَارُّ مُصَلِّيًا أَوْ طَائِفًا أَوْ لَا فَتَدَبَّرْ.
(تَنْبِيهٌ) : يُنْدَبُ الدُّنُوُّ مِنْ السُّتْرَةِ قِيلَ شِبْرٌ
وَقِيلَ ذِرَاعٌ وَقِيلَ قَدْرُ مَمَرِّ الشَّاةِ وَفِي كَوْنِ حَرِيمِ الْمُصَلِّي بِغَيْرِهَا قَدْرُ رَمْيَةِ حَجَرٍ أَوْ سَهْمٍ أَوْ رُمْحٍ أَوْ قَدْرُ مُضَارَبَةِ السَّيْفِ أَوْ قَدْرُ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ وَهُوَ الْأَوْفَقُ بِيُسْرِ الدِّينِ أَقْوَالٌ وَيَدْفَعُ الْمُصَلِّي الْمَارَّ دَفْعًا خَفِيفًا لَا يَشْغَلُهُ،
فَإِنْ كَثُرَ أَبْطَلَ وَلَوْ دَفَعَهُ فَسَقَطَ مِنْهُ دِينَارٌ أَوْ انْخَرَقَ ثَوْبُهُ ضَمِنَ وَلَوْ دَفْعًا مَأْذُونًا فِيهِ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَلَوْ مَاتَ كَانَتْ دِيَتُهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ قَالَهُ الْأَقْفَهْسِيُّ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَأْذُونًا فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ كَانَ كَالْخَطَإِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُقْتَلْ فِيهِ وَكَانَتْ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
(وَأَثِمَ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ شَخْصٌ (مَارٌّ) فِي حَرَمِ الْمُصَلِّي.
وَكَذَا مُنَاوِلٌ فِيهِ آخَرَ شَيْئًا مِنْكُمْ مَعَ آخَرَ وَالْمُصَلِّي بَيْنَهُمَا وَنُعِتَ مَارٌّ بِجُمْلَةِ (لَهُ) أَيْ الْمَارِّ
وَكَذَا مَنْ أَلْحَقَ بِهِ (مَنْدُوحَةً) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ سَعَةً فِي تَرْكِ الْمُرُورِ، وَمَا أُلْحِقَ بِهِ سَوَاءٌ صَلَّى الْمُصَلِّي لِسُتْرَةٍ أَمْ لَا إلَّا طَائِفًا فَيَجُوزُ مُرُورُهُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي بِلَا سُتْرَةٍ.
وَيُكْرَهُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي إلَى سُتْرَةٍ وَمُصَلِّيًا مَرَّ لِسُتْرَةٍ أَوْ فُرْجَةٍ فِي صِفَةٍ أَوْ لِغَسْلِ رُعَافٍ وَمَفْهُومُ الصِّفَةِ عَنْ إثْمِ مَارٍّ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ وَمُصَلٍّ تَعَرَّضَ وَإِنْصَاتُ مُقْتَدٍ،
وَلَوْ سَكَتَ إمَامُهُ وَنُدِبَتْ إنْ أَسَرَّ كَرَفْعِ يَدَيْهِ مَعَ إحْرَامِهِ حِينَ شُرُوعِهِ [منح الجليل]
وأثم مار؛ يعني أن من مر بين يدي المصلي يأثم بفعله ذلك، ومثل المار مناول آخر شيئًا بين يدي المصلي، ومكلم آخر بين يدي المصلي، ومحل إثم من ذكر حيث كان له مندوحة؛ أي إنما يأثم من ذكر حيث كان له سعة في ترك ذلك لا مضطر فلا إثم عليه في كلّ حال، وقوله: "وأثم مار" ، هذا عام فيمن يصلي لسترة وغيرها، وقوله: "وأثم مار" ، لخبر: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خريفا خيرا له من أن يمر بين يديه (١) )، رواه مالك، وأبو داوود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة.
ولخبر: (لو يعلم المار بين يدي المصلي لأحب أن ينكسر فخذه ولا يمر بين يديه ((٢) ). رواه ابن أبي شيبة مرسلا، ورواهما السيوطي في الجامع الصغير، وروى أيضًا عن الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه: (لو يعلم أحدكم ما له في أن يمر بين يدي أخيه معترضا في الصلاة كان لأن يقيم مائة عام خير من الخطوة التي خطاها ((٣) )، ومفهوم قوله: "له مندوحة" أن المضطر لا إثم عليه.
كما مر قريبا. وقوله: "وأثم مار" ؛ أي غير مصل، وغير من بالمسجد الحرام،
أما المصلي فلا إثم عليه في مروره سواء كان بالمسجد الحرام أو غيره كالمضطر
وأما من بالمسجد الحرام فإن صلى لغير سترة جاز المرور بين يديه كانت للمار مندوحة أم لا،
وإن صلى لسترة كره المرور بين يديه للطائف، وحرم على غيره؛ يعني وللمار مندوحة فيهما،
والمذهب أن المار لا يقطع الصلاة. الأبياني: لو عاود الإحرام من اعتقد ذلك لم يضره؛ لأنه إنما زاد تكبيرة، وقراءة المازري يريد ما لم يركع،
ومن مر بين يدي مصل وجاوزه، فلا يرده،
وإن لم يجاوزه رده. قاله الحطاب.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.