ثم ينزل ماشيا إلى العلم الأول ثم سعى شديدا ثم يمشي ويرقى المروة ويقول ما قاله على الصفا ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا يفعل ذلك سعيا ذهابه سعية ورجوعه سعية
الشروح عليها
(ثم ينزل) من الصفا (ماشيا إلى) أن يبقى بينه وبين (العلم الأول) وهو الميل الأخضر في ركن المسجد نحو ستة أذرع، (ثم يسعى) ماشيا سعيا (شديدا إلى) العلم (الآخر) وهو الميل الأخضر بفناء المسجد حذاء دار العباس، (ثم يمشي ويرقى المروة ويقول ما قاله على الصفا، ثم ينزل) من المروة (فيمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا، يفعل ذلك) أي ما ذكر من المشي والسعي سبعا ذهابه سعية ورجوعه سعية) يفتتح بالصفا ويختتم بالمروة،
ويجب استيعاب ما بينهما في كل مرة فيلصق عقبه بأصلهما أن لم يرقهما فإن ترك مما بينهما شيئا ولو دون ذراع لم يصح سعيه.
الميل الأخضر في ركن المسجد، نحو ستة أذرع قول الماتن قاله جماعة وقدم غير واحد أنه يمشي حتى يأتي العلم، وما صرفه إليه الشارح، وهو أنه يمشي إلى أن يصير بينه وبينه ستة أذرع قاله آخرون، واختاروه واستظهره في الفروع، وصححه في التصحيح، وخرج بقوله: ماشيًا الراكب، وحامل المعذور، والمرأة،
والصحيح من المذهب أن السعي راكبًا، كالطواف راكبًا، فإنه صح عنه أنه صلى الله عليه وسلم سعى ماشيًا، فلما كثروا عليه أتمه راكبًا، وقطع الموفق، والشارح، وغيرهما بجواز السعي راكبًا، لعذر وغيره، لأن المعنى الذي منع من أجله الطواف راكبًا غير موجود فيه،
وقال أحمد: لا بأس به على الدواب لضرورة.
(ثم يسعى) ماشيًا سعيًا (شديدا إلى) العلم (الآخر) فإنه صلى الله عليه وسلم نزل من الصفا يمشى، فلما انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا جاوز الوادي وأصعد مشي، وعليه الجماهير واستظهره في الفروع، وصححه في التصحيح، وسبب مشروعية السعي والله أعلم أن إبراهيم لما ترك هاجر وإسماعيل هناك، عطش فصعدت الصفا تنظر: هل بالموضع ماء؟ فلم تر شيئا فنزلت فسعت في بطن الوادي، حتى خرجت منه إلى جهة المروة، لأنها توارت بالوادي عن ولدها، فسعت شفقة عليه، فجعل ذلك نسكًا، إظهارًا لشرفها، وتفخيمًا لأمرها.
وعن ابن عباس: إنما سعى بين الصفا والمروة ليرى المشركين جلده وقوته،
صححه الترمذي: وقال: وهو الذي يستحبه أهل العلم،
وإن سعى ومشى رأوه جائزا، وله عن ابن عمر، لئن سعيت لقد رأيته يسعى، ولئن مشيت لقد رأيته يمشي، وأنا شيخ كبير، أي يشق عليه السعي، والسعي الشديد مشروط بأن لا يؤذي. وهي الحجارة البيضاء، البراقة أو الرخوة جمعها مروات، وجمع الكثير مرو، سمي بها المكان الذي في طرف المسعى الشمالي، واتفقوا على أن العقد الكبير المشرف، الذي بوجهها، هو حدها، علامة على أولها،
وقال المحب الطبري وغيره: المروة في وجهها عقد كبير مشرف، قد تواتر كونه حدا، بنقل الخلف عن السلف،
وكذا في مسالك الأبصار، وذكر الأزرقي وغيره أن على المروة خمس عشرة درجة، كحلت بالنورة في خلافة المأمون، وذلك قبل أن يعلو الوادي، ويتغطى أكثر الدرج، وعمارة العقد من جهة الملك الظاهر، سنة ٨٨٠ هـ ضمن عمارة المنصور
ويرقى المروة (١) ويقول ما قاله على الصفا من التكبير، والتهليل، والدعاء مستقبلا القبلة، لما رواه مسلم وغيره، أنه صلى الله عليه وسلم فعل على المروة ما فعله على الصفا، فيسن اتفاقًا.
سعية، ورجوعه سعية) . يفتتح بالصفا، ويختم بالمروة أي يفتتح سعيه بالصفا لقوله صلى الله عليه وسلم «ابدءوا بما بدأ الله به» وهو قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ} فبدأ تعالى بالصفا، ولا يبدأ إلا بالأهم،
وعن ابن عباس أنه قرأ الآية: وقال: نبدأ بالصفا، اتبعوا القرآن، فما بدأ به القرآن فابدءوا به، ويختم بالمروة، لقول جابر: فلما كان آخر طوافه يعني عند المروة قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، ولجعلتها عمرة» .
بالمروة ويجب استيعاب ما بينهما في كل مرة فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم رقى الصفا والمروة.
«ثم ينزل ماشياً إلى العَلَم الأول»، العَلَم يعني ما جُعل علامة، وهو الشيء الشاخص البيِّن ومنه سمي الجبل علماً، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلَامِ *﴾ [الرحمن]، وكان في هذا المكان عمود أخضر، ولا يزال موجوداً إلى الآن، وقد ازداد وضوحاً بالأنوار التي تحيط بهذا المكان.
وقوله:«إلى العلم الأول» يعني الذي يلي الصفا، لأن هناك علمين: علماً جنوبياً، وعلماً شمالياً، فالذي يلي الصفا جنوبي، والذي يلي المروة شمالي. «ثم يسعى شديداً إلى الآخر»، «شديداً» صفة لموصوف محذوف، والتقدير سعياً شديداً، والسعي هنا بمعنى الركض، فيسعى سعياً شديداً بقدر ما يستطيع، لكن بشرط ألا يتأذى أو يؤذي،
فإن خاف من الأذية عليه، أو على غيره فليمش، وليسع بقدر ما تيسر له،
وكذلك لو كان معه نساء يخاف عليهن سقط عنه السعي الشديد.
والدليل على ذلك فعل الرسول ﷺ، فإنه كان يسعى حتى تدور به إزاره من شدة السعي .
فإن قال قائل: ما الحكمة في كونه يسعى سعياً شديداً بين العلمين.
فالجواب: أنه كان في هذا المكان واد، أي مسيل مطر، والوادي في الغالب يكون نازلاً ويكون رخواً رملياً فيشق فيه المشي العادي، فيركض ركضاً.
وأصل السعي أن يتذكر الإنسان حال أم إسماعيل، فإنها رضي الله عنها لما خلَّفها إبراهيم عليه الصلاة والسلام هي وابنها في هذا المكان، وجعل عندها، سقاءً من ماء، وجراباً من تمر، فجعلت الأم تأكل من التمر وتشرب من الماء، وتسقي اللبن لولدها، فنفدَ الماء ونفد التمر، فجاعت وعطشت، ويبس ثديها، فجاع الصبي، وجعل يتلوى من الجوع، فأدركتها الشفقة، فرأت أقرب جبل إليها الصفا فذهبت إلى الصفا، وجعلت تتحسس لعلها تسمع أحداً، ولكنها لم تسمع، فنزلت إلى الاتجاه الثاني إلى جبل المروة،
ولما هبطت في بطن الوادي نزلت عن مشاهدة ابنها، فجعلت تسعى سعياً شديداً، حتى تصعد لتتمكن من مشاهدة ابنها، ورقيت لتسمع وتتحسس على المروة، ولم تسمع شيئاً، حتى أتمت هذا سبع مرات، ثم أحست بصوت، ولكن لا تدري ما هو،
فإذا جبريل نزل بأمر الله عز وجل، فضرب بجناحه أو برجله الأرض مكان زمزم الآن، فنبع الماء في الحال، ففرحت بذلك فرحاً شديداً، وجعلت تحجر الماء، وخافت أن يتسرب وينفد، قال النبي ﷺ :«يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم لكان عيناً معيناً»، ولكن من رحمة الله عز وجل أنها حجرته،
ولو كان عيناً معيناً لصار فيه ضيق على الناس؛ لأن هذا المكان صار مسجداً، وشربت من هذا الماء، وصار هذا الماء شراباً وطعاماً، ولهذا قال النبي ﷺ :«ماء زمزم لما شرب له»، إن شربته لعطش رويت، ولجوع شبعت، ودرَّت على الولد، وهيأ الله لها قوماً من جرهم مروا بمكة، فتعجبوا أن تكون الطيور تأوي إلى هذا المكان، وقالوا: لا يمكن أن تأوي إلى هذا المكان إلا وفيه ماء، ولم يكونوا على عهدٍ بماء في هذا المكان، فجاءوا نحو هذه الجهة فوجدوا إسماعيل وأمه، فنزلوا عندهم، والقصة مطولة في صحيح البخاري ، وفيها قال النبي ﷺ :«فلذلك سعى الناس».
فهذا هو السبب في كون الناس يسعون سعياً شديداً إذا وصلوا هذا المكان، والآن ليس فيه واد، لكن فيه علامة على هذا الوادي وهو هذا العلم الأخضر.
فالإنسان إذا سعى يستحضر أولاً: سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وثانياً: حال هذه المرأة وأنها وقعت في شدة عظيمة حتى أنجاها الله، فأنت الآن في شدة عظيمة من الذنوب فتستشعر أنك تحتاج إلى مغفرة الله عز وجل كما احتاجت هذه المرأة إلى الغذاء، واحتاج ولدها إلى اللبن، وقد قرأ النبي ﷺ حين أقبل على الصفا:«إن الصفا والمروة من شعائر الله» أبدأ بما بدأ الله به ، ليشعر نفسه أنه إنما طاف بالصفا والمروة؛
لأنهما من شعائر الله عز وجل ولذلك لا تقرأ هذه الآية إلا إذا أقبل على الصفا حين ينتهي من الطواف
وأما بعد ذلك فلا تقرأ.
مسألة: إذا سعى هو وزوجته ووصلا إلى العلم الأخضر فهل يسعى سعياً شديداً وزوجته معه؟
الجواب: لا يسعى سعياً شديداً، لا سيما في أيام المواسم والزحام فإنه لو سعى ضيعها.
لكن هنا إشكال وهو أنه إذا كان أصل سعينا بين العلمين سعي أم إسماعيل وهي امرأة، فلماذا لا نقول: إن النساء أيضاً يسعين؟
الجواب: من وجهين:
الأول: أن أم إسماعيل سعت وحدها ليس معها رجال.
الثاني: أن بعض العلماء كابن المنذر حكى الإجماع على أن المرأة لا ترمل في الطواف ولا تسعى بين العلمين، وعليه فلا يصح القياس؛ لأنه قياس مع الفارق ولمخالفة الإجماع إن صح.
ثُمَّ يَمْشِي وَيَرْقَى المَرْوَةَ وَيَقُولُ مَا قَاله عَلَى الصَّفَا، ثُم يَنْزلُ فَيَمْشِي فِي مَوْضعِ مَشيِهِ، وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيه إلى الصَّفَا يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعَاً، ذَهَابُهُ سَعْيةٌ، وَرَجُوُعُهُ سَعْيَةٌ،
فَإِنْ بَدَأ بالمَرْوَةِ سَقَطَ الشَّوْطُ الأَوَّلُ. «ثم يمشي ويرقى المروة ويقول ما قاله على الصفا، ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا يفعل ذلك سبعاً، ذهابه سعية، ورجوعه سعية»، أي: فليس السعي دورة كاملة، بل نصف دورة من الصفا إلى المروة سعية،
ومن المروة إلى الصفا سعية أخرى.
وقوله:«ويرقى المروة» ليس بشرط، وإنما الشرط أن تستوعب ما بين الجبلين، ما بين الصفا والمروة، فما هو الذي يجب استيعابه؟
الجواب: الذي يجب استيعابه حده حد الممر الذي جعل ممراً للعربات،
وأما ما بعد مكان الممر فإنه من المستحب، وليس من الواجب،
فلو أن الإنسان اختصر في سعيه من حد ممر العربات لأجزأه؛ لأن الذين وضعوا ممر هذه العربات وضعوها على أن منتهاه من الجنوب والشمال هو منتهى المسعى.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.