ثُمَّ الْعَصْرُ وَهِيَ الْوُسْطَى وَوَقْتُهَا مِنْ خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ إِلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ
الشروح عليها
٢٨٥ - مسألة؛ قال: (ثم العَصْرُ، وهى الوُسْطَى، ووَقْتُها مِن خُرُوجِ وَقتِ الظُّهرِ إلى اصفِرارِ الشَّمْسِ. وعنه، إلى أن يَصِيرَ ظِلُّ كلّ شيء مِثْلَيْه. ثم يَذْهَبُ وقتُ الاخْتِيارِ، ويَبْقَى وقتُ الضَّرُورَةِ إلى غرُوبِ الشَّمْسِ) الصلاةُ الوُسْطَى صلاةُ العَصْرِ في قوْلِ أكثر أهلِ العلمِ مِن أصحابِ النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرِهم؛ منهم عليّ، وأبو هُرَيْرَةَ، وأبو سعيد، وأبو أيوبَ، وزيدُ بنُ ثابِتٍ، وابنُ عُمَرَ، وابنُ عباس، رَضِى الله عنهم.
وهو قولُ عَبِيَدَةَ السَّلْمانِى ، والحسنِ، والضحَّاكِ ، وأبي حنيفةَ، وأصْحابِه، وابن المنذر. ورُوِى عن ابنِ عُمَرَ، وزيد، وعائشةَ، وعبدِ الله بنِ شَدّادٍ ، أنَّها صلاةُ الظُّهْرِ؛ لِما رُوِى عن زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: كان رسولُ اللهَ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلى الظُّهْرَ بالهاجِرَةِ، ولم يَكُنْ يُصَلى صلاةً أشَدَّ على أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - منها، فنَزَلَتْ:{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى}. رَواه أبو داودَ .
ورَوَتْ عائشةُ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قَرَأ:
لا زيادة له على هذه المسألة.
(ثُمَّ الْعَصْرُ) وَهُوَ الْعَشِيُّ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالْعَصْرَانِ الْغَدَاةُ وَالْعَشِيُّ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَذَكَرَ الْأَزْهَرِيُّ مِثْلَهُ تَقُولُ: فُلَانٌ يَأْتِي فُلَانًا الْعَصْرَيْنِ، وَالْبَرْدَيْنِ: إِذَا كَانَ يَأْتِيهِ طَرَفَيِ النَّهَارِ، فَكَأَنَّهَا سُمِّيَتْ بِاسْمِ وَقْتِهَا (وَهِيَ الْوُسْطَى) مُؤَنَّثُ الْأَوْسَطِ، وَهُوَ وَالْوَسَطُ: الْخِيَارُ،
وَفِي صِفَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ مِنْ أَوْسَطِ قَوْمِهِ أَيْ: مِنْ خِيَارِهِمْ، وَلَيْسَتْ بِمَعْنَى مُتَوَسِّطَةٍ، لِكَوْنِ الظُّهْرِ هِيَ الْأُولَى بَلْ بِمَعْنَى الْفُضْلَى،
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ» وَلِمُسْلِمٍ «شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ» وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، قَالَ: وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى أَنَّهَا الصُّبْحُ، لِأَنَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي الْعَصْرِ،
وَقِيلَ: هِيَ الصُّبْحُ، وَقِيلَ: الظُّهْرُ،
وَقِيلَ: الْمَغْرِبُ، لِأَنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ، وَلَا تُقْصَرُ،
وَقِيلَ: هِيَ الْعِشَاءُ، وَقِيلَ: إِحْدَى الْخَمْسِ مُبْهَمَةٌ،
وَقِيلَ: جميعها، وقيل الْجُمُعَةُ. (وَوَقْتُهَا مِنْ خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ) وَهُوَ إِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ سِوَى فَيْءِ الزَّوَالِ،
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ بِخُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ مِنْ غَيْرِ فَاصِلٍ بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ:«أَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّى بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ» وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ و" التَّلْخِيصِ " أَنَّ بَيْنَهُمَا وَقْتًا فَاصِلًا، فَلَا تَجِبُ إِلَّا بَعْدَ الزِّيَادَةِ، وَآخِرُ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ (إِلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ) فِي رِوَايَةٍ نَقَلَهَا الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهَا فِي " الشَّرْحِ " وَابْنُ تَمِيمٍ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهِيَ أَظْهَرُ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«وَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
ووَقتُها مِن خُرُوج وقتِ الظُّهْرِ. وهذا المذهب، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به أكْثرُهم، يعنى أن وقْتَ العصْرِ يلِى وقْتَ الظُّهْرِ، ليس بينَهما وقْتٌ.
وقيل: لا يدْخلُ وقْتُ العَصْرِ إلَّا بعد زِيادةٍ يسيرةٍ عن خُروجِ وقْتِ الظُّهْرِ. ويَحْتَمِله كلامٌ الخرَقِىّ، و «التذْكِرَةِ» لابنِ عَقِيلٍ، و «التَّلْخيص».
وقال ابنُ تَميم، وصاحب «الفُروعِ» وغيرُهما: وعن أحمد، آخِرُ وقْتِ الظُّهْرِ أولُ وقْتِ العصْرِ.
قال في «الفُروعِ» فبيْنَهما وقْت مشترَك قدْرَ أرْبَع ركَعاتٍ. إلى اصْفِرارِ الشمْس. هذا إحْدَى الرِّوايتيْن عن أحمدَ. اخْتارَها المصَنِّفُ، والشَّارح، والمَجْدُ فى «شَرْحِه»، وابنُ تَميم، وابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه»، وابنُ رَزِين في «شَرْحِه».
قال في «الفروع»: وهى أظْهر. وجزَم بها في «الوَجيزِ»، و «المنتخبِ».
وعنه، إلى أن يصيرَ ظِلُّ كلِّ شئٍ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مثْليه. وهو المذهب، وعليه الجمهورُ؛ منهم الخرقي، وأبو بكْرٍ، والقاضى، وأكثر أصحابِه. وجزَم به في «تَذْكِرةِ ابنِ عقِيل»، و «التَّلْخيص»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «البُلْغةِ»، و «الإفاداتِ»، و «نَظْمِ النِّهايَةِ»، و «المنوِّر»، و «التَّسْهيلِ» وغيرِهم. وقدَّمه في «الإرْشَادِ»، و «الهِدايةِ»، و «الفصول»، و «المستوعب»، و «المحرر»، و «الرِّعايتين»، و «الحاوِى»، و «ابنِ تَميم»، وابنُ رَزِين في «شَرْحِه»، و «الفائقِ»، و «الفروعِ»، و «إدْرَاكِ الغايةِ»، و «تَجْريدِ العناية». وصَحَّحَه في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . .
«المُذْهَبِ»، و «النظْمِ». وأطْلَقَهما في «المُسْتوْعِبِ»، و «مَسْبوكِ الذهبِ»، و «المَذْهَبِ الأحْمَد».
قال: (ثم العصر وهي الوسطى. ووقتها من خروج وقت الظهر إلى اصفرار الشمس. وعنه إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه. ثم يذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الضرورة إلى غروب الشمس. وتعجيلها أفضل بكل حال) .
أما قول المصنف رحمه الله: ثم العصر؛ فمعناه أنها تلي الظهر بمهلة.
ويلزم أن تكون الثانية؛ لأنه قد ثبت أن الظهر هي الأولى فلزم أن تكون العصر هي الثانية.
وأما كونها الوسطى؛ فلما روى علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً» متفق عليه.
وأما كون أول وقتها من خروج وقت الظهر؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل:«وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله».
وأما كون آخره إلى اصفرار الشمس على روايةٍ؛ فلما روى عبدالله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«وقت العصر ما لم تصفر الشمس» رواه مسلم.
وأما كونه إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه على روايةٍ؛ فلأن في حديث جبريل المتقدم «ثم صلى بي العصر في المرة الأخرى حين صار ظل كل شيء مثليه».
وأما كون وقت الاختيار يذهب؛ فلأن مقتضى حديثي عمرو وجبريل المتقدم ذكرهما ذهاب الوقت بعد ما ذكر فيهما. تُرك العمل به في الإدراك قبل غيبوبة الشمس لما يأتي فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه.
وأما كون وقت الضرورة يبقى إلى غروب الشمس؛ فلما يأتي من حديث أبي هريرة.
فإن قيل: ما المعنيّ بوقت الاختيار ووقت الضرورة؟
قيل: وقت الاختيار هو الذي تقع الصلاة فيه أداء. فلا إثم على فاعلها فيه. ووقت الضرورة هو الذي تقع الصلاة فيه أداء ويأثم فاعلها بالتأخير إليه لغير عذر.
أما كون الصلاة في وقت الاختيار تقع أداء؛ فلأنها تقع في وقت الضرورة أداء لما يأتي؛ فلأن تقع أداء في وقت الاختيار بطريق الأولى.
وأما كون فاعلها فيه لا إثم عليه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يفعلونها فيه.
وأما كون الصلاة في وقت الضرورة تقع أداء؛ فلما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«من أدرك سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته» متفق عليه.
وفي لفظ للنسائي «فقد أدركها».
وأما كون فاعلها فيه يأثم؛ فلما روى أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تلك صلاة المنافقين تلك صلاة المنافقين تلك صلاة المنافقين. يجلس أحدكم حتى إذا اصفرت الشمس فكانت بين قرني شيطان أو على قرني شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر اسم الله فيها إلا قليلاً» متفق عليه.
ولو لم يأثم بتأخيرها لما ذُمّ عليه،
ولما جعله علامة النفاق.
وأما كون تعجيلها أفضل بكل حال؛ فلما روى أنس قال:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر فيذهب أحدنا إلى العوالي والشمس مرتفعة. قال الزهري: والعوالي على ميلين أو ثلاثة. وأحسبه قال: وأربعة» متفق عليه.
وروى رافع بن خديج «كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر ثم ينحر الجزور فَيُقَسّم عشرة أقسام ثم يطبخ فيأكل لحماً نضيجاً قبل أن تغيب الشمس» متفق عليه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.