وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ سَتَرَهَا
الشروح عليها
مسألة: (فإن لم يَجِدْ إلَّا ما يَسْتُرُ عَوْرَتَه سَتَرَها) إذا لم يَجِدْ إلَّا ما يَسْتُرُ عَوْرتَه حسْبُ، بَدَأ بها وتَرَك مَنْكبَيْه؛ لأنَّ سَتْرَ العَوْرَةِ مُتَّفَقٌ على وُجُوبِه، وسَتْرَ المَنْكبَيْن مُخْتَلَفٌ فيه، ولأن سَتْرَ العَوْرَةِ واجِبٌ في غيرِ الصلاةِ، ففيها أوْلَى. وقد روَى حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، في مَن معه ثَوْبٌ واحِدٌ لَطِيفٌ، إن سَتَر عَوْرَتَه انْكَشَفَ مَنْكِباه، فقال: يُصَلِّي جالِسًا، ويُرْسِلُه مِن وَرائِه على مَنْكبَيْه وعَجِيزَتِه. واحْتَجَّ لذلك بأن سَتْرَ المَنْكِبَيْن، الحديثُ فيه أَصَحُّ مِن سَتْرِ الفَخِذَيْن، والقِيامَ يَسْقُطُ في حَقِّ العُرْيانِ، وله بَدَلٌ،
فإذا صَلَّى جالِسًا، حَصَل سَتْرُ العَجيزَةِ والمَنْكِبَيْن بالثَّوْبِ، وسَتْرُ العَوْرَةِ بالجُلُوسِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ، اخْتارَهْ شيخُنا ؛ لِما ذَكَرْنا،
ولِما روَى جابِرٌ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه قال:«إذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَخالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَإذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ». رَواه أبو داودَ . وروَى ابنُ عُمَرَ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه قال:«مَنْ كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ، فَلْيَأْتَزِرْ وَلْيَرْتَدِ، وَمَنْ لَمْ يَكنْ لَهُ ثَوْبَانِ، فَلْيَأْتَزِرْ ثُمَّ لْيُصَلِّ». رَواه الإمامُ أحمدُ . ولأنَّ القِيامَ مُتَّفَقٌ على وُجُوبِه، فلا يُتْرَكُ لأمْرٍ مُختَلَفٍ فيه. واللهُ أعلمُ.
٣١٥ -
(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ سَتَرَهَا) وَتَرَكَ سَتْرَ مَنْكِبَيْهِ، وَصَلَّى قَائِمًا، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«إِذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حِقْوِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّ الْقِيَامَ مُتَّفَقٌ عَلَى وُجُوبِهِ فَلَا يُتْرَكُ لِأَمْرٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَكْفِ،
وَقَالَ الْقَاضِي: يَسْتُرُ منكبيه ويصلي جَالِسًا، لِأَنَّ الْجُلُوسَ بَدَلٌ عَنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ لِكَوْنِهِ يَسْتُرُ مُعْظَمَهَا، وَالْمُغَلَّظَ مِنْهَا، وَسَتْرُ الْمَنْكِبِ لَا بُدَّ لَهُ، فَكَانَ مُرَاعَاتُهُ أَوْلَى، وَبَعَّدَ ابْنُ تَمِيمٍ ذَلِكَ، وَحَمَلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَلَى سُتْرَةٍ تَتَّسِعُ إِنْ تَرَكَهَا عَلَى كَتِفَيْهِ، وَسَدَلَهَا مِنْ وَرَائِهِ تَسْتُرُ دُبُرَهُ، وَقَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ مَا يَسْتُرُ مَنْكِبَيْهِ وَعَجُزَهُ فَقَطْ، سَتَرَ ذَلِكَ، وَصَلَّى جَالِسًا، نُصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّ سَتْرَ الْمَنْكِبَيْنِ الْحَدِيثُ فِيهِ أَصَحُّ
ومَن لم يَجدْ إلَّا ما يسْتر عَوْرَتَه سَتَرَها. إنْ كانتِ السُّتْرةُ لا تكفِي إلَّا العَوْرةَ فقط، أو مَنْكِبَيْه فقط، فالصَّحيحُ مِن المذهبِ، أنَّه يسْتر عوْرَتَه، ويصلِّي قائمًا، وعليه الجمهورُ، وهو ظاهرُ كلام المصنِّفِ هنا.
وقال القاضي: يسْتُرُ مَنْكبَيْه ويصلِّي جالسًا. قال ابنُ تَميمٍ: وهو بعيدٌ. قال ابن عَقِيل: هذا محْمولٌ على سُتْرةٍ تتَّسِعُ أنْ يتْرُكَها على كتِفَيْه ويشُدَّها مِن ورائِه فتَسْتُر دُبُرَه، والقُبُل مسْتورٌ بضَمِّ فَخِذَيْه عليه، فَيحْصلُ ستْرُ الجميع. انتهى. وهذا القوْلُ مِنَ المُفْرَداتِ. وأطْلقَهما في «البُلْغةِ».
وإنْ كانتِ السُّتْرةُ تكْفِي عوْرتَه فقط، أو تكْفِي مَنْكِبَيْه وعَجُزَه فقط، فظاهرُ كلامِ المصنِّفِ هنا أَيضًا، أنَّه يسْتُر عوْرتَه، ويصلِّي قائمًا، وهو أحدُ القوْلَيْن. وظاهرُ كلامِه في «الوَجيزِ»، واخْتاره المَجْدُ في «شَرْحِه» وصاحبُ «مَجْمَع البَحْرَين»، وصحَّحَه ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»، وصاحِبُ «الحاوِي الكبيرِ».
قلتُ: وهو الصَّوابُ. والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يسْترُ فَإنْ لَمْ يَكْفِ جَمِيعَهَا سَتَرَ الْفَرْجَيْنِ، مَنْكِبَيْه وعَجُزَه، ويصلِّى جالِسًا. نصَّ عليه. وجزَم به في «المسُتَوْعِبِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الإفاداتِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاوِي الصَّغيرِ». وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الرِّعايِة الكُبْرى»، و «ابنِ عُبَيْدان»، وغيرِهم.
قال: (ومن لم يجد إلا ما يستر عورته سترها. فإن لم يكف جميعها ستر الفرجين. فإن لم يكفهما جميعاً ستر أيهما شاء. والأولى ستر الدبر على ظاهر كلامه، وقيل: القبل أولى) .
أما كون من لم يجد إلا ما يستر عورته يسترها؛ فلأن سترها آكد من ستر غيرها بدليل أنه واجب في الصلاة وفي خارج الصلاة.
وفي كلام المصنف رحمه الله إشعار بأن سترها مقدم على ستر جميع بدنه وعلى منكبيه، مع أن وضع اللباس عليهما أو على أحدهما واجب في الصلاة عندنا وهو صحيح؛ لما تقدم من تأكيد ستر العورة على ستر غيرها.
وقال القاضي: من لم يجد إلا ما يستر عورته أو منكبيه ستر منكبيه وصلى جالساً لأن الحديث في ستر المنكبين أصح منه في ستر الفخذين، والقيام له بدل وستر المنكبين لا بدل له. قال ابن عقيل: هذا عندي محمول على سترة يتسع أن يتركها على كتفيه ويسدلها من ورائه يستر دبره. والقبل مستور بضم فخذيه عليه فيحصل ستر الجميع.
والأول أصح؛ لأن العورة أغلظ في الحكم لما تقدم.
ولأنها يجب سترها في الفرض والنفل.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إذا كان الثوب واسعاً فالتحف به، وإذا كان ضيقاً فاتزر به».
ولأن ستر العورة متفق على وجوبه يشترط فيه حقيقة الستر وتعميمه مع القدرة
بخلاف المنكبين فيجب تقديم ستر العورة عليهما.
وأما كونه يستر الفرجين إذا لم تكف السترة جميع العورة؛ فلأنهما عورة بلا خلاف
بخلاف باقيها.
ولأنهما أفحش لاختصاصهما باسم العورة. والعرف يشهد بفحشهما زيادة على ما عداهما.
وأما كونه يستر أيهما شاء إذا لم يكفهما جميعاً؛ فلأن كلاً متفق على كونه عورة.
وأما كون ستر الدبر أولى على ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأنه أفحش، ويبدو في الركوع والسجود.
وأما كون القبل أولى على قول؛ فلأنه يستقبل به القبلة وهو مستعل. والدبر يستتر بضم الإليتين، ولا يستقبل به القبلة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.