فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K
المسألة ٥٬٤٥٥المقنعالحنابلةج ٧ ص ١١٥ج ٧ ص ١١٥

وَالِاسْتِبْرَاءُ يَحْصُلُ بِوَضْعِ الْحَمْلِ إِنْ كَانَتْ حَامِلًا أَوْ بِحَيْضَةٍ إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ أَوْ بِمُضِيِّ شَهْرٍ إِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً، أَوْ آيِسَةً

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

فصل: فأمَّا المِيراثُ، فإنَّها لا تَرِثُ مِن زَوْجِها شَيئًا؛ لأنَّ الأصْلَ الرِّقُّ، والحُرِّيَّةُ مَشْكُوكٌ فيها، فلم تَرِثْ مع الشَّكِّ، والفَرْقُ بينَ العِدَّةِ والإرْثِ أنَّ إيجابَ العِدَّةِ عليها اسْتِظْهارٌ لا ضَرَرَ فيه على غيرِها، وإيجابَ الإرْثِ إسْقاطٌ لحَقِّ غيرِها, ولأنَّ الأصْلَ تَحْرِيمُ النِّكاحِ عليها، فلا يزولُ إلَّا بيَقِينٍ، والأصْلُ عَدَمُ المِيراثِ لها، فلا يَزولُ إلَّا بيَقِينٍ.

٣١٬٦٢٦

فإن قيل: ألَيسَ زوجَةُ المَفْقُودِ لو [ماتت حَقَّقَ ميراثَها] مع الشَّكِّ في إرْثِه؟ قُلْنا: الفَرْقُ بينَهما أنَّ الأصْلَ ههُنا الرِّقُّ، والشَّكُّ في زَوالِه وحُدُوثِ الحالِ التي تَرِثُ فيها، والمفْقُودُ الأصْلُ حياتُه، والشَّكُّ في مَوْتِه وخُرُوجِه عن كَوْنِه وارِثًا ، فافْتَرقا.

فصل: فإن أعْتَقَ أُمَّ ولَدِه، أو أمَتَه التي كان يُصِيبُها، أو غيرَها ممَّن تَحِلُّ له إصابَتُها، ثم أَرادَ أن يتَزَوَّجَها، فله ذلك في الحالِ مِن غيرِ اسْتِبْراءٍ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أعْتَقَ صَفِيَّةَ، وتزَوَّجَها، وجَعَل عِتْقَها صَداقَها .

٣١٬٦٢٧

وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أجْرَهُمْ مَرَّتَينِ؛ رَجُلٌ كانَتْ له أمَةٌ، فأدَّبَهَا فأحْسَنَ تَأْدِيبَها، وعَلَّمَها فَأحْسَنَ تَعْلِيمَها، ثم أعْتَقَها وتَزَوَّجَها». ولم يذْكرِ اسْتِبْراءً، ولأنَّ الاسْتِبراءَ لصيانةِ مائِه، وحِفْظِه عن الاخْتِلاطِ بماءِ غيرِه، ولا يُصانُ ماؤُه عن مائِه، ولهذا كان له أن يتَزَوَّجَ مُخْتَلِعَتَه في عِدَّتِها. وقد رُوِيَ عن أَحْمد، في الأمَةِ التي لا يَطَؤُها: إذا أعْتَقَها لا يتَزَوَّجُها بغيرِ اسْتِبْراءٍ؛ لأنَّه لو با عَها لم تَحِلَّ للمُشْتَرِي بغيرِ اسْتِبْراءٍ.

٣١٬٦٢٨

والصَّحيحُ أنَّها تَحِلُّ له؛ لأنّه يَحِلُّ له وَطْؤُها بمِلْكِ اليَمِينِ، فكذلك بالنِّكاحِ، كالتي كان يُصِيبُها, ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أعْتقَ صَفِيَّةَ وتَزَوَّجَها، ولم يُنْقَلْ أنَّه كان قد أصابَها، والحديثُ الآخرُ يَدُلُّ على حِلِّها له بظاهِرِه، لدُخُولِها في العُمُومِ، ولأنَّها تَحِلُّ لمَن يتزَوَّجُها سواه، فله أوْلَى، ولأنَّه لو اسْتَبْرأها، ثم أعْتَقَها ثم تزوَّجها في الحالِ، كان جائِزًا حسنًا، فكذلك هذه، فإنَّه تارِكٌ لوَطْئِها, ولأنَّ وُجُوبَ الاسْتِبْراءِ في حَقِّ غيرِه، إنَّما كان لِصيانةِ مائِه عن الاخْتِلاطِ بغيرِه، ولا يُوجَدُ ذلك ههُنا.

وكلامُ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، محْمولٌ على مَن اشْتَراها ، ثم تزوَّجَها قبلَ اسْتِبْرائِها.

فصل: إذا كانت له أمَةٌ يطَؤُها، فاسْتَبْرأها، ثم أعْتَقَها, لم يَلْزَمْها اسْتِبْراءٌ؛ لأنَّها خَرَجَتْ عن كَوْنِها فِراشًا باسْتِبْرائِها.

٣١٬٦٢٩

وإن باعَها، فأعْتَقَها المُشْتَرِي قبلَ وَطْئِها, لم تَحْتَجْ إلى اسْتِبْراءٍ لذلك.

٣١٬٦٣٠

وإن باعَها قبلَ اسْتِبْرائِها، فأعْتَقَها المُشتَرِي قبلَ وَطْئِها واسْتِبْرائِها، فعليها اسْتِبْراءُ نَفْسِها.

٣١٬٦٣١

فإن مَضَى بعضُ الاسْتِبْراءِ في مِلْكِ المُشْتَرِي، لَزِمَها إتْمامُه بعدَ عِتْقِها, ولا يَنْقَطِعُ بانْتِقالِ المِلْكِ فيها؛ لأنَّها لم تَصِرْ فِراشًا للمُشْتَرِي، ولم يَلْزَمْها اسْتِبْراءٌ بإعْتاقِه.

٣٩٠٨ - مسألة: (وإنِ اشْتَرَكَ رَجُلان في وَطْءِ أمَةٍ، لَزِمَها اسْتِبْراءان) [إذا كانتِ الأمةُ بينَ شَرِيكَين فوَطِئاها, لَزِمَها اسْتِبْراءان].

٣١٬٦٣٢

وقال أصْحابُ الشافعيِّ، في أحدِ الوَجْهَين: يَلْزَمُها اسْتِبْراءٌ واحِدٌ؛ لأنَّ القَصْدَ مَعْرِفَةُ بَراءَةِ الرَّحِمِ، ولذلك لا يجبُ اسْتِبْراء بأكثرَ مِن حَيضَةٍ واحدةٍ، وبَراءَةُ الرَّحِمِ تُعْلَمُ باسْتِبْراءٍ واحدٍ. ولَنا، أنَّهما حَقَّان مَقْصُودان لآدَمِيَّين، فلم يتَداخَلا، كالعِدَّتَين، ولأنَّهما اسْتِبْراءان مِن رَجُلَين، فأشْبَها العِدَّتَين، وما ذكَرُوه يَبْطُلُ بالعِدَّتَين مِن رَجُلَين. فصل: قال شيخُنا، رَحِمَه اللهُ: (والاسْتِبْراءُ يَحْصُلُ بوَضْعِ الحملِ إن كانت حامِلًا) ولا خِلافَ في ذلك بحمدِ اللهِ؛ لقولِ اللهِ تعالى:{وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}.

وقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا». ولأنَّ عِدَّةَ الحُرَّةِ والأمَةِ والمُتَوَفَّى عنها والمُطَلَّقةِ واسْتَبراءَ كلِّ أمةٍ إذا كانتْ حامِلًا بوَضْعِ حَمْلِها, ولأنَّ المَقْصُودَ مِن العِدَّةِ والاسْتِبْراءِ معرفةُ بَراءةِ الرَّحِمِ مِن الحَمْلِ ، وهذا يَحْصُلُ بوَضْعِه،

٣١٬٦٣٣

ومتى كانت حامِلًا بأكْثَرَ مِن واحدٍ، فلا يَنْقَضِي اسْتِبْراؤُها حتَّى تَضَعَ آخِرَ حَمْلِها، على ما ذكَرْناه في المُعْتَدَّةِ.

٣٩٠٩ - مسألة: (أو بحَيضَةٍ إن كانت مِمَّن تَحِيضُ) وقد اخْتَلَفَ أهلُ العلمِ في أُمِّ الولَدِ إذا مات عنها سَيِّدُها ولم تكنْ حامِلًا، فالمَشْهورُ عن أحمدَ أنَّ اسْتِبْراءَها يَحْصُلُ بحَيضَةٍ. رُوِيَ ذلك عن [ابنِ عمرَ]، وعثمانَ، وعائشةَ، والحسنِ، والشَّعْبِيِّ، والقاسمِ بنِ محمدٍ، وأبي قِلابةَ، ومالكٍ، والشافعيِّ، وأبي عُبَيدٍ، وأبي ثَوْرٍ. ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّها تَعْتَدُّ عِدَّةَ الوَفاةِ أرْبعةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا. وهو قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وابنِ سِيرِينَ، وسعيدِ بنِ جُبَيرٍ، ومُجاهِدٍ، وخِلاسِ بنِ عمرٍو، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والزُّهْرِيِّ، والأوْزَاعِيِّ، وإسْحاقَ؛

لِما رُوِيَ عن عمرِو بنِ العاصِ، أنَّه قال: لا تُفْسِدُوا علينا سُنَّةَ نَبِيِّنا - صلى الله عليه وسلم -، عِدَّةُ أمِّ الولَدِ إذا تُوُفِّيَ عنها سَيِّدُها أرْبَعةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ. روَاه أبو داودَ . ولأنَّها حُرَّة تَعْتَدُّ للوَفاةِ، فكانت عِدَّتُها أرْبَعةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا، كالزَّوْجةِ الحُرَّةِ. وحَكَى أبو الخَطَّابِ رِوايةً ثالثةً، أنَّها تَعْتَدُّ شَهْرَين وخَمْسةَ أيَّامٍ. قال شيخُنا : ولم أجِدْ هذه الرِّوايةَ عن أحمدَ في «الجامِعِ»، ولا أظُنُّها صحيحةً عن أحمدَ.

ورُوِيَ ذلك عن عطاءٍ، وطاوُسٍ، وقَتادةَ؛ لأنَّها حينَ الموتِ أَمَةٌ، فكانتْ عِدَّتُها عِدَّةَ الأمَةِ، كما لو مات رَجُلٌ عن زَوْجَتِه الأَمةِ، فعَتَقَتْ بعدَ مَوْتِه. ويُرْوَى عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وعطاءٍ، والنَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْي، أنَّ عِدَّتَها ثَلاثُ حِيَضٍ؛ لأنَّها حُرَّةٌ تَسْتَبْرِئُ، فكان اسْتِبْراؤُها بثلاثِ حِيَضٍ، كالحُرَّةِ المُطَلَّقَةِ. ولَنا، أنَّه اسْتِبْراءٌ لزَوالِ المِلْكِ عن الرَّقَبَةِ، فكان حَيضَةً في حَقِّ مَن تَحِيضُ، كسائرِ اسْتِبْراءِ المُعْتَقاتِ والمَمْلُوكاتِ، ولأنَّه اسْتِبْراءٌ لغيرِ الزَّوْجاتِ والمَوْطُوءاتِ بشُبْهةٍ فأشْبَهَ ما ذكَرْنا.

قال القاسِمُ بنُ محمدٍ: سُبْحانَ اللهِ، يقولُ اللهُ تعالى في كتابِه:{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا}. ما هُنَّ بأزْواجٍ.

٣١٬٦٣٤

وأمَّا حديثُ عمرِو بنِ العاصِ فضَعِيفٌ. قال ابنُ المُنْذِرِ : ضَعَّفَ أحمدُ، وأبو عُبَيدٍ حَدِيثَ عمرِو بنِ العاصِ.

٣١٬٦٣٥

وقال محمدُ بنُ موسى: سأَلتُ أَبا عبدِ اللهِ عن حديثِ عمرِو بنِ العاصِ، فقال: لا يَصِحُّ.

٣١٬٦٣٦

وقال المَيمُونِيُّ: رأيتُ أَبا عبدِ الله يِعْجَبُ مِن حديثِ عمرِو بنِ العاصِ هذا، [ثم قال]: أينَ سُنَّةُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في هذا؟

٣١٬٦٣٧

وقال: أرْبَعةُ أشْهُرٍ وعشرٌ إنَّما هي عِدَّةُ الحُرَّةِ مِن النِّكاحِ، وإنَّما هذه أمَةٌ خَرَجَتْ مِن الرِّقِّ إلى الحُرِّيَّةِ.

٣١٬٦٣٨

ويَلْزَمُ مَن قال بهذا أن يُوَرِّثَها. وليس لقول مَن قال: تَعْتَدُّ بثلاثِ حِيَضٍ. وَجْهٌ، وإنَّما تَعْتَدُّ بذلك المُطَلَّقَةُ، وليست هذه مُطَلَّقةً، ولا في مَعْنى المُطَلَّقةِ.

٣١٬٦٣٩

وأمَّا قِياسُهم إيَّاها على الزَّوْجاتِ، فلَا يَصِحُّ؛ فإنَّها ليست زَوْجَةً، ولا في حُكْمِ الزَّوْجَةِ، ولا مُطَلَّقَةً، ولا في حُكْمِ المُطَلَّقَةِ.

فصل: ولا يَكْفِي في الاسْتِبْراءِ طُهْرٌ، ولا بعضُ حَيضَةٍ. وهو قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.

٣١٬٦٤٠

وقال بعضُ أصْحابِ مالكٍ: متى طَعَنَتْ في الحَيضَةِ، فقد تَمَّ اسْتِبْراؤُها. وزَعَمَ أنَّه مذهبُ مالكٍ.

٣١٬٦٤١

وقال الشافعيُّ، في أحدِ قولَيه: يَكْفِي طُهْرٌ واحِدٌ إذا [كان كامِلًا]، وهو أن يموتَ في حَيضِها،

٣١٬٦٤٢

فإذا رأتِ الدَّمَ مِن الحَيضَةِ الثانيةِ، حَلَّتْ، وتَمَّ اسْتِبْراؤُها. وهكذا الخلافُ في الاسْتِبْراء كلِّه، وبَنَوْا هذا على أنَّ القُرُوءَ الأطْهارُ، وهذا يَرُدُّه قولُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، ولَا حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيضَةٍ».

٣١٬٦٤٣

وقال رُوَيفِعُ بنُ ثابتٍ: سمِعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ يومَ خَيبَرَ: «مَنْ كان يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فَلَا يَطَأْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْي حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيضَةٍ». رَواه الأثْرَمُ . وهذا صَريحٌ فلا يُعَوّلُ على ما خالفَه. ولأنَّ الواجِبَ الذي يَدُلُّ على البَراءَةِ هو الحَيضُ؛ لأنَّ الحامِلَ لا تَحِيضُ.

٣١٬٦٤٤

فأمَّا الطُّهْرُ فلا دَلالةَ فيه على البَراءَةِ، فلا يجوزُ أن يُعَوَّلَ في الاسْتِبْراء على ما لا دَلالةَ فيه دون ما يدُلُّ عليه. وبِناؤُهم قولَهم هذا على أنَّ القُروءَ الأطْهارُ، بِناءٌ للخِلافِ على الخِلَافِ، وليس ذلك بحُجَّةٍ، ثم لم يُمْكِنْهُم [بناءُ هذا على ذاك] حتَّى خالفُوه، فجعَلُوا الطُّهْرَ الذي طَلَّقَهَا فيه قَرْءًا, ولم يجعَلُوا الطُّهْرَ الذي مات فيه سَيِّدُ أمِّ الولَدِ قَرْءًا، فخالفُوا الحَدِيثَ والمعنى.

٣١٬٦٤٥

فإن قالوا: إنَّ بعضَ الحَيضَةِ المُقْتَرِنَ بالطَّهْرِ يَدُلُّ على البَراءَةِ. قُلْنا: فيكونُ الاعتمادُ حينَئِذٍ على بعضِ الحَيضَةِ، وليس ذلك قَرْءًا عندَ أحَدٍ . إذا تَقَرَّرَ هذا، فمات عنها وهي طاهِرٌ،

٣١٬٦٤٦

فإذا طَهُرَتْ [مِن الحَيضَةِ المُسْتَقْبَلَةِ، حَلَّتْ،

٣١٬٦٤٧

فإن كانت حائِضًا، لم تَعْتَدَّ ببَقِيَّةِ تِلك الحَيضَةِ، ولكن متى طَهُرَتْ مِن الحَيضَةِ الثانيةِ] ، حَلَّتْ؛ لأنَّ اسْتِبْراءَ هذه بحَيضَةٍ، فلا بُدَّ مِن حَيضَةٍ كاملةٍ. ٣٩١٠ - مسألة: (أو بمُضِيِّ شَهْرٍ إن كانَتْ آيِسَةً أو صَغِيرَةً. وعنه، بثَلَاثةِ أشْهُرٍ. اخْتارَها الخِرَقِيُّ) يُرْوَى عن أحمدَ، رَحِمَه الله، في ذلك ثلاثُ رِواياتٍ؛ أحَدُها، ثلاثةُ أشْهُرٍ. وهو قولُ الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِيِّ، وأبي قِلابَةَ. وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ. وسأل عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ أهلَ المدينةِ والقوابلَ، فقالوا: لا تُسْتَبْرأُ الحُبْلَى في أقَلَّ مِن ثلاثةِ أشْهُرٍ.

فأعْجَبَه قولُهم. والثانيةُ، أنَّها تُسْتَبْرأُ بشَهْرٍ. وهو قولٌ ثانٍ للشافعيِّ؛ لأنَّ الشَّهْرَ قائِمٌ مَقامَ القَرْءِ في حَقِّ الحُرَّةِ والأمَةِ المُطَلَّقَةِ، فكذلك في الاسْتِبْراءِ. وذكَر القاضي رِوايةً ثالثةً، أنَّها تُسْتَبْرأُ بشَهْرَين، كعِدَّةِ الأمَةِ المُطَلَّقةِ. قال شيخُنا : ولم أرَ لذلك وَجْهًا،

٣١٬٦٤٨

ولو كان اسْتِبْراؤُها بشَهْرَين، لَكان اسْتِبْراءُ ذاتِ القَرْءِ بقَرأينِ، ولم نَعْلَمْ به قائِلًا.

٣١٬٦٤٩

وقال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، والضَّحَّاكُ، والحَكَمُ، في الأَمةِ التي لا تَحِيضُ: تُسْتَبْرأُ بشَهْرٍ ونِصْفٍ. ورَواه حَنْبَلٌ عن أحمدَ، أنَّه قال: قال عَطاءٌ: إن كانت لا تَحِيضُ، فخمسٌ وأرْبَعونَ ليلةً. قال عَمِّي: كذلك أذْهَب؛ لأنَّ عِدَّةَ الأمةِ المُطَلَّقةِ الآيسَةِ كذلك.

٣١٬٦٥٠

والمشهورُ عن أحمدَ الأوَّلُ. قال أحمدُ بنُ القاسمِ: قلتُ لأَبي عبدِ الله: كيف جَعَلْتَ ثلاثةَ أشْهُرٍ مكانَ حَيضَةٍ، وإنَّما جَعَلَ الله في القُرآنِ مكانَ كلِّ حَيضَةٍ شهرًا؟ فقال: إنَّما قُلْنا: ثَلاثَةُ أشْهُرٍ مِن أجلِ الحَمْلِ، فإنَّه لا يَبِينُ في أقَلَّ مِن ذلك،

٣١٬٦٥١

فإنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ سأل عن ذلك، وجَمَعَ أهْلَ العلمِ والقَوابِلَ، فأخْبَرُوا أنَّ الحَمْلَ لا يَتَبَيَّنُ في أقَلَّ مِن ثَلاثةِ أشْهُرٍ، فأعْجَبَه ذلك. ثم قال: ألا تَسْمَعُ قولَ ابنِ مسعودٍ: إنَّ النُّطْفةَ أرْبَعِينَ يومًا، ثم علقةً أرْبَعِينَ يومًا،

٣١٬٦٥٢

ثم مُضْغةً بعدَ ذلك . قال أبو عبدِ الله: فإذا خَرَجَتِ الثَّمانُونَ، صار بعدَها مُضْغَةً، وهي لَحْمٌ، فتبَيَّنَ حينَئِذٍ.

٣١٬٦٥٣

وقال لي: هذا معروفٌ عندَ النِّساءِ.

٣١٬٦٥٤

فأمَّا شَهْرٌ، فلا معنى فيه، ولا نعلمُ به قائلًا. ووَجْهُ اسْتِبْرائِها بشَهْرٍ، أنَّ الله تعالى جَعَلَ الشهرَ مكانَ الحَيضَةِ، ولذلك اخْتلَفتِ الشُّهورُ باخْتلافِ الحَيضاتِ، فكانت عِدَّةُ الحُرَّةِ الآيسَةِ ثلاثةَ أشْهُرٍ، مكانَ ثلاثةِ قُروءٍ، وعدةُ الأمَةِ شَهْرَين، مكان قَرْأين، وللأمَةِ المُستَبْرأةِ التي ارْتَفَعَ حَيضُها, لا تَدْرِي ما رَفَعَه، عَشَرةُ أشْهُرٍ؛ تِسْعَةٌ للحَمْلِ، وشهرٌ مكانَ الحَيضَةِ، فيجِبُ أن يكونَ مكانَ الحَيضَةِ ههُنا شهرٌ، كما في حَقِّ مَن ارْتَفَعَ حَيضُها.

٣١٬٦٥٥

فإن قيل: فقد وُجِدَ ثَمَّ ما دَلَّ على البَراءةِ، وهو تِسْعةُ أشْهُرٍ. قُلْنا: وههُنا ما يَدُلُّ على البَراءةِ، وهو الإياسُ، فاسْتَوَيا.

٣٩١١ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

فَصِلٌ: مَا يَحْصُلُ بِهِ الِاسْتِبْرَاءُ] فَصْلٌ (وَالِاسْتِبْرَاءُ يَحْصُلُ بِوَضْعِ الْحَمْلِ إِنْ كَانَتْ حَامِلًا) لِلْآيَةِ وَالْخَبَرِ، وَالْمَعْنَى (أَوْ بِحَيْضَةٍ إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ) لَا بِبَقِيَّتِهَا،

٢٠٬١٨٢

وَفِي لَفْظٍ " حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ " وَتَصْدُقُ فِي حَيْضٍ،

٢٠٬١٨٣

فَلَوْ أَنْكَرَتْهُ، فَقَالَ: أَخْبَرَتْنِي بِهِ، فَوَجْهَانِ، وَوَطْؤُهُ فِي مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ حَرَامٌ، وَلَا يَقْطَعُهُ،

٢٠٬١٨٤

وَإِنْ أَحَبَلَهَا فِيهِ اسْتُبْرِئَتْ بِوَضْعِهِ،

٢٠٬١٨٥

وَإِنْ أَحَبَلَهَا فِي الْحَيْضَةِ حَلَّتْ فِي الْحَالِ لِأَنَّ مَا مَضَى حَيْضَةٌ (أَوْ بِمُضِيِّ شَهْرٍ إِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً، أَوْ آيِسَةً) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّ الشَّهْرَ أُقِيمَ مَقَامَ الْحَيْضَةِ فِي عِدَّةِ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ،

٢٠٬١٨٦

وَكَذَا بَالِغَةٌ لَمْ تَحُضْ، فَإِنْ حَاضَتْ فِيهِ اعْتَدَّتْ بِحَيْضَةٍ

الإنصافالمرداوي

والاسْتِبْراءُ يحْصُلُ بوَضْعِ الحَمْلِ إنْ كانَتْ حامِلًا. بلا نِزاعٍ.

وقوله: أو بحَيضَةٍ إنْ كانَتْ ممَّن تحِيضُ. هو المذهبُ؛ سواءٌ كانت أمَّ وَلَدٍ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أو غيرَها. وعليه الأصحابُ. وذكَر في «الواضِحِ» رِوايةً، تَعْتَدُّ أمُّ الوَلَدِ بعِتْقِها أو بمَوْتِه بثَلاثِ حِيَضٍ.

٣٤٬٩٠٠

[قال في «الفُروعِ»: وهو سَهْوٌ. وذكَر في «التَّرْغِيبِ» رِوايةً، تَعْتَدُّ أمُّ الوَلَدِ بعِتْقِها بثَلاثِ حِيَضٍ] .

٣٤٬٩٠١

وعنه في أُمِّ الوَلَدِ إذا ماتَ سيِّدُها، اعْتَدَّتْ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا. وحكَى أبو الخَطَّابِ رِوايةً ثالثةً، أنَّها . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

تَعْتَدُّ شَهْرَين وخَمْسَةَ أيَّامٍ، كعِدَّةِ الأمَةِ المُزَوَّجَةِ للوَفاةِ. قال المُصَنِّفُ: ولم . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أجِدْ هذه الرِّوايةَ عن الإِمام أحمدَ، رَحِمَه اللهُ في «الجامِعِ» , ولا أظُنُّها صحيحةً عنه.

٣٤٬٩٠٢

قلتُ: قد أثْبَتَها جماعَةٌ مِنَ الأصحابِ. أوْ بِمُضِيِّ شَهْرٍ إِنْ كَانَتْ آيِسَةً أوْ صَغِيرَةً.

٣٤٬٩٠٣

وَعَنْهُ، بِثَلَاثةِ أشْهُرٍ. اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ. أو بمُضِيِّ شَهْرٍ إنْ كانَتْ آيِسَةً أو صَغِيرَة.

٣٤٬٩٠٤

[وكذا لو بَلَغَت ولم تَحِضْ]. وهذا المذهبُ. جزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.

٣٤٬٩٠٥

وعنه، بثَلَاثَةِ أشْهُرٍ. نقَلها الجماعَةُ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والزَّركَشِيُّ: هذا هو المَشْهورُ عنِ الإمامِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أحمدَ، رَحِمَه اللهُ. واخْتارَه الخِرَقِيُّ، وأبو بَكْرٍ، والقاضي، وابنُ عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ.

٣٤٬٩٠٦

قال في «الفُروعِ»: وهي أظْهَرُ.

٣٤٬٩٠٧

وعنه، بشَهْرٍ ونِصْفٍ. نقَلَها حَنْبَل.

٣٤٬٩٠٨

وعنه، بشَهْرَين. ذكَرَه القاضي، كعِدَّةِ الأمَةِ المُطَلَّقَةِ. قال المُصَنِّفُ: ولم أرَ لذلك وَجْهًا.

٣٤٬٩٠٩

ولو كان اسْتِبْراؤُها بشَهْرَين ، لَكانَ اسْتِبْراءُ ذاتِ القَرْءِ بقَرْأين ، ولم نعْلَمْ به قائِلًا.

٣٤٬٩١٠

فائدة: تُصَدَّقُ في الحَيضِ، فلو أنْكَرَتْه، فقال: أخْبَرَتْنِي به. فوَجْهان. وأطْلَقهما في «الفُروعِ»؛ أحدُهما، يُصَدَّقُ هو. وجزَم به في «الرِّعايةِ الكُبْرى».

٣٤٬٩١١

وَإنِ ارْتَفَعَ حَيضُهَا ما تَدْرِي مَا رَفَعَهُ، فَبِعَشَرَةِ أشْهُرٍ. نَصَّ عَلَيهِ.

٣٤٬٩١٢

والثَّاني، تُصَدَّقُ هي. قال ابنُ نَصْرِ اللهِ في «حَواشِيه»: وهو أظْهَرُ إلَّا في وَطْئِه أُخْتَها بنِكاحٍ أو مِلْكٍ. انتهى.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

لا يتكلم على هذه المسألة.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.