وَهُوَ الشَّرْطُ الْخَامِسُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ إِلَّا فِي حَالِ الْعَجْزِ عَنْهُ وَالنَّافِلَةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ
الشروح عليها
بابُ اسْتِقْبالِ القبْلَةِ (وهو الشرطُ الخامِس لصِحةِ الصلاةِ) لقَوْلِ الله تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}. أي نحْوَه.
وقال عليٌّ، رَضىَ الله عنه: شَطْره قِبَلَه. ورُوِيَ عن البَراء، قال: قَدِم رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فصَلى نَحْوَ بيتِ المَقْدِس ستَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثم إنه وُجهَ إلى الكَعبَةِ، فمَر رجلٌ صَلَّى مع النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- على قوم من الأنْصارِ، فقال: إنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قد وُجِّهَ إلى الكعبَةِ. فانْحَرَفُوا إلى الكعبةِ. أخْرَجَه النَّسائِيُّ .
٣٤٥ - مسألة؛ قال: (إلَّا في حالِ العَجْزِ عنه، والنّافِلَةِ على الراحِلَةِ في السفَرِ الطَّوِيلِ والقَصِيرِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الاسْتِقْبالَ يَسْقُطُ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ؛ أحَدُها، في حالِ العَجْزِ عنه، لكَوْنه مَرْبوطا إلى غيرِ القبْلَةِ، ونَحْوَه، فيُصَلى على حَسَب حالِه؛ لأنه شَرْط لصِحةِ الصلاةِ عَجَز عنه، أشْبَهَ القيامَ. الثاني، إذا اشْتَد الخَوْفُ، كحال الْتِحامِ الحَرْبِ، وسنَذْكُرُه في مَوْضِعِه، إن شاء الله. الثالث، في النّافِلةِ على الرّاحِلةِ، ولا نَعْلَمُ في إباحَةِ التطوُّعِ على الرّاحِلَةِ إلى غيرِ القبْلَةِ في السفَرِ الطوِيلِ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ.
قال ابنُ عبدِ البَرّ: أجْمَعُوا على أنَّه جائِزٌ لكل مَن سافَرَ سَفَرا تُقْصَرُ فيه الصلاةُ أن يَتَطَوعَ على دابتِه حَيْثُما تَوَجهَتْ به، يُومِئُ بالركُوعِ والسجُودِ، ويَجْعَلُ السُّجُودَ أخْفَضَ مِن الرُّكُوع. وحُكْمُ السفَرِ القَصِيرِ حُكْمُ الطَّوِيلِ في ذلك. وهو قولُ الأوْزاعيِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرأيِ.
وقال مالك: لا يُباحُ؛ لأنَّه رُخْصَةُ سَفَرٍ، فاخْتَصَّ بالطَّوِيلِ كالقَصْرِ . ولَنا، قول الله تعالى:{وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ}. قال ابنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ هذه الآيَةُ في التَّطَوُّعِ خاصة، حيثُ تَوَجَّهَ بك بَعِيرُك . وعن ابنِ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُسَبِّحُ على ظَهْرِ راحِلَتِه حيث كان وَجْهه، يُومِئُ بِرأسه. مُتَّفَقٌ عليه . وللبُخارِي: إلَّا الفَرائِضَ . ولم يُفَرقْ بينَ قصِيرٍ السفَرِ وطَوِيله، ولأن إباحَةَ التطَوعِ على الرّاحِلَةِ تَخْفِيف ، كَيْلا يُؤدِّى إلى تَقْلِيله وقَطْعِه، وهذا يَسْتَوِي فيه الطوِيلُ والقَصِيرُ، والفِطْرُ والقَصْرُ تُراعَى فيه المَشَقةُ، وإنما تُوجَدُ غالِبًا في الطَّوِيلِ.
قال القاضي: الأحْكامُ التى يَسْتَوِي فيها السَّفَرُ الطَّوِيلُ والقَصِيرُ ثَلاثة؛ التيمُّمُ، وأكلُ المَيتةِ في المخْمَصَةِ، والتَّطَوعُ على الراحِلَةِ، وبَقِيةُ الرُّخَص تَخْتَصُّ الطَّوِيلَ؛ وهي القَصر ، والجَمْعُ، والمسْحُ ثلاثًا. فصل: ويَجْعَلُ سُجُودَه أخْفَضَ مِن رُكُوعِه. قال جابِر: بَعَثَنِي رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في حاجَةٍ، فجِئْت وهو يُصَلى على راحِلَتِه نَحْوَ المَشْرِقِ، والسجُودُ أخْفضُ عِن الركُوعِ. رَواه أبو داودَ . و [يجوزُ أن] يُصَلىَ على البَعِيرِ والحِمارِ وغيرِهما. قال ابنُ عُمَرَ: رَأيتُ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلى على حِمار، وهو مُتَوَجِّه إلى خَيْبَرَ.
رَواه أبو داودَ، والنَّسائيُّ . لكن إذا قُلْنا بنَجاسةِ الحِمارِ، فلا بُدَّ أن يكُونَ تحتَه سُترة طاهِرَةٌ.
فصل : فإن كان على الرّاحِلَةِ في مَكانٍ واسِع، كالمُنْفَرِدِ في العَمَّاريَّة يَدُورُ فيها كيف شاء، ويَتَمكَّنُ مِن الصلاةِ إلى القِبْلَةِ والرُّكُوعِ والسجُودِ بالأرْض، لَزِمَه ذلك، كراكِب السفِينَةِ.
وإن قَدَر على الاستِقْبالِ دُونَ الرُّكُوعِ والسجُودِ، لَزِمَه الاستِقْبالُ، وأوْمَأَ بهما. نصَّ عليه.
وقال أبو الحسنِ الآمِدِي: يَحتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه شئٌ مِن ذلك، كغيرِه؛ لأن الرُّخْصَةَ العامَّةَ يَسْتَوِي فيها مَن وُجِدَتْ فيه المَشَقَّةُ وغيرُه، كالقَصْرِ والجَمْعِ.
وإن عَجَز عن ذلك، سَقَط بغيرِ خِلافٍ.
فصل: وقبْلَةُ هذا المصلى حيث كانت وِجْهته،
فإن عَدَل عنها إلى جِهَةِ الكعْبَةِ، جاز؛ لأَنها الأصْلُ، وإنَّما سَقَط للعُذْرِ،
وإن عَدل إلى غيرِها عَمْدًا، فَسَدَتْ صَلَاتُه؛ لأنه تَرَك قِبْلَتَه عَمْدًا.
وإن كان مغْلُوبًا، أو نائِمًا، أو ظَنا منه أنَّها جِهَةُ سَيْرِه، فهو كل صَلاتِه، ويَرْجِعُ إلى جِهَةِ سَيْرِه إذا أمْكنَه.
فإن تَمادَى به ذلك بعدَ زَوالِ عُذْرِه، فسدَتْ صَلَاتُه؛ لترْكِه الاستِقْبالَ عمْدًا. ولا فَرْقَ بينَ جَمِيعِ التَّطَوعاتِ في هذا؛ النَّوافِلِ المُطْلَقَةِ، والسنن الرواتِب، والوِتْرِ، وسُجُودِ التلاوَةِ، وقد كان النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُوتِرُ على بَعِيرِه. مُتَّفَق عليه .
٣٤٦ - مسألة: (وهل يَجُوزُ للماشِي؟ على رِوايَتَيْن) إحْداهما، لا يَجُوزُ. وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقيِّ، ومَذْهَبُ أبِي حنيفةَ؛ لعُمُوم قَوْلِه تعالى:{وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَولُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}. والنَّصُّ إنما وَرَد في الرّاكِبِ،
ولا يَصِحُّ قياس الماشِي عليه؛ لأنه يَحْتاجُ إلي عمَل كَثِيرٍ، ومَشْى مُتَتابع يُنافِي الصلاةَ، فلم يصِح الإلْحاقُ. والثانية، يَجُوزُ ذلك للماشِي. نَقَلَها عنه المُثَنَّى بنُ جامِع ، واخْتارَه القاضي. فعلى هذا يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ لافْتِتاحِ الصلاةِ، ثم يَنْحَرِفُ إلى جِهَةِ سَيْرِه، ويَقْرأ وهو ماشٍ، ويَرْكَعُ ثم يَسْجُد بالأرض. وهذا قول عَطاء، والشافعي؛ لأن الرّكُوعَ والسُّجُودَ مُمْكِن مِن غيرِ انْقِطاعِه عن جِهَةِ سيْرِه، فلَزِمَه، كالواقِفِ.
وقال الآمدى: يُومِئُ بالركُوعِ والسجُودِ، كالراكِبِ، قِياسًا عليه. ووَجْهُ هذه الرواية أن الصلاةَ أبِيحَتْ للراكِبِ كَيْلا يَنْقَطِعَ عن القافِلَةِ في السفَرِ، وهو مَوْجُودٌ في الماشِي، ولأنها إحْدَى حالتيِ السفَرِ، أشبَهَ الراكِبَ.
فصل: وإذا دَخَل المصَلى بَلدًا ناويًا الإقامَةَ فيه، لم يصَلِّ بعدَ دخوله إليه إلَّا صلاةَ المُقِيمِ.
وإن كان مُجْتازًا غيرَ ناوٍ للإقامَةِ، أو نَوَى الإقامَةَ مُدةً لا يَلْزمُه فيها إتْمامُ الصلاةِ، اسْتَدامَ الصلاةَ ما دامَ سائِرا،
فإذا نزل فيه، صَلى إلى القِبْلَةِ، وبَنَى على ما مَضَى مِن صَلَاتِه، كالخائِفِ إذا أمِن في أثْناءِ صَلاتِه.
ولو ابْتَدَأها ، وهو نازِل إلى القِبْلَةِ، ثم أراد الركوبَ، أتمَّ صَلاتَه، ثم يَرْكَبُ.
وقِيل: يَرْكَبُ في الصلاة، ويتمُّها إلى جِهةِ سَيْرِه، كالآمِنِ إذا خاف في صَلاتِه، والأولُ أوْلَى. والفَرْقُ بينَهما أنَّ حالَةَ الخَوْفِ حالَةُ ضَرُورَةٍ، أبِيحَ فيها ما يَحْتاجُ إليه مِن العَمَلِ، وهذه رُخْصَة مِن غيرِ ضَرورَةٍ ، فلا يُباحُ فيها غير ما نُقِل، ولم يَرِدْ بإباحَةِ الرُّكُوبِ الذى يَحْتاجُ إلى عَمَل وتَوَجُّهٍ إلى غيرِ جِهَةِ القِبْلَةِ ولا جِهَةِ سَيْرِهِ سُنَّة، فيَبْقَى على الأصْلِ. والله سبحانه وتعالى أعلم. ٣٤٧ -
بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ] [حُكْمُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ] بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ.
قَالَ الْوَاحِدِيُّ: الْقِبْلَةُ الْوُجْهَةُ، وَهِيَ الْفِعْلَةُ مِنَ الْمُقَابَلَةِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: مَا لَهُ قِبْلَةٌ وَلَا دُبْرَةٌ، إِذَا لَمْ يَهْتَدِ لِجِهَةِ أَمْرِهِ، وَأَصْلُ الْقِبْلَةِ فِي اللُّغَةِ: الْحَالَةُ الَّتِي يُقَابِلُ الشَّيْءُ غَيْرَهُ عَلَيْهَا، كَالْجِلْسَةِ لِلْحَالِ الَّتِي يُجْلَسُ عَلَيْهَا، إِلَّا أَنَّهَا الْآنَ صَارَتْ كَالْعَلَمِ لِلْجِهَةِ الَّتِي يَسْتَقْبِلُهَا الْمُصَلِّي، وَسُمِّيَتْ قِبْلَةً لِإِقْبَالِ النَّاسِ عَلَيْهَا،
وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يُقَابِلُهَا، وَهِيَ تُقَابِلُهُ (وَهُوَ الشَّرْطُ الْخَامِسُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} قَالَ عَلِيٌّ: شَطْرَهُ قِبَلَهُ،
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ:«بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَتْ شِرْعَةُ التَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالْمَدِينَةِ بِالسُّنَّةِ أَوِ الْقُرْآنِ؛ عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنِ الْحَسَنِ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَالرَّبِيعِ، وَعِكْرِمَةَ أَنَّهُ كَانَ بِرَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ،
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَمْ يُصَرِّحُوا بِصَلَاتِهِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَسُئِلَ عَنْهَا ابْنُ عَقِيلٍ فَقَالَ: الْجَوَابُ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي خَيْثُمَةَ فِي " تَارِيخِهِ " أَنَّهُ قِيلَ: إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَصَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالْمَدِينَةِ (إِلَّا فِي حَالِ الْعَجْزِ عَنْهُ) كَالْمَرْبُوطِ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَالْمَصْلُوبِ وَنَحْوِهِمَا، لِأَنَّهُ شَرْطٌ عَجَزَ عَنْهُ فَسَقَطَ كَالْقِيَامِ، وَمِنْهُ: إِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ عِنْدَ الْتِحَامِ الْحَرْبِ، وَيَأْتِي (وَالنَّافِلَةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ) هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ قَطْعِ الْمَسَافَةِ، وَجَمْعُهُ أَسْفَارٌ سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُسْفِرُ عَنْ أَخْلَاقِ الرِّجَالِ، قَالَهُ ثَعْلَبٌ (الطَّوِيلُ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ لِكُلِّ مَنْ سَافَرَ سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ أَنْ يَتَطَوَّعَ عَلَى دَابَّتِهِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ (وَالْقَصِيرُ) هُوَ مُغْنٍ عَنِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ فِي الْقَصِيرِ جَازَ فِي الطَّوِيلِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى، وَجَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} قَالَ ابْنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ فِي التَّطَوُّعِ خَاصَّةً،
وَلِمَا رَوَى هُوَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، يُومِئُ بِرَأْسِهِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِلْبُخَارِيِّ إِلَّا الْفَرَائِضَ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ طَوِيلِ السَّفَرِ وَقَصِيرِهِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ فِي التَّطَوُّعِ، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إِلَى تَقْلِيلِهِ أَوْ قَطْعِهِ، فَاسْتَوَيَا فِيهِ إِذَا كَانَ مُبَاحًا، زَادَ فِي " التَّلْخِيصِ " وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمَا: إِذَا كَانَ يَقْصِدُ جِهَةً مُعَيَّنَةً لَا مِنْ رَاكِبِ التَّعَاسِيفِ، وَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَهُوَ أَخْفَضُ مِنْ رُكُوعِهِ، هَذَا إِذَا كَانَ الرَّاكِبُ يَحْفَظُ نَفْسَهُ بِفَخْذَيْهِ وَسَاقَيْهِ كَرَاحِلَةِ الْقَتْبِ،
فَأَمَّا إِذَا كَانَ فِي الْهَوْدَجِ وَالْعَمَارِيَّةِ،
فَإِنْ أَمْكَنَهُ الِاسْتِقْبَالُ في جميعها وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ لَزِمَهُ كراكب السفينة، لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ غَيْرُ مُشِقٍّ،
وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ دُونَهُمَا لَزِمَهُ وَأَوْمَأَ بِهِمَا، نَصَّ عَلَيْهِ،
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الآمديُّ: لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الرُّخْصَةَ الْعَامَّةَ يَسْتَوِي فِيهَا مَنْ وُجِدَتْ فِيهِ الْمَشَقَّةُ وَغَيْرُهُ، كَالْقَصْرِ وَالْجَمْعِ، وَلَعَلَّهُ موافق لظاهر كَلَامه، وَيُعْتَبَرُ طَهَارَةُ مَحَلِّهِ نَحْوَ سَرْجٍ وَرِكَابٍ، وَلَا فَرْقَ فِي الْمَرْكُوبِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَعِيرًا أَوْ غَيْرَهُ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْحَضَرِ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -،
وَعَنْهُ: يَجُوزُ لِلسَّائِرِ الرَّاكِبِ خَارِجَ الْمِصْرِ، فَعَلَهُ أَنَسٌ، لِأَنَّهُ رَاكِبٌ أَشْبَهَ الْمُسَافِرَ.
(وَهَلْ يَجُوزُ التَّنَفُّلُ لِلْمَاشِي) فِي السَّفَرِ سَائِرًا (عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، و" الْوَجِيزِ " لِأَنَّ الرُّخْصَةَ وَرَدَتْ فِي الرَّاكِبِ، وَالْمَاشِي بِخِلَافِهِ، لِأَنَّهُ يَأْتِي فِي الصَّلَاةِ بِمَشْيٍ مُتَتَابِعٍ وَعَمَلٍ كَثِيرٍ فَلَمْ يَصِحَّ الْإِلْحَاقُ، وَالثَّانِيَةُ: نَقَلَهَا الْمُثَنَّى بْنُ جَامِعٍ يَجُوزُ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ،
وَفِي " الْفُرُوعِ " لِأَنَّ الصَّلَاةَ أُبِيحَتْ لِلرَّاكِبِ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ عَنِ الْقَافِلَةِ فِي السَّفَرِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْمَاشِي.
فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَفْتَتِحَهَا إِلَى الْقِبْلَةِ إِذَا أَمْكَنَهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ بِالْأَرْضِ إِلَيْهِمَا لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ، وَيَفْعَلُ مَا سِوَى ذَلِكَ مَاشِيًا إِلَى جِهَةِ سَيْرِهِ،
وَقِيلَ: يُومِئُ بِهِمَا سَيْره، وَقِيلَ: مَا سِوَى الْقِيَامِ يَفْعَلُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ غَيْرَ مَاشٍ.
بَابُ استِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَهُوَ الشرطُ الْخَامس لِصِحَّةِ الصَّلاة، إلَّا فِي حَالِ الْعَجْزِ عَنْهُ، بابُ اسْتقْبالَ القِبْلَةِ وهو الشرطُ الخامس لصحةِ الصلاةِ إلَّا في حالِ العجز عنه. الصحيح منَ المذهب؛ سقوطُ استقْبال القِبْلة في حالِ العجْزِ مُطْلقًا؛ كالْتِحامِ الحرْبِ، والهرَبِ مِنَ السيلِ والسَّبُع ونحوِه، على ما يأتي، وعجْزِ المريضِ عنه وعمَّن يديرُه، وَالنَّافِلَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السفَرِ الطوِيلِ وَالْقَصِيرِ.
والمربوطِ ونحوِ ذلك. وعليه الأصحابُ. وجزَم ابنُ شِهَاب، أن التوجهَ لا يسْقط حالَ كسْرِ السفينةِ، مع أنَّها حالةُ عُذْر؛ لأن التوجهَ إنما سْقطُ حالَ المُسايفَةِ لمَعْنًى مُتَعدٍّ إلى غير المصلى؛ وهو الخِذْلانُ عندَ ظهورِ الكفارِ. وهذا ضعيف جدًا. والنافِلةِ على الراحِلَةِ في السفرِ الطوِيل والقَصيرِ. هذا المذهبُ مُطلقًا. نص عليه، وعليه الأصحابُ.
وعنه، لا يصَلى سنةَ الفجرِ عليها.
وعنه، لا يصلى الوتر عليها. والذى قدمه في «الفروع»، جوازُ صلاةِ الوِتر راكِبًا ولو قُلْنا: إنَّه واجِب. قال ابنُ تميم: وكلامُ ابن عقيل يحْتَمِلُ وَجْهَين، إذا قُلْنا: إنَّه واجِب.
تنبيهات؛ أحدُها، ظاهرُ قولِه: النافِلَةُ على الراحلَةِ في السفرِ الطَّويل والقَصيرِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّها لا تصِحُّ في الحضَرِ مِن غيرِ اسْتِقْبالِ القِبلةِ. وهو صحيح، وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وعنهْ، يسْقُط الاسْتِقْبالُ أَيضًا إذا تنفَّلَ في الحضَر، كالراكبِ السائرِ في مِصْرِه. وقد فعَلَه أنس. وأطْلَقَهما في «الفائقِ»، و «الإرْشادِ». الثاني، كلامُ المُصَنفِ وغيرِه، ممن أطْلقَ، مُقَيد بأنْ يكونَ السفَرُ مباحًا؛
فلو كان مُحَرما ونحوَه، لم يسْقُطْ الاسْتِقبالُ. قالَه في «الفروعِ» وغيرِه. الثالث، لو أمكنَه أنْ يدورَ في السفينةِ والمِحَفَّةِ إلى القِبْلَةِ في كل الصلاةِ، لَزِمَه ذلك. على الصحيح مِنَ المذهب. نص عليه. وقدمه ابنُ تَيمم، وابنُ منجى في «شرحِه»؛ و «الرعاية». وزاد، العَماريةِ والمَحمَلِ ونحوهما.
قال في «الكافِي»: فإن أمكنَه الاسْتِقبالُ والركوعُ والسجود، كالذى في العَمارية، لَزمَه ذلك لأنه كراكبِ السفينَةِ.
وفي «المغني»، و «الشرح» نحو ذلك.
وقيلَ: لا يلْزَمُه. اخْتارَه الآمِدِي. ويَحْتَملُه كلامُ المصَنفِ في المِحَفَّةِ ونحوِها.
قال في «الفروعِ»: لا يجِبُ في أحَدِ الوَجْهَين.
وقال: وأطْلَقَ في رواية أبي طالِب وغيرِه، أنْ يدورَ. قال: والمرادُ غيرُ المَلاح لحاجَتِه. الرابع، يدورُ في ذلك في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفَرْض. على الصحيح مِنَ المذهبِ.
وقيل: لا يجِبُ عليه ذلك. وهو احْتِمال لابن حامِد [ويأتِي في صلاةِ أهْلِ الأعْذار]. وَهَلْ يَجُوزُ التَنَفُّلُ لِلْمَاشِي؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وهل يَجُوزُ التنفل للماشي؟ على رِوايتيْن. وأطْلقَهما في «الكافِي»، و «الشَّرح»، وابن مُنَجَّى في «شَرْحه»، و «الزرْكشى»؛ إحْداهما، يجوزُ. وهو المذهبُ. جزَم به في «الهِداية»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «التلْخِيص»، و «البُلْغةِ»، و «الرعايتيْن»، و «نظْمِ نِهاية» ابن زرين. وصححه في «التصحيح»، والمجْدُ في «شرحه»، وابنُ تَميمٍ، والناظِمُ.
قال في «الفروع»: وعلى الأصَحِّ، وماشيًا. وقدمه في «المُحَررِ»، و «الفائقِ». واخْتارَه القاضي. والروايةُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثَّانية، لا يجوزُ. وهو ظاهر كلام الخِرَقِي. وجزَم به «الوَجيزِ»، و «الإفاداتِ». ونصها المصنف في «المُعْنِي» للخِلافِ. فعلى المذهبِ، تصح الصلاةُ إلى القِبْلةِ بلا خلاف أعلمه.
ويأتي الجوابُ عن قول المصَنفِ: فإنْ أمْكنَه افتتاح الصلاةِ إلى القِبْلةِ. ويركَعُ ويسْجُدُ فقط إلى القِبْلةِ، ويفْعلُ الباقي إلى جهَةِ سيْرِه، على الصَّحيح المذهبِ في ذلك كله. قدمه في «المُغْنِي»، و «الشرحِ»، و «الفُروعِ»، و «شَرْحِ ابن مُنَجى»، و «شرحِ الهِداية»، و «الرعايةِ». واخْتارَه القاضي وغيرُه.
وقيل: يومِئُ بالركوع والسُّجودِ إلى جِهَةِ سيْره، كراكبٍ. اخْتارَه الآمِدِي، والمَجْدُ في «شرْحِه».
وقيل: يمشى حالَ قيامِه إلى جِهَتِه، وما سِواه يفْعلُه إلى القِبْلةِ غيرَ ماشٍ، بل . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يقفُ، ويفْعله. وأطْلَقَهُن ابن تميمٍ.
فائدة: لا يجوزُ التنفلُ على الراحِلَةِ لراكبِ التعاسِيفِ، وهو ركوبُ الفَلاةِ وقطْعها على غيرِ صَوْب. ذكَرَه صاحِبُ «التَّلْخيص»، و «الرعاية»، و «الفُروعِ»، و «ابن تميم»، وغيرهم.
قلتُ: فيُعايى بها وهو مستثنى مِن كلامَ مَن أطْلَقَ.
فَإنْ أمكَنَهُ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ، فَهَلْ يلزمه ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
باب استقبال القبلة] قال المصنف رحمه الله: (وهو الشرط الخامس لصحة الصلاة إلا في حال العجز عنه. والنافلة على الراحلة في السفر الطويل والقصير. وهل يجوز التنفل للماشي؟ على روايتين. فإن أمكنه افتتاح الصلاة إلى القبلة فهل يلزمه ذلك؟ على روايتين) .
أما كون استقبال القبلة الشرط الخامس؛ فلأنه يلي الرابع.
وأما كونه شرطاً لصحة الصلاة في غير المستثنى؛ فلأن الله تعالى قال:{وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} أي نحوه.
كما أنشدوا:
ألا من مُبلغ عنا رسولاً ... وهل تُغْني الرسالة شَطْر عمرو أي نحو عمرو.
وروي عن البراء قال:«قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً. ثم إنه وُجِّه إلى الكعبة. فمر رجل كان صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم على قوم من الأنصار. فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وُجّه إلى الكعبة. فانحرفوا إلى الكعبة» أخرجه النسائي.
وأما كونه لا يشترط في حال العجز كالمصلوب يصلي على حسب حاله؛ فلأنه فرضٌ عجز عنه. أشبه القيام. وكالصلاة في حال المسايفة. وسيأتي ذكر ذلك في فصل صلاة الخوف إن شاء الله تعالى .
وأما كونه لا يشترط في صلاة النافلة على الراحلة في السفر؛ فلما روى ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه. يومئ برأسه. وكان يوتر على بعيره» متفق عليه.
و«كان يصلي على حماره» رواه أبو داود.
واعلم أن غرض المصنف رحمه الله هنا بيان عدم اشتراط استقبال القبلة في النافلة في الجملة
فأما تفصيل ذلك فالراحلة على ضربين:
أحدهما: ما يحتاج فيها إلى حفظ الراكب نفسه بفخذيه وساقيه كراحلة السرج والقتب فهذه يباح لراكبها ترك الاستقبال في جميع صلاته. ويومئ بالركوع والسجود؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا كان يركب. وعلى مثل هذه الحالة كان يتنفل.
الثاني: ما لا يحتاج فيها إلى حفظ الراكب نفسه كالهودج والمحمل ونحوهما. فهذا إن أمكن راكبها الاستقبال في جميع الصلاة والركوع والسجود على ما هو عليه لزمه ذلك لأنه ممكن غير مشق.
وقال أبو الحسن الآمدي: لا يلزمه ذلك؛ لأن الرخصة إذا كانت عامة تعم من وجدت في حقه المشقة ومن لم يوجد.
ولأن في ذلك إضراراً بدابته لتنقله وحركته. فلم يلزمه قياساً على راكب السرج.
ويحتمل أن يكون غرض المصنف رحمه الله هنا بيان عدم اشتراط استقبال القبلة في النافلة على كل راحلة كمذهب الآمدي. وظاهر إطلاقه يؤيد ذلك.
وأما كون ما تقدم ذكره في السفر الطويل والقصير؛ فلأن تجويز ذلك إنما كان تخفيفاً في التطوع كيلا يؤدي إلى تقليله وقطعه. وهذا المعنى موجود في القصير فوجب إلحاقه بالطويل ومساواته له في الجواز.
وأما كون التنفل للماشي يجوز على روايةٍ؛ فلأن الإفضاء إلى التقليل والقطع موجود فيه أشبه الراكب.
فإن قيل: الراكب كالماشي مطلقاً. قيل: لا. بل مثله في جواز ترك الاستقبال.
أما جواز الإيماء بالركوع والسجود فليس له ذلك. ويلزمه الركوع والسجود على الأرض مستقبلاً؛ لإمكان ذلك.
بخلاف الراكب فإن له أن يومئ بهما.
وقال أبو الحسن الآمدي: لا يلزمه ذلك بل يومئ بهما كالراكب لأنها حالة أبيح فيها ترك الاستقبال فلم يجب عليه الركوع والسجود كالراكب.
وأما كونه لا يجوز له ذلك على روايةٍ. وهو ظاهر كلام الخرقي؛ فلأن الرخصة وردت في الراكب، والماشي بخلافه لأنه يأتي في الصلاة بعمل كثير.
وأما كون مَن أمكنه افتتاح الصلاة إلى القبلة يلزمه ذلك على روايةٍ؛ فلأنه قادر عليه فلزمه كما لو قدر عليه في جميع الصلاة من غير مشقة.
وأما كونه لا يلزمه ذلك على روايةٍ؛ فلأنه جزء من أجزاء الصلاة فلم يلزمه كبقية أجزائها، [والحديث يحمل على الندب].
واعلم أن الضمير في قول المصنف رحمه الله: فإن أمكنه؛ يجب عوده إلى الراكب لا إلى الماشي ولا إليه وإلى الراكب،
مع أن في عوده إلى الراكب أيضاً نظرٌ:
أما كونه لا يعود إلى الماشي وحده ولا إليه وإلى الراكب؛ فلأن الماشي يلزمه استقبال القبلة حال افتتاح الصلاة إذا أمكنه ذلك على روايةٍ واحدة ذكر ذلك صاحب النهاية. وحكى المصنف رحمه الله في المغني أنه يلزمه الاستقبال ولم يحك خلافه. ولم يحك صاحب المستوعب ولا غيره ممن طالعت تصنيفه مع إمعان المطالعة والمبالغة من أجل تصحيح كلام المصنف رحمه الله هنا غير ذلك.
وأما كون عوده إلى الراكب وحده فيه نظر؛
فلأن الروايتين المذكورتين في الاستقبال حال الافتتاح إنما هما في حال المسايفة: أما النافلة في السفر على الراحلة فإنه ينظر فيها:
فإن كانت مقطورة [أو لا تطيع راكبها في انفتالها لم يلزمه الاستقبال؛ لأنه لا يمكنه إلا بمشقة.
وإن كانت غير مقطورة] وتطيعه فالمذهب أنه يلزمه الاستقبال حال الافتتاح ذكره صاحب النهاية فيها وقدمه المصنف في المغني. واحتجا عليه بأن النبي صلى الله عليه وسلم «كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبر ثم صلى حيث كان وجهة ركابه» رواه أبو داود.
وأما عدم لزوم الاستقبال حال الافتتاح فهو مُخَرّج على صلاة الخوف. ذكره المصنف رحمه الله في المغني وصاحب النهاية فيها. ولم يحكه واحد منهما رواية. ولم أعلمه لأحد من الأصحاب. ويمكن أن يتعذر عن إطلاق المصنف رحمه الله الروايتين إذا أراد بذلك الراكب بأن المخرج على روايةٍ قد يطلق عليه رواية نظراً إلى أنه مأخوذ منها. أو يقال بأن المصنف رحمه الله اطلع على روايةٍ لم يطلع عليها غيره ولم ينقلها إلا في مقنعه وفيه بُعْدٌ.
وصرح في الكافي بأن في الاستقبال إذا كان سهلاً وجهين.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.