كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ وَيُسَمَّى خَمْرًا
الشروح عليها
بابُ حَدِّ المُسْكِرِ الخمرُ مُحَرَّمٌ بالكتاب والسُّنَّةِ والإِجْماعِ،
أمَّا الكتابُ فقولُ اللَّهِ تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. والآيةُ التى بعدَها إلى قولِه:{فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}.
وأمَّا السُّنَّةُ، فقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ». رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ . ورَوَى عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«لَعَنَ اللَّه الخَمْرَ، وَشَارِبَها، وسَاقِيَهَا، وبَائِعَهَا، ومُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ». رَواه أبو داودَ . وثَبَت عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تحريمُ الخمرِ بأخْبارٍ تَبْلُغُ بمجمُوعِها رُتْبَةَ التَّواتُرِ، وأجمعتِ الأُمَّةُ على تحْرِيمِه، وإنَّما حُكِىَ عن قُدامَةَ بنِ مَظْعُونٍ، وعمرِو بنِ مَعْدِيكَرِبَ، وأبى جَنْدَلِ بنِ سهَيل ، أنَّهم قالوا: هى حَلالٌ؛
لقولِ اللَّهِ تعالى:{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا}. الآية. فبَيَّنَ لهم عُلماءُ الصَّحابةِ مَعْنَى هذه الآيةِ، وتحريمَ الخمرِ، وأقاموا عليهم الحَدَّ؛ لشُرْبِهم إيَّاه ، فرَجَعُوا إلى ذلك، فانْعَقَدَ الإِجْماعُ،
فمَنِ اسْتَحَلَّها الآنَ، فقد كَذَّبَ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لأنَّه قد عُلِمَ ضَرورةً مِن جِهَةِ النَّقْلِ تَحْرِيمُه، فيَكْفُرُ بذلك، ويُسْتَتابُ،
فإن تابَ، وإلَّا قُتِلَ. رَوَى الجُوزْجَانِىُّ بإسْنادِه، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ قُدامَةَ بنَ مَظْعُونٍ شَربَ الخمرَ، فقال له عمرُ: ما حَمَلَكَ على ذلك؟ فقال: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يقولُ: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا}. الآية. وإنِّى مِن المُهاجرِين الأوَّلينَ مِن أهلِ بدرٍ وأُحدٍ. فقال عمرُ للقومِ: أجِيبُوا الرجلَ. فسَكتُوا عنه، فقال لابنِ عباسٍ: أجِبْه. فقال: إنَّما أنْزَلها اللَّه عُذْرًا للماضِينَ، لِمَن شَرِبَها قبلَ أن تُحَرَّمَ، وأنزَلَ:{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ}.
حُجَّةً على النَّاسِ. ثم سألَ عمرُ عن الحَدِّ فيها، فقال علىُّ بنُ أبى طالبٍ: إذا شَرِبَ هَذَى،
وإذا هَذَى افْتَرَى، فاجْلِدُوه ثمانينَ. فجَلَده عمرُ ثمانينَ. ورَوى الوَاقِدِىُّ، أنَّ عمرَ قال له: أخْطَأْتَ التَّأْوِيلَ يا قُدامَةُ، إذا اتَّقَيْتَ اجْتَنَبْتَ ما حَرَّمَ اللَّهُ عليك. وروَى الخَلَّالُ بإسْنادِه، عن مُحارِبِ بنِ دِثَارٍ، أنَّ أُناسًا شَرِبُوا بالشامِ الخمرَ ، فقال لهم يزيدُ بنُ أبى سفيانَ: شَرِبْتُمُ الخمرَ؟ قالوا: نعم، يقولُ اللَّهُ تعالى:{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا}. الآية. فكَتَب فيهم إلى عمرَ بنِ الخَطَّابِ، فكَتَبَ إليه: إن أتاكَ كتابِى هذا نهارًا، فلا تَنْتَظِرْ بهم إِلى اللَّيْلِ،
وإن أتاكَ لَيْلًا، فلا تَنْتَظِرْ بهم نَهارًا، حتى تَبْعَثَ بهم إلىَّ، لِئلَّا يَفْتِنُوا عبادَ اللَّهِ. فبَعَثَ بهم إلى عمرَ، فشاوَرَ فيهم النَّاسَ، فقال لعلىٍّ: ما تَرَى؟ فقال: أرَى أنَّهم قد شَرَّعُوا في دينِ اللَّهِ ما لم يَأذَنِ اللَّه فيه،
فإن زَعَمُوا أنَّها حَلالٌ، فاقْتُلْهم، فقد أحَلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ،
وإن زَعَمُوا أنَّها حَرامٌ فاجْلِدْهم ثمانينَ ثمانينَ، فقد افْتَرَوْا على اللَّهِ، وقد أخْبَرَنا اللَّه بحَدِّ ما يَفْتَرِى بعضُنا على بعضٍ. قال: فَجَلَدَهم عمرُ ثمانينَ ثمانينَ. إذا ثَبَت هذا، فالمُجْمَعُ على تَحْرِيمِه عصيرُ العِنبِ، إذا اشْتَدَّ وقَذَف زَبَدَه، وما عَداه مِن الأشْرِبَةِ المُسْكِرَةِ، فهو مُحَرَّم، وفيه اخْتِلافٌ نَذْكُرُه إن شاءَ اللَّه تعالى.
٤٤٥٩ - مسألة: (كلُّ شَرابٍ أسْكَرَ كَثِيرُه، فقَلِيلُه حَرامٌ، مِن أىِّ شئٍ كان، ويُسَمَّى خَمْرًا) حُكمُه حُكْمُ عَصِيرِ العِنَبِ في تَحْرِيمِه، ووُجُوبِ الحَدِّ على شارِبِه. رُوِى تحْرِيمُ ذلك عن عمرَ، وعلىِّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وأبى هُرَيْرَةَ، وسعدِ بنِ أبى وَقَّاصٍ، وأُبىِّ بنِ كَعْبٍ، وأنَسٍ، وعائِشَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، والقاسِمُ، وقَتادَةُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيْدٍ، وإسْحاقُ.
وقال أبو حنيفةَ، في عصيرِ العنبِ إذا طُبِخَ وذَهَب ثُلُثاه، ونَقِيعِ التَّمْرِ والزَّبِيبِ إذا طُبِخَ وإن لم يَذْهَبْ ثُلُثَاه، ونَبِيذِ الحِنْطَةِ، والذُّرَةِ والشَّعِيرِ، ونحوِ ذلك نقيعًا كان أو مَطْبُوخًا: كلُّ ذلك حَلالٌ، إلَّا ما بَلَغ السُّكْرَ،
فأمَّا عصيرُ العِنبِ إذا اشْتَدَّ، وقَذَف زَبَدَه، أو طُبِخَ فذَهَبَ أقَلُّ من ثُلُثَيْه، ونَقِيعُ التَّمْرِ والزَّبِيبِ إذا اشْتَدَّ بغيرِ طَبْخٍ، فهذا مُحَرَّمٌ، قَلِيلُه وكثيرُه؛ لِما رَوَى ابنُ عباسٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«حُرِّمَتِ الخَمْرَةُ لِعَيْنهَا، والسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ». ولَنا، مما رَوَى ابن عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْر، وكُل خَمْرٍ حَرَامٌ». وعن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَا أسْكَرَ كثِيرُهُ، فَقَلِيلُه حَرَامٌ».
رَواهما أبو داودَ، والأثْرَمُ، وغيرُهما . وعن عائشةَ، قالت: سمعتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «كُلُّ مُسْكِر حَرَامٌ، وَمَا أسْكَرَ مِنْهُ الْفَرَقُ ، فَمِلْءُ الكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ». رَواه أبو داودَ، وغيرُه .
وقال عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: نَزلَ تَحْرِيمُ الخمرِ، وهىِ مِن العنبِ والتَّمْرِ والعسلِ، والبُرِّ والشَّعِيرِ، والخمرُ ما خامَرَ العَقْلَ. مُتَّفقٌ عليه . ولأنَّه مُسْكِر، فأشْبَهَ عصيرَ العِنَبِ.
فأمَّا حديثُهم، فقال أحمدُ: ليس في الرُّخْصَةِ في المُسْكِرِ حديثٌ صَحِيحٌ. وحديثُ ابنِ عباسٍ رَواه شُعْبَةُ ، عن مِسْعَرٍ، عن أبى عَوْنٍ، عن ابنِ شَدَّادٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: والمُسْكِرُ مِن كلِّ شَرَابٍ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ : جاءَ أهلُ الكوفةِ بأحاديثَ مَعْلُولَةٍ، ذَكَرْناها مع عِلَلِها. وذَكَر الأَثْرَمُ أحادِيثَهم التى يَحْتَجُّون بها عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- والصَّحابةِ، فضَعَّفَها كلَّها، وبَيَّنَ عِلَلَها. وقد قِيلَ: إنَّ خَبَرَ ابنِ عباسٍ مَوْقِوفٌ عليه، مع أنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بالسُّكْرِ المُسْكِرَ مِن كلِّ شَرابٍ، فإنَّه يَرْوِى هو وغيرُه عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال:«كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ».
٤٤٦٠ - مسألة: (ولا يَجُوزُ شُرْبُه للَذَّةٍ، ولا للتَّداوِى، ولا لعَطَشٍ، ولا غيرِه، إلَّا أن يُضْطَرَّ إليه، لدَفْعِ لُقْمَةٍ غُصَّ بها، فيَجُوزُ) لا يجوزُ شُرْبُه للَذَّةٍ؛ لِما ذَكَرْنا، ولا للتَّدَاوِى بها؛ لذلك،
فإن فَعَل، فعليه الحَدُّ. وقال أبو حنيفةَ: يُباحُ شربُها للتَّدَاوِى. وللشافعىِّ وَجْهان كالمَذْهَبَيْن. وله وَجْه ثالِث، يُباحُ للتَّدَاوِى دُونَ العَطَشِ؛ لأنَّها حالُ ضَرورَةٍ، فأُبِيحَ فيها، كدَفْعِ الغُصَّةِ وسائرِ ما يُضْطرُّ إليه. ولَنا، ما روَى الإِمامُ أحمدُ ، بإسْنادِه عن طارقِ بنِ سُوَيدٍ، أنَّه سألَ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-،
وقال: إنَّما أصْنَعُها للدَّواء. فقال:«إنَّه لَيْس بدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ». وبإسْنادِه عن مُخارِقٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- دَخل على أُمِّ سَلَمَةَ، وقد نَبَذَتْ نَبِيذًا في جَرَّةٍ، فخَرَجَ والنَّبِيذُ يَهْدِرُ، فقال: [«مَا هَذا؟». فقالَتْ:] فلانةُ اشْتَكَتْ بَطْنَها، فَنَقَعْتُ لها. فدَفَعَه برِجْلِه فكسَرَه، وقال:«إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ شِفَاءً». ولأنَّه مُحَرَّمٌ لعَيْنِه، فلم يُبَحْ للتَّدَاوِى، كلَحْمِ الخِنْزيرِ.
فإن شَرِبهَا للعَطَشِ، وكانت مَمْزُوجَةً بما يَرْوِى مِن العَطَشِ، أُبِيحَتْ لدَفْعِه عندَ الضَّرُورَةِ، كما تُبَاحُ المَيْتَةُ عندَ المَخْمَصَةِ، وكإباحَتِها لدَفْعِ الغُصَّةِ، وقد رَوَيْنا في حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ حُذَافَةَ، أنَّه حَبَسَه طاغيَةُ الرُّومِ في بيتٍ فيه ماءٌ مَمْزُوجٌ بخَمْرٍ ، ولَحْمُ خِنْزيرٍ مَشْوِىٌّ، ليَأكُلَه ويَشرَبَ الخَمْرَ، وتَرَكَه ثلاثةَ أيامٍ، فلم يَفْعَلْ، ثم أخْرَجُوه حينَ خَشُوا مَوْتَه، فقال: واللَّهِ لقد كانَ اللَّهُ أحَلَّه لى، فإنِّى مُضْطَرٌّ، ولكن لم أكُنْ أُشْمِتُكُمْ بدِينِ الإِسلامِ .
وإن كانت صِرْفًا، أو مَمْزُوجةً بشئٍ يَسِيرٍ لا يَرْوِى مِن العَطَشِ، لم تُبَحْ، وعليه الحَدُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تُبَاحُ. وهو أحَدُ الوَجْهَيْن لأصحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّه حالُ ضَرُورَةٍ. ولَنا، أنَّ العَطَشَ لا يَنْدَفِعُ به، فلم يُبَحْ، كما لو تَدَاوَى بها فيما لا يَصْلُحُ له.
فأمَّا شُرْبُها لدَفْعِ الغُصَّةِ فيجوزُ، كما يجوزُ أكْلُ المَيْتَةِ في حالِ المَخْمَصَةِ، ولا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.
٤٤٦١ -
بَابُ حَدِّ الْمُسْكِرِ] [حَدُّ شَارِبِ الْخَمْرِ] بَابُ حَدِّ الْمُسْكِرِ.
الْمُسْكِرُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ: أَسْكَرَ الشَّرَابُ فَهُوَ مُسْكِرٌ، إِذَا جَعَلَ صَاحِبَهُ سَكْرَانَ، أَوْ كَانَ فِيهِ قُوَّةٌ يَفْعَلُ ذَلِكَ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: السَّكْرَانُ خِلَافُ الصَّاحِي، وَالْجَمْعُ: سَكْرَى، وَسُكَارَى، بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِهَا، وَالْمَرْأَةُ: سَكْرَى، وَلُغَةُ بَنِي أَسَدٍ: سَكْرَانَةٌ.
وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَمَا نُقِلَ عَنْ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ وَعَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، وَأَبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ أَنَّهَا حَلَالٌ فَمَرْجُوعٌ عَنْهُ، نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَسَنَدَهُ قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ} وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ:«كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» .
وَفِي لَفْظٍ:«كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» . رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ. (كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«مَا أَسْكَرُ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ نَزَّلَ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ، مِنَ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَبَاحَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ مِنْ نَقِيعِ التَّمْرِ إِذَا طُبِخَ مَا دُونَ السُّكْرِ، قَالَ الْخَلَّالُ: فُتْيَاهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِي الرُّخْصَةِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ،
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: جَاءَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِأَحَادِيثَ مَعْلُولَةٍ،
وَقِيلَ: إِنَّ خَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «قَالَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ لِعَيْنِهَا، وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ» . مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ. مَعَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالسُّكْرِ الْمُسْكِرَ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ (وَيُسَمَّى خَمْرًا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» ، لِأَنَّ الْخَمْرَ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ، أَيْ: غَطَّاهُ وَسَتَرَهُ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي كُلِّ مُسْكِرٍ، وَحُكْمُ عصير غير الْعِنَبِ كَحُكْمِهِ، رُوِيَ عَنْ: عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَعْدٍ، وَأُبَيٍّ، وَأَنَسٍ، وَعَائِشَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ،
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَصِيرُ الْعِنَبِ إِذَا طُبِخَ وَذَهَبَ ثُلُثَاهُ، وَنَقِيعُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إِذَا طُبِخَ وَلَمْ يَذْهَبْ ثُلُثَاهُ، وَنَبِيذُ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، نَقِيعًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ - حَلَالٌ، إِلَّا مَا بَلَغَ السُّكْرَ، وَجَوَابُهُ: مَا رَوَتْ عَائِشَةُ مَرْفُوعًا: «مَا أَسْكَرَ الْفَرَقُ مِنْهُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَسَعِيدٌ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ،
وَظَاهِرُهُ: يَقْتَضِي أَنَّ الْحَشِيشَةَ لَا تُسْكِرُ، لَكِنَّ قَوْلَهُ:«كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» يَقْتَضِي أَنَّهَا تُسْكِرُ،
قَالَ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ: الْحَشِيشَةُ الْمُسْكِرَةُ حَرَامٌ، وَإِنَّمَا تَوَقَّفَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي الْحَدِّ، لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهَا تُغَطِّي الْعَقْلَ كَالْبَنْجِ،
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تُسْكِرُ، وَإِنَّمَا كَانَتْ نَجِسَةً
بِخِلَافِ الْبَنْجِ، وَجَوَّزَة الطَّيبُ: لِأَنَّهَا تُسْكِرُ بِالِاسْتِحَالَةِ، كَالْخَمْرِ يُسْكِرُ بِالِاسْتِحَالَةِ، وَالْبَنْجُ يُغَيِّبُ الْعَقْلَ وَيُسْكِرُ بِغَيْرِ الِاسْتِحَالَةِ، كَجَوْزَةِ الطَّيبِ
بَابُ حَدِّ المُسْكِرِ بابُ حدِّ المُسْكِرِ كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ، مِنْ أَىِّ شَىْءٍ كَانَ، وَيُسَمَّى خَمْرًا. كلُّ شَرابٍ أسْكَرَ كَثيرُه، فقَليلُه حَرامٌ، مِن أَىِّ شئٍ كان، ويُسَمَّى خَمْرًا. هذا المذهبُ مُطْلَقًا. نصَّ عليه فى رِوايةِ الجماعَةِ. وعليه الأصحابُ. وأباحَ إبْراهِيمُ الحَرْبِىُّ، مِن نَقِيعِ التَّمْرِ إذا طُبِخَ ما دُونَ السُّكْرِ. قال الخَلَّالُ: فُتْيَاه على قولِ أبى حَنِيفَةَ. وذكَر أبو الخَطَّابِ فى ضِمْنِ مسْألَةِ جَوازِ التَّعَبُّدِ بالقِياسِ، أنَّ الخَمْرَ إذا طُبِخَ، لم يُسَم خَمْرًا،
ويَحْرُمُ إذا حدَثَتْ فيه الشِّدَّةُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُطْرِبَةُ. ثم صرَّح فى مَنْعِ ثُبوتِ الأسْماءِ بالقِياسِ، أنَّ الخَمْرَ إنَّما سُمِّىَ خَمْرًا؛ لأنَّه عَصِيرُ العِنَبِ المُشْتَدُّ، ولهذا يقولُ القائلُ: أمَعَكَ نَبِيذٌ، أم خَمْرٌ؟ قال: وقولُه، عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ:«الخَمْرُ مِن هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ». وقولُ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عنه: الخَمْرُ ما خَامَرَ العَقْلَ. مَجازٌ؛ لأنَّه يعْمَلُ عمَلَها مِن . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . .
وَجْهٍ. قال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللَّهُ: إنْ قصَد بذلك نَفْىَ الاسْمِ فى الحَقيقَةِ اللُّغَوِيةِ دُونَ الشَّرْعِيَّةِ، فله مَساغٌ،
فإنَّ مقْصُودَنا يحْصُلُ بأنْ يكونَ اسْمُ الخَمْرِ فى الشَّرْعِ يعُمُّ الأشْرِبَةَ المُسْكِرَةَ،
وإنْ كانتْ فى اللُّغَةِ أخَصَّ،
وإنِ ادَّعَى أنَّ الاسْمَ الحقِيقِىَّ مسْلوبٌ مُطْلَقًا، فهذا -مع مُخالَفَتِه لنَصِّ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ- خِلافُ الكتابِ والسُّنَّةِ، وهو تأْسيسٌ لمذهبِ الكُوفِيِّين، ويترَتَّبُ عليه، إذا حلَف أَنْ لا يشْرَبَ خَمْرًا. انتهى. وَلَا يَحِلُّ شُرْبُهُ لِلَذَّةٍ، وَلَا لِلتَّدَاوِى، وَلَا لِعَطَشٍ، وَلَا غَيْرِهِ،
وعنه، لا يُحَدُّ باليَسِيرِ المُخْتَلَفِ فيه. ذكَرَها ابنُ الزَّاغُونِىِّ فى «الوَاضِحِ». نقَلَها ابنُ أبى المَجْدِ فى «مُصَنَّفِه» عنه. واخْتارَ الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وُجوبَ الحدِّ بأكْلِ الحَشِيشَةِ القِنَّبيَّةِ.
وقال: هى حرامٌ؛ سواءٌ سَكِرَ منها، أو لم يسْكَرْ، والسُّكْرُ منها حَرامٌ باتفاقِ المُسْلِمينَ، وضرَرُها مِن بعضِ الوُجوهِ أعْظَمُ مِن ضرَرِ الخَمْرِ. قال: ولهذا أوْجَبَ الفُقَهاءُ بها الحدَّ، كالخَمْرِ. وتوَقَّفَ بعضُ المُتأَخِّرينَ فى الحدِّ بها،
وأنَّ أكْلَها يُوجبُ التَّعْزِيرَ بما دُونَ الحدِّ فيه نظَرٌ؛ إذ هى داخِلَةٌ فى عُمومِ ما حرَّم اللَّهُ، وأكَلَتُهاَ ينْتَشُونَ عنها ويشْتَهُونَها كشَرابِ الخَمْرِ وأكثرَ، وتصُدُّهم عن ذِكْرِ اللَّهِ، وإنَّما لم يتَكَلَّمِ المُتَقَدِّمُونَ فى خُصوصِها؛ لأَنَّ أكْلَها إنَّما حدَث فى أوَاخِرِ المِائَةِ السَّادِسَةِ، أو قريبًا مِن ذلك، فكان ظُهورُها مع ظُهورِ سَيْفِ جَنْكِيزخَان. انتهى.
باب حد المسكر] الأصل في تحريم ذلك الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه -إلى قوله-: فهل أنتم منتهون}.
وأما السنة؛ فقول النبي عليه السلام:«كل مسكرٍ خمر، وكل خمرٍ حرام». رواه أبو داود.
وأما الإجماع فأجمع المسلمون في الجملة على تحريم ذلك.
فإن قيل: فقد روي عن قدامة بن مظعون وعمرو بن معدي كرب وأبي جندل بن سهيل أنهم قالوا: هي حلال.
قيل: قد رجعوا عن ذلك. نقله المصنف رحمه الله في المغني.
قال المصنف رحمه الله: (كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام من أيّ شيء كان، ويسمى خمراً، ولا يحل شربه للذة ولا للتداوي ولا لعطش ولا غيره؛ إلا أن يضطر إليه لدفع لقمة غصّ بها فيجوز) .
أما كون قليل ما أسكر كثيره حراماً؛ فلما روى جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أسكرَ كثيرهُ فقليلهُ حرام». رواه أبو داود.
وأما كونه يسمى خمراً؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«كل مسكرٍ خمر». وهذا مسكر.
ولأن الخمر ما خامر العقل أي غطاه وستره، وهذا موجود في [كل مسكر.
وأما كونه لا يحل شربه للذة؛ فلعموم قوله: ] «كل مسكرٍ خمرٌ، وكل مسكرٍ حرام»، وقوله:«ما أسكرَ كثيرهُ فقليلهُ حرام». رواهما أبو داود.
وأما كونه لا يحل شربه للتداوي؛ فلما روى طارق بن شهاب: «أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر وقال : إنما أصنعُها للدواءِ. فقال: إنه ليسَ بدواء ولكنه دَاء» .
وعن مخارق «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخلَ على أم سلمة ونبذت نبيذاً في جر فخرجَ النبيذ يهدر. فقال: ما هذا؟ فقالت: فلانة اشتكتْ بطنها فنعت لها. فدفعه برجله فكسرهُ وقال: إن الله لم يجعلْ فيما حرم عليكمْ شفاء». رواهما الإمام أحمد.
ولأن الخمر محرم لعينه. فلم يجز شربه للتداوي؛ كلحم الخنزير.
وأما كونه لا يحل شربه لعطش؛ فلأنه لا يذهبه ولا يزيله ولا يدفع محذوره. فوجب بقاؤه على تحريمه. عملاً بالأدلة المقتضية لذلك مع سلامتها عن المعارض.
وأما كونه لا يحل شربه لغير ذلك إذا لم يضطر إليه لدفع لقمة غصّ بها؛ فلما تقدم من عموم الأدلة المقتضية للتحريم. فلأن لا تحل مع عدم الحاجة إليه بطريق الأولى.
وأما كونه يجوز شربه إذا اضطر إليه لدفع لقمة غصّ بها؛ مثل: أن لا يجد ما يدفعها به إلا الخمر؛ فلأن الله تعالى
قال في آية التحريم:{فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه}.
ولأن حفظ النفس مطلوب ولذلك يباح أكل الميتة إذا اضطر إليها وهو موجود هنا. فوجب جوازه تحصيلاً لحفظ النفس المطوب حفظها.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.