وَهُمُ الْقَوْمُ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ وَلَهُمْ مَنَعَةٌ وَشَوْكَةٌ وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُرَاسِلَهُمْ وَيَسْأَلَهُمْ مَا يَنْقِمُونَ مِنْهُ وَيُزِيلَ مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ مَظْلَمَةٍ وَيَكْشِفَ مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ شُبْهَةٍ
الشروح عليها
مسألة: (وعلى الإِمامِ أنَّ يُرَاسِلَهم، ويَسْأَلهُمْ ما يَنْقِمُون منه، ويُزِيلَ ما يَذْكُرُونَه من مَظْلِمَةٍ، ويَكْشِفَ ما يَدَّعُونَه مِنْ شُبْهَةٍ، فإن فَاءُوا وإلَّا قاتَلَهم) وجملةُ ذلك، أنَّ الإِمامَ لا يجوزُ له قِتالُهم حتى يَبْعَثَ إليهم مَن يَسْألهم، ويَكْشِفُ لهم الصَّوابَ، إلَّا أنَّ يَخافَ كَلَبَهم ، فلا يُمْكِنُ ذلك في حَقهم.
فأمَّا إن أمْكَنَ تَعْرِيفُهم، عَرَّفَهم ذلك، وأزال ما يَذْكُرُونَه من المَظالِمِ، وأزال حُجَجَهم،
فإنْ لَجُّوا، قَاتَلَهم حينَئذٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالى بَدَأَ بالأَمرِ بالإِصلاحِ قبلَ القِتالِ، فقال سبحانَه:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ}. ورُوِيَ أنَّ عليًّا، رَضِيَ اللهُ عنه، راسَلَ أهْلَ البَصْرَةِ قبلَ وَقْعَةِ الجملِ، ثم أمَرَ أصحابَه أنَّ لا يَبْدأُوهم بالقتالِ، ثم قال: إنَّ هذا يَوْمٌ مَن فَلَجَ فيه فَلَجَ يَوْمَ القِيامةِ. ثم سَمِعَهم يقولون: اللهُ أكبرُ، يا ثَارَاتِ عُثمانَ.
فقال: اللَّهُمَّ أكِبَّ قَتَلَةَ عُثمانَ لوُجُوهِهم . وروَى عبدُ اللهِ بنُ شَدَّادِ بنِ الهادِ ، أنَّ عليًّا لمَّا اعْتَزَلَتْه الحَرُورِيَّةُ ، بَعَث إليهم عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ، فواضَعُوه كتابَ اللهِ ثلاثةَ أيَّامٍ، فرَجَعَ منهم أرْبَعَةُ آلافٍ .
فصل: فإن أبوُا الرُجُوعَ، وعَظَهُم، وخَوَّفَهم القِتال، وإنَّما كان ذلك؛ لأنَّ المَقْصُودَ كَفُّهم، ودَفْعُ شَرِّهم، لا قَتْلُهم،
فإذا أمْكَنَ بمُجَرِّدِ القَوْلِ، كان أَولَى من القِتالِ؛ لِما فيه من الضَّرَرِ بالفَريقَين.
فإن فاءُوا، وإلَّا قاتَلَهُم، لقوْلِه سُبحانَه:{فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ}.
٤٥٥٣ -
بَابٌ قِتَالُ أَهْلِ الْبَغْيِ][تَعْرِيفُ أَهْلِ الْبَغْيِ] ِ الْبَغْيُ: مَصْدَرُ بَغَى يَبْغِي بَغْيًا، إِذَا اعْتَدَى، وَالْمُرَادُ هُنَا: الظَّلَمَةُ الْخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ، الْمُعْتَدُونَ عَلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} إِلَى قَوْلِهِ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} .
وَفِيهَا فَوَائِدُ: مِنْهَا أَنَّهُمْ لَمْ يَخْرُجُوا بِالْبَغْيِ عَنِ الْإِيمَانِ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ أَوْجَبَ قِتَالَهُمْ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ أَسْقَطَ قِتَالَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْهَا: أَنَّهُ أَسْقَطَ عَنْهُمُ التَّبِعَةَ فِيمَا أَتْلَفُوهُ فِي قِتَالِهِمْ، وَمِنْهَا: أَنَّهَا أَجَازَتْ قِتَالَ كُلِّ مَنْ مَنَعَ حَقًّا عَلَيْهِ، وَالْأَحَادِيثُ مَشْهُورَةٌ، مِنْهَا مَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، قَالَ:«بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَأَلَّا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى قِتَالِهِمْ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَاتَلَ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَعَلِيًّا قَاتَلَ أَهْلَ الْجَمَلِ وَأَهْلَ صِفِّينَ (وَهُمُ الْقَوْمُ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ) الْعَادِلِ، ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " (بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ) سَوَاءٌ كَانَ صَوَابًا أَوْ خَطَأً،
وَقِيلَ: بَلْ خَطَأٌ فَقَطْ، ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " (وَلَهُمْ مَنَعَةٌ وَشَوْكَةٌ) لَا جَمْعٌ يَسِيرٌ، خِلَافًا لِأَبِي بَكْرٍ،
فَإِنْ فَاتَ شَرْطٌ فَقُطَّاعُ طَرِيقٍ، فَعَلَى هَذَا لَوِ امْتَنَعَ قَوْمٌ مِنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ وَخَرَجُوا عَنْ قَبْضَتِهِ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ، أَوْ كَانَ لَهُمْ تَأْوِيلٌ وَلَا مَنَعَةَ لَهُمْ كَالْعَشَرَةِ، فَقُطَّاعُ طَرِيقٍ،
وَفِي " التَّرْغِيبِ ": لَا تَتِمُّ الشَّوْكَةُ إِلَّا وَفِيهِمْ وَاحِدٌ مُطَاعٌ، وَأَنَّهُ يُعْتَبَرُ كَوْنُهُمْ فِي طَرَفِ وِلَايَتِهِ،
وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ": تَدْعُو إِلَى نَفْسِهَا، أَوْ إِلَى إِمَامٍ غَيْرِهِ، وَإِلَّا فَقُطَّاعُ طَرِيقٍ.
أَصْلٌ: مَنْ كَفَّرَ أَهْلَ الْحَقِّ وَالصَّحَابَةَ، وَاسْتَحَلَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ، فَهُمْ بُغَاةٌ فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ تَتَعَيَّنُ اسْتِتَابَتُهُمْ،
فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا عَلَى إِفْسَادِهِمْ، لَا عَلَى كُفْرِهِمْ،
وَقَالَ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُحْدَثِينَ: هُمْ كُفَّارٌ، حُكْمُهُمْ حُكْمُ الْمُرْتَدِّينَ، لِلْأَخْبَارِ، وَهَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، ذَكَرَ فِي " التَّرْغِيبِ " وَ " الرِّعَايَةِ ": أَنَّهَا أَشْهَرُ، وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ: أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَحْمَدَ: الْخَوَارِجُ كِلَابُ النَّارِ، صَحَّ الْحَدِيثُ فِيهِمْ مِنْ عَشَرَةِ أَوْجُهٍ، قَالَ: وَالْحُكْمُ فِيهِمْ عَلَى مَا قَالَ عَلِيٌّ، وَفِيمَا قَالَ: لَا نَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ،
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ أَهْلَ الْحَدِيثِ عَلَى كُفْرِهِمْ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ، قَوْلُهُ: يَتَمَادَى فِي الْفَوْقِ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ،
قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْخَوَارِجَ يَجُوزُ قَتْلُهُمُ ابْتِدَاءً، وَالْإِجَازَةُ عَلَى جَرِيحِهِمْ.
[مَا يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ قَبْلَ قِتَال أهل البغي] (وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُرَاسِلَهُمْ) لِلنَّصِّ، إِذِ الْمُرَاسَلَةُ، وَالسُّؤَالُ طَرِيقٌ إِلَى الصُّلْحِ، لِأَنَّ ذَلِكَ وَسِيلَةٌ إِلَى رُجُوعِهِمْ إِلَى الْحَقِّ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَاسَلَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ الْجَمَلِ،
وَلَمَّا اعْتَزَلَتْهُ الْحَرُورِيَّةُ بَعَثَ إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، فَوَاضَعُوهُ كِتَابَ اللَّهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ (وَيَسْأَلَهُمْ مَا يَنْقِمُونَ مِنْهُ وَيُزِيلَ مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ مَظْلَمَةٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ وَجَبَ مَعَ إِفْضَاءِ الْأَمْرِ إِلَى الْقَتْلِ وَالْهَرَجِ وَالْمَرَجِ، فَلَأَنْ يَجِبُ فِي حَالٍ يُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (وَيَكْشِفَ مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ شُبْهَةٍ) لِأَنَّ كَشْفَهَا طَرِيقٌ إِلَى رُجُوعِهِمْ إِلَى الْحَقِّ، وَذَلِكَ مَطْلُوبٌ إِلَّا أَنْ يَخَافَ كَلْبَهُمْ فَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمْ،
فَإِنْ أَبَوُا الرُّجُوعَ وَعَظَهُمْ، وَخَوَّفَهُمُ الْقِتَالَ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ شَرِّهِمْ لَا قَتْلُهُمْ،
بَابُ قِتَالِ أهْلِ الْبَغْيِ بابُ قِتالِ أهْلَ البَغْي فائدتان؛ إحْداهما، نَصْبُ الإِمام فَرْضُ كِفايَةٍ.
قال في «الفُروعِ»: فَرْضُ كِفايَةٍ، على الأصحِّ.
فمَن ثبَتَتْ إمامَتُه بإجْماعٍ، أو بنَصٍّ، أو باجْتِهادٍ، أو بنَصِّ مَن قبلَه عليه، وبخَبَرٍ مُتَعَيَّنٍ لها، حَرُمَ قِتالُه.
وكذا لو قَهَر النَّاسَ بسَيفِه، حتى أذْعَنُوا له ودَعَوه إمامًا. قاله في «الكافِي» وغيرِه. وذكَرَه في «الرِّعايَةِ» رِوايةً، وقدَّم أنَّه لا يكونُ إمامًا بذلك، وقُدِّمَ رِوايَتان في «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»؛ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[فإنْ بُويِعَ لاثْنَينِ]، فالإِمامُ الأوَّلُ. قاله في «نِهايَةِ ابنِ رَزِين»، و «تَجريدِ العِنايَةِ»، وغيرِهما. ويُعْتَبَرُ كوْنُه قُرَشِيًّا حُرًّا ذكَرًا عدْلًا عالِمًا كافِيًا، ابْتِداءً ودَوامًا. قاله في «نِهايةِ ابنِ رَزِين» وغيرُه.
ولو تنازَعَها اثْنان مُتَكافِئان في صِفاتِ التَّرْجيحِ، قُدِّمَ أحدُهما بالقُرْعَةِ. قال القاضي: هذا قِياسُ المذهبِ، كالأذَانِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثَّانيةُ، هل تصَرفُ الإِمامِ عنِ النَّاسِ بطَريقِ الوَكالةِ لهم، أمْ بطَريقِ الولايةِ؟ فيه وَجْهان. وخرَّج الآمِدِيُّ رِوايتَين؛ بِناءً على أنَّ خطَأه، هل هو في بَيتِ المالِ، أو على عاقِلَتِه؟ واخْتارَ القاضي في «خِلافِه»، أنَّه مُتَصَرِّفٌ بالوَكالةِ لعُمومِهم. وذكَر في «الأَحْكامِ السُّلْطَانِيَّةِ» رِوايتَين في انْعِقادِ إمَامَتِه بمُجَرَّدِ القَهْرِ.
قال في وَهُمُ الْقَوْمُ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ عَلَى الإمَامِ بِتَأْويلٍ سَائِغٍ، وَلَهُمْ مَنَعَة وَشوْكة، «القاعِدَةِ الحادِيَةِ والسِّتِّين»: وهذا يحْسُنُ أنْ يكونَ أصْلًا للخِلافِ في الولايةِ والوَكالةِ أيضًا، وينْبَنِي على هذا الخِلافِ انْعِزالُه بالعَزْلِ. ذكَرَه الآمِدِيُّ.
فإنْ قُلْنا: هو وَكِيلٌ. فله عَزْلُ نفْسِه،
وإنْ قُلْنا: هو وَالٍ. لم ينْعزِلْ بالعَزْلِ، ولا ينْعزِلُ بموتِ مَنْ تابعَه. وهل لهم عَزْلُه؟ إنْ كان بسُؤالِه، [فحكْمُه حكمُ عَزْلِ نفْسِه]،
وإنْ كان بغير سُؤالِه، لم يَجُزْ، بغيرِ خِلافٍ. ذكَرَه القاضي وغيرُه.
تنبيهات؛ أحدُها، ظاهِرُ قوْلِه: وهم الذين يَخْرُجُون على الإِمام بتَأْويل سَائغٍ. أنَّه سواءٌ كان الإِمامُ عادِلًا [أوْ لا]. وهو المذهبُ. وعليَه جماهيرُ الأصحابِ. وجوَّز ابنُ عَقِيلٍ وابنُ الجَوْزِيِّ الخُروجَ على إمام غيرِ عادِلٍ، وذكَرَا خُروجَ الحُسَينِ على يَزِيدَ لإِقامَةِ الحقِّ. وهو ظاهِرُ كلامِ ابنِ رَزِينٍ، على ما . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . .
تقدَّم. قال في «الفُروعِ»: ونُصوصُ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ؛ أنَّ ذلك لا يحِلُّ، وأنَّه بِدْعَةٌ مُخالِفٌ للسُّنَّةِ، وآمُرُه بالصَّبْرِ،
وأنَّ السَّيفَ إذا وقَع، عمَّتِ الفِتْنةُ وانْقَطَعتِ السُّبُلُ، فتُسْفَكُ الدِّماءُ، وتُسْتَباحُ الأمْوالُ، وتُنْتَهَكُ المَحارِمُ.
الثاني، مفْهومُ قوْلِه: ولهم مَنَعَةٌ وشَوْكَةٌ. أنَّهم لو كانوا جَمْعًا يسِيرًا، أنَّهم لا يُعْطَوْن حُكْمَ البُغاةِ. وهو صحيحٌ. وهو المذهبُ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. بل حُكْمُهم حُكْمُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ.
وقال أبو بَكْر: هم بُغاةٌ أيضًا. وهو رِوايَة ذكَرَها أبو الخَطَّابِ.
الثَّالثُ، ظاهِرُ كلامِ المُصنِّفِ أيضًا، أنَّه سواءٌ كان فيهم واحِدٌ مُطاعٌ، أوْ لا، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأنَّهم سواءٌ كانوا في طَرَفِ ولايَتِه أو وَسَطِها. وهو صحيح. وهو المذهبُ. وهو ظاهِرُ كلامِ الأصحابِ. وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقال في «التَّرْغيبِ»: لا تَتِمُّ شَوْكَتُهم إلَّا وفيهم واحِدٌ مُطاعٌ، وأنَّه يُعْتَبرُ كوْنُهم في طَرَفِ ولايتِه.
وقال في «عُيونِ المَسائلِ»: تدْعُو إلى نفْسِها، أو إلى إمام غيرِه. وَعَلَى الإمَامِ أَنْ يُرَاسِلَهُمْ، وَيَسْأَلَهُمْ مَا يَنْقِمُونَ مِنْهُ، وَيُزِيلَ مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ مَظْلِمَةٍ، وَيَكْشِفَ مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ شُبْهَةٍ،
فَإِنْ فَاءُوا وعلى الإِمامِ أنْ يُراسِلَهم، ويَسْأَلهم ما يَنْقِمُون منه، ويُزِيلَ ما يَذْكُرُونه مِن مَظْلِمَةٍ، ويكْشِفَ ما يَدَّعُونه مِن شُبْهَةٍ. بلا نِزاعٍ. وَإِلَّا قَاتَلَهُمْ.
وقوله: فإنْ فاءُوا وإلَّا قاتَلَهم. يعْنِي، إذا كان يقْدِرُ على قِتالِهم. وهذا المذهبُ. وعليه الأصحابُ.
وقال المُصَنِّفُ، والشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَهما اللهُ: له قَتْلُ الخَوارِجِ ابْتِداءً، وتَتِمَّةُ الجَرِيحِ.
قال في «الفُروعِ»: وهو خِلافُ ظاهرِ رِوايَةِ عَبْدُوسَ بنَ مالِكٍ .
وقال المُصَنفُ في «المُغْنِي»، والشَّارِحُ، في الخَوارجِ: ظاهِرُ قولِ المُتأخرينَ مِن أصحابِنا، أنَّهم بُغاةٌ، لهم حُكْمُهم، وأنَّه قولُ جمهورِ العُلَماءِ.
قال في «الفُروعِ»: كذا قال، وليسَ بمُرادِهم، لذِكْرِهم كُفْرَهم وفِسْقَهم،
بخِلافِ البُغاةِ. قال في «الكافِي»: ذهبَ فُقَهاءُ أصحابنا إلى أنَّ حُكْمَ الخَوارجِ حكمُ البُغاةِ، وذهبَتْ طائفةٌ مِن أهْلِ الحديثِ إلى أنَّهم كفَّارٌ، حُكْمُهم حكمُ المُرْتَدِّين. انتهى.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه الله: يُفَرِّقُ جُمْهورُ العُلَماءِ بينَ الخَوارجِ والبُغاةِ المُتأوِّلينَ، وهو المَعْروفُ عنِ الصَّحابَةِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَضِيَ الله عنهم، وعليه عامَّةُ أهْلِ الحديثِ، والفُقَهاءِ، والمُتَكلِّمين، ونصوصِ أكثرِ الأئمَّةِ وأتْباعِهم.
قال في «الفُروعِ»: واخْتِيارُ شيخِنا يُخَرَّجُ على وَجْهِ مَن صوَّب غيرَ مُعَيِّن، أو وقَف؛ لأنَّ عَلِيًّا، رَضِيَ اللهُ عنه، هو المُصِيبُ. وهي أقْوالٌ في مذهبِنا.
وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: الخَوارِجُ بُغاةٌ مبْتَدِعَةٌ، يُكَفِّرون مَن أتَى كبيرَةً، ولذلك طعَنُوا على الأئمَّةِ، وفارَقُوا الجماعَةَ، وترَكُوا الجُمُعَةَ، ومنهم مَنْ كفَّر الصَّحابةَ، رَضِيَ اللهُ عنهم، وسائرَ أهْلِ الحقِّ، واسْتَحلَّ دِماءَ المُسْلِمينَ وأمْوالهم.
وقيل: هؤلاءِ كُفَّارٌ كالمُرْتَدِّين، فيجوزُ قَتْلُهم ابْتِداءً وقَتْلُ أسِيرِهم، واتِّباعُ مُدْبِرِهم،
ومَن قُدِرَ عليه منهم اسْتُتِيبَ،
فإنْ تابَ، وإلَّا قُتِلَ. وَعَلَى رَعِيَّتِهِ مَعُونَتُهُ عَلَى حَرْبِهِمْ،
فَإِنِ اسْتَنْظَرُوهُ مُدَّةً، رَجَاءَ رُجُوعِهِمْ فِيهَا، أَنْظَرَهُمْ، وهو أوْلَى. انتهى.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. قال الزَّرْكَشيُّ: الخَوارجُ الذين يُكفِّرون بالذَّنْبِ، ويكفِّرون عُثْمانَ، وَعَلِيًّا، وطَلْحَةَ، والزُّبَيرَ، رَضِيَ اللهُ عنهم، ويَسْتَحِلُّون دِماءَ المُسْلِمين وأمْوالهم، فيهم رِوايَتان. حَكاهما القاضي في «تَعْليقِه»؛ إحْداهما، هم كفَّارٌ. والثَّانية، لا يُحْكَمُ بكُفْرِهم.
تنبيه: قولُه: فإنْ فاءُوا، وإلَّا قاتلَهم. يعْنِي وُجوبًا. جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، والقاضي، وغيِرُهم. قال الزَّرْكَشيّ: وظاهِرُ قِصَّةِ الحُسَينِ بن عليٍّ، رَضِيَ الله عنهما، وقوْلِه عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلام:«ستَكُونُ فِتْنَةٌ». يقْتَضِي أنَّ القِتال لا يجبُ. ومال إليه.
وَإنْ ظَنَّ أَنَّهَا مَكِيدَةٌ، لَمْ يُنْظِرْهُمْ وَقَاتَلَهُمْ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَلَا يُقَاتِلُهُمْ بِمَا يَعُمُّ إِتْلَافُهُ كَالْمَنْجَنِيقِ، وَالنَّارِ، إلا لِضَرُورَةٍ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . وَلَا يَسْتَعِينُ في حَرْبِهِمْ بِكَافِرٍ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَعِينَ عَلَيهِمْ بِسِلَاحِهمْ وَكُرَاعِهِمْ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
باب قتال أهل البغي] الأصل في هذا الباب قوله تعالى:{وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت -إلى قوله-: إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم}.
إذا علم ذلك ففي الآية فوائد:
إحداها: أن الباغي لا يخرج عن الإيمان؛ لأن الله تعالى سمى البغاة مؤمنين.
وثانيتها : أن الله تعالى أوجب قتاله.
وثالثها: أن الله تعالى أسقط قتاله إذا فاء إلى أمر الله.
ورابعها: أنه نفى عن التبعة فيما أتلفه.
وخامستها : أن الآية أشعرت بقتال كل من منع حقًا عليه.
قال المصنف رحمه الله: (وهم: القوم الذين يخرجون على الإمام بتأويل سائغ، ولهم منعة وشوكة) .
أما كون [أهل البغي هم الذين يخرجون على الإمام؛ فلأن من لم يخرج عليه طائع له. فلا يكون من] أهل البغي عليه.
وأما كون خروجهم عليه بتأويل سائغ؛ فلأن من خرج عليه لا بتأويل [أو بتأويل] غير سائغ من قطاع الطريق، وحكمه حكمهم على ما مر.
وأما كونهم لهم منعة وشوكة؛ فلأن من ليس له ذلك؛ كالواحد والاثنين وما أشبههما حكمه حكم قطاع الطريق عند أكثر أصحابنا؛ لأن حكم البغاة لو ثبت في الواحد والاثنين في سقوط ضمان ما أتلفوه لأفضى إلى إتلاف أموال الناس.
وقال أبو بكر: لا فرق بين القليل والكثير وحكمهم حكم البغاة إذا خرجوا عن قبضة الإمام.
فعلى هذا لا حاجة إلى قوله: ولهم منعة وشوكة.
قال: (وعلى الإمام أن يراسلهم ويسألهم ما ينقمون منه، ويزيل ما يذكرونه من مظلمة، ويكشف ما يدعونه من شبهة. فإن فاؤوا وإلا قاتلهم) .
أما كون الإمام عليه أن يراسل أهل البغي ويسألهم ما ينقمون منه؛ فلأن الله تعالى بدأ بالصلح فقال:{وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما}. والمراسلة والسؤال طريق إلى الصلح؛ لأنهما وسيلة إلى رجوعهم إلى الحق.
ويروى:«أن علياً رضي الله عنه راسلَ أهل البصرة قبل وقعةِ الجمل».
وروي «أنه لما اعتزلته الحرورية بعث إليهم عبدالله بن عباس فواضعوه كتاب الله ثلاثة أيام فرجع منهم أربعة آلاف».
وأما كونه يزيل ما يذكرونه من مظلمة؛ فلأن ذلك وجب مع إفضاء الأمر إلى القتل والهرج والمرج. فلأن يجب في حالة تؤدي إلى ذلك بطريق الأولى.
وأما كونه يكشف ما يدعونه من شبهة؛ فلأن كشفها طريق إلى رجوعهم إلى الحق، وذلك مطلوب.
وأما كونهم إن فاؤوا وإلا قاتلهم؛ فلأن الصحابة أجمعت على قتال مانعي الزكاة، وقاتل عليّ أهل البصرة يوم الجمل، وأهل الشام يوم صفين،
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.