فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ رُجِعَ إِلَى التَّعْيِينِ
الشروح عليها
فصل: وإنِ اخْتَلَفَ السَّبَبُ والنِّيَّةُ، مثلَ أنِ امْتَنَّتْ عليه امْرأتُه بغَزْلِها، فحَلَف أن لا يَلْبَسَ ثَوْبًا مِن غَزْلِها، يَنْوى اجْتِنابَ اللُّبْسِ خاصَّةً، دونَ الانْتفاعِ بثَمَنِه وغيرِه، قُدِّمَتِ النِّيَّةُ على السَّبَبِ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ النِّيَّةَ وافَقَتْ مُقْتَضَى اللَّفْظِ.
وإن نَوَى بيَمِينِه ثَوْبًا واحدًا، فكذلك في ظاهِرِ كَلامِ الخِرَقِيِّ.
وقال القاضي: يُقَدَّمُ السَّبَبُ؛ لأنَّ اللَّفْظَ ظاهِرٌ في العُمومِ، والسَّبَبُ يُؤكِّدُ ذلك الظَّاهِرَ ويُقَوِّيه؛ لأنَّ السَّبَبَ هو الامْتِنانُ، وظاهِرُ حالِه قَصْدُ قَطْعِ المِنَّةِ، فلا يُلْتَفَتُ إلى نِيَّتِه المُخالِفَةِ للظَّاهِرَين . والأوَّلُ أَصَحُّ؛ لأنَّ السَّبَبَ إنَّما اعْتُبِرَ لدَلالتِه على القَصْدِ،
فإذا خالفَ حَقِيقَةَ القَصْدِ، لم يُعْتَبَرْ، فكان وُجودُه كعَدَمِه، فلم يَبْقَ إلَّا اللَّفْظُ بعُمومِه، والنِّيَّةُ تَخُصُّه على ما بَيَّناه فيما مَضَى. فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (فإن عُدِمَ ذلك، رُجِعَ إلى التَّعْيِينِ) يَعْنِي إذا عُدِمَتِ النِّيَّةُ والسَّبَبُ رُجِعَ إلى التَّعْيِينِ (فإذا حَلَف لا يدخلُ دارَ فُلانٍ هذه، فدَخَلَها وقد صارَتْ فَضاءً أو حَمَّامًا أو مَسْجِدًا، أو باعَها فُلانٌ. أو: لا لَبِسْتُ هذا القَمِيصَ. فجَعَلَه سَراويلَ أو رِداءً أو عِمامَةً، ولَبِسَه.
أو: لا كَلَّمْتُ هذا الصَّبِيَّ. فصارَ شَيخًا. أو: امْرَأةَ فُلانٍ. أو: صَدِيقَه فُلانًا. أو: غُلامَه سَعْدًا. فطَلُقَتِ الزَّوْجَةُ، وزَالتِ الصَّداقَةُ، وعَتَقَ العَبْدُ، فكَلَّمَهُم. أو: لا أكَلْتُ لَحْمَ هذا الحَمَلِ. فصارَ كَبْشًا. أو: لا أكَلْتُ هذا الرُّطَبَ. فصارَ تَمْرًا أو دِبْسًا أو خَلًّا. أو: لا أكَلْتُ هذا اللَّبَنَ. فتَغَيَّرَ، أو عُمِلَ منه شيءٌ فأكَلَه، حَنِثَ في ذلك كُلِّه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا حَلَف على شيءٍ عَيَّنه بالإِشَارَةِ، مثلَ أن حَلَف لا يَأْكُلُ هذا الرُّطَبَ، لم يَخْلُ مِن حالين؛
أحَدُهما، أنْ يَأْكُلَه رُطَبًا، فيَحْنَث، بلا خِلافٍ بينَ الجميعِ؛ لكَوْنِه فَعَل ما حَلَف على تَرْكِه صَرِيحًا. الثاني، أن تَتَغَيَّرَ صِفَتُه، فذلك خَمْسَةُ أقْسامٍ؛ أحَدُها، أن تَسْتَحِيلَ أجْزاؤُه، ويَتَغَيَّرَ اسْمُه، مثلَ أن حَلَف: لا أكَلْتُ هذه البَيضَةَ. فصارَتْ فرْخًا. أو: لا أكَلْتُ هذه الحِنْطَةَ. فصارَتْ زَرْعًا فأكَلَه، فلا يَحْنَثُ؛ لأنَّه زال اسْمُه، واسْتَحالتْ أجْزاؤُه. وعلى قِياسِه: لا شَرِبْتُ هذا الخَمْرَ. فصارَ خَلًّا وشَرِبَه. القسمُ الثاني، تَغَيَّرَتْ صِفَتُه، وزال اسْمُه، مع بَقاءِ أجْزائِه، مثلَ أن يَحْلِفَ: لا أكَلْتُ هذا الرُّطَبَ.
فصارَ تَمْرًا. أو: لا كَلَّمْتُ هذا الصَّبِيَّ. فصارَ شَيخًا. أو: لا أكَلْتُ هذا الحَمَلَ. فصارَ كَبْشًا. [و: لا أكَلْتُ هذا الرُّطَبَ. فصار دِبْسًا، أو خَلًّا، أو ناطِفًا ، أو غيرَه من الحَلْواءِ. أو: لا يَأْكُلُ هذه الحِنْطَةَ. فصارت دَقِيقًا، أو سَويقًا، أو خُبْزًا، أو هَرِيسَةً. أو: لا أَكلْتُ هذا العَجِينَ. فصار خُبْزًا. أو: لا أكلْتُ هذا اللَّبَنَ. فصار مَصْلًا ، أو جُبْنًا، أو كَشْكًا. أو: لا دَخَلْتُ هذه الدَّارَ. فصارت مَسْجِدًا، أو حَمَّامًا، أو فَضاءً، ثم دَخَلَها وأكَلَه.
حَنِثَ في جَمِيعِ ذلك. وبه قال أبو حنيفةَ، فيما إذا حَلَف: لا كَلَّمْتُ هذا الصَّبِيَّ. فصار شَيخًا. و: لا أكَلْتُ هذا الحَمَلَ. فصار كَبْشًا] . أو: لا دَخَلْتُ هذه الدَّارَ. فدَخَلها بعدَ تَغَيُّرِها. وقاله أبو يوسفَ في الحِنْطَةِ إذا صارَت دَقِيقًا. وللشافِعِيِّ في الرُّطَبِ إذا صارَ تَمْرًا، والصَّبِيِّ إذا صارَ شَيخًا، والحَمَلِ إذا صارَ كَبْشًا، وَجْهان. وقالُوا في سائِرِ الصُّوَرِ: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ اسْمَ المَحْلوفِ عليه وصُورَتَه زالتْ، فلم يَحْنَثْ، كما لو حَلَف لا يَأْكُلُ هذه البَيضَةَ فصارَتْ فَرْخًا.
ولَنا، أنَّ عَينَ المَحْلوفِ عليه باقِيَةٌ، فحَنِثَ، كما لو حَلَف: لا أكَلْتُ هذا الحَمَلَ. فأكَلَ لحمَه. أو: لا لَبِسْتُ هذا الغَزْلَ. فصارَ ثَوْبًا ولَبِسَه. أو: لا لَبِسْتُ هذا الرِّداءَ. فلَبِسَه بعدَ أن صارَ قَمِيصًا أو سَرَاويلَ. وفارَقَ البَيضَةَ إذا صارَتْ فَرْخًا؛ لأنَّ أجْزاءَها اسْتَحالتْ، فصارَتْ عَينًا أُخْرَى، ولم تَبْقَ عَينُها, ولأنَّه لا اعْتِبارَ بالاسْمِ مع التَّعْيِينِ، كما لو حَلَف: لا كَلَّمْتُ زَيدًا هذا. فغَيَّرَ اسْمَه. أو: لا كَلَّمْتُ صاحِبَ الطَّيلَسانِ.
فكَلَّمَه بعدَ بَيعِه. ولأنَّه متى اجْتَمَعَ التَّعْيِينُ مع غيرِه مِمّا يُعْرَفُ به، كان الحُكْمُ للتَّعْيِينِ، كما لو اجْتَمَعَ مع الإِضافَةِ. القِسْمُ الثالِثُ، تَبَدَّلَتِ الاضَافَةُ، مثلَ أن حَلَف: لا كَلَّمْت زَوْجَةَ زَيدٍ هذه، ولا عَبْدَه هذا, ولا دَخَلْتُ دارَه هذه. فطَلَّقَ الزَّوْجَةَ، وباعَ العَبْدَ والدَّارَ، فكَلَّمَهُما، ودَخَل، حَنِثَ. وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، ومحمَّدُ، وزُفَرُ.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: لا يَحْنَثُ إلَّا في الزَّوْجَةِ؛ لأنَّ الدَّارَ لا تُوالى ولا تُعادَى، وإنَّما الامْتِناعُ لأجْلِ مالِكِها، فتَعَلَّقَتِ اليَمِينُ بها مع بَقاءِ مِلْكِه عليها،
وكذلك العَبْدُ في الغالِبِ. ولَنا، أنَّه إذا اجْتَمَعَ في اليَمِينِ التَّعْيِينُ والإضافَةُ، كان الحُكْمُ للتَّعْيِينِ، كما لو قال: واللهِ لا كَلَّمْتُ زَوْجَةَ فُلانٍ ولا صَدِيقَه. وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ في العَبْدِ؛ لأنَّه يُوالي ويُعادَي، ويَلْزَمُه في الدَّارِ إذا أطْلَقَ ولم يَذْكُرْ مالِكَها، فإنَّه يَحْنَثُ بدُخُولِها بعدَ بَيعِ مالِكِها إيَّاها. القِسْمُ الرابعُ، إذا تَغَيَّرَت صِفَتُه بما يُزِيلُ اسْمَه ثم عادَتْ، كمِقَصٍّ انْكَسَرَ ثم أُعِيدَ، وقَلَمٍ كُسِرَ ثم بُرِىَ، وسَفِينَةٍ نُقِضَتْ ثم أُعيدَتْ، فإنَّه يَحْنَثُ؛
لأنَّ أجْزاءَها واسْمَها موجودان، فأَشْبَهَ ما لو لم تَتَغَيَّرْ. القِسْمُ الخامِسُ، إذا تَغَيَّرَتْ صِفَتُه بما لا يُزِيلُ اسْمَه، كَلَحْمٍ شُوِيَ، وعبدٍ بِيعَ، ورجلٍ مَرِضَ، فإنَّه يَحْنَثُ به، بلا خِلافِ نَعْلَمُه؛ لأنَّ الاسْمَ الذي عَلَّقَ عليه اليَمِينَ لم يَزُلْ، ولا زال التَّغْيِيرُ، فحَنِثَ به، كما لو لم يَتَغَيَّرْ حالُه.
(فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ) أَيِ: النِّيَّةُ وَالسَّبَبُ (رُجِعَ إِلَى التَّعْيِينِ) كَذَا فِي الْكَافِي وَالْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، لِأَنَّ التَّعْيِينَ أَبْلَغُ مِنْ دَلَالَةِ الِاسْمِ عَلَى الْمُسَمَّى، لِأَنَّهُ يَنْفِي الْإِبْهَامَ بِالْكُلِّيَّةِ،
بِخِلَافِ الِاسْمِ، وَلِهَذَا لَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ عَلَى عَيْنِ شَخْصٍ وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ الْحُكْمُ عَلَيْهِ،
بِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدَ عَلَى مُسَمًّى بِاسْمٍ، لَمْ يَجِبْ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ الْمُسَمَّى بِذَلِكَ،
وَكَذَا يُقَدَّمُ التَّعْيِينَ عَلَى الصِّفَةِ وَالْإِضَافَةِ،
وَقِيلَ: تُقَدَّمُ الصِّفَةُ عَلَيْهِ
فإنْ عُدِمَ ذلك -يعْنِي النِّيَّةَ وسبَبَ اليَمِينِ وما هيَّجَها- رُجِعِ إلى التَّعْيِينِ. هذا المذهبُ. جزَم به هنا في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الوَجيزِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ البَغْدادِيِّ». وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، وغيرِهم. وصحَّحه في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم.
وقيل: يُقدَّمُ الاسْمُ شَرْعًا أو عُرْفًا أو لُغَةً على التَّعْيِينِ.
وقال في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»،
و «الخُلاصَةِ»: فإنْ عُدِمَ النِّيَّةُ والسَّبَبُ، رجَعْنا إلى ما يَتَناوَلُه الاسْمُ؛
فإنِ اجْتَمَعَ الاسْمُ والتَّعْيِينُ، أو الصِّفَةُ والتَّعْيِينُ، غلَّبْنا التَّعْيِينَ. غُلَامَهُ سَعْدًا. فَطَلُقَتِ الزَّوْجَةُ، وَزَالتِ الصَّدَاقَةُ، وَعَتَقَ الْعَبْدُ، وَكَلَّمَهُمْ. أوْ: لَا أكَلْتُ لَحْمَ هَذَا الْحَمَلِ. فَصَارَ كَبْشًا. أوْ: لَا أَكَلْتُ هَذَا الرُّطَبَ. فَصَارَ تَمْرًا أَوْ دِبْسًا أَوْ خَلًّا. أَوْ: لَا أَكَلْتُ هَذَا اللَّبَنَ. فَتَغَيَّرَ. أو عُمِلَ مِنْهُ شَيْءٌ فَأكَلَهُ، حَنِثَ في ذَلِكَ كُلِّهِ. وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَحْنَثَ.
فإنِ اجْتَمَعَ الاسْمُ والعُرْفُ، فقال في «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»: فأيُّهما يُغلَّبُ؟ فيه وَجْهان.
قال في «الهِدايَةِ»: فقد اخْتَلَفَ أصحابُنا؛ فتارَةً غلَّبُوا الاسْمَ، وتارَةً غلَّبُوا العُرْفَ.
قال في «الفُروعِ»: وذكَر يُوسُفُ ابنُ الجَوْزِيِّ النِّيَّةَ ثم السَّبَبَ ثم مُقْتَضَى لَفْظِه عُرْفًا ثم لُغَةً. انتهى.
وقال في «المَذْهَبِ الأحمدِ»: النِّيَّةُ ثم السَّبَبُ ثم التَّعْيِينُ ثم إلى ما يَتَناوَلُه الاسْمُ،
وإنْ كانَ للَّفْظِ عُرْفٌ غالِبٌ؛ حُمِلَ كلامُ الحالِفِ عليه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإنْ عُدِمَ ذلك -يعْنِي النِّيَّةَ وسبَبَ اليمينِ وما هيَّجَها والتَّعْيِينَ- رَجَعْنا إلى ما يَتَناوَلُه الاسْمُ. هذا المذهبُ. وعليه أكثرُ الأصحابِ. وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الوَجيزِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ» وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين». وصحَّحه في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوي»، وغيرِهم.
وقيل: يُقدَّمُ ما يَتَناوَلُه الاسْمُ على التَّعْيِينِ. وتقدَّم ذلك، وتقدَّم كلامُ يُوسُفَ ابنِ الشَّرْعِيَّةُ؛ فَهِيَ أَسْمَاءٌ لَهَا مَوْضُوعٌ في الشَّرْعِ وَمَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ، كالصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالزكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَنَحْوهِ، فَالْيَمِينُ الْمُطلَقَةُ تَنْصَرِفُ إلى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ، وَتَتَنَاوَلُ الصَّحِيحَ مِنْهُ.
الجَوْزِيِّ، فإنَّه يُقدِّمُ النِّيَّةَ ثم السَّبَبَ ثم مُقْتَضَى لَفْظِه عُرْفًا ثم لُغَةً.
فائدة: الاسْمُ يتَناوَلُ العُرْفِيَّ والشَّرْعِيَّ واللُّغَويَّ، فيُقدَّمُ اللَّفْظُ الشَّرْعِيُّ والعُرْفِيُّ على اللُّغَويِّ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. جزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ». وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وقيل: عكْسُه. وقال ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه»: يُقَدَّمُ الاسْمُ عُرْفًا ثم شَرْعًا ثم لُغةً.
فإذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ، فَبَاعَ بَيعًا فَاسِدًا، أَوْ لَا يَنْكِحُ, فَنَكَحَ نِكَاحًا فأفادَنا تقْدِيمَ العُرْفِيِّ على الشَّرْعِيِّ. وقدَّم وَلَدُ ابنِ الجَوْزِيِّ العُرْفَ ثم اللُّغَةَ، كما تقدَّم.
فصل [إذا عدمت النية والسبب] قال المصنف رحمه الله: (فإن عدم ذلك رجع إلى التعيين. فإذا حلف لا يدخل دار فلان هذه فدخلها وقد صارت فضاء أو حماماً أو مسجداً أو باعها فلان، أو لا لبستُ هذا القميص فجعله سراويل أو رداء أو عمامة ولبسه، أو لا كلمتُ هذا الصبي فصار شيخاً، أو امرأة فلان، أو صديقه فلاناً، أو غلامه سعداً، فطلقت الزوجة وزالت الصداقة وعتق العبد وكلمهم، أو لا أكلتُ لحم هذا الحَمَل فصار كبشاً، أو لا أكلتُ هذا الرطب فصار تمراً أو دبساً أو خلاً، أو لا أكلتُ هذا اللبن فتغيّر أو عُمل معه شيء فأكله: حنثَ في ذلك كله. ويحتمل أن لا يحنث) .
أما كون الأيمان يرجع فيها إلى التعيين إذا عدمت النية والسبب المتقدم ذكرهما المشار إليهما بذلك في قول المصنف رحمه الله:
فإن عدم ذلك؛ فلأن التعيين أبلغُ من دلالة الاسم على المسمّى؛ لأنه ينفي الإيهام بالكلية.
بخلاف الاسم، ولهذا لو شهد عدلان على عين شخص بحق وجب على الحاكم الحكم عليه،
ولو شهد عدلان على المسمى باسم بحق لم يحكم عليه حتى يثبت أنه المسمى بذلك لا مشارك له فيه،
وإذا كان التعيين أبلغ من دلالة الاسم على المسمى كان راجحاً عليه وتعين الرجوع إليه.
وأما كون من حلف بما تقدم ذكره يحنث بما ذكر على المذهب في مسألة الدار والقميص والصبي؛ فلأن التعيين يقتضي الحنث، وزوال الاسم ينفيه، والتعيين راجح على الاسم؛ لما تقدم.
وأما في مسألة المرأة والصديق والغلام؛ فلأن الإضافة فيها تقتضي وصف المحلوف على عدم كلامه بالزوجية والصداقة وكونه غلاماً، والصفة كالاسم بل أضعف فإذا غلب التعيين على الاسم. فلأن يغلب على الصفة أولى.
وأما في مسألة الحمل والرطب؛ فلأنهما كسكنى الدار والقميص من غير فرق. فالحنث في بعض يقتضي الحنث في البعض الآخر.
وأما في مسألة اللبن؛ فلأن تغيره وخلط شيء آخر معه بمنزلة زوال الاسم وذلك لا يضر؛ لما تقدم.
وأما كونه يحتمل أن لا يحنث في ذلك كله؛ فلأنه لو حلف على ذلك كله ناوياً الصفة التي حلف عليها لم يحنث إذا زالت، وقرينة الحال تدل على إرادة ذلك. فصار كالمنوي.
والأول أصح؛ لأن مقتضى التعيين الحنث وهو راجح؛ لما تقدم. تُرك العمل به في مسألة النية والسبب؛ لما تقدم. فوجب أن يعمل عند عدمهما عمله.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.