وَلَا يُشْرَعُ فِي الْعَمْدِ وَيُشْرَعُ لِلسَّهْوِ فِي زِيَادَةٍ، وَنَقْصٍ، وَشَكٍّ لِلنَّافِلَةِ، وَالْفَرْضِ
الشروح عليها
بابُ سُجُودِ السَّهْوِ قال الإمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: تُحْفَظُ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- خَمْسَةُ أشْياءَ، سَلَّمَ مِن اثنَتَيْن فسَجَدَ، وسَلَّمَ مِن ثَلاثٍ فسَجَدَ،
وفي الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، وقام مِن اثْنَتَيْن ولم يَتَشَهَّدْ.
وقال الخَطّابِيُّ : المُعْتَمَدُ عندَ أهلِ العلمِ هذه الأِحِادِيثُ الخمْسَةُ، حَدِيثا ابنِ مسعودِ، وأبي سعيدٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، وابنِ بُحَيْنَةَ.
٤٦١ - مسألة؛ قال: (ولا يُشْرَعُ في العَمْدِ) وهو قولُ أبي حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: يَسجُدُ لتَرْكِ التَّشَهُّدِ والقُنُوتِ عَمْدًا؛ لأنَّ ما تَعَلَّقَ الجَبْرُ بسَهْوِه تَعَلَّقَ بحَمْدِه، كَجُبْراناتِ الحَجِّ. ولَنا، أنَّ السُّجُودَ يُضافُ إلى السَّهْوِ، فدَلَّ على اخْتِصاصِه به. والشَّرْعُ إنَّما وَرَد به فيه،
ولا يَلْزَمُ مِن انْجِبارِ السَّهْوِ به انْجِبارُ العَمْدِ، لوُجُودِ العُذْرِ في السَّهْوِ. وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بزِيادَة رُكْنٍ أو رَكْعَةٍ، أو قِيام في مَوْضِعِ جُلُوسٍ.
٤٦٢ - مسألة: (وَيُشْرَعُ للسَّهْوِ في زِيادَةٍ، ونَقْصٍ، وشَكٍّ) لأنَّ الشَّرْعَ إنَّما وَرَد به في ذلك.
فأمَّا حديثُ النَّفْسِ فلا يُشْرَعُ له السُّجُودُ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ به فيه ، ولأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، وهو مَعْفُوٌ عنه.
٤٦٣ - مسألة: (للنّافِلَةِ والفَرْضِ) لا فَرْقَ بينَ النّافِلَةِ والفَرْضِ في سُجُودِ السَّهوِ، أنَّه يُشْرَعُ فيهما، في قولِ عَوامِّ أهلِ العلمِ.
وقال ابنُ سِيرِينَ: لا يُشْرَعُ في النّافِلَةِ. ولَنا، عُمُومُ قول النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا نَسِيَ أحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ». وقَوْله:«إذَا نَسِيَ أحَدُكُمْ فَزَادَ أوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ». ولأنَّها صلاةٌ ذاتُ رُكُوعٍ وسُجُودٍ، فشُرِع لها السُّجُودُ كالفَرِيضَةِ.
فصل: ولا يُشْرَعُ سُجُودُ السَّهْوِ في صلاةِ الجِنازَةِ؛ لأَنَّها لا سُجُودَ في صُلْبِها، ففي جَبْرِها أوْلَى. ولا في سُجُودِ تِلاوَةٍ؛ لأنَّه لو شُرِع كان الجَبْرُ زائِدًا على الأصْلِ. ولا في سُجُودِ السَّهْوِ. نَصَّ عليه أحمدُ. ولأنَّه إجْماعٌ، حَكاه إسحاقُ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى التَّسَلْسُلِ.
ولو سَها بعدَ سُجُودِ السَّهْوِ لم يَسْجُدْ لذلك. والله أعلمُ.
٤٦٤ -
بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ] [تَعْرِيفُ السَّهْوِ وَحُكْمُهُ] بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ.
قَالَ صَاحِبُ " الْمَشَارِقِ " السَّهْوُ فِي الصَّلَاةِ: النِّسْيَانُ فِيهَا،
وَقِيلَ: هُوَ الْغَفْلَةُ، وَقِيلَ: النِّسْيَانُ عَدَمُ ذِكْرِ مَا قَدْ كَانَ مَذْكُورًا، وَالسَّهْوُ: ذُهُولٌ وَغَفْلَةٌ عَمَّا كَانَ مَذْكُورًا، وَعَمَّا لَمْ يَكُنْ.
فَعَلَى هَذَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ النِّسْيَانِ، وَلَا مِرْيَةَ فِي مَشْرُوعِيَّةِ سُجُودِ السَّهْوِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: يُحْفَظُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسَةُ أَشْيَاءَ: سَلَّمَ مِنِ اثْنَتَيْنِ فَسَجَدَ، وَسَلَّمَ مِنْ ثَلَاثٍ فَسَجَدَ،
وَفِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ. قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ، وَلَمْ يَتَشَهَّدْ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْخَمْسَةُ يَعْنِي حَدِيثَيِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ بُحَيْنَةَ. (وَلَا يُشْرَعُ فِي الْعَمْدِ) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ» فَعَلَّقَ السُّجُودَ عَلَى السَّهْوِ لِأَنَّهُ شُرِعَ جُبْرَانًا، وَالْعَامِدُ لَا يُعْذَرُ، وَلَا يَنْجَبِرُ خَلَلُ صَلَاتِهِ بِسُجُودِهِ،
بِخِلَافِ السَّاهِي، وَلِذَلِكَ أُضِيفَ السُّجُودُ إِلَى السَّهْوِ،
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَسْجُدُ لِتَرْكِ الْقُنُوتِ، وَالتَّشَهُّدِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ، لِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ الْجَبْرُ بِسَهْوِهِ تَعَلَّقَ بِعَمْدِهِ كَجُبْرَانِ الْحَجِّ، وَجَوَابُهِ بِأَنَّهُ يَبْطُلُ بِزِيَادَةِ رُكْنٍ. (وَيُشْرَعُ لِلسَّهْوِ فِي زِيَادَةٍ، وَنَقْصٍ، وَشَكٍّ) لِأَنَّ الشَّرْعَ إِنَّمَا وَرَدَ بِهِ فِي ذَلِكَ، فَدَلَّ أَنَّ حَدِيثَ النَّفْسِ لَا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودٌ، لِعَدَمِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ، وَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. (لِلنَّافِلَةِ، وَالْفَرْضِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِلْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِيهِ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ، فَشُرِعَ لَهَا السُّجُودُ كَالْفَرِيضَةِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ، لِأَنَّهُ لَا سُجُودَ فِي صُلْبِهَا، فَفِي جَبْرِهَا أَوْلَى، وَلَا فِي سَجْدَةِ تِلَاوَةٍ، لِأَنَّهُ لَوْ شُرِعَ كَانَ الْجَبْرُ زَائِدًا عَلَى الْأَصْلِ أَوْ شُكْرًا، وَنَظَرَ إِلَى شَيْءٍ يُلْهِي،
وَعَنْهُ: يَسْجُدُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: اسْتِحْبَابًا، وَلَا يَسْجُدُ لِسَهْوٍ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ إِجْمَاعٌ حَكَاهُ إِسْحَاقُ، لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى التَّسَلْسُلِ،
وَكَذَا إِنْ سَهَا بَعْدَهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ، وَكَثْرَةِ سَهْوٍ، حَتَّى يَصِيرَ كَوَسْوَاسٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى.
١ -
ولا يُشْرَعُ في العَمْدِ. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ. وبنى الحَلْوانِيُّ سُجودَه لتَرْكِ سُنَّةٍ على كفَّارَةِ قتْلِ العَمْدِ.
قال في «الرِّعايَةِ»: وقيل: يسْجدُ لعَمدٍ، مع صِحَّةِ صلاِته. وَيُشرعُ لِلسَّهْوِ فِي زِيَادَة، وَنَقْص، وَشَكٍّ، لِلنَّافِلَةِ وَالْفَرْضِ، تنبيهات؛ أحدُها، يُسْتثْنَى مِن قولِه: ويُشْرَعُ للِسّهْوِ في زيادةٍ ونَقْص وشَكٍّ للنَّافِلةِ والفَرْض. سِوَى صلاةِ الجِنازَةِ، وسُجودِ التِّلاوَة، فلا يسْجُدُ للسَّهْوِ فيهما. قالَه الأصحابُ. زادَ ابن تَميمٍ، وابنُ حمْدان، وغيرُهما، وسُجودُ الشُّكْرِ.
وكذا لا يسْجدُ إذا سَها في سَجْدَتَي السَّهْوِ. نصَّ عيه.
وكذا إذا سَها بعدَهما، وقبلَ سلامِه في السُّجودِ بعدَ السَّلامِ؛ لأنَّه في الجائز.
فأمَّا سهْوُه في سُجودِ السَّهْوِ قبل السَّلام، فلا يسْجُدُ له أَيضًا. في أقْوَى الوَجْهَيْن. قالَه في «مَجْمَع البَحْرَيْن»، و «النُّكَتِ».
قال في «المُغْنِي»، و «الشَّرْح»: ولو سَها بعدَ سُجودِ السَّهْوِ، لم يسْجُدْ لذلك. وقَطَعا به. والوَجْهُ الثَّانى، يسْجُدُ له. وأطْلَقهما المَجْدُ في «شَرْحِه»، و «ابن تَميمٍ»، و «الفُروعِ»،
فَأمَّا الزِّيَادَةُ، فَمتَى زَادَ فِعْلًا مِنْ جِنْسِ الصَّلاةِ، قِيَامًا، أوْ قُعُودًا، و «الرِّعايتَيْن».
وكذا لا يسْجُدُ لحديثِ النَّفْس، ولا للنَّظَرِ إلى شئٍ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وعنه، أنَّه يسْجُدُ. وقال: لَخَّصْتُ ذلك في الكتابِ. الثَّانى،
ظاهِرُ قوله: فأما الزِّيادَةُ، فمتى زادَ فِعْلًا مِن جِنْس الصَّلَاة، قيامًا أو قُعُودًا، أو رُكُوعًا أو سُجودًا، عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلَاتُه،
وإن كان سَهْوًا، سجَد له. أنَّه لو جلَس سهْوًا في محَلِّ جلْسَةِ الاسْتِراحةِ بمقْدارِها، أنَّه يسْجُدُ للسَّهْوِ. وهو أحَدُ الوَجْهَيْن،
والصَّحيحُ منهما. صحَّحَه في «النَّظْمِ». وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ. واخْتارَه القاضي. وقدَّمه في «الرِّعايتَيْن»، وابن رَزِين في «شَرْحِه». وجزَم به الشَّارِحُ في موْضِعٍ،
وفي آخَرَ، ظاهِرُه إطْلاق الخِلافِ. وصحَّحه أوْ رُكُوعًا، أوْ سُجُودًا عَمْدًا، بَطَلَتِ الصَّلَاةُ،
وَإنْ كَانَ سَهْوًا، سَجَدَ لَهُ.
المَجْدُ في «شَرْحِه». وقال: هو ظاهرُ كلامِ أبي الخطَّابِ. والوَجْهُ الثَّانيِ، لا يَلْزَمُه السُّجودُ. وهو احْتِمالٌ في «المُغْنِي».
قال في «الحاوِيَيْن»: وهو أَصَحُّ عندي. قال الزَّرْكَشيُّ: إنْ كان جلُوسُه يسِيرًا، فلا سُجودَ عليه.
قال في «التَّلْخيصِ»: هذا قِياسُ المذهبِ، ولا وَجْهَ لما ذكَرَه القاضي، إلَّا إذا قُلْنا: تُجْبرُ الهَيْئاتُ بالسُّجودِ. انتهى. وأطْلَقَهما في «الفروعِ»، و «ابنِ تَميمٍ». الثَّالثُ، ظاهرُ كلام المُصَنِّفِ وغيره، أنَّه يَسْجُدُ للسَّهْوِ في صلاةِ الخَوْفِ وغيرِها، في شِدَّةِ الخوْفِ وغيرِها.
وقال في «الفائقِ»: ولا سُجودَ لسَهْوٍ في الخوْفِ. قالَه بعضُهم، واقْتَصَرَ عليه.
قلتُ: فيُعايىَ بها. لكنْ لم أرَ أحَدًا مِنَ الأصحابِ ذكَر ذلك في شِدَّةِ الخوْفِ، وهو موافِقٌ لقَواعدِ المذهبِ. ويأْتى أحْكامُ سُجودِ السَّهْوِ في صلاةِ الخوْفِ إذا لم يَشْتَدَّ، في الوَجْهِ الثَّانِي، وتقدَّم في سُجودِ السَّهْوِ للنَّفْل إذا صلَّى على الرَّاحِلَةِ في اسْتِقْبالِ القِبْلِة. الرابعُ، قال ابنُ أبِي مُوسى،
ومَن تَبِعَه: مَن كَثُرَ منه السَّهْوُ، حتَّى صارَ كالوَسْواسِ، فإنَّه يَلْهُو عنه،
وَإنْ زَادَ رَكْعَةً، فَلَمْ يَعْلَمْ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، سَجَدَ لَهَا،
وَإِنْ عَلِمَ فِيها، جَلَسَ فِي الْحَالِ، فَتَشَهَّدَ إنْ لَمْ يَكُنْ تَشَهَّدَ، وَسَجَدَ، وَسَلَّمَ.
لأنَّه يخْرُجُ به إلى نَوْعَ مُكابَرَةٍ، فيُفْضِي إلى الزِّيادَةِ في الصَّلاةِ مع تَيَقُّنِ إتْمامِها . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ونحوِه، فوجَب اطِّراحُه. وكذا في الوُضوءِ والغُسْل وإزالَةِ النَّجاسَةِ نحوُه.
وَإِنْ سَبَّحَ بِهِ اثْنَانِ، لَزِمَهُ الرُّجُوعُ،
باب سجود السهو] قال المصنف رحمه الله: (ولا يشرع في العمد. ويشرع للسهو في زيادة ونقص وشك. للنافلة والفرض) .
أما كون السجود لا يشرع في العمد؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم علق السجود على السهو حيث قال:«إذا سها أحدكم فليسجد».
وقول الراوي:«سها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد».
[وأما مواضع مشروعية ذلك ففي الزيادة، والنقص، والشك لما يأتي ذكره بعد في مواضعه إن شاء الله تعالى].
وأما كون ذلك للنافلة والفرض فلعموم الأخبار الواردة في سجود السهو.
ولأنهما في معنى واحد في الاحتياج إلى سد الخلل الحاصل بالسهو.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.