فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

٤٧٤ - مسألة؛ قال: (وإن تَكلَّمَ في صُلْبِ الصلاةِ بَطَلَتْ. وعنه، لا تَبْطُلُ إذا كان ساهِيًا، أو جاهِلًا، ويَسْجُدُ له) متى تَكَلَّمَ عامِدًا عالِمًا أنَّه في الصلاةِ مع عِلْمِه بتَحْرِيمِ ذلك لغيرِ مَصْلَحَةِ الصلاةِ، ولا لأمْرٍ يُوجبُ الكلامَ، بَطَلَتْ صَلَاتُه إجْماعًا. حَكاه ابنُ المُنْذِرِ، لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ». وعن زيدِ بن أرْقَمَ، قال: كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصلاةِ، يُكَلِّمُ أحَدُنا صاحِبَه إلى جَنْبِه، حتَّى نَزَلَتْ:{وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}.

فأُمِرْنا بالسُّكُوتِ، ونُهِينا عن الكَلام. رَواهما مسلمٌ . وعن ابنِ مسعودٍ، قال: كُنّا نُسَلِّمُ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو في الصلاةِ فيَرُدُّ علينا، فلمّا رَجَعْنا مِن عندِ النَّجاشِيِّ سَلَّمْنا عليه، فلم يَرُدَّ علينا، فقُلْنا: يَا رسولَ اللهِ، كُنّا نُسَلِّمُ عليكَ في الصَّلاةِ فتَرُدُّ علينا. قال:«إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا». مُتَّفَقٌ عليه . ولأبى داودَ : «إنَّ اللهَ يُحْدِثُ مِنْ أمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَقَدْ أحْدَثَ أنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ».

فصل: فأمّا إن تَكَلَّمَ جاهِلًا بتَحْرِيمِ الكلامِ في الصلاةِ، فقال القاضي في «الجامِعِ»: لا أعْرِفُ عن أحمدَ نَصًّا في ذلك. وقد ذَكَر شَيْخُنا فيه هاهُنا رِوَايَتَيْن، إحْداهما، تَبْطُلُ صَلَاتُه؛ لأنَّه ليس مِن جِنْسِ ما هو مَشْرُوعٌ في الصلاةِ، أشْبَهَ العمَلَ الكَثِيرَ، ولعُمُومِ أحاديثِ النَّهْيِ. والثّانِيَةُ، لا تَبْطُلُ، لِما روَى معاوِيَةُ بنُ الحَكمِ السُّلَمِيُّ، قال: بَيْنا أنا أُصَلِّي مع النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذ عَطَس رجلٌ مِن القَوْمِ، فقُلْتُ: يرحَمُك اللهُ.

فرَمانِي القَوْمُ بأبْصارِهِم، فقُلْتُ: واثُكْلَ أُمِّيَاهُ، ما شَأنكمْ تَنْظُرُون إليَّ؛ فجَعَلُوا يَضْرِبون بأيْدِيهم على أفْخاذِهم، فلمّا رَأيْتُهم يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فلمّا صَلَّى رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فبِأبِي هو وأُمِّي، ما رَأَيتُ مُعَلِّمًا قَبْلَه ولا بعدَه أحسنَ تَعْلِيمًا منه، فوالله مِا كَهَرَنى، ولا ضَرَبَنِي ولا شَتَمَنِي، ثم قال:«إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شيْءُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ والتَّكبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ». أو كما قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-.

رَواه مسلمٌ . فلم يَأْمُرْه بالإِعادَةِ، فدَلَّ على صِحَّتِها. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.

٣٬٣٠٢

وفي كَلام النّاسى رِوايَتانِ، إحْداهما، لا تَبْطُلُ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ؛ لَأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- تَكلَّمَ في حديثِ ذِي اليَدَيْن، وقد ذَكَرْنا حديثَ مُعاوِيَةَ، وما عُذِر فيه بالجَهْلِ عُذِر فيه بالنِّسْيانِ. والثَّانِيَةُ، تَفْسُدُ صَلاتُه. وهو قولُ النَّخَعِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْيِ، لعُمُومِ أحاديثِ المَنْع مِن الكلامِ.

٣٬٣٠٣

وإذا قُلْنا: إنَّه لا يُبْطِلُ الصلاةَ. سَجَد، لعُمومِ الأحادِيثِ، ولأنَّ عَمْدَه يُبْطِلُ الصلاةَ، فوَجَبَ السُّجُودُ لسَهْوِه، كتَرْكِ الواجِباتِ. واللهُ أعلمُ.

فصل: فإن تَكَلَّمَ في صُلْبِ الصلاةِ لمَصْلَحَةِ الصلاةِ، مع عِلْمِه أنَّه في الصلاةِ، بَطَلتْ صَلَاتُه، لعُمُومِ الأحادِيثِ. وذَكَر القاضي في ذلك الرِّواياتِ الثَّلاثَ التى ذَكَرْناها في المَسْألةِ التى قَبْلَها، ويَحْتَمِلُه كلامُ الخِرَقِيِّ، لعُمُوم لَفْظِه، وهو مَذْهَبُ الأوْزاعِيِّ، فإنَّه قال: لو أنَّ رجلًا قال للإمام، وقَد جَهَر بالِقراءَةِ في العَصْرِ : إنَّها العَصْرُ. لم تَفْسُدْ صَلَاتُه. وَلأنَّ الإمامَ [قد تَطْرُقُه] حالٌ يَحْتاجُ إلى الكلامِ فيها، وهو ما لو نَسِيَ القِراءةَ في رَكْعَةٍ، فذَكَرَها في الثّانِيَةِ، فقد فَسَدَتْ عليه رَكْعَةٌ، فيَحْتاجُ أن يُبْدِلَها برَكْعَةٍ، هي في ظَنِّ المَأمُومِين خامِسَةٌ، ليس لهم مُوافَقَتُه فها، ولا سَبِيلَ إلى إعْلامِهم بغيرِ الكَلامِ، وقد يَشُكُّ في صَلاتِه، فيَحْتاجُ إلى السُّؤْالِ.

قال شيخُنا : ولم أعْلَمْ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- ولا عن صَحابَتِه، ولا عن الإمامِ نَصًّا في الكلامِ في غيرِ الحالِ التى سَلَّمَ مُعْتَقِدًا تَمامَ صَلاتِه، ثم تَكلَّمَ بعدَ السَّلام، وقِياسُ الكَلامِ في صُلْبِ الصلاةِ عالِمًا بها على هذه الحالِ مُمْتَنِع؛ لأنَّ هذه حالُ نِسْيانٍ. لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ من الكَلامِ فيها، وهي أَيضًا حالٌ يَتَطَرَّقُ الجَهْلُ إلى صاحِبِها بتَحْرِيمِ الكَلام فيها، فلا يَصِحُّ قِياسُ ما يُفارِقُها في هذين الأمْرَيْن عليها،

٣٬٣٠٤

وإذا عُدِم النَّصُّ والقِياسُ والإجْماعُ، امْتَنَعَ ثُبُوتُ الحُكْمِ؛ لأنَّه بغيرِ دَلِيل، ولا سَبِيلَ إليه. والله أعلمُ.

٣٬٣٠٥

فصل: فإن تَكَلَّمَ مَغْلُوبًا على الكلامِ، فهو ثَلاثَةُ أنْواعٍ، أحَدُها، أن تَخْرُجَ الحُرُوفُ مِن فِيهِ بغيرِ اخْتِيارِه، مِثْلَ أن يَتَثاءَبَ، فيَقُولَ: هاه. أو يَتَنَفَّسَ، فيَقُولَ: آه. أو يَسْعُلَ، فيَنْطِقَ بحَرْفَيْن. أو يَغْلَطَ في القُرْآنِ فيَأتِيَ بكلِمَةٍ مِن غيرِ القُرْآنِ، أو يَغْلِبَه البُكاءُ، فلا تَفْسُدُ صَلاتُه في المَنْصُوصِ عنه في مَن غَلَبَه البُكاءُ، وقد كان عُمَرُ يَبْكِي، حتَّى يُسْمَعَ له نَشِيجٌ.

٣٬٣٠٦

وقال مُهَنًا: صَلَّيْتُ إلى جَنْبِ أبي عبدِ اللهِ، فَتَثاءَبَ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وسَمِعْتُ لتَثاؤُبِه: هاه هاه. وهذا لأنَّ الكَلامَ ها هُنا لا يُنْسَبُ إليه، ولا يَتَعَلقُ به حُكْمٌ مِن أحْكامِ الكَلام.

٣٬٣٠٧

وقال القاضي في مَن تَثاءَبَ، فقال: هاه: تَفْسُدُ صَلاتُه. وهذا مَحْمُولٌ على مَن فَعَل ذلك غيرَ مَغْلُوبٍ عليه، لِما ذَكَرْنا. وذَكَر ابنُ عَقِيل فيه احْتِمالَيْن، أحَدُهما، تَبْطُلُ صَلاتُه، لأنَّه لا يُشرَعُ جِنْسُه في الصلاةِ، أشْبَهَ الحَدَثَ .

٣٬٣٠٨

والثّانِي، لا تَبْطُلُ، لِما ذَكَرْنا. النَّوْعُ الثّانِي، أن يَنام فيَتَكلَّمَ، فقد تَوَقَّفَ أحمدُ عن الكَلامِ فيه. والأوْلَى إلْحاقُه بالفَصْلِ الذى قَبْلَه؛ لأنَّ القَلَمَ مَرْفُوعٌ عنه.

٣٬٣٠٩

وكذلك ليس لعِتْقِه ولا طَلاقِه حُكْمٌ.

٣٬٣١٠

وقال ابنُ عَقِيل، في النّائِمِ إذا تَكَلَّمَ بكَلامِ الآدَمِيِّين: انْبَنَى على كَلامِ النّاسِي في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ. النَّوْعُ الثّالِثُ، أن يُكْرَهَ على الكَلامِ، فيَحْتَمِلُ أن يَكُونَ ككَلامِ النّاسِي؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- جَمَع بَينَهما في العَفْوِ، بقَوْلِهِ:«عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْه». قال القاضي: وهذا أوْلَى بالعَفْوِ، وصِحَّةِ الصلاةِ؛ لأنَّ الفِعْلَ غيرُ مَنْسُوبٍ إليه، ولهذا. لو أُكْرِهَ على إتْلافِ مالٍ لم يَضْمَنْه، والنّاسِي يَضْمَنُ ما أتْلَفَه.

٣٬٣١١

قال شيخُنا : والصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ، أنَّ صَلَاته تَفْسُدُ؛ لأنَّه أتَى بما يُفْسِدُ الصلاةَ عَمْدًا، أشْبَهَ ما لو أُكْرِهَ على صلاةِ الفَجْرِ أرْبَعًا، وقِياسُه على النَّاسى لا يَصِحُّ لوَجْهَيْن، أحَدُهما، أنَّ النِّسْيانَ يَكْثُرُ،

٣٬٣١٢

بخِلافِ الإكْراهِ. والثّانِي، أنَّه لو نَسِيَ، فزاد في الصلاةِ أو نَقَص، لم تَفْسُدْ صَلَاتُه، ولم يَثْبُتْ مِثْلُه في الإكْراهِ.

٣٬٣١٣

والصَّحِيحُ عندَ أصحابِ الشافعِيِّ أن الصَّلاةَ لا تَبْطُلُ بشئٍ مِن هذه الأنْواعَ.

٣٬٣١٤

فصل: فإن تَكَلَّمَ بكَلام واجِبٍ، كمَنْ خَشِيَ على ضَرِيرٍ أو صَبِيٍّ، أو رَأى حَيَّةً ونَحْوَها تَقْصِدُ غافِلًا، أو يَرَى نارًا يَخْافُ أن تَشْتَعِلَ في شئٍ، ونَحْوَ هذا، ولم يُمْكِنِ التَّنْبِيه بالتَّسْبِيحِ، فقال أصْحابُنا: تَبْطُلُ الصلاةُ. وهو قولُ بَعْضِ [أصْحابِ الشّافعيِّ]، لِما ذَكَرْنا في كَلامِ المُكْرَهِ. قال شيخُنا : ويَحْتَمِلُ أن لا تَبْطُلَ الصلاةُ، وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ؛ لأنَّه

٣٬٣١٥

قال في حَدِيثِ ذى اليَدَيْن: إنَّما كَلَّمَ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- القَوْمُ حينَ كَلَّمَهم؛ لأنَّهم كان عليهم أن يُجِيبُوهْ. فعَلَّل صِحَّةَ صَلاِتهم بوُجُوبِ الكَلام عليهم. وهذا كذلك، وهذا ظاهِرُ مَذْهَب الشافعيِّ،

٣٬٣١٦

والصَّحِيحُ عندَ أصْحابِه. فصل: وكلُّ كَلامٍ حَكَمْنا بأنَّه لا يُفْسِدُ الصلاةَ فإنَّما هو اليَسِيرُ منه،

٣٬٣١٧

فإن كَثُر وطال أفْسَدَ الصلاةَ. وهذا مَنْصُوصُ الشافعيِّ. قال القاضي، في «المُجَرَّدِ»: كَلامُ النّاسِي إذا طال يُفْسِدُ، رِوايَةً واحِدَةً.

٣٬٣١٨

وقال، في «الجامِعِ»: لا فَرْقَ بينَ القَليلِ والكثِيرِ في ظاهِرِ كلام أحمدَ؛ لأنَّ ما عُفِيَ عنه بالنِّسْيانِ اسْتَوَى قَلِيلُه وكَثِيرُه، كالأكْلِ في الصيامِ. وهو قولُ بَعْضِ الشافعيَّةِ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ دَلالَةَ الأحَادِيثِ المانِعَةِ مِن الكَلامِ عامة، تُرِكَتْ في اليَسِيرِ [بما وَرَد فيه مِن الأخْبارِ، فتَبْقَى فيما عَداه على مُقْتَضَى العُمُوم،

٣٬٣١٩

ولا يَصِحُّ قِياسُ الكثِيرِ عليه، لعَدَمِ إمْكانِ التَّحَرُّزِ مِنَ اليَسِيرِ]، ولأَنَّ اليَسِيرَ قد عُفِيَ عنه في العَمَلِ مِن غيرِ جِنْسِ الصلاةِ،

٣٬٣٢٠

بخِلافِ الكَثِيرِ.

والكَلامُ المُبْطِلُ ما انْتَظَمَ حَرْفَيْن فصاعِدًا. هذا قولُ أَصْحابِنا، وأصْحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّ الحَرْفَيْن يُكَوِّنان كَلِمَةً، كقَوْلِه: أبٌ وأخٌ ويَدٌ ودَمٌ.

٣٬٣٢١

وكذلك الأفْعالُ. والحُرُوفُ لا تَنْتَظِمُ كَلِمَةً مِن أقلَّ مِن حَرْفَيْن.

تعليق

ولو قال: لا. أفْسَدَ صَلَاته؛ لأنَّها حَرْفان لامٌ وألِفٌ. ٤٧٥ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَإِنْ تَكَلَّمَ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ بَطَلَتْ) اعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِيهَا يَنْقَسِمُ إِلَى أَقْسَامٍ:.

أَحَدُهَا: أَنْ يَتَكَلَّمَ عَمْدًا عَالِمًا أَنَّهُ فِيهَا، مَعَ عِلْمِهِ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ لِغَيْرِ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، وَلَا لِأَمْرٍ يُوجِبُ ذَلِكَ، بَطَلَتْ إِجْمَاعًا، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ:«كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،

٣٬٣٦٨

وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي دَاوُدَ قَالَ:«فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِيهَا» وَأَبْعَدَ فِي " الرِّعَايَةِ " فَحَكَى قَوْلًا أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِكَلَامٍ يَسِيرٍ.

٣٬٣٦٩

وَالثَّانِي: أَنْ يَتَكَلَّمَ سَاهِيًا، وَهُوَ مُبْطِلٌ لَهَا فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ لِلْعُمُومِ

الإنصافالمرداوي

وإنْ تكَلَّم في صُلْب الصَّلاةِ بَطَلَتْ. إن كان عَالِمًا عَمْدًا، بَطَلَتِ الصَّلَاة،

٦٬٠٩٨

وإن كان سَاهِيًا بغَيرِ السَّلامِ، فقدَّم المُصَنِّفُ أنَّ صلاتَه تَبْطُلُ أَيضًا. وهو المذهبُ، قدَّمه في «الفُروعِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الحاويَيْن»، والقاضى أبو الحُسَيْن، و «الفائقِ» وغيرهم. قال الزَّرْكَشِيُّ: إذا تكَلَّمَ سَهْوًا، فرِواياتٌ، أشْهَرُها، وهو اخْتِيارُ ابنِ أبِي مُوسى والقاضى، وغيرِهما، البُطْلانُ. ونصَرَه ابنُ الجَوْزِيِّ في «التَّحْقِيقِ».

٦٬٠٩٩

وعنه، لا تَبْطُل إذا كان ساهِيًا. اخْتارَه ابن الجَوْزِيِّ، وصاحِبُ «مَجْمَع البَحْرَيْن»، و «النَّظْمِ»، والشَّيْخُ تَقِي الدِّينِ، وصاحِبُ «الفائقِ». وقدَّمه ابن تَميمٍ. [ويَحْتَمِلُ كلامُه في «الفُروعِ» إطْلاقَ الخِلافِ. وإليه ذهَب ابنُ نَصْرِ اللهِ في «حواشيه»] . وأطْلقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافِي»، و «شَرْحِ المَجْدِ»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابن مُنَجَّى»، و «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايتَيْن». . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وتقدَّم قريبًا رِوايَةٌ ثالثةٌ، لا تَبْطُلُ إذا تكَلَّمَ سهْوًا لمَصْلَحَتِها،

٦٬١٠٠

ومَنِ اخْتارَها. وإنْ كان جاهِلًا بتَحْريمِ الكَلامِ، أو الإبطالِ به، فهل هو كالنَّاسِي، أم لا تَبْطُلُ صلاتُه؛

٦٬١٠١

فإن بَطلَتْ صلاةُ النَّاسِي، فيه رِوايَتان. فالمُصَنِّفُ جعَل الجاهِلَ كالنَّاسِي، وقدَّم أنَّه ككَلام العامِدِ، إحْدَاهما، أنَّه كالنَّاسِي، فيه مِنَ الخِلافِ وغيره ما في النَّاسِي. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. قدَّمه ابن مُفْلِحٍ في «حَواشِي المُقْنِعِ».

٦٬١٠٢

قال في «الكافِي»، و «الرِّعايتيْن»: وفي كلامِ النَّاسِي والجاهلِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

رِوايتان. قال في «المُغْنِي»: والأوْلى أنْ يُخرَّجَ فيه رِوايَةُ النَّاسِي انتهى. والرِّواية الثَّانيةُ، أنَّ كلام الجاهلِ لا يُبْطِلُ،

٦٬١٠٣

وإنْ أبْطَلَ كلامُ النَّاسِي. وجزَم ابنُ شِهَابٍ بعدَم البُطْلانِ في الجاهِلِ.

٦٬١٠٤

قال في «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»: ولا يُبْطِلُها كلامُ الجاهلِ، في أَقْوَى الوَجْهَيْن،

٦٬١٠٥

وإنْ قُلْنا: يُبْطلُها كلامُ النَّاسِي. اخْتارَه القاضي، والمَجْدُ. وأطْلَقَ الخِلافَ المَجْدُ في «شَرْحِه»، وابنُ تَميمٍ، وصاحِبُ «الفُروعِ». وحكَى المَجْدُ، وابن تَميمٍ الخِلافَ وَجْهَيْن. وحكَاهما في «الفُروعِ» رِوَايتيْن.

٦٬١٠٦

وقال القاضي في «الجامِع»: لا أعْرِف عن أحمدَ نَصًّا في ذلك. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فوائد؛ إحْداها، قَسَّمَ المُصَنِّف رَحِمَهُ اللهُ المتكَلِّمِ إلى قِسْمَيْن، أحَدُهما، مَن يَظُنُّ تَمَامَ صلاِته فيُسَلِّمُ، ثم يَتَكَلِّمُ،

٦٬١٠٧

إمَّا لمَصْلَحَتِها أو لغيرِها. الثَّانِي، مَن يَتَكَلَّمُ في صُلْبِ الصَّلاةِ، فحكى في الأوَّلِ، إذا تكَلَّمَ لمَصْلَحَتِها، ثلاثَ رِواياتٍ، وحكَى في الثَّالثةِ رِوايتيْن. وهذه إحْدَى الطَّريقتَيْن للأصحابِ، واخْتِيارُ المُصَنِّفِ والشَّارِحِ. وجزَم به في «الإفاداتِ». وقدَّمه في «النَّظْمِ». والطريقة الثَّانيةُ، الخِلاف جارٍ في الجميع؛ لأنَّ الحاجَة إلى الكَلامِ هنا قد تكون أشَدَّ، كإمام نَسِيَ القِراءَةَ ونحوَها، فإنَّه يحْتاجُ أنْ يأْتِيَ برَكْعَةٍ، فلابُدَّ له مِن إعْلام المأْمُومِين. وهذه الطَّريقَةُ هي الصَّحيحةُ في المذهبِ.

جزَم بها في «المُحَرَّر»، و «الفائقِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وقدَّمها في «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ». واخْتارَها القاضي، والمَجْدُ في «شَرْحِه»، وصاحِبُ «مَجْمَع البَحْرَيْن»، وابنُ تَميمٍ. الثَّانيةُ، اخْتارَ المُصَنِّفُ، وابن شِهَابٍ العُكبرِيُّ، في «عُيُونِ المسَائِلِ»، بُطْلانَ صلاةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المُكْرهِ على الكَلامِ، وهو إحْدَى الرِّوايتَيْن. قال المَجْدُ في «شَرْحِه»، وتَبِعَه في «مَجْمَع البَحْرَين»،

٦٬١٠٨

وإذا قُلْنا: تَبْطُلُ بكَلامِ النَّاسِي. فكذا كلامُ المُكْرَهِ وأوْلَى؛ لأنَّ عُذْرَه أنْدَرُ.

٦٬١٠٩

وقال القاضي: لا تَبْطُلُ بخِلافِ النَّاسِي.

٦٬١١٠

قال في «الفُروعِ»: والنَّاسِي كالمُتَعَمِّدِ.

٦٬١١١

وكذا جاهِلٌ ومُكْرَه، في رِوايَةِ.

٦٬١١٢

وعنه، لا. فظاهِرُه، أنَّ المُقَدَّمَ عندَه البُطْلانُ.

٦٬١١٣

وقال في «الرِّعايَةِ الكبْرى»: وإنْ قُلْنا: لا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

يُعْذَرُ النَّاسِي. ففي المُكْرَهِ ونحوِه،

٦٬١١٤

وقيل: مُطْلَقًا، وَجْهان. وقال في «التَّلْخيصِ»: ولا تَبْطُلُ بكَلامِ النَّاسِي، ولا بكلامِ الجاهلِ بتَحْريمِ الكلامِ إذا كان قريبَ العَهْدِ بالإسْلامِ، في إحْدَى الرِّوايتين. وعليها يُخَرَّجُ سَبْقُ اللِّسانِ، وكَلامُ المُكْرَهِ. انتهى.

٦٬١١٥

قال في «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»: ألْحَقَ بعضُ أصحابِنا المُكْرَهَ بالنَّاسِي.

٦٬١١٦

وقال القاضي: بل أَوْلَى بالعَفْوِ مِنَ النَّاسِي. انتهى.

٦٬١١٧

وكذا قال ابنُ تَميمٍ. ونصَر ابنُ الجَوْزِيِّ في «التَّحْقِيقِ» ما قالَه القاضي. واخْتارَه ابنُ رَزِين في «شَرْحِه». الثَّالِثَةُ، لو وجَب عليه الكَلامُ، كما لو خافَ على ضَرِيرٍ ونحوِه، فتكَلَّمَ مُحَذِّرًا له، بَطَلَتِ الصَّلاة. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. .

جماهير الأصحابِ. قال في «الفائقِ»، و «حَواشِيّ ابنِ مُفْلِحٍ»: هو قولُ أصحابنا. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.

٦٬١١٨

وقيلَ: لا تَبْطُلُ. قال المُصَنِّفُ: هو ظاهرُ كلامٍ الإمام أحمدَ؛ لأنَّه علَّلَ صِحَّةَ صلاةِ مَن أجابَ النَّبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- بوُجوبِ الكلامِ، وفَرَّقَ بينَهما بأنَّ الكلامَ هنا لم يجِبْ عَيْنًا.

٦٬١١٩

وقال القاضي وغيرُه: لُزومُ الإجابَةِ للنَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لا يَمْنَعُ الفَسادَ؛ لأنَّه لو رأى من يَقْتُلُ رَجُلًا منَعه، فإذا فعل فسَدَتْ.

٦٬١٢٠

قال في «الرِّعايَة الكبْرى»: وإنْ وجَب الكلامُ لتَحْذيرِ معْصُومٍ، ضريرٍ أو صغير، لا تَكْفِيه الإشارَةُ عن وُقوعِه في بِئْرٍ ونحوِها، فوَجْهان، أصَحُّهما، العَفْوُ والبِنَاءُ. وقدمه في «الفائقِ». وأطْلقَهما ابن تَميمٍ، و «مَجْمَعِ البَحْرَيْن». الرَّابعةُ، لو قامَ فيها فتَكَلَّمَ، أو سبَق على لِسَانِه حالَ قراءَتِه، أو غلَبه سُعالٌ أو عُطاسٌ، أو تَثَاؤُبٌ ونحوُه، فَبَانَ حَرْفان، لم تَبْطُلِ الصَّلاةُ. على الصَّحِيحِ . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مِن المذهبِ، وعليه الأكثر. وقيلَ: حُكْمُه حُكْمُ النَّاسِي.

٦٬١٢١

وإنْ لم يغْلِبْه ذلك، بطَلتْ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.

٦٬١٢٢

وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدُّين: هو كالنَّفْخِ وأوْلَى. الخامِسَةُ، حيث قلْنا: لا تَبْطُلُ بالكلامِ. فمَحَلُّه في الكلامِ اليَسِيرِ،

٦٬١٢٣

وأمَّا الكلامُ الكثيرُ، فتَبْطُلُ به مُطْلقًا عندَ الجمهورِ. وقطَع به جماعَةٌ. قال القاضي في وَإِنْ قَهْقَهَ، أَوْ نَفَخَ، أَوِ انْتَحَبَ، فَبَانَ حَرْفَانِ فَهُوَ كَالْكَلَامِ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ تَعَالَى. قَالَ أَصْحَابُنَا فِي النَّحْنَحَةِ مِثْلَ ذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبى عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ كان يَتَنَحْنَحُ فِي صَلَاِته، وَلَا يَرَاهَا مُبْطِلَةً لِلصَّلَاةِ.

«المجَرَّدِ»: هو روايَةٌ واحدةٌ. وعنه، لا فَرْقَ بينَ قليلِ الكلامِ وكثيره. اخْتارَه القاضي أَيضًا وغيرُه.

٦٬١٢٤

قال في «الجامِع الكبِيرِ»: لا فَرْق بينَ الكلام القليلِ والكثيرِ، في حَقِّ النَّاسِي، في ظاهرِ كلام الإمام أحمدَ.

٦٬١٢٥

وقال في «المُجَرَّدِ»: إنْ طالَ مِنَ النَّاسِي أفْسَدَ. رِوايةٌ واحدةٌ. وهما وَجْهان في «ابنِ تَميمٍ» وغيرِه. وأطْلقَهما هو والزَّرْكَشييُّ.

٦٬١٢٦

تنبيه: مفْهومُ قولِه: وَإِنْ قَهْقة فبانَ حرْفان، فهو كالكلامِ. أنَّه إذا لم يَبِنْ حرْفان، أنَّه لا يضُرُّ،

٦٬١٢٧

وأنَّ صلاتَه صحِيحةٌ. وهو ظاهِرُ كلامِ كثيرٍ مِنَ الأصحابِ. وهو أحَدُ الوَجْهَيْن، أو الرَّوايتَيْن. جزَم به في «الهدايَةِ»، و «شَرْحِها» للمَجْدِ، و «الحاوِي الكَبِيرِ»، والقاضى في «المُجَرَّدِ»، و «المُسْتَوْعِبِ». وقدَّمه في «الرِّعايِة الكُبْرى»، و «ابنِ تَميمٍ» وغيرِهما. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

.

وعنه، أنَّه كالكلامِ، ولو لم يَبِنْ حرفان. اخْتاره الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.

٦٬١٢٨

وقال: إنَّه الأظْهَر، وجزَم به في «الكافِي»، و «المُغْنِي».

٦٬١٢٩

وقال: لا نعْلَمُ فيه خِلافًا. وقدَّمه في «الشَّرْح». وحكَاه ابنُ هُبَيْرةَ إجماعًا. وأطْلقَهما في «الفروعِ»، و «الفائقِ».

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

قال: (وإن تكلم في صلب الصلاة بطلت. وعنه: لا تبطل إذا كان ساهياً أو جاهلاً. ويسجد له) .

١٬٧٢٥

أما كون من تكلم في صلب الصلاة عمداً عالماً بكون الكلام مبطلاً تبطل صلاته؛ فلأن الكلام في الصلاة منهي عنه لما تقدم.

ولقول زيد بن أرقم:«كنا نتكلم في الصلاة. يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه حتى نزلت: {وقوموا لله قانتين} [البقرة: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت» متفق عليه. ولمسلم:«ونهينا عن الكلام».

وعن النبي صلى الله عليه وسلم:«إن الله يحدث من أمره ما شاء. وأنه قد أحدث من أمره أن لا تكلموا في الصلاة» رواه أبو داود.

١٬٧٢٦

وإذا كان الكلام منهياً عنه في الصلاة وجب أن يبطل كالصلاة في مكان نُهي عن الصلاة فيه من مقبرة ونحوها.

١٬٧٢٧

وأما كون من تكلم في ذلك ساهياً أو جاهلاً بكون الكلام مبطلاً تبطل صلاته على روايةٍ فلعموم ما تقدم.

١٬٧٢٨

وأما كونها لا تبطل على روايةٍ؛ فلما روى معاوية بن الحكم قال:«صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فعطس رجل من القوم. فقلت: يرحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم ... الحديث». ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإعادةٍ لجهله بكون الكلام مبطلاً. والناسي في معناه.

١٬٧٢٩

وأما كونه يسجد له فليجبر الخلل الذي حصل في صلاته بالكلام.

١٬٧٣٠

فإن قيل: لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم معاوية بالسجود؟

قيل: إنما لم يأمره بذلك لأنه كان مأموماً والإمام يتحمل عن المأموم سهوه لما يأتي إن شاء الله تعالى .

١٬٧٣١

فإن قيل: الكلام المعفو عنه بالنسيان والجهل ما هو؟

قيل: اليسير؛ لأن الكثير يُخرج الصلاة عن هيئتها.

١٬٧٣٢

وقيل: الكثير كاليسير لأن ما عفي عن يسيره لنسيان أو جهل عفي عن كثيره. دليله: الأكل في الصوم.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.