وَأَمَّا النَّقْصُ، فَمَتَّى تَرَكَ رُكْنًا فَذَكَرَهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى بَطَلَتِ الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا
الشروح عليها
فصل: فأمَّا النَّفْخُ، فمتى انْتَظَمَ حَرْفَيْن أفْسَدَ الصلاة؛ لأنَّه كلام، وإلَّا لم يُفْسِدْها. وقد قال أحمدُ: النَّفْخُ عِنْدِي بمَنْزِلَةِ الكَلامِ. ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: مَن نَفَخ في الصلاةِ فقد تَكَلَّمَ . ورُوِيَ عن أبي هُرَيْرَةَ. إلَّا أنَّ ابنَ المُنْذِرِ، قال: لا يَثْبُتُ عن ابنِ عباسٍ، ولا أبي هُرَيْرَةَ. ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: أكْرَهُه، ولا أقولُ: يَقْطَعُ الصلاةَ، ليس هو كَلامًا. ورُوِيَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِيِّ، وإسحاقَ.
وجَمَع القاضي بينَ قَوْلَيْ أحمدَ، فقال: المَوْضِعُ الذى قال أحمدُ: يَقْطَعُ الصلاةَ. إذا انْتَظَمَ حَرْفيْن، والمَوْضعُ الذى قال: لا يَقْطَعُ الصلاةَ. إذا لم يَنْتَظِمْ منه حَرْفان.
وقال أبو حنيفةَ: إن سُمِع فهو بمَنْزِلَةِ الكَلامِ، وإلَّا فلا يَضُرّ.
قال شيخُنا : والصَّحِيحُ أَّنه لا يَقْطَعُ الصلاةَ ما لم يَنْتَظِمْ منه حَرْفان؛ لِما روَى عبدُ الله ابنُ عمرِو ، قال: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-. فذَكَرَ الحديثَ إلى أن قال: ثم نَفَخ [في آخِرِ سُجُودِ] فقال: «أُفِّ أْفِّ».
وأما قولُ أبي حنيفةَ، فإن أراد ما لا يَسْمَعُه الإِنْسانُ مِنٍ نَفْسِه، فليس ذلك بنَفْخٍ،
وإن أراد مالا يَسْمَعُه غيرُه فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ ما أبْطَلَ الصلاةَ إظْهَارُه أبْطَلَها إسْرارُه، كالكَلامِ.
فصل: فأمّا البُكاءُ والتّأوُّهُ والأنِينُ، فما كان مَغْلُوبًا عليه لم يُوَّثِّرْ؛ لِما ذَكَرْنا مِن قَبْلُ. وما كان غيرَ ذلك؛
فإن كان لغيرِ خَشْيَةِ اللهِ أفْسَدَ الصلاةَ،
وإن كان مِن خَشْيَةِ اللهِ، فقال القاضي، وأبو الخَطّاب: التَّأَوُّهُ والبُكاءُ لا يُفْسِدُ الصلاةَ،
وكذلك الأَنِينُ. وقال القاضي: التَّأَوُّهُ ذِكْرٌ، مَدَح الله تعالى إبراهيمَ به، فقال:{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ}. والذِّكْرُ لا يُفْسِدُ الصلاةَ، ولأنَّ اللهَ سبحانَه وتعالى مَدَح الباكِين، فقال:{خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا}. وروَى مُطَرِّفٌ، عن أَبِيه، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلّى ولِصَدْرِه أزِيزٌ كأزِيزِ المِرْجَلِ [مِن البُكاءِ]. رَواه الخَلّالُ .
وقال عبدُ اللهِ بنُ شَدّادٍ: سَمِعْتُ نَشِيجَ عُمَرَ وأنا في آخِرِ الصُّفُوفِ.
وقال شيخُنا : لم أرَ عن أحمدَ في التَّأوُّهِ ولا في الأنِينِ شَيْئًا، والأشْبَهُ بأَصُولِه، أنَّه متى فَعَلَه مُخْتارًا أفْسَدَ صلَاته؛ فإنَّه
قال في رِوايَةِ مُهَنّا، في البُكاءِ الذى لا يُفْسِدُ الصلاةَ: ما كان مِن غَلَبَةٍ. ولأنَّ الحُكْمَ لا يَثْبُتُ إلَّا بنَصٍّ، أو قِياسٍ، أو إجْماع. وعُمُومُ النُّصُوصِ تَمْنَعُ مِن الكَلامِ كُلِّه، ولم يَرِدْ في الأنِينِ والتَّأوُّهِ نَصٌّ خاصٌّ. والمَدْحُ على التَّأوُّهِ لا يُخَصِّصُه، كتَشْمِيتِ العاطِس، ورَدِّ السّلامِ، والكَلِمَةِ الطَّيَّبَةِ.
فصل: فأمّا النَّحْنَحَةُ، فقال أصْحابُنا: هي كالنَّفْخِ، إن بان منها حَرْفان بَطَلَت صَلاتُه. وقد روَى المَرُّوذِيّ، قال: كُنْتُ آتِي أَبا عبدِ اللهِ فيتَنَحْنَحُ في صَلاتِه، لأعْلَمَ أنَّه يُصَلِّي.
وقال مُهَنّا: رَأيْتُ أَبا عبدِ اللهِ يَتَنَحْنَحُ في الصلاةِ. قال أصْحابُنا: وهذا مَحْمُولٌ على أنَّه لم يَأتِ بحَرْفَيْن. قال شيخًا : وظاهِرُ حالِ أحمدَ أنَّه لم يَعْتَبِرْ ذلك؛ لأنَّها لا تُسَمَّى كَلامًا، وتَدْعُو الحاجَةُ إليها. وقد رُوِيَ عن عليٍّ، رَضىَ الله عنه، قال: كانت لى ساعَةٌ في السَّحَرِ، أدْخُلُ فيها على رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-،
فإن كان في صلاةٍ تَنَحْنَحَ، فكان ذلك إذْنِي. رَواه الخَلّالُ . واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ فِي كَراهِيَةِ
تَنْبِيهِ المُصَلِّي بالنَّحْنَحَةِ، فقال في مَوْضِعٍ: لا يَتَنَحْنَحُ في الصلاةِ، قال النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي صَلَاِتكُمْ. [فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ، ولتُصَفِّقِ النِّسَاءُ]. وقد روَى عنه الأثْرَمُ، أنَّه كان يَتَنَحْنَحُ؛ ليُعْلِمَه أنَّه يُصَلِّي. وحديثُ عليٍّ يَدُلُّ عليه، وهو خاصٌّ فيُقَدَّمُ على العامِّ.
فصل: إذا سُلِّمَ على المُصَلِّي، لم يَكُنْ له رَدُّ السَّلامِ بالكَلامِ، فإن فَعَل ذلك بَطَلَت صَلَاتُه. رُوِيَ نَحْوُ ذلك عن أبي ذَرٍّ . وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ. وكان سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وقَتادَةُ، لا يَرَوْن به بَأْسًا. ورُوِيَ عن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّه أمَر بذلك . وقال إسحاقُ: إن فَعَلَه مُتَأوِّلًا، جازَت صَلاتُه. ولَنا، ما روَى عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، قال: كُنّا نُسَلِّمُ على رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو في الصلاةِ فيَرُد علينا، فلمّا رَجَعْنا مِن عندِ النَّجاشِيِّ سَلَّمْنا عليه، فلم يَرُدَّ علينا، فقُلْنا: يَا رسولَ اللهِ، كُنّا نُسَلِّمُ عليك في الصلاةِ فَتُردُّ علينا؟ قال:«إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا». مُتَّفَقٌ عليه . ولأبى داودَ : «إن اللهَ يُحْدِثُ مِنْ أمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَقَدْ أحْدَثَ أنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ». وروَى جابِرٌ، قال: كُنّا مع رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فبَعَثَنِي في حاجَةٍ، فرَجَعْتُ وهو يُصَلِّي على راحِلَتِه، ووَجْهُه إلى غيرِ القِبْلَةِ، فسَلَّمْتُ عليه، فلم يَرُدَّ عليَّ، فلمّا انْصَرَفَ، قال:«أمَا إنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أنْ أرُدَّ عَلَيْكَ إلَّا أنِّي كنْتُ أُصَلِّي». ولأنَّه كَلامُ آدَمِيٍّ، فأشْبَهَ تَشْمِيتَ العاطِسِ. إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه يَرُدُّ السَّلامَ بالإِشارَةِ. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ. ورُوِي عن ابنِ عباسٍ، أنَّ مُوسَى ابنَ جَمِيلٍ سَلَّمَ عليه وهو يُصَلِّي، فقَبَضَ ابنُ عباس على ذِراعِه . فكان ذلك رَدًّا مِن ابنِ عباسٍ، وذلك لِما روَى صُهَيْبٌ، قال: مَرَرْتُ بالنبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو يُصلِّي، فسَلَّمْتُ عليه، وكَلمْتُه، فرَدَّ عليَّ إشارَةً. وعن ابنِ عُمَرَ، قال: خَرَج رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إلى مسجدِ قُباءَ فصَلّى فيه ، فجاءَتْه الأنْصارُ، فسَلَّمُوا عليه وهو يُصَلّى، قال: قُلْتُ لبلالٍ: كيف رَأيْتَ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَرُدُّ عليهم حينَ كانوا يُسَلِّمُون عليه وهو يُصَلِّي؟ قال: يَقُولُ هكذا. وبَسَط، يَعَنِي كَفَّه، وجَعَل بَطْنَه أسْفَلَ، وظَهْرَه إلى فَوْقَ. رَواهما أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ ، وقال: كلا الحَدِيثَيْن صحيحٌ. وإن رَدَّ عليه بعدَ فَراغِه مِن الصلاةِ فحَسَنٌ، لأنَّ في حديثِ ابنِ مسعودٍ، قال: فقَدِمْتُ على رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو يُصَلِّي، فسَلَّمْتُ عليه، فلم يَرُدَّ عليَّ، فأخَذَنِي ما قدُم وما حَدُث، فلمَّا قَضَى رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- الصلاةَ، قال:«إنَّ اللهَ يُحْدِثُ مِن أمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَقَدْ أحْدَثَ أنْ لَا تَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ»[فرَدَّ عليَّ السَّلامَ].
فصل: وإذا دَخَل على قَوْم وهم يُصَلُّونَ، فلا بَأْسَ أن يُسَلِّمَ عليهم. قالَه أحمدُ. وروَى ابنُ المُنْذِرِ عنه، أنَّه سَلمَ على مُصَلٍّ. وفَعَل ذلك ابنُ عُمَرَ . وقال ابنُ عَقِيل: يُكْرَهُ. وكَرِهَه عطاءٌ، وأبو مِجْلَزٍ، والشَّعْبِيُّ، وإسحاقُ، لأنَّه رُبَّما غَلِطَ المُصَلَّى فَردَّ بالكَلامِ. ووَجْهُ تَجْوِيزِه قوْلُه تعالى:{فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ}: أي على أهلِ دِيِنكم، ولأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حينَ سَلمَ عليه أصْحابُه لم يُنكِرْ ذلك. ٤٧٦ - مسألة؛ قال رَحِمَه اللهُ: (وأمّا النَّقْصُ، فمتى تَرَك رُكْنًا، فذَكَرَه بعدَ شُرُوعِه في قِراءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى، بَطَلَتِ التى تَرَكَه منها. وإن ذَكَرَهُ قبلَ ذلك (١) ، عاد فأْتَى به وبما بَعْدَه، فإن لم يَعُدْ بَطَلَت صَلَاتُه) وجُمْلَتُه أنَّه متى تَرَك رُكْنًا؛ سُجُودًا، أو رُكُوعًا، ساهِيًا، فلم يَذْكُرْهُ حتَّى شَرَع في قِراءَةِ الرَّكعَةِ التى تَلِيها، بَطَلَتِ الرَّكْعَةُ التى تَرَك منها الرُّكْنَ، وصارتِ التى تَلِيها مَكانَها. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ جَماعَةٍ. قال الأثْرَمُ: سَألْتُ أَبا عبدِ اللهِ، عن رجلٍ صَلَّى ركعَةً، ثم قام ليُصَلِّيَ أُخْرَى، فذَكَرَ أنَّه إنَّما سَجَد للرَّكعَةِ الأُوْلَى سَجْدَةً واحِدَةً؟ فقال: إن كان أوَّلَ ما قام قبلَ أن يُحْدِثَ عَمَلًا للأُخْرَى، فإنَّه يَنْحَطُّ ويَسْجُدُ، ويَعْتَدُّ بها، وإن كان قد أحْدَثَ عَمَلًا للأُخْرَى، ألْغَى الأُولَى ، وجَعَل هذه الأُولَى. قُلْتُ: فيَسْتَفْتِحُ أو يَجْتَزِئُ بالاسْتِفْتاحِ الأوَّلِ؟ قال: يُجْزِئُه الأوَّلُ. قلتُ: فنَسِيَ سَجْدَتَيْن مِن رَكْعَتَيْن؟ قال: لا يَعْتَدُّ بتَيْنك الرَّكْعَتَيْن. وهذا قولُ إسحاقَ. وقال الشافعيُّ: إن ذَكَر الرُّكْنَ المَتْرُوكَ قبلَ السُّجُودِ في الثانيةِ، فإنَّه يَعُودُ إلى سَجْدَةِ الأُولَى، وإن ذَكَرَه بعدَ سُجُودِه في الثانيةِ، وَقَعَتْ عن الأُولَى؛ لأنَّ الرَّكْعَةَ الأُولَى قد صَحَّت، وما فَعَلَه في الثّانيةِ سَهْوًا لا يُبْطِلُ الأُولى، كما لو ذَكَر قبلَ القِراءَةِ. وقد ذَكَرَ أحمدُ هذا القَوْل عن الشافِعِيِّ وَقَرَّ بِه، إلَّا أنَّه اخْتارَ الأوَّلَ. وقال مالكٌ: إن تَرَك سَجْدَةً فذَكَرَها قبلَ رَفْعِ رَأْسِه مِن رُكُوعِ الثانيةِ، [سَجَدَها، واعْتَدَّ بالرَّكْعَةِ الأُولَى، وإن ذَكَرَها بعدَ رَفْعِ رَأْسِه مِن رُكُوعِ الثّانِيَةِ]، ألْغَى الأُولَى. وقال الحسنُ؛ والأوْزاعِيُّ: مَن نَسِيَ سَجْدَةً، ثم ذَكَرَها في الصَّلاةِ، سَجَدَها متى ذَكَرَها. وقال الأوْزاعِيُّ: يَرْجِعُ إلى حيث كان مِن الصَّلاةِ وَقْتَ ذِكْرِها، فيَمْضِي فيها. وقال أصْحابُ الرَّأْيِ نَحْوَ قولِ الحسنِ. ولَنا، أن المَزْحُومَ في الجُمُعَةِ، إذا زال الزِّحامُ والإمامُ راكِعٌ في الثانيةِ، فإنَّه يَتْبَعُه ويَسْجُدُ معه، ويكونُ السُّجُودُ مِن الثانيةِ دُونَ الأُولَى، كذَا هنا. وأمّا إذا ذكَرَها قبلَ ذلك، عاد فأتَى به وبما بعدَه؛ لأنه ذَكَرَه في موْضِعِه، فلَزِمَه الإتْيانُ به، كما لو تَرَك سَجْدَةٌ مِن الرَّكْعَةِ الأخِيرَةِ، فذَكَرَها قبلَ السَّلامِ، فإنَّه يَأْتِي بها في الحالِ.
(وَأَمَّا النَّقْصُ، فَمَتَّى تَرَكَ رُكْنًا) نَاسِيًا أَوْ سَاهِيًا غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، أَوِ النِّيَّةِ إِذَا قُلْنَا بِرُكْنِيَّتِهَا (فَذَكَرَهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى بَطَلَتِ) الرَّكْعَةُ (الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا) فَقَطْ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ، لِأَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا، وَلَمْ يُمْكِنِ اسْتِدْرَاكُهُ لِتَلَبُّسِهِ بِالرَّكْعَةِ الَّتِي بَعْدَهَا، فَلَغَتْ رَكْعَتَهُ، وَصَارَتِ الَّتِي تَشْرَعُ فِيهَا عِوَضًا عَنْهَا، وَلَا يُعِيدُ الِاسْتِفْتَاحَ، نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ،
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ ذَكَرَ الرُّكْنَ الْمَتْرُوكَ قَبْلَ السُّجُودِ فِي الثَّانِيَةِ، فَإِنَّهُ يَعُودُ إِلَى السَّجْدَةِ الْأُولَى،
وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ سُجُودِهِ فِي الثَّانِيَةِ، وَقَعَتْ عَنِ الْأُولَى، لِأَنَّ الرَّكْعَةَ قَدْ صَحَّتْ، وَمَا فَعَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ سَهْوًا لَا يَبْطُلُ كَمَا لَوْ ذَكَرَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَذَكَرَ أَحْمَدُ هَذَا الْقَوْلَ فَقَرَّبه، إِلَّا أَنَّهُ اخْتَارَ الْأَوَّلَ، وَذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ وَجْهًا، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى، لِأَنَّ الْمَزْحُومَ فِي الْجُمْعَةِ إِذَا زَالَ الزِّحَامُ، وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ فِي الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ يَتْبَعُهُ، وَيَسْجُدُ مَعَهُ، وَيَكُونُ السُّجُودُ مِنَ الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى. فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ التَّرْكُ مِنَ الْأُولَى صَارَتِ الثَّانِيَةُ أَوَّلِيَّتَهُ، وَالثَّالِثَةُ ثَانِيَتَهُ، وَالرَّابِعَةُ ثَالِثَتَهُ، وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ،
وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الثَّانِيَةِ، وَالثَّالِثَةِ، وَالرَّابِعَةِ،
فَإِنْ رَجَعَ عَمْدًا مَعَ عِلْمِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، نُصَّ عَلَيْهِ، لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ عَمْدًا،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ مَا مَضَى مِنَ الرَّكَعَاتِ قَبْلَ الْمَتْرُوكِ رُكْنُهَا،
وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: بَلَى، وَبَعْدَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ
فمتَى ترَك رُكْنًا فذَكَره بعدَ شُرُوعِه في قراءةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى، بَطلَت التى ترَكَه منِها. وهذا المذهبُ مُطْلَقًا، وعليه أكثرُ الأصحابِ، وهو مِنَ المُفْرَداتِ. وفيه وَجْهٌ؛ لا تَبْطُلُ الرَّكْعَةُ بشُروعِه في قِرَاءةِ رَكْعَةٍ أُخْرى، فمتى ذكَر قبل سُجودِ الثَّانيةِ، رجَع فسجَد للأُولَى،
وإنْ ذكَر بعد أنْ سجَد، كان السُّجودُ عن الأُولَى، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثم يقومُ إلى الثَّانيِة. ذكَرَه ابنُ تَميم وغيُره.
وقال في «المُبْهِجِ»: من ترَك رُكْنًا ناسِيًا، فذكَره حين شرَع في رُكْن آخَرَ، بَطَلَتِ الرَّكْعَةُ.
قال في «الفُروعِ»: حُكِي ذلك روايةً. وقد تقدَّم في أرْكانِ الصَّلاةِ رِوايةٌ بأنَّه إذا نَسِيَ الفاتحةَ في الأُولَى والثَّانيةِ، قرأها في الثَّالِثَةِ والرَّابِعَةِ مرَّتَيْن. وزادَ عبدُ اللهِ، في هذه الرِّوايةِ،
وإنْ ترَك القِراءةَ في الثَّلاثِ،
ثم ذكَر في الرَّابِعَةِ، فسَدَتْ صلاتُه واسْتَأْنَفَها. وذكَر ابنُ عَقِيل، إنْ نَسِيها في رَكْعَةٍ فأتَى بها فيما بعدَها مرَّتَيْن يعْتَدُّ بها، ويسْجُدُ للسَّهْوِ.
قال في «فُنونِه»: وقد أشارَ إليه أحمدُ. فعلَى المذهب؛ لو رجَع إلى الرَّكْعَةِ التى قد بَطَلَتْ عالِمًا عَمْدًا، بَطَلَتْ صلاتُه. قالَه في «الفروع» وغيره.
تنبيهان؛ أحدُهما، مُرادُه بقولِه: فمتى ترك رُكْنًا فذكَرَه بعدَ شُروعِه في قِراءةِ رَكعَة أُخْرَى. غير النِّيَّةِ، إنْ قُلْنا: هي رُكْن. وغيرُ تكْبِيرَةِ الإحْرامِ. وهو واضِحٌ. الثَّانِي، مفْهومُ قولِه: فمتى ترَك رُكْنًا فذكَره بعدَ شُروعِه في قِراءَةِ رَكْعَةٍ أخْرَى، بَطَلَت التى تركه منها. أنَّه لا يَبْطُلُ ما قبلَ تلك الرَّكْعَةِ المتْروكِ منها الرُّكْنُ، ولا تَبْطُلُ قبلَ الشُّروعِ في القِراءَةِ. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه جماهيرٌ الأصحابِ، ونصَّ عليه. وحكَاه المَجْدُ في «شَرْحِه» إجْماعًا.
وقيل: لا يَبْطُلُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَيضًا ما قبلَها. اخْتارَه ابنُ الزَّاغُونيِّ. قال ابن تَميمٍ، وابن حَمْدانَ: وهو بعيدٌ.
قوله: وإن ذكر فيَ ذلك. يعْنى، قبلَ شُروعِه في القراءَةِ، عادَ فأتَى به، وبما بعدَه. مثْلَ إن قامَ ولم يشْرَعْ في القِراءَةِ. نصَّ عليه؛ لأنَّ القيامَ غيرُ مقصُودٍ في نفْسِه؛ لأنَّه يلْزَمُ منه قدْرُ القِراءة الواجِبَةِ، وهي المقْصودَة.
ولو كان قامَ مِنَ السَّجْدَةِ وكان قد جلَس للفَصْلِ، لم يجْلِسْ له إذا أَرادَ أنْ يأْتِيَ بالسَّجْدَةِ الثَّانيِة. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ والوَجْهَيْن. والوَجْهُ الثَّانِي، يجْلِسُ للفصْلِ بينَهما أَيضًا.
قال في «الحاوِي الكَبِيرِ»: عندِي يجْلِسُ ليَأْتِي بالسَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ عن جُلوس. وهو احِتمالٌ في «الحاوِي الكَبِيرِ».
وأمَّا إذا قامَ ولم يكُنْ جلَس للفَصْلِ، جلَس له. على الصَّحِيحِ مِنَ المذهبِ.
وقال ابنُ عَقِيل في «الفُنونِ»: يحْتمِلُ جلُوسُه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وسُجودُه بلا جَلْسَةٍ. قلت: فيُعايَى بها.
ولو سجَد سجْدَةً، ثم جلَس للاسْتِراحَةِ، وقامَ قبلَ السَّجْدَةِ الثَّانيِة، لم تُجْزِئْه جَلْسَةُ الاسْتِراحَةِ عن جَلْسَةِ الفَصْلِ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقال في «الحاوِي الصَّغِيرِ»: وعندِي يُجْزِئُه. وعلَّلَه.
فصل [النقص في الصلاة] قال المصنف رحمه الله تعالى: (وأما النقص. فمتى ترك ركناً فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى بطلت التي تركه منها. وإن ذكره قبل ذلك عاد فأتى به وبما بعده. فإن لم (١) يعد بطلت صلاته.
وإن علم بعد السلام فهو كترك ركعة كاملة).
وأما كون النقص سهواً يسجد له؛ فلأن في حديث ابن مسعود:«فإذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين» رواه مسلم.
ولأن النقص سهو فيدخل في قوله عليه السلام:«إذا سها أحدكم فليسجد».
وقول الصحابي:«سها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد».
ولأنه إذا سجد للزيادة لأنها نقص في المعنى؛ فلأن يسجد في النقص صورة ومعنى بطريق الأولى.
وأما كون من ترك ركناً فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى تبطل الركعة التي تركه منها؛ فلأنه لم يمكنه أن يأتي بالركن إلى وقت تلبسه بالثانية لنسيانه أشبه المزحوم إذا لم يزل الزحام حتى ركع الإمام في الثانية وذلك مبطل للركعة التي قبلها فكذلك هاهنا.
فعلى هذا إن كان الترك من الأولى صارت الثانية أولته والثالثة ثانيته والرابعة ثالثته ويأتي برابعة.
وإن كان من الثانية أو الثالثة أو الرابعة فعلى نحو ما تقدم.
وأما كونه يعود إلى ما ذكره فيأتي به إذا ذكره قبل شروعه في قراءة ركعة أخرى؛ فلأنه أمكنه الإتيان بالركن فلزمه العود إليه والإتيان به كالمزحوم إذا أمكنه الإتيان بالركعة قبل ركوع الإمام في الثانية.
وأما كونه يأتي بما بعد ذلك؛ فلأن الترتيب واجب ولا يحصل إلا بذلك.
وأما كونه إذا لم يعد تبطل صلاته؛ فلأنه ترك الواجب عمداً.
وأما كون ترك ركن كترك ركعة كاملة إذا علم بعد السلام؛ فلأن ذكر ذلك بعد السلام كذكره بعد شروعه في قراءة ركعة تلي تلك الركعة وذلك مبطل للركعة التي قبلها فكذا هاهنا.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.