وَلَا يُشْتَرَطُ إِذْنُ الْإِمَامِ
الشروح عليها
مسألة: (ولا يُشْتَرَطُ إذْنُ الإِمامِ. وعنه، يُشْتَرَطُ) الصَّحِيحُ أنَّ إذْنَ الإِمامِ الأَعْظَمِ ليس بشَرْطٍ في صِحَّةِ الجُمُعَةِ. وبه قال الإِمامُ مالكٌ، رحِمَه اللَّهُ تعالى، والإِمامُ الشافعىُّ. والثَّانِيَةُ، هو شَرْطٌ. رُوِىَ ذلك عن الحسنِ، والأوْزاعِىِّ، وحَبِيبِ بنِ أبى ثابِتٍ، والإِمامِ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه لا يُقِيمُها إلَّا الأئِمَّةُ في كلِّ عَصْرٍ، فكان في ذلك إجْماعٌ. ولَنا، أنَّ عَلِيًّا، رَضِىَ اللَّهُ عنه، صَلَّى الجُمُعَةَ بالنَّاسِ وعثمانُ مَحْصُورٌ، فلم يُنْكِرْه أحَدٌ، وصَوَّبَ ذلك عثمانُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
فرَوَى حُمَيْدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عَدِىِّ بنِ الخِيَارِ، أنَّه دَخَل على عثمانَ وهو مَحْصُورٌ، فقال: إنَّه قد نَزَل بك ما تَرَى وأنت إمامُ العَامَّةِ. فقال: الصلاةُ مِن أحْسَنِ ما يَعْمَلُ النَّاسُ،
فإذا أحْسَنُوا فأحْسِنْ معهم، وإذا أساءُوا فاجْتَنِبْ إساءَتَهُم. أخْرَجَه البُخارِىُّ ، والأثْرَمُ. وهذا لَفْظُه.
وقال الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ تعالى: وَقَعَتِ الفِتْنَةُ بالشَّامِ تِسْعَ سِنِين، فكانوا يُجَمِّعُون. ولأنَّها مِن فَرائِضِ الأعْيانِ، فلم يُشْتَرَطْ لها إذْنُ الإِمامِ، وما ذَكَرُوه إجْمَاعًا لا يَصِحُّ،
فإنَّ النَّاسَ يُقِيمُونَ الجَماعاتِ في القُرَى مِن غيرِ اسْتِئْذانِ أحَدٍ، ثمَّ لو صَحَّ أنَّه لم يَقَعْ إلَّا ذلك لَكان إجْماعًا على جَوازِ ما وَقَع، لا على تَحْرِيمِ غيرِه، كالحَجِّ يَتَوَلَّاه الأئِمَّةُ، وليس شَرْطًا فيه.
فإن قُلْنا: هو شَرْطٌ. فلم يَأْذَنِ الإِمامُ، لم تَجُزْ إقامَتُها، وصَلَّوْا ظُهْرًا.
وإن أَذِنَ في إقامَتِها ثمَّ مات بَطَل إذْنُه.
فإن صَلَّوْا، ثمَّ بان أنَّه مات قبلَ صلاتِهم، فهل تُجْزِئُهم صَلاُتهم؟ على رِوَايَتيْن؛ أصَحُّهما، أنَّها تُجْزِئُهم؛ لأنَّ المسلمين في الأمْصارِ النَّائِيَةِ عن بَلَدِ الإِمامِ لا يُعِيدُون ما صَلَّوْا مِن الجُمُعَاتِ بعدَ مَوْتِه، ولا نَعْلَمُ أحَدًا أنْكَرَ ذلك عليهم، فكان إجْماعًا. ولأنَّ وُجُوبَ الإِعادَةِ يَشُقُّ؛ لعُمُومِه في أكْثَرِ البُلْدانِ.
وإن تَعَذَّرَ إذْنُ الإِمامِ لفِتْنَةٍ، فقال القاضى: ظاهِرُ كلامِه صِحَّتُها بغيرِ إذْنٍ، على كِلْتَا الرِّوايَتَيْن. فعلى هذا إنَّما يَكُونُ الإِذْنُ مُعْتَبَرًا عندَ إمْكانِه، ويسْقُطُ بتَعَذُّرِه.
(وَلَا يُشْتَرَطُ إِذْنُ الْإِمَامِ) فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا صَلَّى بِالنَّاسِ، وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ، وَصَوَّبَهُ عُثْمَانُ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ، وَلِأَنَّهَا فَرْضُ الْوَقْتِ، أَشْبَهَتِ الظُّهْرَ.
قَالَ أَحْمَدُ: وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بِالشَّامِ تِسْعَ سِنِينَ، فَكَانُوا يُجَمِّعُونَ
لا زيادة له على هذه المسألة.
ولا يُشْترَطُ إذْنُ الإِمامِ. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وعنه، يُشْتَرَطُ. وعنه، يُشْتَرطُ إنْ قدَر على إذْنِه، وإلَّا فلا. قال فى «الإِفاداتِ»: تصِحُّ بلا إذْنِ الإِمامِ مع العَجْزِ عنه.
وعنه، يُشْترَطُ لوُجوبِها لا لجَوازِها. ونقَل أبو الحارِث، والشَّالَنْجِىُّ، إذا كان بينَه وبينَ المِصْرِ قَدْرُ ما يَقْصُرُ فيه الصَّلاةَ، جَمَّعُوا ولو بلا إذْنٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: حيثُ قُلْنا: يُشْتَرطُ إذْنُه.
فلو ماتَ، ولم يُعْلَمْ بمَوْتِه إلَّا بعدَ الصَّلاةِ، لم تلْزَمِ الإعادةُ، على أصحِّ الرِّوايتَيْن للمَشَقَّةِ. قال ابنُ تَميمٍ: هذا أصحُّ الرِّوايتَيْن. وصحَّحَهما فى «الحَواشِى».
وعنه، عليهمُ الإعادةُ؛ لبَيانِ عدَمِ الشَّرْطِ. اخْتارَه أبو بَكْرٍ. قال فى «التَّلْخيصِ»: ومع اعْتِبارِه فلا تُقامُ إذا ماتَ، حتى يُبايَعَ عِوَضُه. وأطْلَقَهما قي «الفُروعِ».
قال فى «الرِّعايَةِ»: وإنْ عُلِمَ موْتُه بعدَ الصَّلاةِ، ففى الإعادةِ رِوايَتان.
وقيل: مع اعْتِبارِ الإِذْنِ. وقيل: إنِ اعْتَبَرْنا الإِذْنَ أعادُوا، وإلَّا فلا.
وقيل: إنِ اعْتُبِرَ إذْنُه فماتَ، لم تُقَمْ حتى يُبايَعَ عِوَضُه.
فائدتان؛ إحْداهما، لو غلَب الخَوارِجُ على بلَدٍ، فأَقاموا فيه الجُمُعَةَ، فنَصَّ أحمدُ على جَوازِ اتِّباعِهم. قالَه ابنُ عَقِيلٍ.
قال القاضى: ولو قُلْنا: مِن شَرْطِها فَصْلٌ: وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِى الْأُولَى بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ، وَفِى الثَّانِيَةِ الإِمامُ، إذا كان خُروجُهم بتَأْويلٍ سائغٍ.
وقال ابنُ أبِى موسى: إذا غلَب الخارِجِىُّ على بَلَدٍ، وصلَّى فيه الجُمُعَةَ، أُعِيدَتْ ظُهْرًا. الثَّانيةُ، إذا فرَغ مِنَ الخُطْبَةِ نزَل، وهل ينْزِلُ عندَ لفْظةِ الإِقامَةِ، أو إذا فرَغ بحيثُ يصِلُ إلى المِحْرابِ عندَ قولِها؟ يحْتَمِلُ وَجْهَيْن. قالَه فى «التَّلْخيصِ». وتَبِعَه فى «الفُروعِ»، وابنُ تَميمٍ فى أوَّلِ صفَةِ الصَّلاةِ؛ أحدُهما، ينْزِلُ عندَ لفْظِ الإِقامَةِ. قدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن». والثَّانى، ينْزِلُ عندَ فَراغِه.
قال: (ولا يشترط إذن الإمام. وعنه يشترط) .
أما كون إذن الإمام لا يشترط لصحة الجمعة على روايةٍ فـ «لأن علياً رضي الله عنه صلى بالناس وعثمان رضي الله عنه محصور».
ولأنها من فرائض الأعيان فلم يعتبر لها إذن الإمام كالظهر.
وأما كونه يشترط على روايةٍ؛ فلأن الجمعة من أعلام الدين الظاهرة التي لا تحصل بالواحد فافتقرت إلى إذن الإمام كالجهاد.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.