فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K
المسألة ٧٣٩المقنعالحنابلةج ٢ ص ١٧٢ج ٢ ص ١٧٢

وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهُ عِنْدَ مُضِيِّهِ إِلَيْهَا وَيَتَنَظَّفَ وَيَتَطَيَّبَ وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ وَيُبَكِّرَ إِلَيْهَا مَاشِيًا وَيَدْنُوَ مِنَ الْإِمَامِ وَيَشْتَغِلَ بِالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَيَقْرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِهَا

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

رَحِمَه اللَّهُ: (ويُسْتَحَبُّ أن يَغْتَسِلَ للجُمُعَةِ في يَوْمِها، والأفْضَلُ فِعْلُه عندَ مُضِيِّه إليها) لا خِلافَ في اسْتِحْبابِ غُسْلِ الجُمُعَةِ، وفيه أحاديثُ صَحِيحَةٌ؛ منها ما روَى سَلْمَانُ الفارِسِىُّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، ويَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ، فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّى مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى».

رَواه البُخارىُّ . ومنها قَوْلُه عليه السَّلامُ:«غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ واجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». وقولُه:«مَنْ أَتَى مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ». مُتَّفَقٌ عليهما . وليس الغُسْلُ واجِبًا في قَوْلِ أكثرِ أهلِ العِلْمِ. قال التِّرْمِذىُّ: العَمَلُ على هذا عندَ أهلِ العِلْمِ مِن أصحابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ومَن بعدَهُم؛ منهم مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ. وحَكاه ابنُ عبدِ البَرِّ إجْماعًا. وعن أحمدَ، أنَّه واجِبٌ. رُوِىَ ذلك عن أبى هُرَيْرَةَ، وعَمْرِو بنِ سُلَيْمٍ.

وقاوَلَ عَمَّارُ بنُ يَاسِر رجلًا، فقال: أنا إذًا أشَرُّ مِمَّن لا يَغْتَسِلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ. ووَجْهُه ما ذَكَرْنا مِن النُّصُوصِ. ولَنا، ما روَى سَمُرَةُ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ تَوَضَّأ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَل فَالْغُسْلُ أفْضَلُ». رَواه النَّسَائِىّ، والتِّرْمِذىّ ،

٤٬٧٢٢

وقال: حديثٌ حسنٌ. وعن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ تَوَضَّأ فَأحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أتَى الْجُمُعَةَ، وَاسْتَمَعَ وَأنصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَا فَقَدْ لَغَا». مُتَّفَقٌ عليه . وحَدِيثُهم مَحْمُولٌ على تَأْكِيدِ النَّدْبِ، ولذلك ذَكَر في سِياقِه: «وَسِوَاكٌ، وَأنْ يَمَسَّ طِيبًا». كذلك رَواه مسلمٌ والسِّوَاكُ، وَمَسُّ الطِّيبِ، لا يَجِبُ. وقالَتْ عائشةُ، رضى اللَّهُ عنها، وعن أبيها: كان النّاسُ مِهْنَةَ أنْفُسِهم، وكانوا يَرُوحُونَ إلى الجُمُعَةِ بهَيْئَتِهِم، فتَظْهَرُ لهم رائِحةٌ، فَقيلَ لهم: لو اغْتَسَلْتُمْ.

رَواه مسلمٌ بنَحْوِ هذا المَعْنَى . والأفْضَلُ أن يَفْعَلَه عندَ مُضِيِّه إليها؛ لأنَّه أبلَغُ في المَقْصُودِ، وفيه خُروجٌ مِن الخِلافِ.

فصل. ومتى اغْتَسَلَ بعدَ طُلُوعِ الفَجْرِ أجْزَأ،

٤٬٧٢٣

وإن اغْتَسلَ قبلَه لم يُجْزِئْه. وهذا قولُ مُجاهِدٍ، والحسنِ، والنَّخعىِّ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ. وحُكىَ عن الأوْزاعِى أنَّه يُجْزِئُه الغُسْلُ قبلَ الفَجْرِ. وعن مالكٍ: لا يُجْزِئُه الغُسْلُ إلَّا أن يَتَعَقَّبَه الرَّواحُ. ولَنا، قولُه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ». واليَوْمُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ.

٤٬٧٢٤

وإن اغْتَسَلَ، ثم أحْدَثَ أجْزَأَه الغُسْلُ وكَفاهُ الوُضُوءُ. وهذا قولُ الحسنِ، ومالكٍ، والشافعىِّ. واسْتَحَبَّ طَاوس، والزُّهْرِىُّ، وقَتادَةُ، ويَحْيَى بنُ أبى كَثيرٍ إعادَةَ الغُسْلِ. ولَنا، أنَّه اغْتَسَلَ في يَوْمِ الجُمُعَةِ، أشْبَهَ مَن لم يُحْدِثْ، والحَدَثُ إنَّما يُؤَثِّرُ في الطهارةِ الصُّغْرَى، ولأنَّ المقْصُودَ مِن الغُسْل. التَّنّظِّفُ وإزالَةُ الرائِحَةِ، وذلك لا يُؤثِّرُ فيه الحَدَثُ، ولأنَّه غُسْلٌ فلم يُؤَثِّرْ فيه الحَدَثُ الأصْغَرُ، كغُسْلِ الجَنَابَةِ.

فصل: ويَفْتَقِرُ الغُسْلُ إلى النِّيَّةِ، لأنَّه عِبادَةٌ، فافْتَقَرَ إلى النِّيَّةِ، كتَجْدِيدِ الوُضُوءِ.

٤٬٧٢٥

وإنِ اغْتَسَلَ للجُمُعَةِ والجَنابَةِ غُسْلًا واحِدًا ونَواهُما أجْزَأَه، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّهُما غُسْلان اجْتَمَعا، فأشْبَها غُسْلَ الحَيْضِ والجَنابَةِ.

٤٬٧٢٦

وإنِ اغْتسَلَ للجَنَابَةِ، ولم يَنْوِ غُسْلَ الجُمُعَةِ، ففيه وِجْهان؛ أحَدُهما، لا يُجْزِئُه، لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَإنَّما لِامْرِئٍ مَا نوَى». ورُوِىَ عن ابنٍ لأبى قَتادَةَ، أنَّه دَخَل عليه يَومَ الجُمُعَةِ مُغْتَسِلًا، فقال: للجُمُعَةِ اغْتَسَلْتَ؟ قال: لا، ولكن للجَنابَةِ. قال: فأعِدْ غُسْلَ الجُمُعَةِ . والثانى، يُجْزِئُه؛ لأنَّه مُغْتَسِلٌ، فيَدْخُلُ في عُمومِ الحَديثِ، ولأنَّ المَقْصُودَ التنظِيفُ، وقد حَصَل، ولأنَّه قد رُوِىَ في الحديثِ:«مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ».

فصل: ومَن لا يأْتِى الجُمُعَةَ فلا غُسْلَ عليه. قال أحمدُ: ليس على النِّساءِ غُسْلُ يومِ الجُمُعَةِ؛ وعلى قِياسِهِنَّ الصِّبْيَانُ والمُسافِرُونَ. وكان ابنُ عمرَ لا يَغْتَسِلُ في السَّفَرِ، وكان طَلْحَةُ يَغْتَسِلُ. ورُوِىَ عن مُجْاهِدٍ، وطَاوُسٍ اسْتِدْلَالًا بعُمُومِ الأَحادِيثِ المذْكُورَةِ. ولَنا، قولُه عليه السَّلامُ:«مَنْ أتَى الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ». ولأنَّ المَقْصُودَ التنظِيفُ وقَطْعُ الرَّائِحَةِ؛ لِئلَّا يَتأذَّى غيرُه به، وذلك مُخْتَصٌّ بحُضُورِ الجُمُعَةِ، والأخْبارُ العامَّةُ تُحْمَلُ على هذا؛ ولذلك يُسَمَّى غُسْلَ الجُمُعَةِ،

٤٬٧٢٧

ومَن لا يَأْتِيها فليس غُسْلُه غُسْلَ الجُمُعَةِ.

٤٬٧٢٨

فإن أتَاها من لا تَجِبُ عليه اسْتُحِبَّ له الغُسْلُ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، ووُجُودِ المَعْنَى فيه.

٦٦٣ - مسألة: (ويَتَنَظَّف، ويَتَطَيَّبَ، ويَلْبَسَ أحْسَنَ ثِيابِهِ) التَّنظُّفُ والتَّطَيُّبُ والسِّوَاكُ مَنْدُوبٌ إليه؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِب عَلَى كُلِّ مُحْتلم، وَسِوَاكٌ، وَأنْ يَمَسَّ طِيبًا».

٤٬٧٢٩

ويُسْتَحَبُّ أن يَدَّهِنَ، ويَتَنَظَّفَ ما اسْتَطاعَ بأخْذِ الشَّعَرِ، وقَطْعِ الرَّائِحَةِ؛ لحديثِ سَلْمَانَ الذى ذَكَرْناه .

٤٬٧٣٠

ويُسْتَحَبُّ أن يَلْبَسَ ثَوْبَيْن نَظِيفَيْن؛ لِما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَام، أنَّه سمِع النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في يَوْمِ الجُمُعَةِ، يَقُولُ:«مَا عَلَى أحَدِكُمْ لَوِ اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ لِيَومِ جُمُعَتِهِ سِوَى ثَوْبَى مِهْنَتِه». رَواه مسلمٌ . وعن أبى أيُّوبَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقُولُ:«مَنِ اغْتَسَلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إنْ كَانَ لَهُ، وَلَبِسَ مِنْ أحْسَنِ ثِيَابِهِ، ثُمَّ خرَجَ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ حَتَّى أتَى المَسْجِدَ، فَيَرْكَعُ إنْ بَدَا لَهُ، وَلَمْ يُؤْذِ أحَدًا، ثُمَّ أنْصَتَ إذَا خَرَجَ إمَامُهُ حَتَّى يُصَلِّى، كَانتْ كَفَّارَةَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى».

رَواه الإِمامُ أحمدُ . وأفْضَلُها البَياضُ؛ لقولِه عليه الصلاةُ والسَّلامُ:«خَيْرُ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضُ أَلْبِسُوهَا أحْيَاءَكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ». والإِمَامُ في هذا ونَحْوِه آكَدُ؛ لأنَّه المَنْظُورُ إليه مِن بينِ النَّاسِ.

٦٦٤ - مسألة: (ويُيَكِّرَ إليها ماشِيًا، ويَدْنُوَ مِن الإِمامِ) للسَّعْى إلى الجُمُعَةِ وَقْتانِ؛ وَقْتُ وُجُوبٍ، ووَقْتُ فَضِيلَةٍ، وقد ذَكَرْنا وقتَ الوُجُوبِ.

٤٬٧٣١

وأمَّا وقتُ الفَضِيلَةِ فمِن أوَّلِ النَّهارِ، فكُلَّما كان أبْكَرَ كان أوْلَى وأفْضَلَ. وهذا مَذْهَبُ الأَوْزاعِىِّ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى، وابنِ المُنْذِرِ.

٤٬٧٣٢

وقال مالكٌ: لا يُسْتَحَبُّ التبكِيرُ قبلَ الزَّوالِ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ رَاحَ إلَى الْجُمُعَةِ». والرَّوَاح بعدَ الزَّوالِ، والغُدُوُّ قبلَه، قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «غَدْوَةٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ رَوْحَة خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيها». قال امْرُؤُ القَيْسِ : * تَرُوحُ مِنَ الحَىِّ أمْ تَبْتَكِرْ * ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثمَّ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الأُولَى، فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى الثَّانِيَةِ، فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَيْضةً، فَإذَا خَرَجَ الإمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْمَعُونَ الذِّكْرَ».

مُتَّفَقٌ عليه . وقال عَلْقَمَةُ: خَرَجْتُ مع عبدِ اللَّه، إلى الجُمُعَةِ، فوَجَدَ ثَلَاثةً قد سَبَقُوه، فقال: رابعُ أرْبَعَةٍ، وما رابعُ أرْبَعَةٍ ببَعِيدٍ، إنِّى سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَقُولُ:«إنَّ النَّاسَ يَجْلِسُون مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ رَوَاحِهِمْ إلَى الْجُمُعَةِ». رَواه ابنُ ماجه . ورُوِىَ أن النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ واغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا أجْرُ سَنَةٍ، صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا».

أخْرَجَه التِّرْمِذىُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ. ورَواه ابنُ ماجه، والنَّسَائِىُّ وفيه: «وَمَشَى وَلَمْ يَركَبْ، ودَنَا مِن الإِمَامِ، وَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ». قولُه:«بَكَّرَ» أى خرَج في بُكْرَةِ النَّهارِ، وهو أوَّلُه. وقولُه:«وابْتَكَرَ» أى بالَغَ في التبكِيرِ، أى جاء في أوَّل البُكْرَةِ،

على ما قال امْرُؤُ القَيْسِ:

* تَرُوحُ مِنَ الحَىِّ أمْ تَبْتَكِرْ *

٤٬٧٣٣

وقِيلَ: مَعْناه ابْتَكَرَ العِبادَةَ مع بُكُورِه.

٤٬٧٣٤

وقِيلَ: ابْتَكَرَ الخُطْبَةَ. أى حَضَر الخُطْبَةَ، مَأخُوذٌ مِن باكُورَةِ الثَّمرَةِ، وهى أوَّلُها. وغيرُ هذا أجْوَدُ، لأنَّ مَن جاء في بُكْرَةِ النَّهَارِ لَزِم أن يَحْضُرَ أوَّلَ الخُطْبَةِ. وقولُه:«غسَّلَ» أى جامَعَ ثم اغْتَسَلَ. يَدُلُّ على هذا قولُه في الحديثِ الآخَرِ:«مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ». قال الإِمامُ أحمدُ: قولُه: «غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ». مُشَدَّدَةً، يُرِيدُ يُغَسِّلُ أهْلَه. وغيرُ واحِدٍ مِن التَّابِعِينَ، عبدُ الرحمنِ بنُ الأسْوَدِ، وهِلَالُ بنُ يَساف ، يَسْتَحِبُّونَ أن يُغَسِّل الرجلُ أهْلَه يَوْمَ الجُمُعَةِ، يُرِيدُونَ أن يَطَأَ؛

لأنَّ ذلك أمْكَنُ لنَفْسِه، وأغَضُّ لطَرْفِه في طَرِيقِه.

٤٬٧٣٥

وقال الخَطَّابِىُّ : المُرادُ به غَسَّل رَأسَه واغْتَسَلَ في بَدَنِه. وحُكِى ذلك عن ابنِ المُباركِ. فعلى هذا يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِه:«غُسْلَ الْجَنَابَةِ». أى كغُسْلَ الجَنابَةِ.

٤٬٧٣٦

فأمَّا قوْلُ مالكٍ، فمُخالِفٌ للآثارِ؛ لأنَّ الجُمُعَةَ مُسْتَحَبٌ فِعْلُها عندَ الزَّوالِ، وكان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُبَكِّرُ بها،

٤٬٧٣٧

ومتى خَرَجَ الإِمامُ طُوِيَتِ الصُّحُفُ، فلم يُكْتَبْ مَن أتَى الجُمُعَةَ بعدَ ذلك، فأىُّ فَضِيلَةٍ لهذا؟

٤٬٧٣٨

فإن أخَّرَ بعدَ ذلك شَيْئًا دَخَل في النَّهْى والذَّمِّ، كما قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- للذى جاء يَتَخَطَّى رِقابَ النَّاسِ:«أَرَأَيتَكَ؟ آنيْتَ وَآذَيْتَ». أى أخَّرْتَ المَجِئَ.

٤٬٧٣٩

وقال عمرُ لعثمانَ حينَ جاء والإِمامُ يَخْطُبُ: أيَّةُ ساعَةٍ هذه؟ على وَجْهِ الإِنْكارِ. فكيف يَكُونُ لهذا بَدَنَةٌ، أو بَقَرَةٌ، أو فَضْلٌ؟ فعلى هذا، مَعْنى قولِه:«رَاحَ إلى الْجُمُعَةِ». أى ذَهَب إليها. لا يَحْتَمِلُ غيرَ هذا.

فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَمْشِىَ ولا يَرْكَبَ في طَرِيقِها؛ لقولِه عليه الصلاةُ والسَّلامُ:«وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ». لأنَّ الثَّوابَ على الخُطُواتِ، بدَلِيلٍ ما ذَكَرْناه مِن الحديثِ. ويَكُونُ عليه السَّكِينَةُ والوَقَارُ في مَشْيهِ، ولا يُسْرِعُ؛ لأنَّ الماشِىَ إلى الصَّلاةِ في صلاةٍ، ولا يُشَبِّكُ بينَ أصَابِعِه، ويُقارِبُ بينَ خُطاه؛ لتَكْثُرَ حسَناتُه. وقد رَوَيْنَا عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه خَرَج مع زيدِ بنِ ثابِتٍ إلى الصَّلاةِ، فقارَبَ بينَ خُطَاهُ، ثم قال:«إنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ خُطَانَا فِى طَلَبِ الصَّلَاةِ».

ورُوِىَ عن [عبدِ اللَّه] بنِ رَوَاحَةَ، أنَّه كان يَمْشِى إلى الجُمُعَةِ حافِيًا، ويُبَكِّرُ، ويَقْصُرُ في مَشْيِه. رَواهُما الأثْرَمُ . ويُكْثِرُ ذِكْرَ اللَّهِ، ويَغُضُّ طَرْفَه، ويَقُولُ ما ذَكَرْنا في أدَبِ المَشْى إلى الصَّلاةِ. ويقولُ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِى مِنْ أوْجَهِ مَنْ تَوَجَّهَ إلَيْكَ، وَأقْرَبِ مَنْ تَوَسَّلَ إلَيْكَ، وَأفْضَلِ مَنْ سَألَكَ وَرَغِبَ إلَيْكَ» . ورَوَيْنا عن بعضِ الصحابةِ، أنَّه مَشَى إلى الجُمُعَةِ حَافِيًا، فسُئِلَ عن ذلك. فقال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ:«مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، حَرَّمَهُمَا اللَّهُ عَلَى النَّارِ».

فصل: ويَجِبُ السَّعْىُ إلى الجُمُعَةِ، سَواءٌ كان مَن يُقِيمُها عَدْلًا أو فاسِقًا، سُنِّيًّا أو مُبْتَدِعًا. نَصَّ عليه الإِمامُ أحمدُ في رِوايَةِ عباسِ ابنِ عبدِ العَظِيمِ. وقد سُئِلَ عن الصَّلاةِ خلفَ المُعْتزِلَةِ،

٤٬٧٤٠

فقال: أمَّا الجُمُعَةُ فَيَنْبَغِى شُهُودُها. قال شيخُنا : ولا أعْلَمُ في هذا خِلافًا. وذلك لعُمُومِ قَوْلِه تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ}.

٤٬٧٤١

ولقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فَمَنْ تَرَكَهَا فِى حَيَاتِى أوْ بَعْدَ مَمَاتِى وَلَهُ إمَامٌ جَائِرٌ أوْ عَادِلٌ، اسْتِخْفَافًا بِهَا [أوْ جُحُودًا بِهَا]، فَلَا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ» . ولأنَّه إجْماعُ الصحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم،

٤٬٧٤٢

فإنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ، وغيرَه مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كانُوا يَشْهَدُونَها مع الحَجَّاجِ ونُظَرائِه، ولم يُسْمَعْ عن أحدٍ منهم التَّخَلُّفُ عنها. ولأنَّ الجُمُعَةَ مِن أعْلامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ، ويَتَوَلَّاهَا الأئِمَّةُ أو مَن وَلَّوْة، فتَرْكُها خَلْفَ مَن هذه صِفَتُه يُفْضِى إلى سُقُوطِها. إذا ثَبَت هذا فإنَّها تُعادُ خلفَ مَن تُعاد خلفَه بَقِيَّةُ الصلواتِ. نَصَّ عليه الإِمامُ أحمدُ، في رِوايَةِ عباسِ ابنِ عبدِ العَظيمِ.

٤٬٧٤٣

وعنه رَوايَة أُخْرَى، أنَّها لا تُعَادُ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ مِن حالِ الصحابةِ، رَضىَ اللَّهُ عنهم، أنَّهُم لم يَكُونُوا يُعِيدُونَها؛ لأنَّهُم لم يُنْقَلْ ذلك عنهم، وقد ذَكَرْنا ذلك في بابِ الإِمَامَةِ.

فصل: ويُسْتَحَبّ الدُّنُوُّ مِن الإِمامِ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَدَنَا مِنَ الإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ». وعن سَمُرَةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«احْضَرُوا الذِّكْرَ، وادْنُوا مِنَ الإِمَامِ، فَإنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ يَتَبَاعَد حَتَّى يُؤَخَّرَ فِى الجَنَّةِ». رَواه أبو داودَ ، ولأنَّه أمْكَن له مِن السَّماعِ.

٦٦٥ - مسألة: (ويَشْتَغِلَ بالصلاةِ والذِّكْرِ، ويقْرأَ سُورَةَ الكَهْفِ في يَوْمِها، ويُكْثِرَ الدُّعاءَ، والصلاةَ على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-) إذا حَضَر قبلَ الخُطْبَةِ اشْتَغَلَ بالصلاةِ، وذِكْرِ اللَّهِ تعالى، لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَاعْلَمُوا أنَّ مِنْ خَيْرِ أعْمَالِكُمُ الصَّلَاةَ». وَيقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ في يَوْم الجُمُعَةِ؛ لِما رُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَهُوَ مَعْصُومٌ إلَى ثَمَانِيَةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ، وَإنْ خَرَجَ الدَّجَّالُ عُصِمَ مِنْهُ».

رَواه زَيْدُ بنُ على في كِتابِه بإسْنادِه. وعن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الكَهْفِ فِى يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَطَعَ لَهُ نُورٌ مِنْ تَحْتِ قَدَمِه إلى عَنَانِ السَّمَاءِ، يُضِئُ بِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَغُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْن».

٤٬٧٤٤

ويُسْتَحَبُّ أن يُكْثِرَ مِن الصَّلاةِ على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، لِما رُوِىَ عن أبى الدَّرْدَاءِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَىَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ فَإنَّهُ مَشْهُود تَشْهَدُهُ المَلَائِكَةُ». رَواه ابنُ ماجه . وعن أوْسِ بنَ أوْسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أفْضَلُ أيَّامِكُمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قبضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأكْثِرُوا عَلَىَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَىَّ».

قالُوا: يا رسولَ اللَّهِ: كيفَ تُعْرَضُ صَلاتُنا عليك وقد أَرمْتَ؟ أى بَلِيتَ. قال:«إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى الأرْضِ أجْسَادَ الأنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ». رَواه أبو داودَ .

فصل: ويُسْتَحَبُّ الإِكْثَارُ مِن الدُّعاءِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، لَعَلَّه يُوافِقُ ساعَةَ الإِجابَةِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكَر يومَ الجُمُعَةِ، فقالَ:«فِيهِ سَاعَة لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّى، يَسْألُ اللَّهَ شَيْئًا، إلَّا أعْطَاهُ إِيَّاهُ».

تعليق

وأشارَ بيَدِه يقَلِّلُهَا، وفى لَفْظٍ:«وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّى». مُتَّفَقٌ عليه . واخْتُلِفَ في تلك السَّاعَةِ، فقال عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ، وطَاوسٌ، هى آخِرُ ساعَةٍ في يَوْمِ الجُمُعَةِ. وفَسَّرَ عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ الصلاةَ بانْتِظارِها، بقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- «إنَّ الْعَبْدَ المُؤْمِنَ إذَا صلَّى، ثُمَّ جَلَسَ لا يُجْلِسُهُ إلَّا الصَّلَاةُ، فَهُوَ فِى صَلَاةٍ». رَواه ابنُ ماجه . ورُوِىَ هذا القولُ مَرْفُوعًا. فعلى هذا يَكُونُ القِيامُ بِمَعْنى المُلازَمَةِ والإِقامَةِ، كقَوْلِه تعالى:{إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا}.

وعن أنَسٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال:«الْتَمِسُوا السَّاعَةَ الَّتِى تُرْجَى فِى يَوْمِ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ إلَى غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ». أخْرَجَه التِّرْمِذىُّ .

٤٬٧٤٥

وقِيلَ: هى ما بينَ أن يَجْلِسَ الإِمامُ إلَى أنْ تَنْقَضِى الصلاةُ؛ لِما روَى أبو مُوسى، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يقولُ:«هِىَ مَا بَيْنَ أنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إلَى أنْ يَقْضِىَ الإِمَامُ الصَّلَاةَ». رَواه مسلمٌ . وعن عَمْرِوٍ بنِ عَوْفٍ المُزَنِىِّ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال:«إنَّ فِى الْجُمُعَةِ سَاعَة، لَا يَسْأَلُ اللَّهَ العَبْدُ فِيهَا شَيْئًا إلَّا آتَاهُ اللَّهُ إيَّاهُ». قالُوا: يا رسولَ اللَّهِ أيَّةُ سَاعَةٍ هى؟

قال:«حِينَ تُقَامُ الصَّلَاةُ إِلَى الانْصِرَافِ مِنْهَا». رَواه ابنُ ماجه، والتِّرْمِذىُّ ،

٤٬٧٤٦

وقال: حدِيثٌ حسنٌ غَرِيبٌ. فعلى هذا تكونُ السَّاعَةُ مُخْتَلِفَةً، فتكونُ في حَقِّ كلِّ قَوْمٍ في وَقْتِ صلاتِهم.

٤٬٧٤٧

وقِيلَ: هى ما بينَ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ،

٤٬٧٤٨

ومِن العَصْرِ إلى غُرُوبِها. وقِيلَ: هى السَّاعَةُ الثَّالِثَةُ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: قِيلَ للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: لأىِّ شئٍ سُمِّىَ يَوْمُ الجُمُعَةِ؛ قال:«لأنَّ فِيهَا طُبِعَتْ طِينَةُ أبِيكَ آدَمَ، وَفِيهَا الصَّعْقَةُ وَالْبَعْثَةُ، وَفِيهَا الْبَطْشَةُ، وَفِى آخِرِ ثَلَاثِ سَاعَاتٍ مِنْهَا مَنْ دَعَا اللَّهَ فِيهَا اسْتُجِيبَ لَهُ». رَواه الإِمامُ أحمدُ .

٤٬٧٤٩

وقال كَعْبٌ: لو قَسَّمَ الإِنْسَانُ جُمُعَةً في جُمَعٍ أتَى على تلك السَّاعَةِ.

٤٬٧٥٠

وقِيلَ: هى مُتَنقِّلَةٌ في اليَوْمِ.

٤٬٧٥١

وقال ابنُ عمرَ: إنَّ طَلَبَ حاجَةٍ في يَوْمٍ لَيَسِيرٌ.

٤٬٧٥٢

وقِيلَ: أخْفَى اللَّهُ تعالى هذه السَّاعَةَ ليَجْتَهدَ العِبادُ في طَلَبِها، وفى الدُّعاءِ في جَمِيعِ اليَوْمِ، كما أخْفَى لَيْلَةَ القَدْرِ في رمضانَ، وأَوْلِياءَه في النَّاسِ، ليَحْسُنَ الظَّنُّ بجَمِيعِ الصَّالِحينَ. ٦٦٦ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهُ عِنْدَ مُضِيِّهِ إِلَيْهَا) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْمَقْصُودِ، وَفِيهِ خُرُوجٌ مِنَ الْخِلَافِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: مَنْ لَهُ زَوْجَةٌ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُجَامِعَ ثُمَّ يَغْتَسِلَ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِلْخَبَرِ (وَيَتَنَظَّفَ وَيَتَطَيَّبَ) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ بِدُهْنٍ، وَيَمَسُّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

قَوْلُهُ:«وَيَمَسُّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ» يَعْنِي مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ، وَخَفِيَ رِيحُهُ لِتَأَكُّدِ الطِّيبِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ خِلَافُهُ (وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ) لِوُرُودِهِ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ، وَأَفْضَلُهَا الْبَيَاضُ، وَيَعْتَمَّ، وَيَرْتَدِيَ (وَيُبَكِّرَ إِلَيْهَا) وَلَوْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِالصَّلَاةِ فِي مَنْزِلِهِ (مَاشِيًا) لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «وَمَشَى، وَلَمْ يَرْكَبْ» ، وَيَكُونُ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي،

٤٬٧٤٩

وَقِيلَ: بَعْدَ صَلَاتِهِ، لَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَا بَعْدَ الزَّوَالِ،

٤٬٧٥٠

فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ فَلَا بَأْسَ بِالرُّكُوبِ كَالْعَوْدِ (وَيَدْنُوَ مِنَ الْإِمَامِ) مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ:«مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الْإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا أَجْرُ سَنَةٍ، عَمَلُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ.

[اسْتِحْبَابُ الِاشْتِغَالِ بِالدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] (وَيَشْتَغِلَ بِالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ) وَالْقِرَاءَةَ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَحْصِيلِ الْأَجْرِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ سَامِعٍ لِلْخُطْبَةِ بِأَنْ يَحْضُرَ قَبْلَهَا، أَوْ فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ (وَيَقْرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِهَا) لِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ» رَوَاهُ سَعِيدٌ مَوْقُوفًا،

٤٬٧٥١

وَقَالَ: مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ. زَادَ أَبُو الْمَعَالِي وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ «أَوْ لَيْلَتَهَا» ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَتِهِ وُقِيَ فِتْنَةَ الدَّجَّالِ»

الإنصافالمرداوي

ويتنَظَّفَ، ويتطَيَّبَ، ويلْبَسَ أحْسنَ ثِيابِه. بلا نِزاعٍ. قال فى «الرِّعايَةِ»: وأفْضَلُها البَياضُ. وقد تقدَّم فى آخِرِ سَتْرِ العَوْرَةِ، أنه يُسَنُّ لُبْسُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

البَيَاضِ مُطْلَقًا. وَيُبَكِّرَ إِلَيْهَا مَاشِيًا، وَيَدْنُوَ مِنَ الإِمَامِ، ويُبكِّرَ إليها ماشِيًا. المُسْتَحَبُّ أنْ يكونَ بعدَ طُلوعِ الفَجْرِ. على . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقيل: المُسْتَحَبُ أنْ يكونَ بعدَ صلاةِ الفجرِ.

٨٬٦٠٨

وقال أبو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المَعالِى: لا يُسْتَحَبُّ للإِمامِ التَّبْكيرُ إليها.

٨٬٦٠٩

فائدة: يجِبُ السَّعْىُ إليها بالنِّداءِ الثَّانى، وهو الذى بينَ يدَىِ المِنْبَرِ. على . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وعنه، يجِبُ بالنِّداءِ الأوَّلِ. قال بعضُهم: لسُقوطِ الفَرْض به.

٨٬٦١٠

وقيل: لأنَّ عُثْمانَ سَنَّه، وعَمِلَتْ به الأُمَّةُ. وخرَّج رِوايةً، تجِبُ بالزَّوالِ.

٨٬٦١١

تنبيه: محَلُّ الخِلافِ، فى مَن مَنْزِلُه قريبٌ،

٨٬٦١٢

أمَّا مَن منْزِلُه بعيدٌ، فيَلزَمُه السَّعْىُ فى وَقْتٍ يُدْرِكُها كلَّها، إذا عَلِمَ حُضورَ العدَدِ، ويكونُ السَّعْىُ بعدَ طُلوعِ الفَجْرِ لا قبلَه. قال القاضى فى «الخِلافِ»، وغيرِه: إنَّه ليس بوقْتِ السَّعْى إليها أيضًا. وَيَشْتَغِلَ بِالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ، وَيَقْرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِى يَوْمِهَا، ويَدْنوَ مِنَ الإِمامِ، ويشْتَغِلَ بالقراءةِ والذِّكْرِ.

٨٬٦١٣

وكذا الصَّلاة نفْلًا، ويقْطَعُ التَّطَوُّعَ بجُلوس الإِمَامِ على المِنْبَرِ. قالَه المُصَنِّفُ وغيرُه.

قوله ويقْرَأَ سورةَ الكَهْفِ فى يومِها. هكذا قال حمهورُ الأصحابِ، ونصَّ وَيُكْثِرَ الدُّعَاءَ، وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فِيهِ.

عليه الإِمامُ أحمدُ. وقال أبو المَعالِى: يقْرَأُ سُورةَ الكَهْفِ فى يومِها وليلتِها؛ للخَبَرِ. قال فى «الوَجيزِ»: ويقْرأ سُورةَ الكَهْفِ فى يومِها أو ليلتِها.

٨٬٦١٤

وقال فى «الرِّعايَة»: ويُسَنُّ أنْ يقْرأَ فى يومِها سُورةَ الكَهْفِ وغيرَها.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

فصل [في مستحبات الجمعة] قال المصنف رحمه الله: (ويستحب أن يغتسل للجمعة في يومها، والأفضل فعله عند مُضِيِّه إليها. ويتنظف. ويتطيب. ويلبس أحسن ثيابه. ويبكر إليها ماشياً. ويدنو من الإمام. ويشتغل بالصلاة والذكر. ويقرأ سورة الكهف في يومها. ويكثر الدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه) .

٢٬٤٠٧

أما كون مصلي الجمعة يستحب له أن يغتسل لها؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم:«من أتى الجمعة فليغتسل» متفق عليه.

وقد تقدم في الأغسال المستحبة عدم وجوبه والخلاف فيه .

٢٬٤٠٨

وأما كون الغسل في يوم الجمعة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من اغتسل يوم الجمعة» أضافه إلى اليوم واليوم من طلوع الفجر لأن ذلك هو اليوم الشرعي.

فعلى هذا من اغتسل بعد طلوع الفجر إلى أن يروح إلى الجمعة حصّل الفضيلة.

٢٬٤٠٩

وإن اغتسل قبل طلوع الفجر لم يحصّل الفضيلة المذكورة.

٢٬٤١٠

وأما كون الأفضل في الغسل فعله عند مضيه إليها؛ فلأنه أبلغ في قطع الرائحة.

٢٬٤١١

وأما كونه يستحب له أن يتنظف ويتطيب؛ فلما روى أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يغتسلُ رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر. ويدهن من دهنه. ويمس من طيب بيته. ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين. ثم يصلي ما كُتب له. ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» رواه البخاري.

٢٬٤١٢

وأما كونه يستحب له أن يلبس أحسن ثيابه؛ فلأن في بعض ألفاظ الحديث:«ولبس أحسن ثيابه. ثم جاء إلى المسجد».

٢٬٤١٣

وأما كونه يستحب له أن يبكر إليها فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة. ومن راح في [الساعة] الثانية فكأنما قرب بقرة. ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً. ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ... الحديث» .

٢٬٤١٤

وأما كونه يستحب له أن يمشي ويدنو من الإمام؛ فلقوله عليه السلام:«من غسّل واغتسل. وبكر وابتكر. ومشى ولم يركب. ودنا من الإمام واستمع. ولم يلغ كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها» رواه ابن ماجة.

٢٬٤١٥

وأما كونه يستحب له أن يشتغل بالصلاة والذكر؛ فلما في ذلك من تحصيل الأجر.

ولا بد أن يُلحظ في ذلك كونه غير سامع للخطبة لأنه لو كان يسمعها لحرم عليه الكلام لما يأتي.

ويتصور ذلك في موضعين:

أحدهما: إذا حضر قبل خطبة الإمام.

الثاني: أن يكون بعيداً منه بحيث لا يسمع الخطبة.

٢٬٤١٦

وأما كونه يستحب له أن يقرأ سورة الكهف في يوم الجمعة؛ فلأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم:«من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أو ليلته وُقي فتنة الدجال».

٢٬٤١٧

وأما كونه يستحب له أن يُكثر الدعاء في اليوم المذكور فلعله يوافق ساعة الإجابة فإنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«إن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه» متفق عليه.

٢٬٤١٨

وأما كونه يستحب له أن يكثر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم:«أكثروا من الصلاة عليّ في يوم الجمعة فإنه مشهود تشهده الملائكة» رواه ابن ماجة.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.